الأحد، 23 نوفمبر، 2008

الآبار الضحلة.. المياه بتكنولوجيا بسيطة

أمل خيري

في ظل الأحوال المناخية السيئة في القارة الإفريقية تتزايد حدة الجفاف كلما اقتربنا من الدائرة الاستوائية؛ مما يؤدي إلى تصاعد حدة القحط والجدب، وتناقص موارد المياه العذبة والتي تتسبب في العديد من الصراعات الدموية التي تشهدها دول القارة ومن بينها كينيا ومنطقة الحدود السودانية الصومالية الأوغندية.

وتعد منطقة شمال غرب كينيا من أشد المناطق فقرا وجدبا؛ حيث تنتشر قبائل "توركانا" التي تعد ثالث أكبر القبائل الكينية وثاني أكبر مجموعات الرعاة الرحل، ويتراوح عدد سكانها بين 250.000 إلى 340.000 نسمة، ويتحدث أفرادها اللغة النيلية.

ويتسم مناخ "توركانا" بصفة عامة بالقحط والجفاف معظم شهور السنة، إضافة إلى تعرض المنطقة للفيضانات، لذا فإن النشاط الأساسي للسكان يعتمد على رعي الأبقار التي يتم جلب المياه لها من بعض الآبار الواقعة على مرتفعات شيرانجاي والتي تبعد عن منطقة توركانا بأكثر من 200 كم، وهذه الآبار تتغذى على بعض الأنهار الموسمية على طول الحدود مع أوغندا.

صراع من أجل المياه

وبنظرة للقبائل المنتشرة على حدود جنوب السودان وشمال أوغندا وشمال غرب كينيا نجد تشاركا بين هذه القبائل في الظروف القاحلة، وفي النشاط الاقتصادي، وفي التنافس على مياه الآبار المحدودة؛ مما أشعل حدة الصراعات بين هذه القبائل على الموارد المائية المتاحة، وأخذت هذه الصراعات شكل السرقة المسلحة للماشية، والغارات المنظمة على القبائل المجاورة، وإطلاق النار على الرعاة بالقرب من الآبار.

ونظرا لتوافر الأسلحة في أيدي الرعاة والمنافسة على الموارد المحدودة فقد عانت هذه المنطقة من الصراعات الدامية التي نجم عنها تشريد ما لا يقل عن 42.000 نسمة يمثل النساء والأطفال منهم نسبة 70%، إضافة إلى تزايد حدة ترمل النساء، وتعرضهن للاغتصاب، وكذلك انتشار عمالة الأطفال الذين فقدوا ذويهم، كما ازدادت معدلات الإصابة بسوء التغذية والأمراض زيادة ملحوظة بين النساء والأمهات المرضعات وصغار الأطفال، وحسب تقرير اليونيسيف فإن "معدل الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في هذه المنطقة قد ارتفع، كما يبلغ معدل الإصابة بسوء التغذية الحاد 20%، وهو ما يتجاوز المعدل الحرج الذي حددته منظمة الصحة العالمية، وهو 15 %".

ونظرا لتعرض منطقة توركانا للجفاف المستمر على مدى السنوات الثلاث الماضية فقد أدى الضغط على الموارد إلى زيادة حدة الصراعات والقتل والتشريد؛ ومن ثم فقد تبنت منظمة practical action"" حملة لدعم سكان المنطقة بهدف العمل على إنقاذ أرواح الآلاف من خلال مشروع أطلقته لحفر المزيد من الآبار الضحلة في المنطقة بتقنيات رخيصة وبسيطة يمكنها أن تحدث فرقا هائلا لهؤلاء السكان.

حلول أكثر بساطة

ففي حين يدعو البعض لحلول معقدة لمشكلات أكثر تعقيدا فإن تقنية حفر الآبار الضحلة "Shallow Wells" تعد حلا بسيطا لإنقاذ الأرواح خاصة من النساء اللاتي يضطرهن الجفاف إلى الذهاب في رحلة طويلة وشاقة لجلب المياه للشرب وللماشية قد لا تقل عن 15 كيلومترا تقطعها المرأة وحدها تاركة أطفالها مع زوجها الذي يضطر هو أيضا للبقاء لحماية الماشية من الغارات المسلحة، فتقع المرأة بين نارين إما أن تستمر في رحلتها التي تعلم أنها قد تتعرض فيها للقتل، أو تبقى مع الأطفال والماشية ويذهب زوجها لجلب الماء فتتعرض للهجمات المسلحة التي قد تنتهي بقتلها وأطفالها وسرقة الماشية.

وفي كلتا الحالتين لا ينتج سوى المزيد من القتل والتشريد، لذا فإن اعتماد تقنية حفر الآبار الضحلة داخل حدود المنطقة تحقق العديد من المزايا من أهمها:

1. تحقيق الأمن للسكان، والحفاظ على الأرواح وتجنيب النساء مشقة الرحلة الدموية اليومية لجلب المياه.

2. زيادة كميات المياه اللازمة للشرب والغسل والطبخ ورعي الماشية مما يعني القضاء على الجوع والفقر.

3. توافر المياه النظيفة والخالية من التلوث التي تعني الوقاية من الأمراض.

استخراج المياه الجوفية

والمياه الجوفية هي المياه الموجودة تحت سطح الأرض والمخزونة في مسام الصخور المختلفة، وتوجد عادة في صخور ذات مسامية ونفاذية عالية، وتعرف باسم "الصخور الخازنة" التي تحتوي على كمية محدودة من المياه في منطقة معينة تسمى "خزان المياه الأرضية"، وصفة "المسامية" Porosity من الصفات المميزة لبعض الصخور، وتتمثل في حجم الفراغات الموجودة في الكتلة الصخرية منسوبا للحجم الفعلي للكتلة الصخرية، أما صفة "النفاذية" Permeability فتعني قابلية الصخر لإمرار الماء بين حبيباته، ويعرف السطح العلوي للماء المتخلل في الصخور باسم مستوى المياه الجوفي Water table.

وتعد الآبار Wells من أكثر الطرق شيوعا في الحصول على المياه الجوفية، وتنقسم الآبار حسب عمقها إلى آبار ضحلة وآبار عميقة.

"فالآبار الضحلة" Shallow Wells هي الآبار التي لا يزيد عمقها عن 30 مترا ولا تحتاج إلى تقنيات هائلة لحفرها واستخراج المياه منها، وتبطن جوانبها غالبا بالحصى والخرسانة، إلا أن من عيوب هذا النوع من الآبار أن كمية المياه التي تستخرج منها قليلة لا تكفي إلا للاستخدام المحلي في الشرب والرعي، ولكنها لا تصلح للزراعة، كما أنها أكثر عرضة للتلوث.

أما "الآبار العميقة" Deep Wells فهي آبار يزداد عمقها ليصل في بعض الأحيان إلى بضع مئات من الأمتار، ونظرا لهذا العمق فهي أكثر نقاء وأقل عرضة للتلوث، وكميات المياه المستخرجة منها أكبر بكثير ولكنها مكلفة في حفرها واستخراج المياه منها، وتحتاج لآلات حفر باهظة الثمن.

وتعتمد مبادرة ""practical action على حفر المزيد من الآبار الضحلة قليلة التكلفة لمساعدة السكان المحليين على توفير مصادر مياه نقية من خلال تغييرات بسيطة في تصميم وحفر الآبار التقليدية؛ مما يجعلها أكثر أمنا ونقاء حيث إن الآبار التقليدية التي تحفر يدويا تتعرض للجفاف المستمر، كما تتعرض للتلوث إما من المخلفات الحيوانية أو البشرية، لذا فإن حفر الآبار الجديدة يعد حلا أكثر دواما وأمنا صحيا.

الآبار الضحلة

وتتمثل خطوة البداية في حفر بئر بآلات يدوية بسيطة، وإحاطة البئر بجدار من الخرسانة المسلحة، ثم تغطية فتحة البئر بغطاء معدني لمنع تسرب الملوثات للمياه، ويساعد حفر العديد من الآبار المتجاورة داخل القرى على الحد من الصراعات على المياه، وتجنيب النساء مشقة رحلة اللاعودة من أجل جلب المياه، وتعتمد طريقة استخراج المياه على الوسائل البدائية كالدلو والحبل والصفائح المعدنية المصنوعة من الحديد المجلفن، ويبلغ عمر البئر الافتراضي 15 عاما.

ومع ذلك يرى البعض أن الآبار الضحلة قد تؤدي لإصابة البشر بالتسمم نتيجة انتشار البكتيريا والميكروبات المسببة للعديد من الأمراض مثل الكوليرا والتيفود والتهاب الكبد الوبائي والإسهال وغيرها من الأمراض نتيجة قرب طبقات المياه الجوفية في هذه الآبار من سطح الأرض مما يعرضها للملوثات الحيوانية والكيميائية، كما أن هطول الأمطار بالقرب من هذه الآبار يمكن أن ينقل المياه السطحية الملوثة إلى البئر، لذا يجب الحرص على تصميم البئر الضحلة بمواصفات صحية وآمنة، وأهم هذه المواصفات تتمثل في:

1. اختيار مكان لحفر البئر يبعد عن مصادر التلوث بما لا يقل عن100 قدم من جميع الاتجاهات، مع وجود انحدار من جهة فتحة البئر لمنع تسرب مياه الأمطار إليها.

2. التأكد من نفاذية الصخور في التربة المختارة للحفر لضمان تنقية المياه وترشيحها أثناء مرورها خلال الصخور إلى البئر.

3. ضمان ارتفاع مستوى الماء الجوفي في البئر المحفورة عن مستوى الماء الجوفي في الأماكن المحتوية على مياه ملوثة.

4. تغطية البئر بشبكة محكمة من الصلب أو الفولاذ متصلة بأنبوب للصرف في قمة الغطاء.

5. إحاطة البئر من الداخل بجدار مدعوم بطبقة من الأسمنت أو الخرسانة المسلحة بسمك لا يقل عن 2 بوصة ولعمق لا يقل عن 18 قدما.

6. توفير حماية من قبل زعماء العشائر والقبائل للبئر لمنع السكان المحليين من إلقاء المخلفات في البئر.

7. قيام الجهات الصحية بعمليات تطهير مستمرة للبئر، وإضافة الكلور بنسب صحيحة، وغسل جدران البئر دوريا.

8. أخذ عينات من مياه البئر وتحليلها كل فترة للتأكد من خلوها من التلوث.

وعند الأخذ بكل هذه الاحتياطات يمكن توفير المزيد من المياه الصحية والآمنة لسكان القرى، وإنقاذ أرواح الآلاف من البشر والماشية، والمساهمة في القضاء على الفقر والجوع والمرض والتشريد والقتل وهي تجربة جديرة بالدراسة والدعم.

وهذه المبادرة ليست الأولى من نوعها؛ فقد قدمت مؤسسة Life water مبادرة سابقة لمساعدة السكان المحليين في العديد من مناطق الجفاف على حفر الآبار الضحلة بمشاركة المجتمع المحلي، كما قامت المؤسسة الدولية للتنمية والإغاثة IDRF بمشروع حفر الآبار الضحلة في الصومال، وتكررت التجارب في زامبيا ومالاوي وغيرها من الدول الإفريقية والتي ساعدت على إنقاذ حياة الآلاف من العطش بجهود السكان المحليين أنفسهم.

____________
هوامش ومصادر:

موقع practical action وهو مؤسسة خيرية تنموية تهدف للمساعدة في القضاء على الفقر في البلدان النامية من خلال تطوير واستخدام التكنولوجيا البسيطة ،وحث الفقراء على مساعدة أنفسهم بأنفسهم.
موقع منظمة اليونيسيف
تقرير السودان الصادر عن مشروع التقييم الأساسي للأمن البشري HSBA ، العدد 8 ، سبتمبر 2007
تقرير "Conflict in Northern Kenya" الصادر عن : Intermediate Technology Development Group (ITDG) ، أكتوبر 2003


http://www.onislam.net/arabic/health-a-science/environment/110619-2008-11-23%2009-31-49.html

الأحد، 9 نوفمبر، 2008

البيزنس الاجتماعي .. هل يجمل وجه الرأسمالية؟

أمل خيري

ينطلق عديد من المفكرين الاقتصاديين الرأسماليين من مُسلَّمة أن رجل الأعمال لا علاقة له بالمجتمع بل يسعى للربح الفردي فقط، ولا تشغله قضايا تنمية المجتمع، باعتبار أن ما يحققه من ربح يعود بالخير على المجتمع ككل، بينما يرى بعض المحللين المعاصرين أن رجل الأعمال أو المستثمر يجب النظر إليه على أنه شخص يدور في منظومة اجتماعية؛ فهو ليس منفصلا عن واقع مجتمعه الاقتصادي والتنموي، لذا فقد برز مصطلح "رواد البيزنس الاجتماعي" بدلا من "رجال الأعمال"؛ باعتبار أن هؤلاء لديهم الحل لمعضلات النظام الرأسمالي.

يشير مصطلح رواد البيزنس الاجتماعي "Social Business Entrepreneurs" إلى أشخاص مبدعين يملكون المال، وفي الوقت نفسه يتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلاقة في مجال التغيير الاجتماعي؛ فهم مستثمرون ورجال أعمال لم يشغلهم المال والربح والمشروعات عن الاهتمام بالمجتمع وتنميته، ولديهم القدرة على المبادرة وتقديم الحلول الإبداعية لمشاكل المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

ويلخص "ديفيد بورنشتاين"[1] خصائص رائد البيزنس الاجتماعي في كتابه "كيف تغير العالم؟ الرواد الاجتماعيون وسلطة الابتكار الاجتماعي" حيث يذكر أن الرائد الاجتماعي الناجح يتمتع بست خصال أساسية، وهي:

1. لديه الشجاعة لمواجهة الوضع القائم بأخطائه.

2. لديه الاستعداد للمشاركة الجماعية في تحقيق الأهداف.

3. لديه القدرة على التحرر من الأنماط المؤسسية والبيروقراطية.

4. يتمتع بسمات أخلاقية متميزة.

5. مستعد للعمل في صمت وهدوء.

6. يتجاوز حدود التخصصات، ولديه رؤية مبتكرة للحلول.

وقد برز العديد من رواد البيزنس الاجتماعي على مستوى العالم، وساهموا بحل العديد من مشكلات مجتمعاتهم، ومن أكثر هؤلاء شهرة الاقتصادي محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006، ولعل شهرته تعود إلى أنه جمع بين النظرية والتطبيق من خلال تجربة "بنك الفقراء" التي نجحت في بنجلاديش في مساعدة الآلاف على الخروج من مظلة الفقر، وفي الورقة التي قدمها محمد يونس في المنتدى العالمي للعمل الاجتماعي الحر الذي عقدته مؤسسة "سكول" بجامعة أكسفورد وشارك فيه 750 عضوا من 35 دولة، أكد يونس على دور رجال الأعمال الاجتماعية؛ حيث حملت الورقة عنوان: "رواد البيزنس الاجتماعي هم الحل"[2].

النظرة الأحادية لرجال الأعمال

وينطلق محمد يونس من مقولة إن نظرتنا للرأسمالية ما زالت ضيقة ومحدودة فقد تم عزل الاقتصادي الرأسمالي عن باقي مقومات الحياة كالدين والمشاعر والسياسة؛ فالرجل الرأسمالي هو من يكرس نفسه لهدف واحد فقط وهو العمل لتعظيم الربح، ويشاركه في ذلك مجموعات من رجال الأعمال الذين يكرسون أنفسهم لنفس الغاية وهذه هي الآلية التي يعمل بها نظام السوق؛ فالنظرية الاقتصادية تفترض أنك حينما تعمل على تعظيم ربحك فإن ذلك يعظم أرباح الآخرين أيضا.

ويؤكد يونس على أن هذه النظرة الأحادية لرجل الأعمال نظرة فاشلة، وأنه لا يمكن تحقيق النجاح والخروج من الأزمة إلا بشراكة رجال الأعمال الاجتماعيين وهم أكثر الناس استمتاعا بمساعدة الآخرين، ولا شك أن هؤلاء يجب أن تمنحهم الحكومات تخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي.

وهذه الفئة من رجال الأعمال تتنوع ما بين من يساهمون بالمال فقط في تنمية مجتمعاتهم، ومنهم من يمضي لأبعد من ذلك حيث يكرس بعضا من وقته وجهده وماله لمشروعات اجتماعية ريادية من شأنها تحسين وضع الفقراء وتنمية المجتمع، والبعض منهم ينتظر العائد الربحي على ما يقدمه من خدمات، بينما البعض الآخر لا ينتظر أي عائد، بل يحتسب ما أنفقه ولا يشغله.

وهذا من شأنه أن يحول العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية؛ مما يعمل على زيادة حدة الإثارة والمنافسة داخل الأسواق، وتأتي الإثارة من تواجد نوعين من رجال الأعمال: هؤلاء الأحاديون الذي يركزون على الربح فقط، وأولئك الاجتماعيون الذين يربحون ويخدمون مجتمعاتهم في نفس الوقت، وتأتي المنافسة من تنامي أعداد رجال البيزنس الاجتماعي الذي يتسابقون على أوجه الخير وهؤلاء يمكنهم أن يصبحوا لاعبين أساسيين في الاقتصاد العالمي.

إلا أننا لو جمعنا أصول هذه الشريحة من رجال الأعمال لا نجدها تمثل سوى نسبة ضئيلة جدا من الاقتصاد العالمي ليس بسبب افتقارهم لمقومات النمو بل لأن نظرتنا نحن ما زالت ضيقة، فالاقتصاد العالمي لم يعترف بعد بوجودهم وبالتالي فليس لهم تمثيل في الغرف التجارية ولا يوليهم المحللون الانتباه؛ نظرا لما يغشى عيونهم من نظريات درسوها في الجامعات عن الربح والمال والسوق.

ويؤكد محمد يونس أنه متى أرسينا لهؤلاء وجودهم في السوق من مؤسسات داعمة وسياسات وقواعد ولوائح فإننا نساعد على أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع بين رجال الأعمال، ففي ظل اقتصاديات السوق لم تلعب السوق أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن السوق نفسهما ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية والتي يقع على عاتق الدولة حلها؛ حيث تحولت السوق إلى حلبة صراع بين رجال الأعمال للتنافس على الربح مع إهمال متعمد للصالح العام؛ مما ترتب عليه مضاعفة الأرباح للأغنياء والذي يهدد بالقضاء على الاقتصاديات الفقيرة وزيادة الفقراء في العالم، ولذا فقد حان الوقت لتغيير هذه النظرة الضيقة للرأسمالية من خلال تشجيع فئة رجال الأعمال الاجتماعيين على إنجاز أهدافهم وتوجيه جزء من أرباحهم للعمل على تنمية المجتمع والصالح العام.

سوق الأسهم المالية الاجتماعية

ويضع محمد يونس الخطوات العملية لتشجيع رجال البيزنس الاجتماعي على تبوء المكانة المطلوبة في الاقتصاد العالمي، فيرى أن الخطوة الأولى تتمثل في الاعتراف برجال الأعمال الاجتماعيين في دراساتنا النظرية، فيجب على الطلاب أن يتعلموا وجود فئتين من رجال الأعمال في النظام الرأسمالي: فئة الساعين للربح، وفئة الراغبين في العطاء، وعليهم أن يختاروا إلى أي فئة يريدون أن ينضموا فيما بعد، وبالتالي فنحن نوسع من مجالات اختيارهم.

وتتمثل الخطوة الثانية في وضع هذه الفئة من رجال الأعمال في الصورة؛ بحيث يصبحون مرئيين ومعترف بوجودهم ما داموا يتبعون نفس نظم السوق وما داموا هم مقيدون بمعايير التجارة والاقتصاد، مع وضع مجموعة من اللوائح والمعايير الخاصة بهم لتيسير عملهم وهو ما أطلق عليه يونس مصطلح: "سوق الأسهم المالية الاجتماعية" والذي يؤكد على أنه سيجذب كلا من فئتي رجال الأعمال ما دام توافر فيه الربح الشخصي، إضافة إلى الهدف الاجتماعي.

وتحقيق الربح لن ينتقص من الهدف الاجتماعي بل على العكس يجب أن تقرر اللوائح والمعايير المحددة لتمكين شركة ما من دخول سوق الأسهم المالية الاجتماعية أو خروجها، ويجب أن يشعر المستثمرون بحق أن الشركات التي أدرجت في هذا السوق لديها مشروعات اجتماعية حقيقية.

وبالتالي فنحن نحتاج مع إقامة هذه السوق أيضا إلى مؤسسات متخصصة في التقييم تمتلك أدوات التقييم المؤثرة ومؤشرات محددة للتعرف على الشركات الاجتماعية الأكثر تأثيرا؛ مما يساعد المستثمرين الاجتماعيين في اتخاذ قراراتهم بشأن شراء الأسهم في هذه الشركة أو تلك، وهذه الصناعة الجديدة بالتأكيد ستحتاج لصحف مثل "وول ستريت" و"فايننشيال تايمز" ولكن في صورتها الاجتماعية التي تركز على إظهار نجاحات رجال الأعمال الاجتماعيين، وتقدم الأخبار والتحليلات اللازمة لتيسير عمل المستثمرين ورجال الأعمال الاجتماعيين.

ويمكن البدء بتدريس "ماجستير إدارة الأعمال"MBA المتخصص في مجال الاستثمار الاجتماعي في جامعاتنا ومعاهدنا لتهيئة الشباب على الاضطلاع بهذا الدور بعد تخرجهم، وهذا من شأنه أن يشعل حماس هؤلاء الشباب للتحول بجدية إلى الاستثمار الاجتماعي وبالطبع يتطلب ذلك توفير نوع من التمويل لهؤلاء قد يتمثل في إنشاء مصرف جديد متخصّص في تمويل الأعمال التجارية الاجتماعية، كما يجب تشجيع المستثمرين المغامرين على الانضمام لعالم رجال البيزنس الاجتماعي.

المنافسة خطوة البداية

يطرح محمد يونس فكرة البدء في إطلاق مبادرة لمسابقة تنافسية في مجال المشاريع التجارية الاجتماعية قد تكون منافسة محلية أو إقليمية أو حتى عالمية، وتخصص جوائزها في شكل تمويل للمشاريع الفائزة أو منحها شراكة في التنفيذ، كما يجب أن تنشر كل اقتراحات المشروعات التجارية الاجتماعية المقدمة لكي يستفيد منها الآخرون أو على الأقل تقدم للراغبين في العمل الاجتماعي أفكارا لمشروعات تجارية اجتماعية أخرى.

سوق الأسهم المالية نفسها يمكن أن تبدأ بمبادرة من بعض رجال البيزنس الاجتماعي كمشروع تجاري اجتماعي، ويمكن لمدرسة اقتصادية واحدة أو عدة مدارس المشاركة في بدء تنفيذ الخطوات العملية لهذه السوق.

وهذه السوق بالطبع لن تبدأ عملاقة منذ ولادتها، بل إن الخطوة الأولى في النجاح حتما ستؤدي للخطوات التالية، ويدلل محمد يونس على ذلك بتجربته الشخصية في "بنك جرامين" حيث بدأ بخطوة صغيرة تدرجت لتحقيق الحلم، فقد بدأ يونس بتقديم قروض صغيرة لبضعة أفراد بدون ضمانات أو فوائد، وحينما أدرك النجاح الذي حققه كان لابد من الحصول على المزيد من المال فتحول لأحد المصارف للاقتراض منها لهؤلاء الفقراء كضامن لهم، ثم تلتها الخطوة الحاسمة بإنشائه مصرفا خاصا رسميا بدأ بالاقتراض من البنك المركزي ولكن هذه النجاحات المستمرة أغرت المزيد من المتطوعين والممولين على مستوى العالم لتقديم تبرعات لهذا المصرف الوليد، وهذا من دوره أدى للخطوة التالية وهي الرغبة في الاعتماد الذاتي من خلال إيجاد موارد ذاتية، والآن أصبح لدى بنك جرامين من الإيداعات أكثر مما يقدمه المتبرعون؛ حيث وصلت نسبة الإقراض إلى نصف بليون دولار في العام الواحد، تصل قيمة القرض الواحد لأقل من 200 دولار، ويبلغ نسبة المقترضين اليوم 7.56 مليون شخص تبلغ النساء منهم نسبة 97% يقترضون بدون فوائد، كما يسجل البنك نسبة تسديد تبلغ 99%.

ويقدم البنك العديد من البرامج التمويلية في شكل قروض سكنية وقروض للتعليم وصناديق التقاعد والقروض لشراء الهواتف الجوالة لنساء القرى وقروض للمتسولين ليتحولوا إلى بائعين.

وفي ختام ورقته، يؤكد محمد يونس أن خلق البيئة الصحيحة لرجال الأعمال الاجتماعيين يساهم في إفساح المجال للفرص الإبداعية والفعالة في السوق، وعندما تزال العوائق أمام المستثمرين الاجتماعيين فهذا من شأنه أن يرسم ابتسامة أمل في هذا العالم الكئيب.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-Namah%2FNMALayout&cid=1225697967172