الأربعاء، 29 مارس، 2006

البنا والقومية العربية.. عروبة في دائرة الإسلام

كتبت: أمل خيري

ظهرت القومية كحركة سياسية فكرية متعصِّبة تدعو إلى تمجيد جنس على غيره من الأجناس، وكان بداية ظهورها في أوروبا وسرعان ما انتشرت وتغلغلت في المجتمعات العربية، فتعالت الدعوات بتمجيد العرب وإقامة دولة عربية موحّدة لهم على أساسٍ من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ.
وتختلف القومية عن الوطنية في أنها أعمُّ وأوسع، فإذا كانت الوطنية تقتصر على حدود الدولة فإن القومية تتسع لتشمل جنسًا أو حضارةً، بغض النظر عن الحدود الجغرافية، فقد نجد وطنيةً مصريةً وأخرى سورية وأخرى مغربية ولكننا نجد قوميةً عربيةً لتشمل كل مَن يتحدث العربية.

ولما كانت هذه الفكرة منتشرةً في القرن العشرين وشغلت عقول كثير من المفكِّرين كان من الضروري أن يدلي الإمام البنا بدَلوه في هذا المجال فيوضح موقف الإخوان من هذه الفكرة.

ولو استعرضنا مجموعةَ الرسائل للإمام الشهيد فإننا نلاحظ مخاطبةَ البنا للمسلمين بلفظ "قومنا"؛ ليشير إلى أن كل المسلمين هم المخاطبون بقوله، فيقول في رسالة (دعوتنا): "ونحب مع هذا أن يعلم قومنا- وكل المسلمين قومنا- أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة".

ويصرِّح البنا بشعور الحب تجاه كل المسلمين، فيقول: "ونحب أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيبٌ إلى هذه النفوس أن تذهب فداءً لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء".

ويفسر سبب هذا الموقف بقوله: "وما أوقفَنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدَّت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعَنا، وإنه لعزيزٌ علينا- جَدُّ عزيز- أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم في يوم من الأيام".

ويوضح الإمام البنا أن موقف الإخوان هذا ثابتٌ تجاه قومهم حتى وإن ناصبوهم العَداء، متمثلين شعارًا أرشدهم إليه المصطفى وهو "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

ومن منطلق الغاية الكبرى للمسلمين في هداية البشر إلى الله يوجِّه البنا دعوتَه لكلِّ المسلمين أن يشتركوا ويتوحَّدوا معًا في سبيل تحقيق هذه الغاية بعد أن وحَّدهم الإيمانُ بالله وإن اختلفوا في درجة هذا الإيمان، فيقول: "والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا في الإيمان بهذا المبدأ أنه عندهم إيمانٌ مخدَّرٌ نائمٌ في نفوسهم، لا يريدون أن ينزلوا على حكمه، ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنه إيمانٌ ملتهبٌ مشتعلٌ قويٌّ يقِظٌ في نفوس الإخوان المسلمين".

وفي توضيحه لموقف الإخوان من القومية يعدِّد البنا بعض المفاهيم والمعاني الإيجابية التي تنطوي عليها فكرة القومية والتي لا بأس من الأخذ بها، مثل:
قومية المجد: وهي تعني اتباع الخلف لمنهج السلف في الرقيّ نحو المجد والعظمة، ويؤكد البنا في هذا الإطار أننا إذا اعتبرنا سلفنا الصالح قدوةً حسنةً لنا فنبحث في أعماق التاريخ عن أمجاد هؤلاء السلف فنسجلها ونعرضها ونفخر بها، فهذا أمر جميل يعين على إيقاظ الهمم واستنهاض النفوس لاقتفاء أثر هؤلاء الأفذاذ.

قومية الأمة: وهي تعني أن عشيرة الرجل وأمته هم أولى الناس بخيره وبرِّه وهم الأَولى والأحقّ والأجدر بإحسانه وجهاده، فيؤكد البنا أن هذا المعنى أيضًا لا غبارَ عليه، وهو ما تطمئن إليه الفطرة البشرية السليمة التي يَعتقد صاحبُها أن أَولى الناس بجهده هم القوم الذين نشأ بينهم ويستشهد بقول الشاعر:
لعمري لرهط المرء خيرُ بقيةٍ عليه وإن عالوا به كل مركب

وثمة معنى آخر للقومية وهو تقسيم جهود الأفراد والجماعات، كلٌّ يعمل في مجاله، ثم يلتقي الجميع على هدف واحد، ويؤكد البنا أن كل هذه المعاني لا يرفضها الإسلام بل إنه يدعو إليها.
وهناك أيضًا بعض المعاني والمفاهيم السلبية التي تنطوي عليها القومية، وهي معانٍ لا تتفق مع الإسلام في شيء، ومنها:

القومية الجاهلية: والتي يُقصد بها إحياءُ العادات الجاهلية التي درست عن حضاراتٍ جاهليةٍ بائدةٍ على حساب التخلي عن المبادئ الإسلامية بدعوى الاعتزاز بالجنس، كالنزعة التركية الطورانية التي غالت في تحطيم مظاهر الإسلام والعروبة، فكان الرد عليها بالقوميات الجاهلية التي تمجّد من الحضارة الفرعونية أو الفينيقية أو حتى الدعوة إلى القومية العربية التي تنظر لسائر المسلمين من غير العرب على أنهم في مرتبة أدنى، وهذا بالطبع لا يتفق مع الإسلام أو دعوة الإخوان؛ لأن ذلك يؤدي إلى خسارةٍ فادحة وإحياء للنعرات الجاهلية التي قضى عليها الإسلام فوحد بنيه تحت راية واحدة.

قومية العدوان: وهي نوع من القومية تؤدي إلى الاعتزاز بالجنس مع انتقاص الأجناس الأخرى بشكلٍ يدفع إلى العدوان عليها، ونجد من هذا القبيل دعوات مثل الفاشية والنازية؛ حيث ادَّعت كل أمة أنها فوق الجميع؛ مما يسوغ لها العدوان على غيرها من الأمم.

وأكد الإمام أيضًا في اجتماع رؤوساء المناطق والمراكز على نفس المعاني حينما أوضح الفارق الأساسي بين شعور الوحدة الإسلامية وما يمليه الشعور بالقومية من عصبية؛ حيث سمعنا: "ألمانيا فوق الجميع"، "إيطاليا فوق الجميع"، "وسودي يا بريطانيا واحكمي".

ويرى الإمام أن هذا النوع أيضًا مذمومٌ؛ لأنه يؤدي إلى تناحر الجنس البشري والعدوان على الأمم الضعيفة والسعي نحو تحقيق الأوهام بينما لا عصبيةَ في الإسلام بل وحدة إنسانية بين بني البشر.

دعائم القومية
ينطلق الإخوان في دعوتهم للقومية بمعناها الإيجابي من قول المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظُّمها بالآباء، الناس لآدم، وآدم من تراب، لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ إلا بالتقوى".

وبالتالي يرى البنا أن تساوِي الناس في الأصل الواحد- وهو آدم- كفيلٌ بأن يجعل الناس متساوِين في الأصل، وأنَّ تفاضلَهم وتمايُزَهم هو لتنافسهم في الخير.

لذا تستند القومية في فكر البنا على دعامتين أساسيتين:
1- إيمان الناس بأنهم جميعًا لآدم، فهم إخوان، عليهم أن يتعاونوا وأن يُسالم بعضهم بعضًا ويرحم بعضهم بعضًا.

2- لأن تفاضل الناس بالأعمال وليس بالأجناس فإن عليهم أن يجتهدوا- كلٌّ من جانبه- حتى ترقَى الإنسانية.

وهو مع هذا لا ينكر أن لكل أمة خواصَّها ومميزاتها الخلقية وفي هذا تتفاوت الشعوب وتتفاضل ولا ينكر أحد فضلَ العرب في ذلك، إلا أن هذا ليس ذريعةً للعدوان على غيرها بل هو وسيلةٌ لتحقيق النهوض بالإنسانية.

روابط البشر
يرى الإمام البنا أن البشر في نظر الإخوان يرتبطون برباطين:
1- رباط العقيدة: ويشمل كل المسلمين الذين يعتقدون نفس الاعتقاد، وهذه الرابطة أقوى من رباط الدم والأرض ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية10).

2- رباط الدعوة: ويشمل سائر الناس، وهؤلاء مطلوبٌ مسالمتُهم ما سالَمونا ونحب لهم الخير طالما كفُّوا أيديَهم عنا ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ (الممتحنة: 8- 9).

ركائز القومية
يعزو البنا عزَّةَ المسلم إلى ارتكازها على دعوة المولى- عز وجل- للمؤمنين بانتسابهم إليه سبحانه ومنحهم ولايته وتأكيده على أن العزة للمؤمنين كما نتمثله في قوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: من الآية 257).

ويؤكدها أيضًا قوله عز وجل في الحديث القدسي: "يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة: يا بني آدم، جعلت نسبًا وجعلتم نسبًا فقلتم فلان ابن فلان وقلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، فاليوم أرفع نسبي وأوضع نسبكم"، وهذا الانتساب العزيز لله يحقق للمسلم عددًا من المعاني تجعل القومية لديه تختلف عن غيره:

1- فبينما يتفاخر الناس بأنسابهم يتفاخر المسلم بانتسابه لله عز وجل الذي له العزة كلها ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: من الآية 139) ليكون إنسانًا ربانيًّا: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: من الآية 79).

2- تمنحه هذه العزة فيضًا من الإيمان وثقةً بالنجاح تغمر القلب، فلا يخشى المسلم بعدها أحدًا إلا الله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173)

3- تآخي الشعوب وتآزر الجماعات وتعاونها؛ مما يقضي على العصبيات ونوازع التخاصم والتقاطع بين الأمم، وكل هذه المعاني تؤدي إلى تذويب فكرة القومية بمعانيها السلبية، وتصبح فكرة الأخوَّة الإسلامية هي البديل، فالمسلم الفاتح قبل أن يغزو كان يبيع أهله وعشيرته ويتجرَّد من العصبية والقومية في سبيل الله، فهو لا يغزو لاعتقاده بسيادة جنسه، ولكن يغزو لنشر دين الله في الأرض.

القومية العربية والوحدة الإسلامية
يؤكد البنا أن الإسلامَ لا ينكر أن يعمل كل إنسان لخير بلده أو أن يقدمَه على غيره، فيقول في رسالة (دعوتنا): "إن الإسلام قد فرضها فريضةً لازمةً لا مناصَ منها، وأن يعمل كل إنسان لخير بلده، وأن يتفانَى في خدمته، وأن يقدم أكثر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها، وأن يقدم في ذلك الأقرب فالأقرب رحمًا وجوارًا، والإسلام أيضًا لا ينكر فضل العرب أو خيريتهم، فالإسلام نشأ عربيًّا ووصل إلى الأمم الأخرى عن طريق العرب وجاء القرآن بلسان عربي مبين، وجاء في الأثر "إذا ذل العرب ذل الإسلام"، وبالتالي فإن وحدة العرب أمرٌ لا بد منها لإعادة مجد الإسلام ويجب أن يعمل كل مسلم لإحياء الوحدة العربية وتأييدها من منطلق تعريف العروبة باللسان العربي "ألا إن العربية اللسان.. ألا إن العربية اللسان"، وليس هذا من قبيل التعصب لجنس دون غيره وتقليل لشأن الأجناس الأخرى".

فالوحدة العربية المنشودة هنا ليست بذات المعنى للقومية العربية التي ينشدها دعاتها، من تقطيعٍ لأواصرِ المسلمين الذين ينتمون لقوميات أخرى.

لذا يفضل البنا مفهوم الوحدة الإسلامية على القومية العربية وهذه الوحدة تتدرَّج كما يلي:
1- لا بأس أن يعمل كل إنسان لوطنه ويقدمه على ما سواه.
2- ثم يؤيد الوحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض.
3- ثم العمل للجامعة الإسلامية؛ باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي العام.
4- ويرى البنا أن كل نوع يشد أزر الآخر، وهذا هو الفارق الأساسي بين الإخوان ودعاة القومية، الذين يرون القومية سلاحًا يُميت الشعور بما عداها.

وهذا ما أكده أيضًا في رسالة (دعوتنا في طور جديد)؛ حيث يقول: "نرجو أن تقوم في مصر دولةً مسلمةً تحتضن دعوة الإسلام، وتجمع كلمة العرب وتعمل لخيرهم وتحمي المسلمين في أكناف الأرض من عدوان كل ذي عدوان، وتنشر كلمة الله وتبلغ رسالته".
المراجع
-------
- سفر بن عبد الرحمن الحوالي (القومية).
- محمد مصطفى رمضان (الشعوبية الجديدة.. فصول في التاريخ والسياسة).
- حسن البنا (الرسائل).

الثلاثاء، 28 مارس، 2006

العزوبية: اكتئاب أم استثمار في بنك الحسنات؟!


تحقيق- أمل خيري.........................

العنوسة آفة خطيرة أصابت كل المجتمعات، وإن اختلفت درجة ظهورها من مجتمعٍ لآخر، ففي مصر أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن ارتفاع نسبة العنوسة حيث وصلت إلى 9 ملايين شاب وفتاة تجاوزوا سنَّ الخامسة والعشرين حتى الخامسة والثلاثين، وتسعة ملايين أخرى تجاوزوا سن الخامسة والثلاثين دون زواج، في حين بلغت هذه النسبة في الكويت 18% وارتفعت إلى 20% في البحرين والإمارات.

وقد توصلت دراسة أجرتها الباحثة نوال أبو الفضل الخبيرة الاجتماعية إلى أن سن الخامسة والعشرين بالنسبة للرجل، وسن الثانية والعشرين بالنسبة للفتاة هي بداية مرحلة الشعور بالخوف من الحرمان من الزواج، وهي بداية همّ العنوسة عند الفتاة المتعلمة، وأن هذه السن تقل بنسبة سبع سنوات عند غير المتعلمات والمتعلمين، كما أن تفاعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية مع معيار تأخر سن الزواج يؤدي بالضرورة إلى القلقِ النفسي وعدم النضج الاجتماعي وأحيانًا الاكتئاب.

إلا أنَّ هناك بعضَ الفتيات نجحن في اجتيازِ هذه الأزمة عن طريقِ الانغماس في العملِ الخدمي والسعي لتحقيق رسالة في الحياة.
عزوبية مثمرة

تقول مها (37 عامًا): كنت أعمل محفظةً للقرآن بأحدِ المعاهد الأزهرية صباحًا وباقي اليوم أقضيه في مللٍ وبلا هدف حتى جاءتني دعوة للمشاركة في جمعية لرعاية الأيتامِ، وفي البداية عارضت أسرتي ولكن بعد تجربة حوالي شهر شعروا جميعًا بمدى التغييرِ في حياتي ومدى تفاؤلي فتركوني أكمل رسالتي.

وتؤيدها رشا (35 عامًا) فتقول: بعد تخرجي من الجامعةِ وجدتُ زميلاتي يتزوجن واحدةً تلو الأخرى بينما لم يُقدَّر لي الزواج فتناسيتُ الأمرَ وقررتُ استثمارَ وقتي حتى يأتيني رزقي فحفظتُ القرآنَ وتطوعتُ كأمٍ بديلةٍ في إحدى دور رعاية الأيتام وقد شغلوني بفضلِ الله عن التفكيرِ في أمرِ الزواج وأشعر الآن أنني صاحبة رسالة.

(ن- ف) أيضًا منذ تخرجها شغلت نفسها برعايةِ الأيتام في أحد فروع الجمعية الشرعية؛ حيث كانت تواظب على حضورِ يوم الجمعة المخصص للأيتام وظلت تُشرف على هذا اليومِ لسنواتٍ طويلة وبعد بلوغها الأربعين قدَّر الله لها الزواج دون أن تسعى إليه.
رعاية الوالدين

بينما نجد (عفاف) نموذجًا للمرأةِ التي رفضت الزواج لرعايةِ والدتها المريضة، وفي هذه الأثناء واظبت على حفظِ القرآن في دارِ الأرقم حتى ختمته وبعد أن تعدَّت الخامسة والأربعين تُوفيت والدتها فانتسبت إلى إحدى دور الأيتام كأمٍ بديلةٍ وبعد أقل من عامٍ تقدَّم لها أرملٌ لديه ثلاثة أطفال فوافقت عليه لكي ترعى هؤلاء الأيتام وتستكمل رسالتها.
وعندما لم تجد الحاجة زينب (52 عامًا) في خُطَّابها الشخصَ الملتزم انطلقت في مجالاتِ العمل الخيري من رعايةٍ لأسرٍ فقدت عائلها إلى مساعدةِ الفقراء في المناطقِ العشوائية، والآن تقوم على رعايةِ والديها المسنين ولم ينقطع عطاؤها الخيري.

الداعية منى دهب أيضًا لها تجربة مشابهة؛ حيث رفض أهلها تزويجها ممَن تقدموا إليها في بدايةِ حياتها؛ لأنهم من النوبةِ ولديهم عادات ثابتة وهي تزويج الفتاة من نفس القبيلة، وبالتالي ضاع عليها كثيرٌ من الفرص؛ لأنه لم يتقدم إليها أحدٌ من نفسِ القبيلة ولكنها أتمَّت حفظ القرآن بل وختمته وتقوم الآن بالتحفيظِ في إحدى دور التحفيظ وأيضًا هي واعظة من واعظاتِ الجمعية الشرعية ونموذج للجدِّ والعطاء وبذل المال واستثماره في خدمةِ الإسلام.
وتقول منى: لقد علمتُ من قراءتي للسيرةِ النبوية أنَّ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود لم يتزوج، فأنا دائمًا أدعو الله بقولي: "اللهم إن لم تقدر لي الزواج في الدنيا فاجعل لي عبد الله بن مسعود زوجًا في الجنة".
أنكحوا الأيامى

وتؤكد الداعية أم عبد الله أن مشكلة العنوسة لم تكن موجودة في عصر صدر الإسلام حيث كان النبي يحض على تزويج الأيامى ممن ليس لهن زوج حتى اللاتي لم يحظين بقدرٍ من الجمال كن يتزوجن بفضل الله، فيُروى أن السيدة أم أيمن كانت زنجية حبشية كما كانت عَسْرَاءُ اللِّسَانِ وقد مات زوجها عبيد بن زيد الخزرجي. فقال الرسول- صلى الله عليه و سلم: "مَن سرَّه أن يتزوج امرأةً من أهل الجنة، فليتزوج أم أيمن"، فتزوجها زيد بن حارثة فولدت له أسامة بن زيد.

وعلى النقيضِ نجد نموذج الشاب الذي لا يجد مَن يزوجه لفقره وهو الصحابي الجليل جليبيب حيث جاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فتبسم عليه الصلاة والسلام، لما رآه، وقال: "يا جليبيب أتُريدُ الزواج؟ فقال يا رسول الله: مَن يُزوجني، ولا أسرة عندي، ولا مالَ، ولا دارَ، ولا شيءَ من متاع الدنيا. فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب إلى ذلك البيتِ من بيوتِ الأنصار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمركم أن تُزوجوني"، فذهب وطرقَ عليهم الباب وكانوا من الأنصار، فخرج ربُّ البيت، ورأى جُليْبيبًا وهيئته وفقره وعوزه، فقال له ماذا تريد؟ فأخبره الخبر، فعاد إلى زوجته، فشاورها، ثم قالوا: ليته غيرُ جليبيب؛ لا نسبَ، ولا مالَ، ولا دارَ، فشاوروا الفتاة فقالت: وهل نردُّ رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فتزوج بها.
دواء قرآني

وتُعلق الداعية كريمة قمر على هذه النماذج فتقول ما كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك إلا تطبيقًا لقوله تعالى ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾ (النور) وعلى الرغم من أنَّ مشكلةَ العزوبية هذه لم تكن موجودة في هذا الوقت إلا أن الإسلام قد أوضح علاج هذه المشكلة في سياقِ الآيات نفسها؛ لأن القرآن بالطبعِ علاجٌ لمشكلاتِ كل العصور فقال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النور: من الآية 33) ويتمثل العلاج في النقاط التالية:
- سؤال الله من فضله مع الإلحاح في الدعاء.

- الاستعفاف وموجباته من صيام أو اجتهاد في الطاعة أو متابعة مجالس علم أو حفظ القرآن.

- أثبتت الآية أن الزواج رزقٌ من الله عز و جل ويجب الاطمئنان إلى أنَّ الرزقَ يسعى وراء صاحبه ولن تموت نفس إلا بعد استحقاقه، ففي حديث النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب".

لذلك على الفتاة التي فاتها الزواج أن تجدَ لنفسها السلوى عن ابتلائها بالنظرِ لأخرياتٍ تزوجن ولم يكن لهنَّ نصيبٌ في زيجاتٍ موفقة وهؤلاء خسارتهن أكبر من خسارتها هي، فبعض الزوجات محطمات نفسيًّا وماديًّا ولكن لا تُفكر إحداهن في الانفصالِ نتيجةَ الضغوطِ الأدبية والمعنوية التي قد تُعانيها، ويُعاني البعض الآخر من الطلاق بعد أن يرزقها الله بالأبناءِ فتتضاعف همومها؛ لذلك كله نبهنا الرسول الكريم في حديثه الشريف إلى النظر لمَن دوننا "انظروا إلى مَن هو دونكم ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم فإنه أجدرُ ألا تزدروا نعمةَ الله عليكم".
تبادل العطاء

أيضًا من بابِ أنَّ النفسَ إن لم تشغلها بالحقِّ شغلتك بالباطل، فعلى هذه الفتاة أن تشغل نفسها بعملِ الخير والعطاء؛ لأنَّ العطاءَ دائمًا له مردود حتى على الشخص نفسه فحينما تُفكِّر الفتاة أنها محرومة من الدفء الأسري مثلاً فإنَّ غيرها محرومٌ من أشياءَ أخرى كاليتيم المحروم من الأبِ أو الأرملة المحرومة من الزوج أو الأسرة المحرومة من عائلها فإذا تبادلنا العطاء نجد العوضَ لكل الأطرافِ، فمثلاً ستجد العوضَ في بسمةِ طفلٍ صغيرٍ أو في أسرة تدخل على قلبها السرور، وبالتالي عندما ترى مصائب الناس تستصغر ما هي فيه وتشعر أيضًا أنها صاحبة رسالة وهدف.

وتضيف كريمة: إن على الفتاة أيضًا أن تُفكِّر فيم سيعود عليها إن تركت نفسها للاكتئاب والعزلة، وفي المقابل تحسب المزايا التي ستعود عليها من إدخالِ السرور على مسلم.. "مَن لقي أخاه المسلم بما يحب يسره بذلك سرَّه الله عز وجل يوم القيامة".

ولتحسب مثلاً عددَ الحسنات التي ستنالها من التربيتِ على رأس طفل يتيم"مَن مسح على رأس يتيم فله بكل شعرة مرت عليها يده حسنة".. وبالتالي يجب أن نُربي الفتاةَ على أنَّ الغايةَ الكبرى والهدف الأسمى الذي خُلقت من أجله هو عبادة الله عزَّ وجل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات) والتاريخ الإسلامي حفل بنماذج من النساء الفضليات اللاتي لم يكن الزواج بالنسبة لهن الغاية الأولى بدليل أن السيدة أم هانئ ابنة عم النبي بعد فرار زوجها يوم فتح مكة عندما تقدم لها النبي اعتذرت له بأدب؛ لأنَّ لديها أطفال فقالت:"يا رسول اللَّه! لأنتَ أحبُّ إليَّ من سَمْعِي وبَصَرِي، وحقُّ الزوج عظيم؛ فأخشى إن أقبلتُ على زوجي أن أضيع بعضَ شأني وولدي، وإن أقبلتُ على وَلَدِي أن أضيع حق الزوج".
الشهيدة الحية

فلم يكن الزواج لهن نهاية المطاف بل هو وسيلة من الوسائل التي تساعد على الوصول إلى الله، وكان هذا الزواج يأتي عرضًا دون أن يسعين إليه أو يوقفن حياتهن عليه، وعندنا النموذج الرائع للشهيدة الحية السيدة أم ورقة حيث حفظ لها التاريخ مشهدًا رائعًا ليس للزوج فيه دور فقد كانت قارئة مجيدة للقرآن، واشتهرت بكثرة الصلاة، وقد جعل لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مؤذنًا يؤذن لتقوم بإمامةِ النساء في بيتها ويروى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما غزا بدرًا قالت له أم ورقة: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك، أمرض مرضاكم لعلَّ الله أن يرزقني الشهادة، قال: "قرّي في بيتك؛ فإنَّ الله تعالى يرزقك الشهادة".

وأصبحت تعرف بالشهيدة، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا أراد زيارتها اصطحب معه ثلة من أصحابه وقال لهم: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة"، كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يزورها اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كانت أم ورقة تملك غلامًا وجارية، كانت قد وعدتهما بالعتق بعد موتها، فاستعجلاً موتها، وذات ليلة قاما إليها فقتلاها، وهربا فلما أصبح عمر- رضي الله عنه- قال: والله ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة فدخل الدار فلم ير شيئًا، فدخل البيت فإذا هي ملفوفة في قطيفةٍ في جانب البيت فقال: صدق الله ورسوله، ثم صعد المنبر فذكر الخبر، وقال: عليَّ بهما، فأتى بهما فكانا أول مصلوبين في المدينة.
مسئولية فردية

ويقول الداعية الإسلامي الشيخ المحمدي عبد المقصود: إنَّ المرأةَ هي نصف المجتمع وفي اعتقادي أنَّ صلاحَ المرأة حجر الزاوية في المجتمع كله والمرأة المسلمة الآن أصبحت داعية ومشاركة في العمل السياسي والاجتماعي، ويجب على المرأة ألا تكتفي بالمشاركة السلبية أو الانعزال عن المجتمع بل يجب عليها أن تحافظ على مكاسبها التي اكتسبتها وتستثمر وقتها في المشاركة في الجمعيات النسائية والتربوية أو الخدمية أو الجمعيات التي تسعى لإصلاح المجتمع؛ لأن المرأةَ بوجودها تحدث نوعًا من الحيويةِ والنشاط بل إنها تزيد الدافعية والحماسة لدى الرجال ليقوموا بواجباتهم تجاه المجتمع والمرأة إن لم تثبت ذاتها فلن يسعى أحد لإثباتها لها لا زوج ولا أب ولا ابن فهي ستسأل وتحاسب عن نفسها ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)﴾.
لا للاكتئاب

وترى الدكتورة نادية رجب السيد- رئيس قسم الإرشاد والتوجيه الأسري بجامعة الأزهر- أنَّ الفتاةَ التي تأخر بها سن الزواج هي فتاة طبيعية ويجب أن تحيا حياةً طبيعيةً حتى وإن فاتها قطار الزواج فعليها أن تستثمر وقتها وتحاول أن تخرج نفسها من إطار العزلةِ والاكتئاب؛ وذلك بأن تشترك في النوادي الاجتماعيةِ والجمعيات الخدمية والأهلية التي تحتاج لجهودِ الشباب كمراكز رعاية المعاقين أو ملاجئ الأيتام.. فيجب أن تنضم لمثل هذه الأنشطة لتخرج طاقتها ولا تترك نفسها لفكرةِ العنوسة التي ترتبط بالانعزال والاكتئاب فنجدها مثلاً من أجل التخلص من هذا اللقبِ قد تُلقي بنفسها في زواجٍ غير مناسب فهنا تحدث المشاكل والانفصال فتشعر بمرارة مزدوجة.

ويجب ألا تيأس الفتاة فالزواج قد يأتي في أي عمر والحياة لا تنتهي بالزواج؛ لأن الزواجَ ليس نهاية المطاف، وفي الحديث: "يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

فالحديث الشريف وجَّه الشاب أو الشابة هنا إلى أن يحصنا أنفسهما ويعصما أنفسهما إن لم يتيسر لهما الزواج وليس أبلغ من العصمةِ والإعفاف من شغلِ الفراغ فيما ينفع ويفيد؛ لأنَّ الأبحاثَ والدراسات أكدت أنَّ وقت الفراغ من الأسبابِ التي تؤدي إلى الشعور بالاكتئاب.

السبت، 25 مارس، 2006

فوبيا الحجاب.. هل من مبرر؟



تقرير: أمل خيري........................
يُعَدُّ الحجاب إحدى اللبنات الأساسية في صرح الأسرة المسلمة؛ باعتباره رمزًا للعفاف والطهر والنقاء، ولذلك يواجه هذا الرمز الإسلامي حربًا شعواء ذات جذورٍ عميقةٍ.

وفي هذا الإطار وبمناسبة اليوم العالمي للحجاب شهد العام الماضي استمرار الحرب على الحجاب سواءٌ في أوروبا أو في العالمين العربي والإسلامي

ففي هولندا: أظهر استطلاعٌ للرأي نُشِر في 5/8/2005م أن غالبيةَ الهولنديين يريدون فرض حظر على ارتداءِ الموظفات المسلمات في الحكومة للحجاب، وذلك في تراجع ملحوظ للتسامح الديني مقارنةً بعامين مضيا، عندما كان معظم الهولنديين لا يؤيدون هذا الحظر.

وكشف الاستطلاع الذي أجراه مركز (تي. إن. إس نيبو) لصالح صحيفة "بينينلاندز بيستور" الأسبوعية المعنية بشئون موظفي الحكومة أن 58% من الهولنديين يريدون أن تَفرض السلطاتُ المحلية حظرًا على ارتداء المسلمات الحجاب أثناء العمل، كما أظهر الاستطلاع الذي شمل 433 شخصًا وأُجرِي في مايو 2005 أن نحو 83% يريدون فرض حظر على النقاب والجلابيب.

هجرة المحجبات
وفي فرنسا ومع بداية العام الدراسي الجديد، واستمرار تطبيق قانون منع ارتداء الرموز الدينية الظاهرة بالمدارس الحكومية للعام الثاني على التوالي والذي أقرته الحكومة الفرنسية يوم 15 مارس 2004 اختارت العشرات من المحجبات الفرنسيات الهجرةَ إلى بلدان أوربية مجاورة، أو الالتحاق بالمدارس الخاصة، أو الاعتماد على طريقة "التعليم عن بعد"؛ وذلك بهدف استكمال دراستهن، والحفاظ على تطبيق تعاليم دينهن في آنٍ واحد.

وفي ألمانيا.. أوقفت السلطات المحلية في مدينة إيبرسباخ الواقعةِ في ولاية بادن فوتمبرج جنوب ألمانيا في 24/8/2005 إحدى المربيات المسلمات عن عملها (فيرسهتا لودين) في إحدى دور الحضانة بسبب إصرارها على ارتداء الحجاب، واشترطت خلع المربية للحجاب لاستئناف عملها.

كما ذكرت صحيفة ألمانية أن كبرى ولايات ألمانيا من حيث عدد السكان تزمع إلزامَ المعلمات المسلمات بنزع الحجاب في المدارس بداية من الصيف القادم، وقد أعرب رئيس البرلمان الألماني "نوربت لامرت" عن رغبته في إصدار تشريعٍ يقضي بمنع ارتداء الحجاب داخل الدولة الألمانية.

وفي تصريحات أدلى بها إلى مجلة "راين ميركور" الأسبوعية أوضح "لامرت"- وهو أحد أعضاء الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه المستشارة الجديدة ميريكل- أنه من غير المعقول أن يتم السماح بارتداء الحجاب داخل الدول المسيحية!!

وفي بريطانيا سادت حالة من الغضب بين طلاب جامعة بريطانية بعد حظر ارتداء الحجاب الإسلامي بدعاوى أمنية، وذكرت صحيفة (ديلي ميل) البريطانية في 10/12/2005 أن جامعة "إمبريال" أصدرت قرارًا يحظر ارتداء الحجاب الإسلامي وأغطية الرأس عقب تفجيرات لندن في يوليو الماضي، ووفقًا للقرار فإن أمن الجامعة من حقه إخراج أية فتاة ترفض كشْفَ وجهها، كما يُلزِم القرار جميعَ موظفي وطلاب الجامعة التي يوجد بها أكثرية مسلمة بإظهار صور بطاقات الهوية؛ حتى يستطيع مسئولو الأمن المقارنة بينهم وبين صورهم في بطاقات الهوية.

العدوى تنتقل
طالت الحرب على الحجاب بلدانًا إسلاميةً.. ففي تركيا أكد رئيس المجلس الأعلى للتعليم التركي أردوغان تازيج أن الحكومة مقيدة الأيدي بشأن الحجاب وأنها غير قادرةٍ على تشريعه في الدولة؛ نظرًا لقرارات المحكمة الأوروبية المناوئة للحجاب، وقال تازيج- في تصريح نقلته وسائل الاعلام التركية في 6/7/2005
وفي مشهد استفزازي نشرت الصحف التركية في 25/1/2005 صورةً لجماعةٍ تجتمع في أحد مساجد إسطنبول وتصلي بشكل جماعي رجالاً ونساءً مختلطين في صفٍّ واحد وبينهن نساء متبرجات، واستنكر كثيرٌ من الأتراك هذه الصورة ووصفوها بالمهزلة، وفي طاجيكستان حظرت وزارة التربية الطاجيكية في 20/10/2005 ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات لمنع ترويج الفكر الإسلامي.

وقال وزير التربية عبدو جبر رحمانوف إن "ارتداء الحجاب كان أمرًا نادرًا وأصبح رائجًا حاليًا، ويستخدم للترويج لأيديولوجية"، وأضاف أن "الحجاب يمثِّل أيديولوجيةً دينيةً ويخالف قانون التربية"، وقد يتعرض المخالفون لقرار الوزارة للطرد.
الحجاب نشاز وطائفي!!
أما الدول العربية فلم تَسْلم من هذه الهجمة على الحجاب؛ ففي تونس أثارت تصريحاتُ وزيرِ الشئون الدينية التونسي أبو بكر الأخزوري الأخيرة بشأن الحجاب ردودَ فعلٍ واسعةً؛ حيث صرح الوزير في حوار أجرته صحيفة "الصباح" التونسية الثلاثاء 27/12/2005 بأن "الحجاب دخيل، ونسميه بالزيِّ الطائفي؛ باعتبار أنه يُخرِج من يرتديه عن الوتيرة، فهو نشازٌ وغيرُ مألوف، ولا نرضى بالطائفية عندنا".

واعتبر الأخزوري أن الحكومةَ التونسيةَ "حكومة حداثية"، وهي بالتالي ترفض مظاهرَ الحجاب، وتجدر الإشارة إلى أن السلطاتِ التونسيةَ تمنع- بمقتضى القانون- ارتداءَ المرأة غطاءَ الرأس، أو ما يُعرَف بالحجاب، وتصنفه ضمن ما تقول إنه الزيُّ الطائفي، وينص المنشور 108 الصادر في 1981 على حظر الحجاب في المدارس وفي كل المؤسسات العمومية، غير أن السلطاتِ التونسيةَ تتوسع في حظر الحجاب حتى في الشارع، بحسب العديد من التقارير والمنظمات الحقوقية.

عداء مستحكم
واعتبرت الدكتورة منجية السوائحي- الأستاذة بجامعة الزيتونة، في لقاء مع قناة "ANB" بثَّته مساء الثلاثاء (27/12/2005)- الحجابَ من الموروثات الإغريقية والرومانية، وأنه ليس أمرًا إسلاميًّا أصيلاً، معتبرةً أن الإسلام يحث على الستر والحشمة، وأنه لا ينص على الحجاب الذي اعتبرته زيًّا طائفيًّا مرفوضًا في تونس، وأن التونسيين تخلَّوا عنه باختيارهم، بعد أن ترسَّخت الثقافة الحديثة بينهم (على حدِّ قولها) نافيةً أن يكون الشرع قد حثَّ على الحجاب، معتبرةً الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أكبر عدوٍّ للمرأةِ.

وفي الأردن حذَّر حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن في شهر أكتوبر العام الماضي من تصرفاتٍ وصفها بأنها غير مسئولة, قال إنها لا تخدمُ الأمنَ الوطني؛ حيث إن مشاعرَ المواطنين صُدِمت في الثلث الأول من شهر رمضان المبارك بمشاهدَ مؤذيةٍ على لوحاتٍ إعلانية ثبتت في أماكنَ عديدةٍ اعتبرها تمثِّل "اعتداءً سافرًا على عقيدةِ هذا الوطن وهويته, واستفزازًا لكل المؤمنين والمؤمنات في هذا الوطن".
وقال التصريح إن هذه اللوحات تبرز صورةَ امرأةٍ منتقبةٍ اقتداءً بأمهات المؤمنين, ونزولاً على الحكم الشرعي كتب تحتها عبارات سمجة مثل (مضطهدة) و(محتشمة), وصورة شاب ملتحٍ كتب تحتها (متعصب) و(تبعية).

وفي سوريا عُقِد في شهر نوفمبر الماضي (2005) بجامعةِ دمشق برعاية وزير التعليم العالي مؤتمرُ المرأةِ والتقاليد، وشارك فيه نخبةٌ من المفكرين والمفكرات من مختلف بلدان الشرق الأوسط، ووزَّع منظمو المؤتمر في إحدى الجلسات كتابًا بعنوان (فليُنزَع الحجاب) لمؤلفته الإيرانية شهداروت جافان، ولم يكد يمضِي يوم على توزيع الكتاب حتى شنَّ بعض ممثلي التيار الإسلامي المعارض هجومًا غير مسبوق على الأفكار التي طُرِحت في الندوة وعلى الكتاب، كما أصبح الكتاب مادةً في أكثر من مسجدٍ دمشقي في الأيام التالية، ترافق هذا الهجوم على الكتاب بهجوم آخر؛ إذ استنفرت بعض الجهات الأمنية والحكومية لملاحقةِ الكتاب، واستدعت منظم المؤتمر وناشر الكتاب لمساءلتهما.

وفي الجزائر بدأ حزبٌ سياسي إسلامي جزائري منذ ديسمبر الماضي حملةً ضد الحكومة في البرلمان وعلى أعمدةِ الصحف؛ بهدف إلغاءِ إجراءاتٍ تجبر الرجالَ الملتحين والنساءَ المتحجبات تقديمَ صور بدون لحيةٍ أو خمار، إذا أرادوا الحصول على بطاقات التعريف أو رخص القيادة أو جوازات سفر من المصالح الإدارية.
وشهد شاهد
وإذا كانت كل هذه الجهود الرامية لحظر الحجاب قد أُقِيمت بدعوى تحرير المرأة وإزالة العراقيل التي تواجهها في العمل و التعليم فإن دراسةً حديثةً أُجرِيت في مطلع العام الحالي نفت هذه الادعاءات، ففي 4/2/2006م قامت مؤسسة المساواة بين طلاب التعليم العالي من المسلمين بالجامعات والمعاهد البلجيكية بإجراءِ بحث أكدت نتائجه أن ارتداء المسلمات للحجاب لا يأتي كمؤشرٍ على خضوع المسلمات.

كما أكدت نتائج البحث على أن الحجاب يساعد المسلمات على الاندماج في الحياة العامة دون حرج كمسلمات، ويحافظ على قيمتهن الأنثوية ومنحهن الاحترام والثقة من المحيطين بهن؛ حيث إنهن لا يرين في الحجاب مانعًا من الخروج للحياة في حرية.

وبالرغم من المشاعر العنصرية- حسب ما يقول البحث- التي تواجهها المسلمات المحجبات إلا أنها لا تؤثِّر عليهن، بل إنها تزيد من تشبثهن بالحجاب لإثبات حقهن في المساواةِ في درجة المواطن، وعدم وجود فوارق بينهن وبين البلجيكيات، حتى وإن ارتدين الحجاب.

كما دعت منظمة الشباب الليبرالي الألمانية "يوليس" بولاية شمال الراين إلى اعتبار الحجاب أحد المظاهر الحياتية في الشارع الألماني التي لا تستدعي النظر إليها بعنصرية، مطالبةً بإقرار قيمِ التسامح والتعدديةِ داخل المجتمع الألماني، وطالب شباب المنظمة بضرورة "السماح لكل فرد أن يفعل ما يشاء، وأن يحدِّد الصيغةَ المناسبةَ لحياته، ما دام ذلك لا يتعارض مع القانون الأساسي (الدستور) للبلاد"، وأكدوا أن الشباب الليبرالي يقف إلى جانب حرية الفرد والاحترام تجاه الآخرين.

وتتكون منظمة "يوليس" من 10.000 شاب وفتاة، تتراوح أعمارهم بين 14 و35 عامًا من جميع الأطياف داخل المجتمع الألماني بمن فيهم الأجانب.

الأربعاء، 22 مارس، 2006

منهج النبي في ادارة الخلافات الزوجية



كتبت- أمل خيري..................
من رحمة الله تعالى بعباده أن أرسل الرسل من البشر؛ ليكونوا القدوة والنبراس المنير لحياتنا، ونبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- لم يكن بدعًا من الرسل بل كان بشرًا يأكل ويشرب ويلبس ويتزوج وله من الأبناء و الذرية كما لغيره من البشر ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (الفرقان: 20).

وتتجلى إنسانية الرسول الخاتم في بيته كزوج وهو في هذه البشرية لم يتجرد من عواطفه ومشاعره فهو كبشر تكتنفه كافة المشاعر البشرية، وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين أيضًا كبشر غير معصومات وغير مجردات من مشاعرهن الإنسانية رغم كونهن قدوة لغيرهن من النساء ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ (الأحزاب: 31).

والبيت النبوي كذلك كغيره من البيوت لم يخل من الخلافات الأسرية والأزمات التي كادت تعصف به إلا أن ربان السفينة هنا رجلٌ حكيمٌ استطاع ببراعةٍ أن يدير دفة الخلافات ويرسو بسفينته لبر الأمان؛ ليظل هديه في إدارة الخلافات الأسرية نبراسًا مضيئًا لكل الأزواج والزوجات.

منهج الرسول في إدارة الخلافات الزوجية
تعددت الأساليب التي عالج بها الرسول الخلافات الزوجية ما بين التجاوز إلى الغضب الذي لم يتعد تغير الوجه إلى الهجر أو الإعراض وقد يصل الأمر إلى الطلاق عند الحاجة.

مراعاة المشاعر الإنسانية:
لقد كان الرسول الكريم يعلم تمامَ العلم أنَّ زوجاته تجيش بهن كل المشاعر الأنثوية من الغيرةِ والاستئثار بالزوج فما أن تنال إحدى أمهات المؤمنين شرف الزواج بالنبي حتى تجدها كباقي الزوجات؛ زوجة غيورة تتنافس مع غيرها من الزوجات في ظل التعددِ إلا أن الزوج العادل كان يغض الطرف عن بعضِ هذه المشاعر الإنسانية، بل ويبتسم من بعض المواقف دون أن يُعلِّق إلا ببضعِ كلمات تنم عن احترامه لمشاعر الزوجة.

فيروى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: "ما غرتُ من امرأةِ إلا مثل ما غرتُ من مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة، فأُعجب بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان قد أنزلها أول ما قدم بها في بيت حارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، وكان عامة النهار عندها فجزعت، فحولها إلى العالية بأقصى المدينة، وكان يذهب إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا" (رواه ابن سعد من طريق الواقدي).

وقد بلغت من غيرة عائشة منها أن النبي- صلى الله عليه وسلم- عندما أنجب منها ابنه إبراهيم، كان شديد الفرح به، وحمله إلى أم المؤمنين عائشة ولكن عائشة قالت له: ما أراه يشبهك في شيء! فلم يزد الرسول- صلى الله عليه وسلم- على قوله: "إنكن صواحب يوسف".

وعن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة قالت: أرسل أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش، فاستأذنت، فأذن لها، فدخلت، فقالت: يا رسول الله، أرسلنني إليك أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قُحافة، قالت عائشة: ثم وقعت بي زينب، قالت عائشة: فطفقت أنظر إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- متى يأذن لي فيها، فلم أزل حتى عرفت أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لا يكره أن أنتصر، قالت: فوقعت بزينب فلم أنشبها أن أفحمتُها. فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: "إنها ابنةُ أبي بكرٍ" رواه أحمد في مسنده.

امتصاص غضب الزوجة:
فقد روى أن السيدة حفصة قد ذهبت إلى أبيها فتحدثت عنده، فأرسل- النبي صلى الله عليه وسلم- إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه (حفصة)، فرجعت حفصة فوجدتهما في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة، فأخرج- رسول الله صلى الله عليه وسلم- جاريته، ودخلت حفصة، فقالت: "قد رأيت من كان عندك، والله لقد سؤتني". فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "والله لأرضينك، فإني مسر إليك فاحفظيه"، قالت: ما هو؟ قال: "إني أشهدك أن سريتي هذه عليّ حرام رضًى لك". (رواه الواقدي بسنده في الطبقات الكبرى عن ابن عباس). وما قال لها الرسول ذلك إلا مراعاةً لخاطرها وامتصاصًا لغضبها.

الصبر على أذى زوجاته:
كان رسول الله- صلى الله عليه و سلم- يصبر على أذى زوجاته وغضبهن عليه وهجرهن إياه ومراجعتهن له، فعن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: "كنا معشر قريش نغلبُ النساء، فلمَّا قدمنا على الأنصار، إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدبِ نساء الأنصار، قال: فصخَبتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، قالت: ولِمَ تنكر أن أراجعك؟ فوالله إنَّ أزواجَ النبي- صلى الله عليه وسلم- ليراجعنه، وإنَّ إحداهن لتهجره اليوم إلى الليل، قال: فأفزعني ذلك وقلتُ لها: قد خاب مَن فعل ذلك منهن، قال: ثم جمعتُ عليَّ ثيابي فنزلتُ فدخلت على حفصةٍ فقلت لها: أي حفصة، أتغاضب إحداكُنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، قال: فقلت: قد خبتِ وخسرت، أفتأمنين أن يغضبَ الله لغضبِ رسوله- صلى الله عليه وسلم- فتهلكي؟..." (رواه البخاري).

وعن النعمان بن بشير- رضي الله عنه- قال: استأذن أبو بكر- رضي الله عنه- على النبي صلى الله عليه وسلم- وصوت عائشة عالٍ، فلمَّا دخل تناولها ليلطمها، وقال: لا أراكِ ترفعين صوتك على رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فجعل النبي- صلى الله عليه وسلم- يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- حين خرج أبو بكر: "كيف رأيتني أنقذتكِ من الرجل؟!" (رواه داود).

وعن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً، قالت فتواطيتُ أنا وحفصة، أن أيتنا ما دخل عليها النبي- صلى الله عليه وسلم- فلتقل: "إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير"، فدخل على إحداهما فقالت ذلك له فقال: "شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له". فنزل﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: من الآية1) إلى قوله تعالى ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾- لعائشة وحفصة-، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (التحريم: من الآية3) (لقوله: شربت عسلاً).(رواه مسلم).

الغضب إذا انتهكت محارم الله:
قالت السيدة عائشة: "ما خُيّر النبي بين أمرين إلا اختارَ أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه واللهِ ما انتقم لنفسه في شيء يُوتي إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله" رواه البخاري ومسلم.

وقد أخرج الشيخان عن عائشة- رضي الله عنها- قالت دخل عليَّ - رسول الله صلى الله عليه وسلم- وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلمَّا رآه هتكه وتلوَّن وجهه وقال: "يا عائشة أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله"، قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين.

فهذا الغضب الشديد منه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ القضيةَ تتعلق بانتهاك حرمةٍ من حرماتِ الله؛ حيث يتعلق الأمرُ بالتوحيد.

وعن عائشة قالت: قلتُ للنبي- صلى الله عليه وسلم- حسبك من صفية كذا وكذا تعني قصيرة.. فقال: "لقد قلت كلمةً لو مُزجت بماءِ البحر لمزجته" (رواه داود).. وهنا غضب أيضًا لوقوع السيدة عائشة في الغيبة وتجريح الأشخاص.

كما كان يغضب وفاءً لزوجته السيدة خديجة حتى بعد وفاتها، فعن عائشة قالت: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت: فغرتُ يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله خيرًا منها. فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أبدلني الله عز وجل خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء" (رواه أحمد في مسنده).

قبول الوساطة:
وكانت زوجات النبي- صلى الله عليه وسلم- يعلمن ما لعائشة من قدرٍ عنده فكن أحيانًا يطلبن منها التوسط وكان يقبل هو هذه الواسطة "فعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَجَدَ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فِي شَيْءٍ فَقَالَتْ صَفِيَّةُ يَا عَائِشَةُ أَرْضِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَكِ يَوْمِي فَقَالَتْ نَعَمْ فَأَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ فَرَشَّتْهُ بِالْمَاءِ لِيَفُوحَ رِيحُهُ فَقَعَدَتْ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِلَيْكِ يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ لَيْسَ يَوْمَكِ"، قَالَتْ: "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ" وَأَخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ فَرَضِيَ عَنْهَا" رواه أحمد في مسنده.‏

احتواء المواقف:
وعن أنس- رضي الله عنه- قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمُّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي- صلى الله عليه وسلم- في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة، فانفلقت فجمع النبي- صلى الله عليه وسلم- فِلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: "غارت أمُّكم" ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت . رواه البخاري .و في رواية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: طعام بطعام، وإناء بإناء.

الإعراض:
عن عائشة في قصة الافك في رواية البخاري ومسلم ".. وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول : "كيف تيكم؟" فذلك يريبني..." فقد اكتفى الرسول بالإعراضِ وهجر الاسم وهو ما عدته السيدة عائشة عقابًا بليغًا وكان له أكبر الأثر في نفسها.

النصح والموعظة:
وأيضًا في قصة الإفك عندما بلغ الرسول مقالة ابن سلول قال لزوجه: "أما بعد، يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله وتُوبي إليه فإنَّ العبدَ إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه".

التخيير:
عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: دخل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فوجد الناس جلوسًا ببابه، لم يُؤذن لأحدٍ منهم قال: فأذن لأبي بكر رضي الله عنه، فدخل ثم أقبل عمر رضي الله عنه فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي- صلى الله عليه وسلم- جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا.. قال: فقال: لأقولن شيئًا أُضحك النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها"، فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: "هن حولي كما ترى يسألنني النفقة"، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما ليس عنده؟! قلن: "والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أبدًا ليس عنده"، ثم اعتزلهن شهراً أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ من سورة الأحزاب الآية 28 حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال: فبدأ بعائشة فقال: "يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك"، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها هذه الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأةً من نسائك بالذي قلتُ.. قال:لا تسألني امرأةٌ منهن إلا أخبرتها، إنَّ الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا" (رواه مسلم، الحديث 2703).

الضرب برفق:
تروي السيدة عائشة حادثة واحدة اضطر فيها الرسول أن يضربها ضربةَ زجر رقيقة ليردعها عن شكها و خروجها خلفه لتتبع خطواته فتقول: في الحديثِ الطويل في صحيح مسلم "كان النبي على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظنَّ أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا وانتعل رويدًا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدًا، فجعلتُ درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقتُ على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفتُ فأسرعَ فأسرعتُ فهرولَ فهرولتُ فأحضر فأحضرتُ فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: "مالك يا عائش حشيا رابية؟ قالت: قلت: لا شيء قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير" قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته، قال: أنت الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال:أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله".

الهجر والمخاصمة:
عن عائشة أن بعيرًا لصفية اعتل وعند زينب فضل من الإبل فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-‏ ‏‏لزينب: "إن بعير صفية قد اعتل فلو أنك أعطيتها بعيرًا" قالت‏:‏ "أنا أعطي تلك اليهودية" فتركها فغضب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شهرين أو ثلاثًا حتى رفعت سريرها وظنت أنه لا يرضى عنها قالت‏:‏ فإذا أنا بظله يومًا بنصف النهار فدخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأعادت سريرها‏"‏‏ (رواه أحمد في مسنده كما اعتزل النبي زوجاته حينما سألنه التوسعة في النفقة كما تقدم).

الطلاق عند الضرورة:
وآخر الدواء الكي فقد اشتهر أنه كان في السيدة حفصة بعض الحدة في طباعها، وكانت تراجع الرسولَ في كثيرٍ من أقواله، وكان ذلك يُغضبه ويؤذيه، ولهذا فإن عائشة- رضي الله عنها- تصف حفصة فتقول: "وكانت بنت أبيها" بمعنى على شدةِ وشخصيةِ والدها الفاروق- رضي الله عنه-، حتى طلقها النبي- صلى الله عليه وسلم- فدخل عليها خالاها: قدامة وعثمان ابنا مظعون فبكت وقالت: والله ما طلقني عن سبع (تعني بغض أو عيب أو نقص) فجاء جبريل للنبي- صلى الله عليه وسلم- فقال له: "راجع حفصة فإنها صوَّامة قوَّامة، وإنها زوجتك في الجنة" (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه)، وقد هزَّ هذا الطلاق عمر الفاروق- رضي الله عنه- فحثا على رأسه التراب عندما سمع الخبر وقال: "ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد اليوم".

الثلاثاء، 14 مارس، 2006

البنا بين الوطنية و حب الأوطان

كتبت أمل خيري

تعددت الدعوات و المذاهب الفكرية في عهد الإمام حسن البنا ، فمن دعوة إلى الوطنية إلى القومية إلى العلمانية إلى غيرها من الدعوات المتباينة التي فرقت القلوب و شتت العقول و الأفكار.
و ما كان البنا ليترك هذه الدعوات و القضايا الأساسية دون أن يبين فيها ما يشفي الصدور من توضيح لفكرتها و وزنها بميزان الإسلام و الفكر الذي قامت عليه دعوة الإخوان المسلمين و بيان موقف الجماعة منها.
الإمام البنا في مظاهرة في الأزهر

و قد أوضح البنا ذلك في رسالته (دعوتنا) حيث قال: ( و موقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر ففرقت القلوب و بلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا فما وافقها فمرحبا به و ما خالفها فنحن براء منه و نحن مؤمنون بأن دعوتنا عامة محيطة لا تغادر جزءا صالحا من أية دعوة إلا ألمت به و أشارت إليه).
و من بين هذه الدعوات التي افتتن الناس بها دعوة (الوطنية) فبدأ البنا يوجه التساؤلات لدعاة الوطنية عن مقاصدهم فأبلغ في ايجاز معاني الوطنية ثم أوضح موقف الإخوان من هذه الوطنية ثم بين مواطن الخلاف الرئيسية بين مفهوم الوطنية لدى الإخوان المسلمين و بين مفهومها لدى دعاتها أو قل أدعياءها .
و في السطور القادمة نحاول إلقاء الضوء على هذا المفهوم كما يراه البنا و كما طبقه الإخوان على أنفسهم فصاروا مثلا يحتذى في الوطنية بمعناها الأوسع و الأشمل.
أولا : الوطنية كما يراها دعاتها:
يؤكد البنا أن دعوة الوطنية قد ظهرت بين الشعوب العربية كرد فعل للظلم الذي تعرضت له من قبل القوى الغربية من احتلال وسيطرة على مقاليد الأمور ، و تمثلت هذه الوطنية في خطب الزعماء و مقالات الكتاب حيث انبرت الأقلام و الألسن في ثورة حماسية تلهب مشاعر المواطنين .
ثانيا : معاني الوطنية كما يراها البنا:
يرى البنا أن الوطنية بمعناها الشامل تتسع لتشمل أكثر من معنى فهي:
· وطنية الحنين :
حيث يوجه البنا حديثه لدعاة الوطنية بأنهم إن كانوا يقصدون بالوطنية مشاعر الحب للأوطان فهذا أمر محمود و لا غبار عليه بل إن الاسلام أمر به و يدلل على ذلك بأن بلالا رضي الله عنه هتف و هو بالمدينة بأسمى آيات الحب و الحنين لوطنه مكة و لم ينكر الرسول صلى الله عليه و سلم ذلك فكان ينشد :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذ خر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل

بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع وصف مكة من أصيل فجرى دمعه حنينا إليها وقال ( يا أصيل دع القلوب تقر)
· وطنية الحرية و العزة:
و معناها بذل الجهد في تحرير الوطن من المغتصبين و السعي إلى استقلاله و تنمية حب الوطن و العزة و الحرية في نفوس أبنائه و هذا المعنى أيضا لا يتعارض مع مبادئ الإسلام التي تؤكد على عزة المسلمين و كرامتهم انطلاقا من قوله تعالى ( و لله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون )
· وطنية المجتمع:
أي تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد و هذه أيضا من مبادئ الإسلام فقد أمر الرسول المسلمين في حديثه بذلك فقال ( وكونوا عباد الله إخوانا )
· وطنية الفتح:
أي فتح البلاد و سيادة الأرض وهذا في الإسلام من أعظم الفتح و أكثره بركة (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ)
و كل هذه المعاني السابقة تؤكد أن الإسلام يتفق تماما مع الوطنية بما يمكن معه القول أن الوطنية لم تخرج عن أنها جزء من تعاليم الإسلام.
· الوطنية الزائفة:
ثمة نوع آخر من الوطنية وهو ما أشار إليه بالوطنية الحزبية و هذا النوع مذموم لأنه يعتمد على تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر وتتبادل التهم و المكائد وفق الأهواء و المصالح الشخصية .
ثالثا :بين البنا و دعاة الوطنية:
يرتكز الخلاف الأساسي بين البنا و دعاة الوطنية في أمرين أساسيين :
1. حدود الوطنية : حيث أن الوطنية لدى البنا لا تعترف بالحدود الجغرافية بل تستند إلى العقيدة باعتبار أن كل بقعة من بقاع الإسلام بمثابة وطن للمسلمين عليهم تقديسه و حبه و الجهاد في سبيله و باعتبار أن كل المسلمين أخوة في هذا الدين و من ثمرات هذه الأخوة اتساع مفهوم الوطنية ليشمل مبادئ سامية ، بينما يرى دعاة الوطنية أن حدود الوطنية تقف عند الحدود الجغرافية فلا مانع من أن تقوى دولة ولو على حساب دولة مسلمة أخرى.
2. غاية الوطنية: حيث أن غاية دعاة الوطنية هي تحرير بلادهم من المستعمر ثم تقوية الدولة ماديا، بينما غاية الوطنية عند البنا هداية البشر بنور الله و هو يجعلها أمانة في عنق المسلم يضحي من أجلها دون أن ينتظر عرضا من مال أو جاه أو سلطان و بالتالي يكون المسلم أعمق الناس وطنية لأن الذي فرض عليه ذلك هو رب العالمين.
رابعا : مراتب الوطنية في فكر البنا:
يكثر البنا في رسائله من كلمة الوطن و هو يعني به وطن الإسلام بمفهومه الشامل و العام حيث يرى أن هذا الوطن في عرف الإسلام يتدرج على مراحل :
1 - القطر الخاص أولاً.
2 - ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى فكلها للمسلم وطن ودار.
3 - ثم يرقى إلى الإمبراطورية الإسلامية الأولى التي شادها الأسلاف بدمائهم الغالية العزيزة فرفعوا عليها راية الله , ولا تزال آثارهم فيها تنطق بما كان لهم من فضل ومجد , فكل هذه الأقاليم يُسأل المسلم بين يدي الله تبارك وتعالى لماذا لم يعمل على استعادتها.
4 - ثم يسمو وطن المسلم بعد ذلك كله حتى يشمل الدنيا جميعا (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كله للهِ)
و بهذا يوفق الإسلام بين شعور الوطنية الخاصة و العامة بما فيه خير الإنسانية جمعاء.
لذا نجد البنا يلقي باللوم على بعض رجال الدين الذين اتخذوا مسلك الغرب فمالأوا الغاصبين و تجنوا على الوطنيين و ينبه الناس ألا يتخذوا هؤلاء ذريعة لتحويل الأمة عن دينها باسم الوطنية المجردة.
خامسا: دوافع العمل للوطنية عند البنا:
كان الإخوان أشد الناس حرصا على خير وطنهم و تفانيا في خدمته حتى أن شاعرا من شعرائهم قال:
ولست أدرى سوى الإسلام لي وطنا الشام فيها و وادي النيل سيان
وكلما ذكر اسم الله فى بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني
و قد دعا البنا الإخوان الالتزام بهذه الوطنية ففي حديثه عن مصر يقول في رسالته ( دعوتنا في طور جديد) :
(إننا نعتز بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب عاملون له مجاهدون في سبيل خيره ، وسنظل كذلك ما حيينا معتقدين أن هذه هي الحلقة الأولي في سلسلة النهضة المنشودة و أنها جزء من الوطن العربي العام ، وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة والشرق والإسلام ).
أما دوافعه لذلك فقد تحددت فيما يلي:
1. نكوص الدول الكبرى بعد انتصارها في الحرب العالمية بالمواثيق و العهود.
2. انصراف الناس عن الهيئات السياسية نتيجة انشغالها بالخصام و التفرق .
3. قوة الشعور الوطني لدى الشباب و المثقفين.
4. رغبة العرب و المسلمين في تنسيق الجهود الوطنية.
و لأن الإخوان قد قضوا سبعة عشر عاما في الاعداد و افهام الناس أن حب الأوطان من الإيمان لذا فقد انحصرت الثقة في الإخوان دون غيرهم مما جعل الوطنية ليست خيارا لهم بل واجبا لإرشاد الناس و بالتالي فإن الجهاد الوطني فرض عين على كل الأفراد و الهيئات.
سادسا : البنا أستاذ الوطنيين:
اتسمت الوطنية في شخصية البنا بملامح خاصة تمثلت في حب الأوطان حيث بدأت بوادر الوطنية لديه إبان ثورة 1919 حين كان تلميذا بالاعدادية لم يتعد ثلاث عشرة سنة حيث كان يرى المظاهرات التي كانت تجوب البلاد و كان كغيره من الطلاب يشترك في هذه المظاهرات و بشعور فياض حتى أنه بعد أن سمع الأحاديث عن لجنة ملنر و اجماع الأمة على مقاطعتها نظم قصيدة طويلة لا يذكر منها إلا بيتين اثنين:
يا ملنر ارجع ثم سل وفدا بباريس أقام
وارجع لقومك قل لهم لا تخدعوهم يالئام
و هو في مذكراته تجده يعبر في مواضع كثيرة عن بلده الحبيب مصر بكلمة الوطن فتتكرر هذه الكلمة بشكل يوحي بشعوره الوطني المتأجج.
كما كان يعتقد أن الخدمة الوطنية جهاد مفروض لا مناص منه لذا كان يقوم بدور وطني بارز بين زملائه.
كما استفزه كما استفز غيره ما كان عليه مكتب ادارة شركة قناة السويس من فخامة مع استخدامه المصريين و معاملتهم كالاتباع المضطهدين و تحدث عن هذه المشاعر في مذكراته و التي كان لها " أثر كبير في تكييف الدعوة و الداعية" على حد قوله.
كما تجده مثلا حين يتحدث عن العَلَم يؤكد أنه في ذاته قطعة قماش لا قيمة لها ماديا و لكنه يرمز إلى كل معاني المجد و السمو التي يقترن بها الوطن و أن المسلم يجب عليه أن يحمي هذا العلم و يعظمه و يحترمه باعتباره رمزا لوطنيته.
و في رسالته ( نحو النور) يضع بعض الخطوات الإصلاحية التي تنمي الحس الوطني و تعمل لصالح الوطن و من بينها:
· أنه دعا إلى حسن اختيار ما يذاع أو يعرض على الأمة من برامج و محاضرات و أغاني في الاذاعة أو التليفزيون كوسائل للتربية الوطنية الخلقية الفاضلة.
· و رأى أن وضع سياسة ثابتة للتعليم تؤدي إلى نهوض الوطن و ترفع مستواه و تقرب بين الثقافات المختلفة في الأمة بتربية الروح الوطني .
· كما طالب بالعناية بالتاريخ الإسلامي و التاريخ الوطني و التربية الوطنية و تاريخ حضارة الاسلام.

و تتجلى أيضا وطنية البنا في دعوته إلى تشجيع الصناعة الوطنية حيث يقول ( و لا تلبس ولا تأكل إلا من صنع وطنك الإسلامي) و بدا ذلك واضحا حين قام بتأسيس معهد حراء الإسلامي فوق مسجد الإخوان حيث اشترط للتلاميذ زيا خاصا هو جلباب و معطف من نسيج وطني و طربوش أبيض من صناعة وطنية و صندل من صناعة وطنية و ذلك ليعود التلاميذ على التمسك بالصناعات الوطنية منذ بداية نشأتهم.
و نجده أيضا قد استصدر مجلة النذير في مايو 1938 و قد ظهر منها واضحا اتجاه الاخوان الوطني و ابتداء اشتراكهم في الكفاح السياسي في الداخل و الخارج.
كان هذا غيض من فيض وطنية البنا التي كان من أجمل ثمارها نشأة جماعة الإخوان المسلمون و التي حملت راية الجهاد و الكفاح الوطني عبر قرن كامل و التي استشهد البنا في سبيلها و سالت دماؤه على أرض هذا الوطن الحبيب الذي ملأ هواه قلبه فعلمنا معنى حب الأوطان.