الجمعة، 7 يوليو، 2006

الدعوة إلى الله في الفضائيات


إعداد : أمل خيري
في عصر السموات المفتوحة و بعد أن أصبح العالم بالفعل قرية صغيرة و أصبح بإمكان المشاهد التنقل بين مئات القنوات الفضائية لينتقي الفقرات التي يرغبها بضغطة زر واحدة على الريموت كنترول وبات تأثير الفضائيات واضحا للعيان على الفرد و الأسرة و المجتمع . و بين الكم الهائل من الأفلام والمسلسلات و أغاني الفيديو كليب و البرامج التافهة تأتي بعض البرامج الدينية على استحياء تحاول أن تبحث لها عن مكان على خريطة البرامج كما نجحت بعض القنوات الإسلامية أن تحتل مكانا بارزا في باقة القنوات الفضائية العربية .


و لاشك أن الإعلام بتقنياته الحديثة هو أحد منابر الدعوة الإسلامية المعاصرة و من الواجب على الدعاة استثمار هذه الفضائيات في تعريف المسلمين بدينهم و حمايتهم من موجات الغزو الفكري المعادي و موجات الإباحية و المجون على شاشات الفضائيات . و في محاولة لرصد البرامج الدعوية الفضائية تتباين الآراء بشأن دور دعاة الفضائيات في التأثير على جمهور المشاهدين بين السلب و الإيجاب لذا نحاول في هذه الدراسة إلقاء الضوء على أنماط الخطاب الدعوي في الفضائيات و عن الآراء المتباينة في ظهور الدعاة على شاشات الفضائيات و عن أهم الضوابط و المحاذير التي يجب أن يتنبه لها دعاة الفضائيات .
عالمية الإسلام
انطلاقا من عالمية الإسلام و التي هي طبيعة رسالته تأتي فكرة العولمة كفكرة ليست جديدة على المجتمع الإسلامي فقد انفتح المسلمون بحضارتهم و ثقافتهم على العالم كله في عصور الظلام و الجاهلية فتأثرت دول كثيرة بأفكار الإسلام و مبادئه إلا أننا في ظل هذه العولمة يجب أن نحافظ على هويتنا الإسلامية و قيمنا الراسخة . و لو استعرضنا خريطة البرامج الدينية و الدعوية على الفضائيات نجد بعض هذه البرامج بالفعل تتمسك بالهوية الإسلامية و تحافظ على هذه القيم أما كثير منها للأسف فيذوب مع القيم المستحدثة في المجتمع و التي قد تتنافى مع القيم الإسلامية بحجة الذوبان في المجتمع و ضرورة تجديد الخطاب الدعوي .
أشكال الخطاب الدعوي

و بنظرة على أنماط الخطاب الدعوي في الفضائيات نجد أنها من حيث الشكل تنقسم إلى :
برامج يقدمها الدعاة بأنفسهم ممن يلتزمون السمت الإسلامي .
برامج يقدمها مذيعين من الرجال يستضيفون فيها علماء و دعاة .
برامج تقدمها مذيعات متبرجات أو محجبات أو فنانات معتزلات يستضفن العلماء و الدعاء . أما من حيث المضمون :
فهناك من الدعاة من تخصص في السيرة النبوية أو تاريخ الصحابة متبعا أسلوب القصص المؤثر .
و هناك من تخصص في ترقيق القلوب و التربية الروحية من خلال النزعة الصوفية .
و هناك من يركز على الجانب التنموي للإسلام من خلال الصور العملية لتغيير المجتمع .
و هناك من يركز على الخطاب العصري مستهدفا فئة الشباب فيتحدث بلغتهم و يشاركهم اهتماماتهم .

تجديد الخطاب الدعوي
و المتتبع للدعوة من خلال الفضائيات على مدى السنوات السابقة يجد أنها قد أتت بثمار إيجابية إلا أنها أيضا وقعت في بعض المحاذير . فتمثلت أهم الثمار الإيجابية في :
أن خطاب دعاة الفضائيات اتسم بالتجديد و ابتعد عن التقليدية و الخطاب النمطي الذي كان يعتمد أسلوب التوجيه المباشر مما كان يصرف عنه المشاهدين .
إن هؤلاء الدعاة يحرصون في أساليبهم على التأكيد على أهمية الدعوة إلى الله عن طريق الإقناع، من خلال الترغيب بالتركيز على الحديث عن رحمة الله تعالى .
القدرة على الإقناع و التأثير في المشاهدين خاصة من جيل الشباب .
التركيز على أن الدين هو نمط متكامل للحياة . و يكفي أن نعرف أن وجود القنوات الفضائية الإسلامية قد مثل بديلا جيدا للمعرفة الدينية في كثير من البلاد العربية التي يغيب فيها دور الدعاة مثل تونس .
تسطيح الدين
إلا أنه أيضا كان للخطاب الدعوي في الفضائيات العديد من النتائج السلبية منها على سبيل المثال :
أن الخطاب الديني المقدم في معظم هذه الفضائيات يعاني من التسطيح والركاكة بدعوى تبسيط الدين .
انصراف بعض الدعاة عن التحدث باللغة الفصحى و استبدالها بالعامية .
مجالسة البعض للمذيعات المتبرجات و اللاتي يبالغن في التزين و الحركات المثيرة للفتنة مع ترقيق الأصوات و الميوعة ، والتحدث إليهن بدون تحفظ و تبادل النظرات و الابتسامات والضحكات .
مجالسة المذيعات اللاتي يرتدين الحجاب العصري و يتفنن في وضع المساحيق على وجوههن و يقدمن عرض أزياء يتبارين فيه في موديلات العباءات اللامعة و طرق لف الطرح بأشكال ملفتة مما يثير تساؤلا حول هيبة العلماء ووقارهم .
فوضى الفتاوى
أما الخطر الأكبر فتمثل في فوضى الفتاوى حيث أنه مما عمت به البلوى في هذا الزمان تضارب الفتاوى على شاشات الفضائيات حيث أصبح يتصدى للفتوى من ليس أهل لها مما ساهم في التباس كثير من الأمور على العامة وأدى إلى انتشار تأويلات وتفسيرات مخالفة للقرآن والسنة و الفتوى تكليف لا تشريف لأن المفتى هو الذي يبلغ الشرع للناس ،وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى رحمه الله :( المفتى قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم ،والدليل على ذلك أمران أولهما : قول الرسول صلى الله عليه وسلم :العلماء ورثه الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم ،والأمر الثاني أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام لقوله صلى الله عليه وسلم :ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب ( ولقد حذر الإسلام من الإفتاء بغير علم و ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات فساد الزمان الإفتاء بغير علم ،ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ،ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ،حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤسا جهالا ،فأفتوا بغير علم فضلوا أو أضلوا (
إقرار المنكر
و في ظل هذه الآثار السلبية تتباين الآراء بشأن مشروعية مشاركة العلماء و الدعاة في هذه البرامج بين مؤيد و معارض . أما أدلة المعارضين فتتمثل في :
قوله تعالى في صفات عباد الرحمن : " والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً " الفرقان 72 .
قوله تعالى" وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " [سورة الأنعام : 68]
ظهور هؤلاء العلماء و الدعاة في قنوات تقدم الفساد بكافة أشكاله و صوره مما يوحي للبعض بإقرارهم على ما تقدمه هذه القنوات مما يضفي عليها صبغة شرعية .
حتى يخوضوا في حديث غيره
على الجانب الآخر يعرض المؤيدين لظهور العلماء و الدعاة على شاشات الفضائيات لمجموعة من الأدلة تمثلت في :
أن هذه البرامج وسيلة لنشر الخير و على الداعية أن ينتهز كل فرصة للدعوة للخير مستدلين في ذلك بما هو مشهور في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من حضوره مواسم أهل الجاهلية وأسواقهم بهدف الدعوة فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة ، وفي المواسم بمنى يقول ( من يؤيدني ؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي ؟ وله الجنة(رواه أحمد في المسند
أنه إذا قرر الداعية مقاطعة قناة فضائية كان سيسمح له فيها بالمشاركة فإن البديل هو مزيد من الضلال و البرامج الفاسدة .

أن الآية التي استدلوا بها في قوله تعالى" وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم " مقيدة بقوله ( حتى يخوضوا في حديث غيره) مما يعني أن الداعية المشارك في هذه القنوات هو بمشاركته يرفع الخوض واللهو واللغو ليُحِلَّ محله الدعوة للخير والحق .
ضوابط و محاذير
على هذا يرجح العلماء الرأي القائل بجواز مشاركة العلماء و الدعاة في هذه الفضائيات من باب أن هذه القنوات تندرج تحت أحكام الوسائل في الشريعة و أن المصلحة تغلب المفسدة إلا أنهم قيدوها بشروط و ضوابط منها :
الابتعاد عن المحظورات الشرعية كمجالسة النساء المتبرجات و النظر إليهن، أو تخلل البرنامج فقرات إعلانية ماجنة أو موسيقى صاخبة .
أن يكون الداعية متمكنا من علمه خاصة إذا كانت المشاركة حواراً مع خصوم الإسلام ؛ لأن ضعفه يضعف الحق الذي يدعو إليه ، فينسب ذلك إلى الإسلام .
أن يقول الداعية الحق ما أمكنه بغير مداهنة، وليحذر من قول الباطل وإقراره .
ضرورة توخي الحذر من الخوض في أمور الفتوى إن كان الداعية على غير علم بموضوع الفتوى أو السؤال المطروح فما يضير الشيخ أو الداعية أن يقول لا أعرف أو أن يحيلها على شيخ آخر أعلم منه، فالإمام مالك رحمه الله عرضت عليه سبع وثلاثون مسألة ومع ذلك اعتذر عن الفتوى في عشرين منها .
مشاركته في معالجة قضايا الأمة و محاربة الأفكار الوافدة و الهدامة بالأدلة الدامغة .
انتقاء الأسلوب الفني الحسن في الحديث حيث قال تعالى ( وقولوا للناس حسناً ) البقرة 83 فجمال الأسلوب وحسن العرض لهما دور فعال في جذب الجمهور إلى المشاهدة على أن يراعى في المادة الإعلامية مستوى الجمهور الذي تقدم إليه و حاجتهم إليها .
أن يتحرى الأحاديث الصحيحة و ليحذر الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة .
أن يحافظ على هيبته ووقاره بأن ينأى بنفسه عن المزاح الثقيل أو النظر للنساء أو رفع الصوت بالضحك .
أن يحافظ على اللغة الفصحى البسيطة العبارات لأنها لغة القرآن .
و أخيرا أن يتجرد لله بصدق النية وإخلاص العمل والبعد عن حظوظ النفس و فتن الدنيا .