الخميس، 30 يونيو، 2011

إسلاميو تركيا.. مشروع في تجنب المعارك الخاسرة


هل يمكن للإسلاميين العرب استلهام التجربة التركية؟

أمل خيري
إسلام أون لاين

ينظر الكثيرون للتجربة التركية على أنها نموذج فريد للإسلاموية المنفتحة، التي استطاعت بذكاء الدمج بين معطيات الواقع والقيم الإسلامية؛ إلا أن عوامل نجاح هذا النموذج لم تلق الاهتمام الكافي من التحليل، فالتحليلات المادية البنيوية للظاهرة الإسلاموية وما بعد الإسلاموية تعتبر العولمة والتغريب هما المتغيرين الأساسيين اللذين أحدثا التحول في سلوك الإسلاميين نحو الانفتاح.

وعلى الرغم من أن الدراسات الأكاديمية قد لفتت الانتباه إلى العولمة، وإلى إخفاق تجارب الحكومات الإسلامية السابقة سواء في تركيا أو خارجها كعوامل لها تأثير على تحول الإسلاميين، فإن المتغير الاجتماعي- الثقافي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار كذلك.

وهو الأمر الذي دعا إحسان يلمازIhsan Yilmaz لدراسة العوامل التي أدت إلى تغيير طبيعة الإسلام السياسي في تركيا، لمعرفة الأسباب الحقيقية لظهور الإطار المعياري المتسامح الذي يمثله حزب العدالة والتنمية اليوم، والذي ينتمي رجاله للإسلاموية. ونشرت دراسة يلماز بالعدد الأخير لصيف 2011 من المجلة الأوروبية للاقتصاد والدراسات السياسية الصادرة عن جامعة الفاتح التركية.

الانفتاح والتسامح

يسعى يلماز في دراسته للكشف عن العوامل الرئيسية التي تقف وراء التحول الذي يشهده الإسلاميون في تركيا، والذي يتخذ طابعا خاصا يجعل الإسلاموية التركية تختلف عن غيرها من التجارب الإسلامية الأخرى. وبعيدا عن خصائص التجربة العلمانية التركية، يركز يلماز على دور حركة فتح الله جولن العالمية، التي يراها العامل الحاسم والمؤثر في جعل الإسلاميين في تركيا اليوم أكثر انفتاحا وتسامحا، دون إغفال عوامل أخرى.

لكن يبقى تأثير حركة جولن أشد فاعلية، في ظل انتشار الحركة عالميا، وما تديره من مدارس وجمعيات خيرية ومؤسسات إعلامية، صحيح أن هناك عوامل أخرى خارجية مثل: التحولات العالمية والقيود المؤسسية الداخلية التي تفرض العلمانية بقوة، إلا أن كل هذه العوامل قد لقيت الاهتمام المطلوب في دراسات أخرى.

وبناء على فرضية يلماز التي بنى عليها فكرته، يحاول في دراسته تقديم تحليل مقارن بين خطاب فتح الله جولن، وبين أفكار الإسلاميين الأتراك حول العديد من القضايا ذات الصلة بالإسلام والتي طرحت بقوة في مرحلة ما بعد الإسلاموية من بينها: العلمانية والتعددية والديمقراطية وسيادة القانون، والقومية، والدولة، الإسلام، التدين، والآخر، والحدود والحوار.

بين الإسلامية والإسلاموية

يثير مصطلح الإسلاموية أو الإسلامية Islamism الكثير من الجدل، وتتباين تعريفاته، وعلى الرغم من تداول المفهوم بكثرة خلال العقدين الماضيين، فما زال هناك خلط شديد بين الإسلام، والإسلاموية، والإسلام السياسي، حتى إن الكثير يستخدم هذه المصطلحات بالتبادل.

ويرى يلماز أن الإسلاموية مصطلح يشير عادة إلى الإسلام السياسي، وإلى أدلجة الدين واستخدام الإسلام كأداة للسياسة. ومن ثم فالإسلاموية تفترض أن الإسلام ليس دينا فحسب بل هو أيضا نظام سياسي، إلا أن الخطأ يكمن في إطلاق وصف الإسلامي أو الإسلاموي على أي ناشط إسلامي سواء في المجال الاجتماعي أو السياسي، مما وسع مفهوم الإسلاميين ليشمل كل المسلمين المتدينين أو الناشطين في المجتمع، بغض النظر عن مدى رؤيتهم الإسلام كأيديولوجية من عدمه.

ويعتبر يلماز أن هذا الاستخدام للمصطلح يطمس الفروق بين الأفراد الذين يتخذون الإسلام كفكر، والأفراد الذين يرون الدين ببساطة منحصرا في العبادات والصدقات ومساعدة المحتاجين. كما أن استخدام مصطلح الإسلام السياسي أيضا لا يعبر عن الإسلاموية، إذ إن الإسلام السياسي قد ينصرف إلى الممارسات الديمقراطية كالانتخاب على خلفية إسلامية أيديولجية، وقد ينصرف إلى محاولة أسلمة المجتمع من أعلى لأسفل وإعادة هندسته الاجتماعية.

ويستخدم يلماز في دراسته مصطلح الإسلاموية باعتباره "شكلا من أشكال استخدام الإسلام كأداة من قبل الأفراد والجماعات والمنظمات التي تسعى لتحقيق أهداف سياسية. فالإسلاموية تقدم استجابة سياسية لمواجهة التحديات المجتمعية اليوم عن طريق إقامة مؤسسات ترتكز في قيمها ومفاهيمها على أسس مستعارة من التراث الإسلامي".

الإسلاميون –إذن- يتصورون أن الإسلام يمثل دينا كاملا وجاهزا للتطبيق في المجتمع، ويضم نموذجا سياسيا، وقيما ثقافية، وهيكلا قانونيا، وترتيبات اقتصادية، وهو نظام يستجيب لحاجة كل البشر ويؤكد حقوق الإنسان، بل والأكثر من ذلك يقدم للمسلمين شعوراً باحترام النفس والثقة بها، ومن ثم يدعو الإسلاميون كل المسلمين المعاصرين للعودة لدينهم والاتحاد السياسي للأمة الإسلامية، كما يهدف الإسلاميون لتطبيق الشريعة الإسلامية بالكامل، والقضاء على التأثيرات الغربية في العالم الإسلامي، خاصة في مجالات الاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة، والتي يعتبرونها غير متوافقة مع قيم الإسلام الحقيقية والأصيلة.

ويستند خطاب الإسلاميين على رفض الغرب، ومع ذلك ليس من الواضح ما إذا كانوا يعارضون تماما مشروع الحداثة، أم أنهم فقط يختلفون مع بعض القيم والمفاهيم الغربية كالعلمانية والعقلانية والوضعية والفردية. إلا أن الواقع يؤكد أن كثيرا من الإسلاميين اضطروا للعمل في إطار الدولة القومية وتعاملوا مع منتجات غربية مثل التكنولوجيا، والنظم الاقتصادية والسياسية، لكونهم لم يطورا نظاما بديلا حتى الآن. وهناك الكثير من الإسلاميين الذين لا يجدون غضاضة في ارتداء الزي الغربي.

ما بعد الإسلاموية

ومن الإسلاموية إلى ما بعد الإسلاموية وهو المصطلح الذي استخدم لأول مرة من قبل الأكاديمي الإيراني آصف بايات عام 1996، في إشارة إلى السياق الإيراني. وكان يعني بالمصطلح حالة يتصالح فيها المجتمع مع الدين، من خلال تبني نظم حكم ديمقراطية، لكن هذه الحالة لا تعني معاداة الإسلامية بل ربما تعني –أكثر- الجنوح نحو إعادة علمنة الدين، والحد من الدور السياسي للدين. وعبر آصف بايات عن ما بعد الإسلاموية الإيرانية بكونها فكرة الدمج بين الإسلام (كدين شخصي) والحرية الفردية وحرية الاختيار، وأن ما بعد الإسلاموية ترتبط بالديمقراطية وجوانب الحداثة. ومنذ ذلك الحين، انتشر المصطلح واستخدمه العديد من الكتاب في أوروبا.

ويرى يلماز أن مصطلح ما بعد الإسلاموية يمثل توجهاً يسعى نحو المزج بين التدين والإيمان، والحقوق والحريات، والإسلام والحريات المدنية، ويركز على الحقوق بدلا من الواجبات، والتعددية بدلا من السلطة المنفردة، والمستقبل بدلا من الماضي.

تطور الإسلام السياسي التركي

منذ تأسيسها في نهاية القرن الثالث عشر، كانت الدولة العثمانية على اتصال مستمر مع أوروبا. وعندما دخلت في مرحلة الضعف في القرن السابع عشر، أدرك حكامها أن هناك حاجة حيوية للإصلاح. وفي البداية ، قاموا بالبحث عن حلول من الداخل، ثم قرروا محاكاة الغرب. وبعد إنشاء مناصب دبلوماسية دائمة للعثمانيين في العواصم الأوروبية بدأ إرسال الطلبة إلى هذه المدن، على أمل أن يعود هؤلاء الطلاب لتنفيذ عملية الإصلاح.

وعندما عاد هؤلاء الشباب حاولوا تطوير الدولة العثمانية لتتواكب مع المؤسسات السياسية الغربية، ورأوا أنه لا إصلاح إلا بتبني النموذج الديمقراطي الغربي، والنظم الأنجلوسكسونية، إلا أنهم واجهوا التيارات المحافظة.

ثم بدأ الوعي الإسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر، والذي اتخذ شكلا من أشكال الإسلام السياسي، في الوقت نفسه الذي ظهر فيه الوعي القومي التركي. بينما وجد العثمانيون الشباب فرصة لطرح أفكارهم موضع التنفيذ في عام 1876 عندما حاول الساسة الإصلاحيون الاستفادة من الفوضى في البلاد، والضغط من أجل تشكيل حكومة دستورية، فصدر أول دستور عثماني على غرار الدستور البلجيكي، والبروسي، وهو أول دستور مكتوب في التاريخ لدولة إسلامية.

ومع مجيء حزب الاتحاد والترقي للسلطة بدأ تأسيس نظام دستوري حقيقي. ولكن هذا النظام لم يدم طويلا، حيث جاء أتاتورك ليعيد الاستبداد بصورة جديدة، وحينها حاول القضاء على الهوية الإسلامية العثمانية، وبالفعل تم تهميش كل ما هو إسلامي حتى عام 1950.

وعلى الرغم من ذلك ظهرت حالة التضامن والهوية المشتركة العثمانية والإسلامية داخل تركيا الحديثة، وكان محمد عاكف (1873-1936) أول صوت إصلاحي إسلامي كممثل في الجمعية الوطنية ومؤلف النشيد الوطني للجمهورية.

وبعد أن ألغيت جميع الطرق الصوفية، استمر وجودها بصورة غير رسمية دون ضجيج. وفي المقابل، غض المسؤولون الطرف عنها، حتى إن الطريقة النقشبندية بدأت تلعب دورا بارزا، حتى خرج منها قادة صوفيون شاركوا لأول مرة في السياسة الوطنية، مثل الشيخ محمد زاهد كوتكو (1897-1980) الذي كان يحث الناس على ضرورة المشاركة في الشؤون الوطنية، ولم ير كوتكو في الدولة العلمانية عدوا مطلقا، وإنما حاول إرساء الشرعية الإسلامية بجانب الشرعية الدستورية.

وقد أثر كوتكو في العديد من الإسلاميين السياسيين، وبرعايته نشأ حزب النظام الوطني عام 1970، وحزب الخلاص الوطني عام 1972، اللذان أشرف على تأسيسهما البروفيسور نجم الدين أربكان ، والذي كان تلميذا لكوتكو، بل إن معظم قادة الحزبين كانوا من تلاميذ كوتكو.

أربكان مهندس الحركة الإسلامية

من المعروف أن حركة أربكان الإسلامية كانت تحوي مزيجا من الثقافة السنية الإسلامية والتقليدية القائمة على النظرة الصوفية، مترافقة مع خطاب تنموي. وارتكز خطاب أربكان الاقتصادي على تعزيز النظام الاجتماعي القائم على قيم وطنية بدلا من المبادئ الغربية، وتعزيز الهوية الإسلامية التركية على حساب العلاقات مع الغرب.

واعتمد أربكان على أن تطوير الصناعات الثقيلة في تركيا سيجعل منها دولة قوية تستطيع تخفيف علاقاتها مع الغرب، بل ويمكنها أن تصبح زعيمة العالم الإسلامي، تحت مظلة سوق إسلامية مشتركة، يكون فيها الدينار عملة رسمية مشتركة، وبها جيش دفاع قوي يجعلها في مصاف الدول الكبرى.

وبعد الانقلاب العسكري في عام 1980، أطيح بحزب النظام الوطني كغيره من الأحزاب السياسية الأخرى. وعندما عاد الجيش إلى ثكناته في عام 1983، قام أربكان بتأسيس حزب جديد تحت اسم حزب الرفاه، والذي لم يختلف في فكره كثيرا عن حزبي النظام والخلاص، واستطاع الرفاه حصد المزيد من الأصوات في الانتخابات، وبعد انتخابات عام 1994 المحلية، تولى العديد من قادة الحزب كرؤساء بلديات مدن رئيسية عدة مثل أنقرة واسطنبول، على سبيل المثال رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان كان رئيس بلدية اسطنبول في ذلك الوقت، وكان عضوا بالرفاه.

وفي عام 1996، أصبح نجم الدين أربكان أول رئيس وزراء تركي إسلامي، وكان من أول أعماله تقديم دعوة لقادة الصوفية لحضور مأدبة إفطار لرئاسة الوزراء. كما سعى لإقامة تعاون اقتصادي بالاتفاق مع الدول الثماني الكبرى الإسلامية تحت اسم D - 8. ومع زيادة مخاوف جنرالات الجيش والنخب العلمانية من أنشطة أربكان التي اعتبرت مناهضة للعلمانية، وبالضغط على أربكان اضطر لتقديم استقالته في يونيو 1997، فيما سمي بانقلاب ما بعد الحداثة.

وتم حل حزب الرفاه في يناير 1998، ومنع أربكان من ممارسة السياسة لخمس سنوات. ولأن الإسلاميين في تركيا يتعلمون من التاريخ فقد كان الحزب البديل جاهزا قبل صدور قرار حل حزب الرفاه، وبالفعل تأسس حزب الفضيلة بزعامة أصدقاء وتلاميذ أربكان قبل أن يتم حله عام 2001 .

الإسلام المدني

ينتقل بعد ذلك يلماز إلى حركة جولن ودورها في تشكيل الإسلاموية التركية المعاصرة، في صورة الإسلام المدني. وتعد حركة جولن من أوسع الحركات الإسلامية انتشارا على مستوى العالم، ومن أكثرها نفوذا على المستوى الفكري والحركي. لذا يسلط يلماز الضوء على أهم أفكار جولن حول العلمانية والديمقراطية وسيادة القانون.

يرى جولن أن المؤمنين بإمكانهم العيش في البيئات العلمانية، التي لا تتأسس على أساس الدين، وبالتالي فإن الدولة لا تتداخل مع الدين أو الحياة الدينية، أي إن الدولة تكون على الحياد. كما يعتبر أن هناك نوعاً من التوافق بين الإسلام وعلمانية الدولة، فالدولة الإسلامية كان لديها الحرية في اختيار شكل المؤسسات التشريعية والتنفيذية، بناء على احتياجات المجتمع، داخل إطار القواعد العامة للشريعة.

أما نظرة جولن بشأن الديمقراطية فهي معروفة، فهو دائما يؤكد أن الإسلام لا يقترح شكلا معيناً من أشكال الحكم، بل يحدد المبادئ الأساسية التي توجه الحكومة، ويترك للشعب اختيار نوع وشكل الحكومة حسب الوقت والظروف. فالإسلام يرى أن المجتمع يتكون من أفراد واعين ولديهم إرادة حرة تمكنهم من تحمل المسؤولية تجاه أنفسهم والآخرين. ولا يعني فهم جولن لحكم الأغلبية السماح بطغيان الأغلبية وانتقاص حقوق الأقلية، بل على العكس ينبغي السماح للأقليات المختلفة في العيش وفقا لمعتقداتهم.

في حين يرفض جولن القومية، على اعتبار أن المسلم الملتزم يجب أن يحب الجميع، ولا يستبعد أحدا، كما أن جولن لديه العديد من الأتباع والمتعاطفين معه في جميع أنحاء العالم، حتى من الأكراد، وهو يعتبر أن القوميين يقومون باستبعاد القوميات الأخرى وهو ما يرفضه فكريا، خاصة أن أحد أبرز أساتذته وهو سعيد النورسي كان كرديا، وكثير من أصدقائه الحاليين أيضا من الأكراد.

استمر فتح الله جولن بعيدا عن الحدة الإيديولوجية، التي يواكبها دمج الدين بالسياسة، فهو يرى أن السيادة للأمة دون قيد أو شرط. كما يرفض جولن بشكل قاطع الفكر الشمولي للإسلاموية، باعتبار العقيدة الشمولية منافية تماما لروح الإسلام، التي تعزز سيادة القانون وترفض علنا القمع ضد أي شريحة من شرائح المجتمع. وبهذه الروح فالإسلام يشجع أيضا إجراءات تحسين أحوال المجتمع وفقا لرأي الأغلبية.

ومن ثم فإن جولن يرى أن الإسلام ينبغي أن يقدم كمكمل للديمقراطية لا كبديل لها، فالإسلام يمكنه أن يثري الديمقراطية في الجانب الروحي من خلال الاستجابة لاحتياجات البشر العميقة، مثل الارتياح الروحي.

وأعلن جولن مرارا أنه لا يوجد شكل محدد لإدارة الانتخابات أو نظم الحكم في الإسلام، والتاريخ الإسلامي شهد تنوعا كبيرا، ولا مانع من الاجتهاد في شكل جديد، كما لا يوجد مانع أن يعمل الإسلاميون في ظل نظام غربي طالما لم يكن لهم الأغلبية.

وتمتاز حركة جولن بالدعوة للإسلام بانفتاحية من خلال التعليم والتنمية، لا بالتشدد، ويدعو إلى إعادة إحياء المفاهيم الصوفية من خلال التركيز على تجديد الإيمان الداخلي. ولا ننسى أن نفس هذا النهج اتبعه من قبل حسن البنا في مصر ومحمد إقبال في الهند وسعيد النورسي في تركيا، فكلهم كانوا يعون تماما البعد الروحي للإسلام.

وفي حين ركز الإسلاميون على الممارسات السياسية، اقتصر تركيز جولن على الأنشطة الاجتماعية والتعليمية والتنموية والروحية. حيث يعتبر جولن كتاب الله معينا لا ينضب من الحكمة لا ينبغي حصره في الخطاب السياسي أو اعتباره كتابا عن النظريات السياسية أو أشكال الدولة. بل لقد رأى جولن أن استخدام القرآن كأداة في الخطاب السياسي هو عدم احترام لذلك الكتاب المقدس، ويشكل عائقا يحول دون استفادة الناس من هذا المصدر العميق.

جولن والآخر

لا يعترف جولن بتقسيم العالم إلى دار الحرب ودار الإسلام، ويعتبر هذه الحدود بين الدارين وهمية، فهو يظل مسلماً حتى لو أقام في دولة لا تطبق شرع الإسلام، ومن ثم فهو لا يرى المسلمين في مقابل الآخرين. كما أنه لا يعتقد بعملية محاولة إحياء الخلافة.

انتقد جولن أيضا ما فعله أربكان من التوجه نحو العالم الإسلامي على حساب الغرب؛ إذ إنه يرفض فكرة أن الصدام بين "الشرق" و"الغرب" أمر لا مفر منه. ولذا عمل جولن على تشجيع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ويرى كثير من المحللين أن أفكار جولن هذه قد لعبت دورا رئيسيا في تخفيف حدة الاحتقان الأوربي تجاه الجماعات الإسلامية، خاصة أن كثيرا من هذه الجماعات كانت تنتقد أفكار جولن في البداية ثم ما لبثت أن تبنتها، بعد أن ظلوا مقتنعين أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يشكل تهديدا للأمن التركي والثقافة الإسلامية.

وعلى النقيض من الوهابية والجهادية والصوفية سعت حركة جولن لتقديم وجهة نظر إيجابية للعالم كله، والدعوة إلى الحوار مع الجميع.

حزب الفضيلة

بعد التعرف على أهم أفكار جولن يحاول يلماز تحديد مدى تأثير هذه الأفكار في الإسلاميين الأتراك في مرحلة ما بعد الإسلاموية. والتي تمثلت في حزب الفضيلة، الذي رأى أن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تنجح في تفادي المواجهة مع المؤسسة الكمالية، تتمثل في العزوف عن استخدام الخطاب الديني في السياسة.

وبالفعل بدأ الحوار الداخلي بين الإسلاميين حول هذا التوجه، وترتب عليه حدوث انشقاق داخل الحركة بين مجموعتين مختلفتين: المجموعة التي أُطلق عليها التقليديون؛ ممثلين في نجم الدين أربكان وريكاي قوطان، وهذه المجموعة عارضت أي تغيير جدي في النهج أو السياسة، أما المجموعة الثانية فتمثلت في مجموعة من الشباب بقيادة رجب طيب أردوغان، وعبد الله غول، وهذه المجموعة رأت أن الحزب بحاجة إلى مراجعة وتجديد النهج لعدد من المسائل الأساسية، خاصة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعلاقات مع الغرب.

وقد انعكس تأثير هذه المناقشة الداخلية في النظام الأساسي لحزب الفضيلة، والذي بدا أنه لا يعبر عن الإسلام السياسي، بل على العكس تبنى الكثير من القيم الغربية، حتى أصبح حزبا ليبراليا محافظا، ورفض الحزب استخدام الدين والعلمانية على حد سواء في السياسة، كما رفض نائب الرئيس أي تفاهمات سياسية قائمة على استغلال الدين أو الرموز الدينية.

وبدأ أعضاء الحزب من الشباب ينتقدون علنا حزب الرفاه على أساس أنه ارتكب خطأ باستخدام الدين. وأكد أردوغان أن الدولة لا يمكن ولا ينبغي أن يكون لها أن تكون دينية، وأكد أيضا أهمية الديمقراطية واقتصاد السوق الحرة وحقوق الإنسان.

علاوة على ذلك، وخلافا للإسلاميين في كثير من البلدان الأخرى، قطعت الحركة الإسلامية التركية علاقاتها مع التقليد، ولم تستسلم لحرفية الخطاب، وهو ما ساعدها على البقاء بعيدا عن التطرف في الدين.

حزب العدالة والتنمية

ولد حزب العدالة والتنمية من رحم حزب الفضيلة، والذي ضم مجموعة الشباب الإصلاحيين الذين أكدوا على احترام حقوق الإنسان والديمقراطية ومبادئ السوق الحرة. وقدموا نموذجاً يجمع بين الإسلام والليبرالية الديمقراطية بالقيم المحافظة، ومع الإقرار بأهمية الدين والمعتقدات الشخصية، فإنهم يقيمون أنفسهم داخل الإطار الدستوري العلماني.
وبالطبع تعرض الحزب للعديد من الانتقادات الراديكالية القاسية حتى من أربكان وحزب السعادة، ومع ذلك ظل حزب العدالة والتنمية يقدم نفسه على أنه الحزب الديمقراطي المحافظ، مما يعني ضمنا أنه حزب ديمقراطي مسلم مماثل لحزب الديمقراطيين المسيحيين في أوروبا الغربية.

وسعى الحزب لتعزيز الهوية التقليدية المرتبطة بنجاح العدالة الاجتماعية، ونتيجة لذلك اجتذب الكثير من الأصوات الانتخابية، حتى إنه اجتذب أصوات الإسلاميين المتشددين الذين كانوا من قبل يدعمون حزب الرفاه، وحصل الحزب على 34% من أصوات الناخبين في انتخابات نوفمبر 2002، ثم زاد نصيبه إلى 47% من الأصوات في انتخابات يوليو 2007، وللمرة الثالثة على التوالي يحصل على نسبة 50% في انتخابات 2011.

جولن وحزب العدالة

يعود يلماز مجددا للحديث عن العوامل التي أدت للتحول في فكر الإسلاميين في تركيا، ويؤكد أن هناك الكثير من العوامل التي لا يمكن إغفالها، من بينها العولمة، وفشل تجارب الحكم الإسلامية السابقة في دول مثل السودان وباكستان وإيران.

ومع ذلك تظل للتجربة التركية خصوصيتها، خاصة أن الإسلاميين رغبوا في تجنب المواجهة مع جنرالات الجيش الذين يحافظون بقوة على العلمانية، ويعملون على منع وصول الإسلاميين للحكم، كما حدث مسبقا مع حزب الرفاه، ومع ذلك يبقى العامل الأكثر حسما وهو تجربة الإصلاحات الموجهة نحو التصدير، التي اتبعها تورجوت أوزال في الثمانينيات، والتي شجعت كثيرا من الملتزمين دينيا، ذوي النزعة الليبرالية البرجوازية اقتصاديا ليصبحوا اللاعبين الرئيسيين في الساحة الداخلية التركية. وهذه الفئات الجديدة كانت أكثر ليبرالية من غيرها، حتى إنها اكتسبت خبرة كبيرة في الأعمال التجارية القائمة على الثقة بالنفس، وتخفيف الخوف من العالم الخارجي.

ومن ثم أصبحت أكثر مرونة وتكيفا مع الآخر، وهذه الفئة الجديدة أيدت ضمنا الانضمام للاتحاد الأوروبي. وتشكل هذه النخبة من رجال الأعمال المحافظين اجتماعيا والليبراليين اقتصاديا العمود الفقري لدعم حزب العدالة والتنمية.

ومع أهمية كل هذه العوامل يرى يلماز أن أكثر العوامل أثرا في تعديل الخطاب الإسلامي في تركيا يعود لأفكار جولن. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر تبنى جولن خطابا انفتاحيا، كان له تأثير على توجه الإسلاميين في تركيا نحو رفض النهج التصادمي، والتقارب مع الأفكار الغربية والمؤسسات الغربية.

كما استفاد الإسلاميون في تركيا من حركة جولن في انفتاحها على المجتمع، فأصبح الجيل الجديد من الشباب أكثر اتصالا مع الشارع، خاصة أنهم علموا جيدا من خلال استطلاعات الرأي أن الشعب التركي لن يصوت للإسلاميين، فكان تلاحمهم مع الناس والخدمات الاجتماعية أحد مفاتيح الوصول لأصوات الشعب في الانتخابات.

ومن الجدير بالذكر أن العديد من رجال الأعمال فضلا عن بعض قادة وأعضاء حزب الفضيلة، ثم حزب العدالة والتنمية فيما بعد قد دفعوا بأبنائهم للدراسة في مدارس جولن. ومن الواضح أن ما دعا إليه جولن على مدى العقود الثلاثة الماضية من الحاجة إلى مواءمة الإسلام مع الحاضر، قد لاقى صداه في ممارسات الإسلاميين، فقد بعث جولن مرارا برسالة إلى العالم مفادها أن المسلمين يمكنهم التحول للديمقراطية والتكيف التدريجي مع العولمة دون أن يفقدوا خلفياتهم ومعالمهم الدينية.

ونتيجة للتأثير الثقافي والديني لحركة جولن بين الطبقات السياسية داخل المجتمع، اندفعت الحركة الإسلامية نحو الوسطية، وفتح الطريق نحو الاندماج في الواقع الجديد للعولمة. فخطاب جولن الانفتاحي أضعف تأثير أربكان الاجتماعي المحافظ لدى قاعدة كبيرة من الإسلاميين.

ويجب أن نلاحظ أيضا انتشار وسائل الإعلام لحركة جولن في كل أنحاء الأناضول، فصحيفة زمان حاليا يوزع منها في معظم البلاد ما بين 800 ألف و100 ألف نسخة يوميا، وقناة سامانيولو هي واحدة من قنوات التلفزيون الرئيسية في البلاد، وتشاهد على نطاق واسع في الأناضول خاصة من قبل طوائف الشعب اليمينية والمحافظة والدينية.

استلهام التجربة التركية

ويتوقع يلماز أن تستلهم كثير من الحركات الإسلامية في العالم تجربة الإسلاميين في تركيا وأفكار جولن في تطوير الخطاب الإسلامي ليتوافق مع التعددية الثقافية في ظل العولمة. خاصة أن الحركة لها انتشار عالمي واسع من خلال مدارسها، وكذلك من خلال مجلة حراء التي بدأ نشرها بالعربية منذ 2005 باعتبارها جسرا ثقافيا بين الأتراك والعرب، وكمنتدى للقضايا الملحة التي تشغل العالم الإسلامي، وكأداة لترسيخ رؤية متجددة لعلاقة العالم الإسلامي الفكرية والاجتماعية والسياسية بالواقع العالمي المعاصر.

ويؤكد يلماز في ختام دراسته أنه لا يَدَّعِي أن التجربة التركية فريدة من نوعها تماما، أو أنها يمكن نسخها ولصقها مباشرة في سياقات أخرى. علاوة على ذلك فإن الإسلاميين في كثير من البلدان الأخرى يمرون أيضا بمرحلة انتقالية. ولكنه فقط يتصور أن التجربة التركية وتأثير حركة جولن سوف يتفاعلان معا، مما يمهد الطريق لمزيج جديد من الإسلاميين أكثر انفتاحا.



الثلاثاء، 28 يونيو، 2011

إسرائيل والإسلاميون العرب.. قلق لا ينتهي


بعد هبات رياح التغيير العربي
إسرائيل والإسلاميون العرب.. قلق لا ينتهي
أمل خيري
إسلام أون لاين – القاهرة
في الوقت الذي اجتهدت فيه الأنظمة العربية لإثارة الخوف المصطنع تجاه الإسلاميين مدى العقود السابقة لتوطيد أركان حكمها، تعيش اليوم إسرائيل قلقا حقيقياً في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، فهل يأتي ربيع التغيير العربي بالإسلاميين ليحولوا الحلم الإسرائيلي كابوسا؟.
حول هذا الموضوع صدر قبل أيام العدد الجديد من مجـــــلـــة واشنــــــــطن الفصليـــــــــــــــــــة Washington Quarterly)(The، وضم العدد دراسة لـ"دانيــــــال بايمــــــــــــان[1]Daniel Byman" تحت عنوان:" نظرة إسرائيل المتشائمة للربيع العربي"، استعرض فيها قائمة من المخاوف الإسرائيلية تجاه موجة الثورات التي تجتاح المنطقة العربية، التي رأى أن بعضها قد يكون مفهوماً ومشروعاً، لكن بعضها الآخر مبالغ فيه أو غير صحيح بإطلاق.
الأعداء.. أصدقاء
من أكبر مخاوف إسرائيل موقف الشعوب العربية من السلام معها، فعلى مدار تاريخ إسرائيل لم تكن مصر سوى العدو اللدود التي خاضت حروباً دامية معها منذ 1948 وحتى 1973، ولم يتبدل الأمر إلا بعد توقيع الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، وهنا أصبح أعداء الأمس أصدقاء بل وشركاء.
ومع ذلك تعتقد إسرائيل أن هذا السلام لم ينل رضا الشعب المصري، فلم يمض على توقيع معاهدة السلام سوى عامين حتى اغتيل السادات بيد جماعات إسلامية رفضت هذا السلام، لذا مازالت إسرائيل حتى اليوم تحرص على تكريم ذكراه.
وحينما تولى مبارك الحكم لم يحز رضا الشعب الإسرائيلي كله كما فعل السادات أو الملك حسين على سبيل المثال، لكنه لعب دوراً هاماً في الحفاظ على معاهدة السلام، وشريكاً متعاوناً في مجال مكافحة الإرهاب، وعدواً لإيران الخصم اللدود المشترك، إضافة لالتقائه مع إسرائيل في أهداف استراتيجية عدة، وأخيراً فإن نظامه كان يبدو راسخاً وثابتاً، مما بث الطمأنينة في قلوب الإسرائيليين.
ويشير المحلل الإسرائيلي "ألوف بِن Aluf Benn" إلى أن ''إسرائيل قد استبدلت ثمانية رؤساء وزراء، وخاضت العديد من الحروب، وانخرطت في محادثات السلام مع شركاء متعددين، وكان الرئيس مبارك دائماً هناك''، كل هذا الميراث التاريخي يثير مخاوف الإسرائيليين مما هو قادم في مصر، فإسرائيل لا تخشى من الثورة المصرية سوى أن تأتي بالإسلاميين متمثلين في الإخوان المسلمين، الذين ربما يكتسبون المزيد من القوة، سواء بصورة مشروعة من خلال انتخابات ديمقراطية، أو من خلال الاستيلاء على السلطة أثناء فترة الفوضى، وإسرائيل لا تنسى للإخوان المسلمين انتقادهم الدائم السادات ومن بعده مبارك، لحفاظهما على السلام مع إسرائيل، معتقدين أن هذا السلام كان أحد العوامل التي نزعت صفة الشرعية عن نظام مبارك.
الإخوان ومعاهدة السلام؟
مازال الأمر غامضاً تجاه مستقبل معاهدة السلام في مصر ما بعد مبارك، وإن كان بعضهم يرجح أن هناك توجه كبير لإلغاء المعاهدة خاصة إذا تولى الإسلاميون السلطة، فالمحللون الإسرائيليون يؤكدون ذلك باستعارة عبارة منسوبة إلى رشاد البيومي أحد قياديي الإخوان المسلمين في فبراير الماضي وقبل تخلي مبارك عن منصبه إذ قال: " بعد أن يتنحى الرئيس مبارك عن منصبه ويتم تشكيل حكومة مؤقتة، فسيكون هناك حاجة إلى إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل''.
وعلق المحلل السياسي الإسرائيلي "يوسي كلاين هاليفي Yossi Klein Halevi"، على ذلك بقوله إنه في حال نجاح الإخوان المسلمين في الانتخابات فستتولى الحكم حركة مناهضة للسامية وملتزمة بإنهاء معاهدة السلام بين مصر والدولة اليهودية، أما "باري روبين Barry Rubin," وهو محلل إسرائيلي أخر، فيحذر من عودة مصر مرة أخرى لاعتناق القومية المتطرفة وأن تجدد تحالفها مع سوريا.
وبعد أن يورد "بايمان" – كاتب الدراسة – هذه المخاوف الإسرائيلية، يرى بأن شعبية الإخوان المسلمين وإمكانيات توليهم السلطة تبدو غامضة، صحيح أن هناك مؤشرات تدل على دعم كثير من فئات الشعب المصري للإخوان، إلا أن هذه النسبة ربما لا تتعدى 20% من إجمالي المصريين، والمشكلة في نظر بايمان ليست في عدد مؤيدي الإخوان بقدر ما تتعلق بتشتت القوى العلمانية المنافسة وعدم تنظيمها.
ويؤكد بايمان أن جماعة الإخوان المسلمين قد رفضت استخدام العنف في ظل حكم مبارك - على الرغم من تشكك بعض الإسرائيليين في أن هذا التخلي عن العنف كان مدفوعاً بقوة الأمن وليس عن قناعة بالتخلي عن العنف- كما أنهم أعلنوا تمسكهم بالديمقراطية وأنهم لا يسعون إلى الانفراد بالسلطة، بل وأكدوا عدم تقديم مرشح للرئاسة من أجل تهدئة المخاوف في مصر وكذلك في الخارج حول قوة الجماعة، ومع ذلك تظل جماعة الإخوان قوة مؤثرة وعاملاً هاماً في تحديد السياسة المصرية في السنوات القادمة.
الإخوان ليسوا وحدهم

ويشير بايمان إلى أن ما يزيد من خشية إسرائيل من الثورة المصرية أنها أظهرت لها أن هناك الكثير من المصريين الذين يشاركون الإخوان في مشاعر الكراهية نحو إسرائيل، وليس أدل على ذلك من هتافات بعض الثوار في ميدان التحرير التي وصفت مبارك بالعميل الصهيوني، بل وعلق البعض دمية تمثل مبارك مشنوقة وبجوارها نجمة داوود في إشارة لعلاقته بإسرائيل، مع ترديدهم عبارة "الله أكبر".
ليس هذا فحسب بل إن بعض الناشطين المصريين المعتدلين الذين يتمتعون بدعم من واشنطن ، مثل أيمن نور أو محمد البرادعي -الحائز على جائزة نوبل- قد دعوا إلى إعادة النظر في معاهدة السلام مع إسرائيل أو عرضها على الشعب في استفتاء.
فأيمن نور أعلن أن عصر كامب ديفيد قد ولى وأنه يدعو لإعادة النظر فيها وليس لإلغائها، والإخوان أنفسهم أعلنوا أنهم ملتزمون بالمعاهدات التي وقعتها مصر، وأنهم رغم معارضتهم السلام مع إسرائيل فلن يقدموا على إلغاء المعاهدة، إلا أن كل هذه المواقف ربما تتغير في حالة وجود نظام ديمقراطي حقيقي، إذ لا يمكن للسياسيين الهرب دائماً من وعود حملاتهم الانتخابية.
وتظل المشاعر المعادية لإسرائيل قوية في مصر، ففي استطلاع أجراه "منتدى بيو" بعد سقوط مبارك وجد أن 54% من المصريين يميلون لإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، وعلى الرغم من ذلك يشير بايمان إلى أنه من المستبعد أن تُقدم الحكومة المصرية على إلغاء معاهدة السلام على المدى القريب، في ظل وهن الاقتصاد المصري الذي يعتمد على أكثر من مليار دولار معونة سنوية من الولايات المتحدة، بل ويعتمد اقتصادها كثيراً على السياحة والاستثمار الأجنبي، وبالتالي لا يمكن تصور إقدام مصر على خوض حرب تدمر اقتصادها.
ومن أجل هذه العوامل يعترف كثير من النخب المصرية بأهمية السلام وضرورته، رغم معارضتها السياسات الإسرائيلية، ورغم رفض أغلبيتها شرعية الدولة اليهودية، وهناك الكثير من النخب التي قبلت السلام على مضض مدى أكثر من ثلاثين عاماً، لعلمها أن الحرب ستكون كارثية على مصر، وهناك من يتعامل مع إسرائيل على أنها أمر واقع.
خسارة الحليف الأكبر
ويعود بايمان ليؤكد ترجيحه باستمرار معاهدة السلام، ومع ذلك تظل بقية المخاوف الإسرائيلية، فمبارك الذي كان صديقاً لإسرائيل لم يقم بزيارتها مدى ثلاثين عاماً سوى مرة واحدة لحضور جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين وأعلن حينها أنه لم يأت للزيارة، ومع ذلك قدم الكثير لإسرائيل كالتعاون الاستخباراتي والضغط على دول عربية أخرى لتبني مبادرات السلام، كما أنه ساعد إسرائيل كثيراً على احتواء حماس، وأظهر عداءه لإيران، إلا أنه بمجرد خروجه من السلطة تجددت المخاوف لدى الجانب الإسرائيلي من استعادة العلاقات المصرية الإيرانية، كما صرح بذلك نبيل العربي وزير الخارجية المصري السابق.
لكن القلق الإسرائيلي أيضاً يأتي من جانب الحلفاء الآخرين الذين وقعوا أيضاً معاهدات سلام مع إسرائيل، مثل الأردن التي تتعاون أيضا بشكل وثيق في مجال الاستخبارات، وكثيراً ما قدمت العون إلى الجانب الإسرائيلي من خلال وقف عمليات التسلل إلى الضفة الغربية، أو كما يعدها الإسرائيليون شريكاً في مكافحة الإرهاب، والملك عبد الله، الذي سار على درب والده يُعد صديقاً وحليفاً هاماً لإسرائيل، ومع ذلك يبدو أنه لا يحظى بشعبية بين أبناء شعبه، فالمظاهرات عمت أرجاء الأردن تطالب بتشكيل حكومة شعبية وهناك احتمالات لتولي الإخوان المسلمين أيضاً زمام القيادة حال تشكيل مثل هذه الحكومة، وفي هذه الحالة ربما تخسر إسرائيل حليفاً آخر، ليصبح بين عشية وضحاها عدواً لها.
استنساخ مبارك
ويقول بايمان إن إسرائيل حاولت في السنوات السابقة زيادة حلفاءها في المنطقة، سواء في الأردن أو فلسطين، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تعده إسرائيل حليفاً معتدلاً، وأقرب الشخصيات المستنسخة من مبارك، قد تخسره إسرائيل أيضاً إذا عصفت رياح الديمقراطية بالمنطقة، وبخاصة أن الجانب الفلسطيني قد تغير مشهده أعقاب الثورة المصرية كثيراً.
مع ملاحظة أن وصف عباس بالمعتدل لا ينطبق إلا على علاقته بإسرائيل فقط، إذ أنه في الداخل الفلسطيني رمز للاستبداد، وقمع الحريات، في حين أنه مستعد دوماً للسلام مع إسرائيل، بل ولعب الدور الأكبر في سحق حماس التي يميل الرأي العام الفلسطيني إليها، ومن ثم فإن أكثر ما تخشاه إسرائيل أن يدوم اتفاق المصالحة بين فتح وحماس، الأمر الذي دعا نيتنياهو إلى تخيير عباس بين الصلح مع حماس أو السلام مع إسرائيل.
حلفاء الباطن
ويرى بايمان أن الجانب الأكثر غموضاً يتمثل في التغيير في سوريا، فالمعلن أمام لرأي العام أن نظام الأسد من أشد أعداء إسرائيل، لعدة أسباب من أهمها دعمه حماس، وعلاقته القوية بإيران وحزب الله، ومع ذلك تخشى إسرائيل التغيير في سوريا بسبب حقيقة يغفل عنها الكثيرون، وهي حقيقة وجود قواعد خفية في العلاقات الإسرائيلية السورية تختلف تماماً عن الموقف المعلن، ففي الوقت الذي تدعم فيه سوريا حماس فإنها تقيد من أنشطة الجماعة الإسلامية، وفي لبنان تدعم سوريا حزب الله لكنها ما تلبث أن تحبط بعض نشاطاته حين تتهدد مصالح دمشق.
والخوف أن تأتي حكومة جديدة لا تعرف شيئاً عن هذه القواعد الخفية فتتصاعد موجات الكراهية لإسرائيل، بل حتى لو بقي الأسد في السلطة، فربما يحاول أن يلعب على وتر تصعيد مشاعر العداء مع إسرائيل لكسب تعاطف السوريين وصرف أنظارهم عن قمعه واستبداده.
إسرائيل والشعوب
يرى بايمان أن إسرائيل استخدمت في الماضي ذريعة انعدام الديمقراطية في العالم العربي لتبرير تحالفها مع الولايات المتحدة وعزلتها في المنطقة، حين صورت نفسها على أنها الجزيرة الديمقراطية الوحيدة في محيط من الاستبداد، وبعد تولي حماس السلطة عبر انتخابات نزيهة بدأت مخاوفها، واليوم تصاعدت المخاوف إلى القمة مع رياح التغيير الديمقراطي التي تجتاح المنطقة إذاً إسرائيل تخاف الشعوب، ففي استطلاع أجرته جامعة ميريلاند عام 2010 تبين أن 90% من العرب يعدون إسرائيل الخطر الأكبر، والحقيقة المرة التي ينبغي على إسرائيل الاعتراف بها هي أن وجود حكام ديكتاتوريين هو الضمان الأفضل لمصالحها والحفاظ على معاهدات السلام، لأن الديكتاتور يكون منعزلاً عن الشعب ولا يمثله، والخوف كل الخوف من صوت الشعوب التي لا ترى في إسرائيل سوى الشيطان الأكبر.
ويقول بايمان، دعونا نكن أكثر وضوحاً حين نؤكد على أن أخطر ما يشغل إسرائيل ويثير مخاوفها مما تشهده المنطقة العربية من تغييرات ينحصر في أمرين لا ثالث لهما، وهما المواجهة مع حكومة حماس في قطاع غزة، والخوف على عملية السلام.
الأزمة القادمة في غزة

فمنذ سيطرة حماس على قطاع غزة في عام 2007 ، سعت إسرائيل إلى احتواء وتقويض النظام الإسلامي بمزيج من ضغوط العزلة الدبلوماسية والاقتصادية، وتوجيه ضربات عسكرية في بعض الأحيان، وصلت إلى قتل ما يزيد عن 1000 فلسطيني خلال حربها الأخيرة على غزة (2008-2009)، ومع ذلك عززت حماس من سلطتها، بل وأصبح لديها الآن صواريخ يمكن أن تصل إلى أبعد من البلدات الإسرائيلية القريبة، حيث يمكنها ضرب المدن الكبرى مثل عسقلان وأشدود وبئر السبع، وربما حتى تل أبيب.

في الوقت نفسه، ومنذ عملية الرصاص المصبوب ، التزمت حماس إلى حد كبير بوقف إطلاق النار، و أحياناً تقوم مجموعات مثل الجهاد الإسلامي وغيرها من الجماعات ذات الايديولوجية الأقرب إلى أسامة بن لادن بضرب إسرائيل، لكن حماس لا تشارك في ذلك لأن حماس تعي تماماً الآن أنها تحكم غزة، بالتالي فإنها لا تركز فقط على محاربة إسرائيل، ولكن أيضا على الازدهار في قطاع غزة، لمنع الوضع الاقتصادي الكارثي في ​​القطاع من أن يزداد سوءاً، دعماً لموقفها السياسي.

وتحت حكم مبارك، ساعدت مصر إسرائيل ضد حماس بهدوء، الأمر الذي آثار غضب حماس كثيراً، فمن جانب أبقت مصر على معبر رفح مغلقاً أغلب الوقت، كما قامت بمساعدة إسرائيل في تقييد تدفق السلع والأشخاص إلى غزة وخارجها، وفي الأشهر الأخيرة من حكم مبارك ، استجابت مصر لدعوة إسرائيل لبناء جدار يمتد في أعماق الأرض على الحدود لعرقلة إقامة الأنفاق.
ومع الثورة المصرية زاد التعاطف الشعبي مع سكان غزة، وشبه البعض مصر بالسجان الذي حبس الفلسطينيين نيابة عن إسرائيل وواشنطن، وعدَّ بعضهم ذلك إهانة كبيرة، مما اضطر الحكومة المصرية المؤقتة بعد الثورة إعلان عزمها فتح معبر رفح بشكل دائم، ومن المتوقع أن يكون هناك ضغط شعبي أكبر لمساعدة غزة وحماس مباشرة، وليس فقط في إنهاء الحصار، ومن هنا يأتي الخوف مرة أخرى من الإخوان المسلمين الذين سيرون في حماس حليفاً مستقبلياً بعد أن فقدت إسرائيل مصر الحليف القديم، وهذا ما يجعل إسرائيل ترتعد فرائصها كلما أطلقت حماس صاروخاً عليها أو أرسلت أحد فدائييها للقيام بمهمات انتحارية.
تقويض السلام
أما التهديد الثاني المحتمل للثورات العربية فيتمثل في السلام والاستقرار الإسرائيلي، فإذا كان مبارك قد رحل فمن الممكن أيضاً أن يرحل الأسد وعباس وغيرهما، وإذا لم يرحلا فسيخضعان لمزيد من الضغوط الشعبية، كل هذا دعا الإسرائيليين إلى مطالبة المجتمع الدولي بعدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ربط بعضهم الاعتراف بها بشرط أن تكون منزوعة السلاح.
ويؤكد بايمان أن على إسرائيل أن تفيق من سباتها وتعترف بحقيقة أن مبارك رحل، وأنه لن يعود، وأن الحكومات الموالية للغرب تزعزعت أركانها من البحرين إلى المغرب، والأمل الوحيد لدى إسرائيل أن تفشل الديمقراطية في مصر وبالتالي في بقية الدول العربية، وأن تستطيع إسرائيل إقناع العالم أن النموذج الغربي للديمقراطية لا يصلح للعرب، وأن التهديد الفعلي لأمن إسرائيل يكمن في أن تتحول مصر دولة ديمقراطية بحيث تصبح الزعيم المحتمل للمعسكر الديمقراطي العربي، وهنا على إسرائيل الاستعداد لاحتمالات عودة الصراع، لذا فمن الأفضل لها أن تغتنم فرص السلام وأن تكون أقل ميلاً للانخراط في تصعيدات مع الجيران قد تودي بها إلى كارثة محققة في ظل رفض الشعوب لها.

[1]دانيال بايمان هو أستاذ في برنامج الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون، ومدير البحوث في مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينجز، وهو أيضاً مؤلف " انتصارات وإخفاقات مكافحة الإرهاب الإسرائيلي"، الصادر عن جامعة أكسفورد، وكاتب في العديد من الصحف والمجلات،وعضو هيئة التحرير لمجلة واشنطن الفصلية.

الاثنين، 27 يونيو، 2011

هل بدأت ديمقراطية الشجرة في العودة؟


أمل خيري

ماذا تعني كلمة ديمقراطية؟

تعني حكم الشعب نفسه بنفسه.

ما المقصود بديمقراطية الشجرة؟

هي أول صورة تطبيقية لمفهوم الديمقراطية في اليونان القديمة. حيث يجتمع رجال وشباب القبيلة تحت الشجرة بزعامة رئيس القبيلة ليقرروا كيفية إدارة شئون القبيلة، في كل شيء حتى في الدخول في الحروب أو عقد صلح أو معاهدات مع القبائل الأخرى.......وفي نهاية كل اجتماع يتم التصويت على القرارات، ليؤخذ برأي الأغلبية.

وما الجديد إذن؟ أليست هذه هي الديمقراطية في كل الدول؟

الإجابة لا

لأن الديمقراطية الحقيقية يجب أن تنتهي بإقرار رأي الأغلبية، وتلتزم الأقلية بهذا الرأي. أما ديمقراطية الشجرة فكانت تنتهي نهاية غريبة.

فالأقلية التي رفضت القرار تحمل على ظهرها متاعها وتخرج من القرية، لتبحث عن قرية أخرى لأنها لا تستطيع البقاء في مكان لم يأخذ برأيها ولا تستطيع تنفيذ قرار لا توافق عليه.

ببساطة كأنهم يقولون: نحن مقتنعون برأينا وهو الأفضل، لكن طالما جاءت الأغلبية مع رأي آخر فلن نلتزم به وسنذهب لمكان آخر نفرض نحن فيه رأينا، وندع الأغلبية تتصرف بناء على ما اتخذته من قرارات لكن بعيدا عنا.

لم يكن الأمر ينتهي عند هذا الحد، فبعد أن يُكَوِّن الراحلون عن القبيلة قبيلتهم الخاصة أو ينضمون لقبيلة أخرى، ويجتمعون لاتخاذ القرارات فإنهم يحملون متاعهم معهم في كل اجتماع تحسبا أن يوافق الأغلبية على قرار هم معترضون عليه أو أن يعترضوا على اقتراح لهم.

وهكذا تمضي ديمقراطية الشجرة على هذا المنوال:

كلما اعترضت على قرار اتخذته القبيلة بناء على رأي الأغلبية أسجل اعتراضي بأن أجمع حاجاتي وأرحل عنها، لأنضم لقبيلة أخرى، أو أنشئ قبيلة جديدة مع بعض الراحلين مثلي لالتقائنا في الرأي.

وتمضي بي الحياة في رحلة طويلة لا أستقر فيها على هدى لأني لا أريد أن أحترم قواعد اللعبة الديمقراطية.

وفي النهاية فشل هذا النظام عبر التاريخ، وظهرت الصورة الأقرب للواقع بأن يختار الشعب ممثليه الذين يتخذون قراراتهم بالأغلبية ويلتزم الأقلية بهذا الرأي رغم ما قد يعتقدونه بخطأ الأغلبية أو فساد رأيهم أو جهلهم، ورغم عدم اقتناعهم به.

أشعر أن مصر اليوم تعود لتمارس ديمقراطية الشجرة، وكأننا لا نريد أن نتعلم من التاريخ. هذا حزب أو تلك جماعة (القبيلة) تأخذ قراراتها بالأغلبية، فماذا أفعل كأقلية رفضت هذا القرار؟

  • إما أن أحترم إرادة الأغلبية، وأبقى داخل القبيلة و أنفذ ما اتفق عليه الأغلبية.
  • أو آخذ متاعي وأرحل وأنفصل عن الجماعة أو الحزب، لأنضم لحزب آخر أو أنشئ حزب جديد، وأعلن كفري بهذه الديمقراطية وعدم التزامي بها... وتمضي بي الحياة من قبيلة إلى قبيلة حتى أجد القبيلة التي حين تجتمع يكون رأيي فيها هو رأي الأغلبية. وقتها فقط أصفق للديمقراطية وأنحني لها وأعلن التزامي بقواعدها.


الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

الحركات الجهادية العابرة للحدود في القرن الإفريقي


قراءة في المشهد الحركي الإسلامي في القرن الإفريقي
الحركات الجهادية العابرة للحدود في القرن الإفريقي
أمل خيري
إسلام أون لاين
ما زال الاهتمام الغربي بدول القرن الإفريقي مستمراً، خاصة فيما يتعلق بالحركات الإسلامية، في ظل الخصوصية التي تتميز بها دول المنطقة، وفي ظل الصراعات المستمرة التي تشهدها على مدار السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار قدم معهد شمال إفريقيا السويدي (Nordiska Afrikainstitutet) [1] تقريراً بعنوان "الحركات الجهادية الإسلامية العابرة للحدود، والصراعات بين الدول في القرن الإفريقي" Transnational Islamist (Jihadist) Movements and Inter-State Conflicts in the Horn of Africa، وكاتبه هو الدكتور محمد صالح أستاذ سياسات التنمية بمعهد الدراسات الاجتماعية في جامعة ليدن بهولندا وهو من أصول إفريقية. وصدر في أبريل 2011م، والذي حاول رسم خريطة للحركات الجهادية الإسلامية في المنطقة ودورها في تأجيج الصراعات بين الدول.
منتدى الجماعات الإسلامية
يبدأ التقرير من حقيقة أن الغالبية العظمى من سكان القرن الإفريقي، هم من المسلمين، وعلى الرغم من ذلك تشهد الحركات الإسلامية تنوعا ما بين التشدد والوسطية من جهة، كما تشهد تعايشا ملحوظا مع كافة المعتقدات الأخرى سواء من المسيحية أو اليهودية، فضلا عن الديانات التقليدية المحلية؛ فعلى سبيل المثال، في السودان كانت جماعة الإخوان المسلمين عابرة للحدود منذ إنشائها عام 1954 تحت تأثير جماعة الإخوان المسلمين المصرية وتعاليم قادتها، حسن البنا وسيد قطب. فبعد عودته من دراسته في لندن وباريس عام 1964، أنشأ حسن الترابي وهو شخصية بارزة في المعارضة ضد الحكومة العسكرية بقيادة إبراهيم عبود ميثاق الجبهة الإسلامية في أكتوبر 1964، وأصبح الترابي أمينا عاما لها.
وفي عام 1985، تحولت إلى الجبهة الإسلامية القومية التي حازت نجاحا انتخابيا نسبياً من خلال الفوز بحوالي 10% من الأصوات في انتخابات 1985 البرلمانية السودانية، وهي نسبة كافية لقيادة تشكيل أي حكومة ائتلافية.
وبعد تولي حكومة الإنقاذ البلاد عام 1989 توسعت سلطات الجبهة الإسلامية القومية إقليميا وعالميا، فقد اتبعت الجبهة سياسة إيواء حركات التحرر الإسلامية والعربية والجهاديين، وهي السياسة التي سمحت لأسامة بن لادن أن يقيم في الخرطوم، وسهلت هجرة أعداد كبيرة من الجهاديين من أفغانستان وباكستان، والصومال ومصر وإريتريا لدعم الجهود المبذولة لمكافحة الجيش الشعبي لتحرير جنوب السودان.
وفي عام 1991، أسس الترابي المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي تحت رعاية الجبهة الإسلامية كمنتدى للجماعات الإسلامية، بما في ذلك المنظمات التي توصف بأنها متشددة مثل منظمة الجهاد المصرية، والجهاد الإسلامي الجزائرية، وحركة الجهاد الإسلامي الإريتري، والجهاد الإسلامية الصومالية وحماس وحزب الله. ونتيجة لذلك، اعتبرت الولايات المتحدة السودان دولة راعية للإرهاب في 1993. ومع الإطاحة به من زعامة حزب المؤتمر الوطني في أعقاب محاولته للحد من صلاحيات الرئيس عمر البشير ومنع إعادة انتخابه رئيسا للبلاد في 1999، خسر الترابي منصبه كمراقب عام لجماعة الإخوان المسلمين السودانية.
حركة الجهاد الإسلامي الإريتري
ينتقل التقرير لاستعراض دور حركة الجهاد الإسلامي الإريتري، والتي برزت عام 1975 كامتداد لجبهة التحرير الإريترية، ولكنها لم تعلن نفسها رسمياً كمنظمة مستقلة إلا في أواخر الثمانينيات، حيث جذبت بعض أتباعها من إريتريا، والبعض الآخر من المسلمين في القرن الإفريقي، بما في ذلك مسلمو الصومال وشعب أورومو.
وأثناء الحرب بالوكالة التي جرت بين النظام العسكري الماركسي في إثيوبيا بزعامة منجستو هيلا ماريام ونظام الاتحاد الاشتراكي في السودان بزعامة الرئيس الراحل جعفر نميري في أواخر الثمانينيات كثفت الحركات الجهادية الإسلامية نشاطها، فقد تأسست حركة الجهاد الإسلامي الإريتري، والحركات الراديكالية السلفية في السودان كجبهة التحرير القومية الإسلامية، ومنظمة الرواد المسلمين الإريترية والانتفاضة الإسلامية. وعلى الرغم من دعوات حركة الجهاد الإسلامي الإريتري لاجتذاب المنظمات الإسلامية المماثلة في التفكير للتعاون معها أو الانضمام إليها، فقد شهدت أواخر التسعينيات العديد من الانشقاقات عن الحركة مثل حركة الإصلاح الإسلامي الإريتري، ومنظمة أبو سهيل، وحركة الخلاص الإسلامي الإريترية والحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية، وقد استخدمت المنظمات الإسلامية الراديكالية الإريترية الإسلام كأيديولوجية للتحرر الوطني.
الاتحاد الإسلامي الصومالي
وفي الصومال يستعرض التقرير عدة حركات إسلامية كحركة الاتحاد الإسلامي التي نشأت خلال أوائل الثمانينيات من تحالف بين وحدة الشباب الإسلامي والجماعة الإسلامية، ومن ثم تحولت من جماعة دعوية سلمية معارضة لنظام سياد بري إلى منظمة مسلحة مشتركة في النزاع المسلح بعد انهيار الدولة الصومالية في التسعينيات.
وانتشرت أنشطة الاتحاد الإسلامي إلى منطقة الأوجادين في إثيوبيا، كما أقامت علاقات مع جماعات إسلامية متشددة، كأعضاء في تنظيم القاعدة المتمركزة في أفغانستان والسودان. ويصف التقرير زعماء الاتحاد أنهم خريجو المدرسة السلفية الإسلامية العربية السعودية التي تجمع بين تعاليم الإخوان المسلمين والتشدد الوهابي، والتي صممت على إقامة إمارة إسلامية في الصومال، وتوسيعها لتشمل بقية أنحاء القرن الإفريقي فيما أسماه التقرير انتصارا للوهم.
وأدت أنشطة الاتحاد في الأوجادين إلى مواجهة مع الحكومة الإثيوبية. التي ادعت أن الاتحاد يرعى معسكرات لتدريب المقاتلين الإسلاميين من الصومال وإثيوبيا وإريتريا وكينيا وأوغندا على مجموعة متنوعة من الأنشطة، بما في ذلك استخدام الأسلحة الصغيرة، وحرب العصابات والتفجيرات الانتحارية واستخدام الألغام والمتفجرات، والتجسس والنقل والإمداد، وكان الرد السريع من قبل الحكومة الإثيوبية في عام 1997 بطرد الاتحاد من إثيوبيا وتدمير قواعده في الصومال. وعلى الرغم من تفكيك الاتحاد عاد قادته إلى مقديشو، حيث كونوا حركة جديدة أكثر تشددا وذات صلات بالمنظمات الجهادية العالمية.
اتحاد المحاكم الإسلامية
وينتقل التقرير من الاتحاد الإسلامي الصومالي إلى اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال والذي تزامن ظهوره مع انهيار نظام سياد بري وتفكيك الدولة الصومالية وتناحر الحركات العشائرية والميليشيات التي فشلت في تسوية الخلافات وعودة البلاد إلى حكم المحاكم الإسلامية بقيادة شيخ شريف أحمد وبتأييد محمد سياد، أحد أمراء الحرب الصوماليين الذين كانوا يسيطرون على شابيل الجنوبية.
فقد عرضت المحاكم الإسلامية نظاما بديلا لنظام الشرطة وأعلنت أنها قادرة على إنهاء الفوضى التي ضربت مقديشو منذ سنوات، وبالتالي سد العجز الشديد في الحكم الذي نتج عن انهيار الدولة، كما ساهمت في الخدمات العامة التي كانت تعتبر فيما مضى اختصاص الدولة أو المنظمات غير الحكومية كالصحة والتعليم.
وبحلول عام 1999، أصبحت المحاكم الإسلامية المصدر الوحيد للأمن وشملت التدابير التي اتخذتها إنشاء محكمة الاتحاد الإسلامي وتنظيم الميليشيات، وتوسيع أنشطتها لتشمل السيطرة على أسواق مقديشو والطرق الرئيسية التي تربط العاصمة بالطرق التجارية المهمة في جميع أنحاء الصومال. وأعقب ذلك خطوات صارمة نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، واستطاع تحالف شريف ومحمد سياد السيطرة على معظم جنوب الصومال، بما في ذلك كيسمايو.
ردا على ذلك، قام أمراء الحرب الصوماليين، وبدعم من إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، للمرة الأولى بالاتحاد معا لمقاومة هيمنة وحدة المحاكم الإسلامية، إلا أن الاتحاد فشل في تحقيق أي انتصار على المحاكم الإسلامية، مما أدى في نهاية الأمر لغزو إثيوبيا للصومال في ديسمبر 2006 وتوجيه ضربات موجعة للمحاكم الإسلامية في غضون أسابيع.
حركة الشباب
يشير التقرير إلى أن حركة الشباب نشأت عام 2004 تحت لواء المحاكم الإسلامية ولكنها استقلت عنها في أعقاب هزيمة الأخيرة أمام القوات الإثيوبية، وظلت حركة الشباب تقاوم الاحتلال الإثيوبي حتى نجحت في إجباره على الانسحاب في ديسمبر 2008. وقاد حركة الشباب مختار علي روبو المعروف أيضا باسم أبي منصور، والذي كان نائبا لوزير الدفاع في حكومة المحاكم الإسلامية، ثم تلاه آدم حاشي عيرو الذي تلقى تدريبا في المعسكرات الأفغانية ويؤكد التقرير أن هذا ربما يفسر زعم البعض بوجود صلات بين حركة الشباب وتنظيم القاعدة ويفسر أيضا وضع حركة الشباب على القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية.
وبحسب التقرير يمكن فهم الروابط بين المحاكم الإسلامية والشباب، من خلال دراسة أصول قيادتها؛ فآدم حاشي عيرو قام باختياره حسن طاهر أويس، أحد مؤسسي المحاكم الإسلامية. وتمثل حركة الشباب البديل الأكثر تشددا من المحاكم الإسلامية فهي جماعة جهادية تسعى لإنشاء الدولة الإسلامية الصومالية وتتبنى الجهاد ضد الغرب وأعداء الإسلام، وكذلك تسعى لفرض تطبيق الشريعة في جميع أنحاء الصومال، كما لديها ما بين 3000 إلى 7000 مقاتل من ذوي الخبرات القتالية العالية، واستطاعت حركة الشباب السيطرة على أجزاء كبيرة من أحياء مقديشو، وأقامت قواعد عسكرية في أجزاء كبيرة من جنوب الصومال.
الصراعات في القرن الإفريقي
يعود التقرير في ختام استعراضه لخريطة الحركات الجهادية الإسلامية في دول القرن الإفريقي لدور الجبهة الإسلامية في السودان في تأجيج الصراعات بين دول المنطقة، فمنذ صعودها إلى السلطة في الدولة عام 1989، واصلت الجبهة القومية الإسلامية في السودان، بدافع العقيدة الإسلامية والحضارة الإسلامية ، مشروعها السياسي التوسعي، وترتكز هذه السياسات التوسعية على جمع مختلف الحركات الجهادية في السودان تحت لواء الجبهة القومية الإسلامية، فقد سعت الجبهة إلى توحيد جهود الحركات الجهادية العابرة للحدود، مما ساهم في إذكاء الصراعات بين الدول في القرن الإفريقي حسبما يشير التقرير. حيث بدأت هذه الحركات الجهادية تصدير الثورة الإسلامية إلى الدول المجاورة.
على سبيل المثال اتسمت العلاقات بين إريتريا والسودان بالصعوبة منذ بداية استقلال إريتريا بسبب دعم الجبهة القومية الإسلامية للجهاديين الإريتريين مثل حركة الجهاد الإسلامي الإريتري بقيادة خليل محمد عامر، ونائبه أبو البراء سلمان حسن، وكلاهما معروفان بأفكارهما الجهادية المتطرفة وعلاقاتهما مع تنظيم القاعدة، كما يذكر التقرير.
كما قامت الجماعات الإسلامية الراديكالية بدور ضاغط على الحكومات الإريترية للانضمام لما سمي بائتلاف دول خط المواجهة (إثيوبيا وإريتريا وأوغندا) ضد السودان. فأيدت إريتريا صراحة المعارضة السودانية، مما أدى إلى إجراءات انتقامية متبادلة بين إريتريا والسودان. وقدمت الجبهة الإسلامية السودانية الملاذ الآمن والدعم للمنظمات الإسلامية الإريترية ردا على دعم الحكومة الإريترية واستضافتها للتحالف الوطني الديمقراطي.
وانضمت إثيوبيا أيضا إلى الائتلاف ضد السودان بسبب قيام الجبهة الإسلامية بدعم جماعات المعارضة الإثيوبية، مثل جبهة تحرير أورومو وجبهة تحرير الأوجادين الوطنية، كما دعمت الجبهة القومية الإسلامية الاتحاد الصومالي الجهادي مما أدى لتوترات بين السودان وإثيوبيا.
في نفس الوقت ساعد الفشل في تنفيذ حكم لجنة الحدود بين إثيوبيا وإريتريا -والذي أنتج حالة من اللاحرب واللاسلم- على دفع إثيوبيا وإريتريا إلى تحويل المعركة من أجل الصومال، فانتهى الأمر بدعم إريتريا الحركات الجهادية في الصومال، بينما دعمت إثيوبيا أمراء الحرب، وتزايدت حدة التوترات بين إثيوبيا وإريتريا بتشكيل قادة المعارضة الإسلامية التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال المعارض في إريتريا. ويؤكد التقرير في ختامه أن الولايات المتحدة تشعر بالقلق أيضا أن إريتريا قد تكون مأوى للمجموعات الإرهابية تضر المصالح الإقليمية للولايات المتحدة.
خريطة الإسلاميين في القرن الإفريقي
وإذا كان هذا التقرير يسلط الضوء على دور الحركات الجهادية في تأجيج الصراع بين الدول في القرن الإفريقي، فقد سبقه تقرير آخر صدر عن معهد قانون الدولي والسياسة النرويجي بعنوان "الإسلاميون في القرن الإفريقي: تقييم الأفكار والجهات الفاعلة والأهداف"، والذي حاول رسم خريطة للإسلاميين في القرن الإفريقي حيث يميز بين الإسلام السياسي، والحركات الإصلاحية الإسلامية، والحركات الجهادية الإسلامية.
وحاول التقرير استكشاف أهم الجهات الإسلامية الفاعلة في القرن الإفريقي، فأكد أنه باستثناء جيبوتي فإن الجماعات الإسلامية تنشط في جميع أنحاء القرن الإفريقي؛ ففي إريتريا ظهرت أول جماعة إسلامية باسم حركة الجهاد الإسلامي الإريتري، التي أنشئت عام 1980، واكتسبت المزيد من القوة حين اندمجت مع جماعات أخرى في عام 1988، وفي وقت لاحق تم تغيير اسمها لحركة الإصلاح الإسلامي الإريتري.
ويوجد في إريتريا أيضا حركة الإنقاذ الإريترية الإسلامية وحزب العدالة والتنمية الإريتري، وكذلك المؤتمر الإسلامي الإريتري الذي أنشئ مؤخرا، وتعمل هذه المجموعات معا في إطار التحالف الديمقراطي الإريتري.
وفي الصومال يوجد العديد من الحركات الإسلامية الفاعلة كاتحاد المحاكم الإسلامية الذي تصاعد بقوة عام 2004 إلا أن قوته الفعلية انتهت مع اجتياح القوات الإثيوبية مقديشو في ديسمبر 2006، وهناك أيضا حركة الشباب الإسلامي المنشقة عن اتحاد المحاكم الإسلامية واكتسبت المزيد من القوة بعد مواجهتها الغزو الإثيوبي، كما ينشط حزب الإسلام الذي أنشأه حسن طاهر أويس في أبريل 2009، وهو ائتلاف من بعض الحركات الإسلامية، ويواجه كل من حزب الإسلام وحركة الشباب كثيراً من المشاكل الداخلية نتيجة المزيد من الاختلافات والانشقاقات.
إثيوبيا والسودان
أما في إثيوبيا فيشير التقرير إلى أن التحول السياسي الذي شهدته البلاد عام 1991 بسقوط منجستو هيلا ماريام -الذي كان يطلق على فترة حكمه (الدرج) DERG- قد هيأ المناخ المواتي لتزايد النشاط الديني، مما أدى لانتشار الجماعات الإسلامية ومن بينها الحركة السلفية وجماعة التبليغ والحركة العقلانية.
بدأت الحركة السلفية في إثيوبيا في أواخر الأربعينيات وعادت إلى الظهور بقوة مجددا في فترة ما بعد حكم الدرج. ومنذ ذلك الحين، واجهت الحركة السلفية العديد من الانقسامات الداخلية، مما أدى لظهور جماعة أهل السنة، وهي فصيل دعوي أكثر تشددا من السلفيين، ثم بدأت جماعة التكفير والهجرة تفرض نفسها بقوة منذ منتصف التسعينيات.
وبالنسبة لجماعة التبليغ فتعتبر أكبر حركة إسلامية من حيث العدد في إثيوبيا، وتكرس نشاطها الدعوي بين المسلمين خاصة في منطقة كوراج في أديس أبابا، وبالنظر لانعزالها في مساجدها ومركزها الرئيسي فلا تتوافر معلومات كثيرة عن جماعة التبليغ. وأخيرا هناك الحركة العقلانية وهي جماعة غير رسمية وخالية من أي هيكل تنظيمي، نشأت داخل جامعة أديس أبابا وأتباعها من الطلاب والمثقفين من الشباب في المناطق الحضرية.
وفي السودان رابع بلاد القرن الإفريقي ظهرت الحركة الإسلامية واتسع نطاقها في بيئة محافظة وتحت غطاء سياسي شرعي، فكان حزب الجبهة الإسلامية أول حزب معارض أسسه حسن الترابي في 1964 وينتسب الحزب أيديولوجيا إلى جماعة الإخوان المسلمين المصرية. ومنذ عام 1985، نظم الإسلاميون أنفسهم في الجبهة القومية الإسلامية، والتي تولت السلطة في 1989 وبدأت أولى خطوات إنشاء الدولة الإسلامية.

[1] يعد معهد شمال إفريقيا السويدي مركزا للتوثيق والبحث والمعلومات بشأن إفريقيا الحديثة، ومقره السويد، ويعنى بإجراء البحوث حول إفريقيا، ويسعى لتعزيز التعاون بين الباحثين الأفارقة والباحثين في بلدان الشمال الأوروبي. وتقوم الدول الإسكندينافية (الدانمرك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد) بتمويل المعهد.

الاثنين، 6 يونيو، 2011

كيف يرى الغرب حركة شباب المجاهدين الصومالية؟



قراءة في المشهد الإسلامي في القرن الأفريقي
كيف يرى الغرب حركة شباب المجاهدين الصومالية؟
أمل خيري
إسلام اون لاين
منذ بداية الحرب الأهلية في الصومال قبل نحو عشرين عاما وأبطال المشهد الصومالي في صراع متواصل، والساحة لا تخلو من لاعبين أساسيين يتغيرون باستمرار ليتصدر بعضهم المشهد السياسي حينا ثم يتوارى عن الأنظار حينا آخر.
وفي ظل هذه الحرب ارتفعت أصوات السلاح وتصاعدت الفصائل المسلحة، التي تم تصنيف بعضها في قائمة الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بعد أن لعب بعضها دورا جهاديا تاريخيا، ومن بين هذه الجماعات حركة الشباب التي يطلق عليها بعضهم: شباب المجاهدين وبعض آخر يكتفي بتسميتها حركة الشباب التي ارتبطت بمقاومة الغزو الإثيوبي.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: كيف يرى الغرب حركة شباب المجاهدين في الصومال؟ جماعة جهادية أم حركة تمرد ضد السلطة؟، يمكننا أن نجد الإجابة في الدراسة التي قدمها ماثيو جوليلمو[1] Matteo Guglielmo بعنوان " كشف التمرد الإسلامي في الصومال: حالة حركة الشباب المجاهدين الإسلامية"[2] الذي نشرت مؤخرا (ابريل 2011م) في أحد التقارير الصادرة عن معهد الدراسات الأمنية بجنوب إفريقيا[3]، ويشتمل التقرير على عدة دراسات إضافة إلى دراسة جوليلمو، وكلها تدور حول "الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة"[4].
صدر التقرير بتمويل من الحكومة الألمانية وبرامج المساعدة الإنسانية من حكومات النرويج والسويد والدنمارك والولايات المتحدة. ويهدف التقرير إلى الكشف عن أبرزالقضايا الأمنية التي تواجه القرن الأفريقي،ويقدم تحليلا معمقا للأسباب الجذرية للصراعاتبينالدولفي العديد من الدول الواقعة في القرن الإفريقي كما يُقَوِّم أيضاأداءالهيئات الحكومية في التنمية وتحقيق الأمن القومي.
تمرد أم جهاد؟
يستهل جوليلمو دراسته بوصف جماعات الجهاد الإسلامي في الصومال بحركات التمرد، التي أرجع بداية ظهورها إلى الفترة بين يونيو وديسمبر 2006 ، إذ سيطر اتحاد المحاكم الإسلامية في مقديشو ، وما أعقبه من تدخل إثيوبي لدعم الحكومة الاتحادية الانتقالية التي يقودها الرئيس عبد الله يوسف ورئيس الوزراء محمد علي غيدي، ومنذ ذلك الحين تصدر الإسلاميون المشهد الصومالي، وساعدهم في ذلك ضعف قوات الأمن والحكومة الانتقالية من جهة ثم انسحاب القوات الإثيوبية في يناير 2009 من جهة أخرى، لينتهي المشهد بسيطرة الإسلاميين على جزء كبير من المنطقة الجنوبية الوسطى من الأراضي الصومالية.
وبحسب ما ذكره جوليلمو فإن عددا من الدراسات أشارت إلى أن نشأة المحاكم الإسلامية جاءت على يد بعض من جماعات المصالح في العاصمة مقديشو تحت دعوى الالتزام بإعادة الأمن، أكثر من كونها حركة شعبية، وأن نجاحها يعود إلى ما قامت به قيادات الحركة من حشد تأييد العشائر الكبيرة في العاصمة، وتجنيد الشباب، إضافة إلى الدعم الاستراتيجي من رجال الأعمال الذين يهمهم استتباب الأمن حفاظا على مصالحهم الاقتصادية. وبالفعل نجحت الحركة في استقطاب عشيرتي أبغال وهابر غدير، وكلاهما من قبيلة الهوية التي تشكل غالبية سكان العاصمة منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1991.
وبالرغم من ذلك فإن المحاكم الإسلامية لم تحقق أي تقدم في سبيل إضفاء الطابع المؤسسي على الحركة في نظر جوليلمو، بل ظلت منقسمة إلى الجناح المعتدل بقيادة شيخ شريف وهو من عشيرة أبغال، والجناح المتشدد بقيادة شيخ حسن طاهر عويس العقيد السابق بالجيش وهو من عشيرة هابر غدير.
ويؤكد جوليلمو أن صعود نجم المحاكم الإسلامية في جنوب ووسط الصومال جاء في لحظة دقيقة في المستوى المحلي والدولي؛ حيث شهدت مقديشو سلسلة من عمليات القتل والاختطاف غير المسبوقة التي استهدفت بعض رجال النخبة الإسلامية والسياسيين البارزين، التي نفذتها ميليشيات ما سمي بالتحالف من أجل استعادة السلام ومكافحة الإرهاب الذي ظهر أواخر عام 2006 المدعوم من قبل الولايات المتحدة وفقا لاستراتيجية الحرب على الإرهاب التي أعلنتها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وبعد عدة معارك نجحت المحاكم الإسلامية في هزيمة هذه الميليشيات، وترتب على ذلك توسعها في مناطق جنوب ووسط الصومال، بل قام رجال الميليشيات بتسليم أسلحتهم للمحاكم الإسلامية والاستسلام الطوعي.
من المقاومة إلى الهروب
يؤكد جوليلمو أن هذا التوسع للمحاكم الإسلامية ما لبث أن أثار حفيظة كل من الحكومة الاتحادية الانتقالية والحكومة الإثيوبية التي تدعمها، ومن ثم قامت إثيوبيا بالتدخل العسكري، وواجهت مقاومة عديد من الجماعات – التي سماها جوليلمو جماعات متمردة - وقاد هذه الجماعات ما سمي بحركة المقاومة التي ضمت عديدا من القوى المعارضة التدخل الإثيوبي في البلاد. إلا أن القوات الإثيوبية مدعومة بضربات جوية أمريكية وجهت هزائم ساحقة لرجال المحاكم الإسلامية الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد متوجهين إلى اليمن ثم إلى العاصمة الإرتيرية أسمرا حيث قاموا بتشكيل الجناح السياسي لجبهة مناهضة إثيوبيا تحت اسم التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال في سبتمبر 2007.
ومع تصاعد تحركات الجيش الإثيوبي في العاصمة والمدن الرئيسة جنوب ووسط الصومال شهدت البلاد أزمة إنسانية ونال المئاتِ من المدنيين القتلُ والجرح والتشريد. كل ذلك في الوقت الذي بدت فيه جبهة مناهضة إثيوبيا فضفاضة وغير متجانسة.
وهنا برزت حركة الشباب المجاهدين الإسلامية التي قادت معظم الهجمات ضد القوات الإثيوبية والميليشيات الموالية الحكومة الانتقالية. وتولى زعامتها آدم حاشي فرح عيرو حتى وفاته في مايو 2008، الذي بدأ حياته السياسية تحت جناح حسن طاهر عويس، وكان عيرو أحد زعماء حركة الشباب الذين سافروا إلى أفغانستان أواخر التسعينات، إلا أن العلاقات بينه وبين طاهر عويس تدهورت بعد انضمام الأخير إلى تحالف إعادة تحرير الصومال الذي رآه عيرو تحالفا مع العلمانيين وتنازلا عن الجهاد المسلح ضد الاحتلال.
ومنذ أواخر عام 2008 ، ازداد الموقف الراديكالي لحركة الشباب سياسيا وإيديولوجيا وبخاصة بعد قيام الولايات المتحدة بوضع اسم الحركة على القائمة الدولية السوداء للإرهاب، وربطها بين المعونة المشروطة للحكومة الانتقالية وبين قضائها على هذه الحركة، بل لقد نفذت الولايات المتحدة عدة غارات جوية بين عامي 2007 و 2008، قتل في إحداها عيرو، وتفجر بنتيجتها رد فعل أعنف من شباب الحركة الذين قاوموا الوجود الإثيوبي والضربات الأمريكية بشدة واستمروا في عمليات المقاومة.
حركة الشباب.. التاريخ والأيديولوجيا
يتتبع جوليلمو في دراسته تاريخ نشأة حركة الشباب، الذي جرى ربطه أحياناً كثيرة بتنظيم القاعدة في إطار الحرب الدولية على الإرهاب، إلا أنه لا يتفق مع النظر إلى حركة الشباب على أنها مجرد انعكاس للمواجهة الدولية واستبعاد السياق المحلي الذي نشأت فيه، صحيح أن الاستراتيجيات السياسية الدولية كان لها تأثير واضح في تنامي قوة الحركة إلا أن التوجه المحلي للحركة أكسبها بعدا يجعلها تختلف عن قوى الإسلام السياسي الأخرى كحركة الإصلاح المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين التي اتسمت بالعالمية.
فالدولة الصومالية في عهد سياد بري كانت ذات اتصال محدود بالعالم الخارجي باستثناء التأثير الوهابي القادم من شبه الجزيرة العربية، الذي أدى في نظر جوليلمو إلى تصاعد التيارات السلفية والصوفية وجماعات التبليغ في الصومال. ويركز خطاب حركة الشباب على مناهضة التغريب والعولمة مما جعلها تفرط في المحلية، إضافة إلى تبنيها المفهوم الجهادي المسلح الذي سمح لها بتعبئة كثير من الشباب الراغب في مقاومة الاحتلال الإثيوبي ومواجهة الهجمات الأمريكية، من منطلق حشد مشاعر الاستياء من الغرب.
وبالرغم من تأكيد وسائل الإعلام الدولية تلقي حركة الشباب التدريبات الموسعة في أفغانستان في النصف الثاني من التسعينيات، فإنه لا يوجد حتى الآن دليل قاطع على وجود أي اتصال مباشر بين مقاتلي حركة الشباب وزعماء القاعدة في كابول.
وفي حين تربى عدد من قادة حركة الشباب في منظمات إسلامية أخرى في الصومال كالاتحاد الإسلامي و جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة فإن وجود الجيوش الأجنبية المكثف في مقديشو ومناطق جنوب ووسط البلاد ساعد في تضخم صفوف الحركة، وإعطائها مزيد من العمق السياسي، وتوسيع نطاق الدعم الجماهيري، حيث أصبح ينظر إلى الحركة على أنها المدافع الوحيد عن البلاد، وطبعا سمحت الطبيعة العشائرية للمجتمع بتغلغل حركة الشباب في هذه العشائر وتلقي الدعم القوي منها.
القيادة والتنظيم
يذكر جوليلمو في دراسته نماذج أهم قادة حركة الشباب ومن بينهم الشيخ محمد مختار عبد الرحمن المُكَنَى بأبي زبير، والشيخ مختار روبو، وفؤاد محمد خلف شونجول، وحسن عبد الله التركي. وبالرغم من عدم وجود معلومات مفصلة عن جهازها ، فإن حركة الشباب بحسب ما ذكره جوليلمو بدأت تنظيم نفسها بشكل واضح في أعقاب انسحاب القوات الإثيوبية في يناير 2009. مع التأكيد على أن حركة الشباب في البداية لم تكن تنوي إدارة شؤون البلاد مباشرة بل بدلامن ذلك سعت إلى تعيين الشخصيات المحلية في هذه المهمة.
أما بالنسبة إلى بنية حركة الشباب التنظيمية فهناك كثير من الاختلافات في الرؤى حول طبيعتها، ومع ذلك هناك شبه اتفاق – في نظر جوليلمو- على وجود أربعة أجنحة أساسية للحركة أولها مجلس الشورى وهو شبيه إلى حد كبير من حيث الوظيفة والمسؤولية بطبيعة عمل اتحاد المحاكم الإسلامية عندما كان يحكم مقديشو. ورئيس مجلس الشورى هو أمير الحركة ، الشيخ محمد أبو زبير، ويبدو أن مجلس الشورى ليس لديه السيطرة الكاملة على حركة الشباب؛ إذ تنحصر مهمته في اتخاذ القرارات الجماعية.
أما الجناحالثاني فهو الجناح الدعوي الذي يهتم بنشر الإسلام أو على حد تعبير جوليلمو "مهمته تجنيد ميليشيات جديدة"، بينما يتمثل الجناح الثالث للحركة في ما يسمي بالحسبة وهو نوع من الشرطة الدينية التي يتمثل دورها في مراقبة وصيانة احترام الأحكام والأعراف الإسلامية.
ويذكر جوليلمو أن جهاز الحسبة ربما يكون مسئؤولا عن عمليات تدمير الأضرحة الصوفية في منطقة جنوب وسط البلاد، ويأتي رابعا الجهاز العسكري هو الجناح الأخير لحركة الشباب، ويجري تدريب الشباب عسكريا في عدة مخيمات للتدريب في قرى منتشرة وكان لهذه الميليشيات الدور الأكبر في دحر القوات الإثيوبية.
صراع المحلية والانتماء إلى القاعدة
من أجل التوصل إلى فهم كامل للسياق الذي أدى إلى سيطرة حركة الشباب على الأراضي لا بد من الإشارة إلى لحظة دقيقة في تاريخ الأزمة الصومالية. فتحول حركة الشباب من حركة مسلحة إلى حركة معارضة للحكومة يعكس درجة معينة من تغلغل القوى الإقليمية والدولية داخل الأزمة الصومالية نفسها.
ويعود جوليلمو إلى تحليل الادعاء بانتماء حركة شباب المجاهدين إلى تنظيم القاعدة، وبخاصة مع إعلان الحركة مسؤوليتها عن الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من يوليو 2010 في العاصمة الاوغندية كمبالا، التي راح ضحيتها عشرات الجرحى والقتلى أثناء مشاهدتهم بطولة كأس العالم، حيث سارعت وسائل الإعلام بلصق هذا العمل الإرهابي بتنظيم القاعدة من خلال شريكتها في الصومال حركة شباب المجاهدين.
وبالرغم من ذلك يرى جوليلمو أن كثيرا من مواقف حركة شباب المجاهدين تتسم بالتعقيد المحلي أكثر منه تنفيذا لأوامر القاعدة؛ إذ ربما تنظر إلى مشجعي كرة القدم على أنهم أحد مظاهر التدخل الأجنبي وعمليات التغريب في الصومال، إلا أن الأمر أيضا لا يخلو من شواهد على الارتباط بتنظيم القاعدة وبخاصة مع إعلان الحركة ولاءها لأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في فبراير 2010 ، ثم تهديدها بالانتقام لمقتله وتأكيدها أن دماءه لن تذهب هدرا، ومع ذلك فإن الدعم المالي الذي كانت تتلقاه الحركة أثناء صراعها مع القوات الإثيوبية لم يكن يأتي من تنظيم القاعدة بل من اريتريا على حد قول جوليلمو.
علاوة على ما سبق يأتي اعتماد الحركة ماليا على الصوماليين في الشتات خاصة في دول الغرب الأوروبي، ويوضح جوليلمو أنه بالرغم من صعوبة التحقق من مصادر تمويل الحركة فإنه من الممكن التأكيد على الدور الذي يلعبه صوماليو الشتات في هذا التمويل لسببين رئيسيين، الأول أن حركة شباب المجاهدين حظيت ببعض الشعبية لقاء نشاطها في منع تداول السلع المنتهية الصلاحية أو المضرة بالصحة على سبيل المثال، أو جهودها في إزالة نقاط التفتيش غير القانونية بغرض تمكين الصوماليين من حرية التنقل.
أما السبب الثاني في نظر جوليلمو لدعم الصوماليين في الخارج للحركة فيعود إلى أجندة الحركة السياسية التي تجعلها تختلف عن بقية الجماعات المسلحة حتى في المستوى الوطني. فحركة الشباب أبدت كثيرا من الاهتمام بأوضاع الصوماليين في الخارج وبخاصة الشباب منهم. ويعتبر جوليلمو أن تبرعات الصوماليين للحركة لا يجب النظر إليها في ضوء دعمهم الجهاد العالمي بل في إطار الطبيعة العشائرية والقبلية التي يتسم بها المجتمع الصومالي
مستقبل الحركة
في نظر جوليلمو فإن الحركة في طريقها إلى الضعف في ظل الهجمات التي تخوضها القوات الحكومية ضدها مدعومةً من قوات الاتحاد الأفريقي في الصومال، إضافة إلى تشرذم أفرادها، وتزيد صعوبة قراءة مستقبل الحركة في ظل أنها مازالت تضع نفسها في مواجهة المجتمع الدولي بكامله، الأمر الذي يجعلها تميل إلى الصدام مع جميع الطوائف والقوى داخليا وخارجيا، ومع ذلك يوصي جوليلمو بعدم فصل الحركة عن سياقها المجتمعي أو محاولة تصويرها على أنها مجرد فرع تابع لتنظيم القاعدة إذ تعتمد شعبيتها إلى حد كبير على ضعف الكيانات الأخرى وعلى النزاعات العشائرية وعلى ما أسدته من خدمات إلى المجتمع وليس لأنها تنفذ تعليمات زعماء القاعدة فحسب.
من بين الملاحظات التي يمكن أن نوردها على الدراسة التي قدمها جوليلمو وصفه حركات الجهاد الإسلامي في الصومال بالمتمردين، ويأتي هذا الوصف اتساقا مع رؤية الولايات المتحدة والحكومة الاتحادية الانتقالية والقوات الإثيوبية الذين اعتبروا كلاً من حركة شباب المجاهدين واتحاد المحاكم الإسلامية مجرد متمردين وجماعات إرهابية مسلحة في حينٍ أدوا دورا تاريخيا في مقاومة الغزو الإثيوبي وأمراء الحرب من قطاع الطرق.
كما يذكر لحركة شباب المجاهدين دورها في إجهاض المخطط الأمريكي الذي استدرج القوات الإثيوبية في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل ثم فوجئت بقواتها تسحل يوميا في شوارع العاصمة على يد شباب المجاهدين بعد أن عاثوا في الأرض فسادا وانتهكوا الأعراض ودمروا المساجد فكانت فرحة الشعب لا توصف حين يتم اغتيال أحد أفراد هذه الميليشيات الإثيوبية وترتفع هتافات التكبير.
إنكار السياق الشعبي
أما ثاني الملاحظات فيدور حول ترويج جوليلمو لمقولة أن اتحاد المحاكم الإسلامية نشأ فقط بدعم من رجال الأعمال الصوماليين مما يوحي بافتقارها إلى الشعبية، وهذا يخالف الحقيقة جدا. فالواقع أن نشأة المحاكم كانت سابقة على دعم رجال الأعمال الذي لم تحظ به إلا بعد أن رأى هؤلاء ما لها من نفوذ وما قدمته على أرض الواقع من تحقيق الأمن والاستقرار في المناطق التي سيطرت عليها، بعد أن عانوا سنوات الإتاوات التي كان يفرضها عليهم أمراء الحرب قبل أن تنجح المحاكم الإسلامية في القضاء على هذه العصابات، ومن ثم يدين رجال الأعمال والمستثمرون للمحاكم الإسلامية بازدهار الوضع الاقتصادي .
بالإضافة لما سبق اكتسبت المحاكم الإسلامية شعبية واسعة بعدما تبين للصوماليين أن الولايات المتحدة تدعم أمراء الحرب الذين عانى الشعب من طغيانهم بعد ما نشروا الفوضى في أرجاء البلاد، وبخاصة بعد أن ذاقوا ويلات الحرب أثناء وجود القوات الأمريكية حتى عام 2004. وأخيرا نسي الكاتب أن الشعب الصومالي يدين جميعه بالإسلام وأن الحس الديني لديه مرتفع جدا وأن الأغلبية رحبت بتطبيق الشريعة الإسلامية التي نعموا في ظلها بالاستقرار والأمن وازدهار الأحوال الاقتصادية.
أما الملاحظة الأخيرة فتنصب على ما ذكره جوليلمو عن المحاكم الإسلامية من أن الحركة فشلت في التوجه نحو المؤسسية ولم تسع إلى ذلك، بينما واقع الحال أن الحركة كان لها تنظيم قوي ذو أجهزة قضائية وتنفيذية وعسكرية، إلا أنه أثناء حربها ضد أمراء الحرب نجح زعيم الحرب علي مهدي محمد بدعم من الحكومة الإثيوبية في تفكيك أجهزة المحاكم الرئيسة المنتشرة في البلاد مما حصرها في النطاق المحلي ومع ذلك ظلت أجهزتها تمارس عملها داخل القبائل وبين العشائر حتى بعد تفكيكها.

[1] ماتيو جوليلمو باحث مرشح للدكتوراه في الدراسات الأفريقية في جامعة نابولي الشرقية. وموضوع بحثه هو "البعد الإقليمي للأزمة الصومالية. وله العديد من المؤلفات الخاصة بمنطقة القرن الإفريقي.
[2] "Unravelling the Islamist insurgency in Somalia: The case of Harakat al-Shabaab Mujahideen".
[3] Institute for Security Studies، انظر الموقع الالكتروني للمعهد http://www.iss.co.za/
[4]يمكن تحميل التقرير كاملا من على هذا الرابط: http://www.issafrica.org/uploads/Monograph178.pdf
رابط النشر