الجمعة، 13 أبريل، 2012

حركة فتح الله كَوُلَنْ .. صوت الحكمة في عالم يفتقدها



أمل خيري
جريدة الحرية والعدالة

"كن متساهلا افتح صدرك للجميع. ليكن كالمحيط في اتساعه... لتمتلئ بالإيمان وبمحبة البشر... لا تترك روحا معذبة لا تمد لها يد العون، أو تجعلها خارج نطاق اهتمامك".
(فتح الله كَوُلَنْ، من كتاب الموازين أو أضواء على الطريق)

ربما تلخص العبارة السابقة أبرز أفكار وآراء المفكر الإسلامي التركي فتح الله كَوُلَنْ، الذي يُصنَّف أيضاً على أنه كاتب وشاعر وقائد رأي وناشط تربوي وداعية ومصلح اجتماعي، ومن أفكاره استلهمت الحركة التي تحمل اسمه أهم مبادئها.
ولد فتح الله كَوُلَنْ في أرضروم بتركيا عام 1941، بدأ تلقي تعليمه الابتدائي في قريته، ثم تلقى العلوم الدينية على يد العديد من مشاهير العلماء المسلمين والمربين الروحيين، وتأثر كثيرا بالمفكر الصوفي التركي سعيد النورسي. أنهى كَوُلَنْ تعليمه الديني في سن مبكرة وألقى أول خطبة له وهو في الرابعة عشر من عمره.
وبالإضافة لنبوغه في العلوم الدينية فقد درس كَوُلَنْ أيضاً مبادئ ونظريات علم الاجتماع الحديث والعلوم الطبيعية والتي كان لها أثر واضح في خطبه التي تتميز بتعدد مجالاتها، فهو يطرق موضوعات التعليم والعلم والعدالة الاقتصادية والاجتماعية.
كتب كَوُلَنْ أكثر من 60 كتاب والعديد من المقالات في الكثير من المجالات المتنوعة بما فيها العلوم الاجتماعية، والديمقراطية والدين والفن والعلوم والرياضة، وسجل آلاف الأشرطة السمعية والبصرية. وكتب مقالات افتتاحية لمجلات إسلامية وفلسفية من بينها: مجلة "فونتن" (fountain)، مجلة "يني إميد" (YENI UMID)، مجلة "سيزنتي" (SIZINTI)، ومجلة "ياغمور" (Yağmur). وقد ترجمت كتبه للإنجليزية والألمانية والروسية والألبانية واليابانية والاندونيسية والكورية والأسبانية.
يدعو كَوُلَنْ إلى القيم التقدمية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، والحرية الدينية، كما يسعى لتعزيز الحوار بين الأديان والمجتمعات والتسامح وقبول الآخر. ويتبنى أيضا المنهج العلمي في التفكير والحفاظ على القيم الأخلاقية والإيمان بالله.
ويرى كَوُلَنْ أن العلم يتطلب أساساً أخلاقياً مستمداً من الدين، ودائما ما يشجع الشباب على التوفيق بين التنوير العقلي والروحانية المتسعة الأفق، والاهتمام بالنشاط الإنساني. ويقيم كَوُلَنْ في منفاه بالولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2000 بعد تعرضه للملاحقات من قبل الجناح العلماني التركي الحاكم.

حركة عالمية
تشير حركة كَوُلَنْ إلى مجموعة من المنظمات الدينية والتعليمية والاجتماعية التي تأسست وفق أفكار فتح الله كَوُلَنْ، وإن كان كَوُلَنْ نفسه يفضل تسميتها باسم حركة خدمة Hizmet. وهي حركة تجمع بين العلم والدين، ويقترب عدد أعضاؤها من سبعة ملايين مواطن تركي، أما خارج تركيا فيقدر عدد أتباعها بثلاثة ملايين مسلم.
وترتكز الحركة على شبكة من المدارس ومراكز التعلم التي لا يمتلكها كَوُلَنْ بل هي مستوحاة من فكره ومن مبادئ حركته الإصلاحية، كما تعتمد المنهج الغربي الذي يركز على العلوم والرياضيات وتدريس اللغة الانجليزية. وقد وصل عدد المدارس التي تستلهم أفكار كَوُلَنْ إلى أكثر من 1000 مدرسة تنتشر في أكثر من 100 دولة، في أفريقيا وآسيا وأوروبا.
ومن أبرز ما يميز حركة كَوُلَنْ سعيها لتعزيز الأخلاق العالمية من خلال المدارس وهو الأمر الذي دعا أحد المحللين الأتراك للقول "إذا التقيت شاباً مهذباً من آسيا الوسطى يتحدث التركية والإنجليزية بطلاقة فإنك تتأكد أنه تعلم في أحد مدارس كَوُلَنْ" .
وتشجع الحركة الأنشطة الخيرية والخدمية، بالإضافة إلى الاستفادة من وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والإلكترونية؛ فهناك صحيفة "زمان" Zaman، والتي تهتم بمتابعة أنشطة الحركة وزعيمها، ويوزع منها ما بين 800 ألف و100 ألف نسخة يوميا في جميع أنحاء العالم، وتوجد أيضا قناة سامانيولو وهي واحدة من قنوات التلفزيون الرئيسية في تركيا، وتشاهد على نطاق واسع في الأناضول خاصة من قبل الطبقات المحافظة.
كما تولي الحركة اهتمامها بعدد من الأنشطة الترويجية، مثل المؤتمرات والمحاضرات والحلقات الدراسية ودورات اللغة وتعليم الموسيقى والرحلات في الخارج، وغالباً ما تعقد هذه الفعاليات تحت رعاية منتدى حوار الثقافات في برلين.
وأخيرا سعت الحركة لإنشاء معهد كَوُلَنْ، الذي يهدف إلى النهوض بالمعرفة والفهم والاحترام المتبادل، وإرساء التعاون بين الشعوب ذوي الأصول المتنوعة. وتتمثل رؤية المعهد في جعل وسائل الاتصال المتطورة والإعلام والتطور في خدمة السلام الاجتماعي؛ لذا فإن من بين أهداف معهد كَوُلَنْ الدفع في اتجاه علاقات تعاونية بين البشر، وإتاحة الفرص للبشر للالتقاء حول قيم إنسانية عليا، والعمل من أجل الآمال والاهتمامات المشتركة، واكتشاف الأدوار الإيجابية التي يمكن للتعليم أن يضطلع بها لتعزيز ثقافة عالمية من الوئام الاجتماعي لديها القبول لمواقف وآراء الآخر.
وسعياً لتحقيق هذه الأهداف، فإن معهد كَوُلَنْ ينظم فعاليات أكاديمية فضلا عن الفعاليات العامة، ويقوم بنشر المؤلفات العلمية والعامة، ويزود الطلاب والأكاديميين بالمصادر. وتشمل القيم الأساسية التي يدعو إليها معهد كَوُلَنْ التعاطف والرحمة والحب، والنزاهة والجدارة بالثقة، والسلام والعدالة الاجتماعية، و القضاء على الصراعات العنيفة وتخفيف المعاناة الإنسانية، ومنع إساءة استغلال الثروات، وحماية موارد الأرض والمحميات الطبيعية.

الأربعاء، 4 أبريل، 2012

مصر بحاجة إلى نخب مجتمعية

أمل خيري
جريدة الحرية والعدالة - عدد الأربعاء 4-4-2012

أصبح من اللافت للنظر منذ انطلاق الثورة المصرية، بروز مجموعة من الإعلاميين والسياسيين وقادة الرأي، ممن يطلق عليهم تجاوزا مصطلح النخبة.
وإذا حاولنا أن نقدم كشف حساب لتقييم هذه النخب، وما أحدثه خطابها من تغيرات في المجتمع أو حتى ما قدمته في سبيل تحقيق أهداف الثورة، بعد مرور أكثر من عام على خلع الرئيس السابق، فإننا لن نجد سوى مهاترات إعلامية، ومجادلات سياسية تفوق الجدل البيزنطي الذي انتهي بسقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح، في الوقت الذي انشغلت فيه النخب الفكرية بسجالات عقيمة من نوعية "هل الملائكة ذكور أم إناث؟"، حتى سقطت بيزنطة وسقطت معها هذه النخب.
والحقيقة، أن النخب المصرية اليوم تكاد تنافس النخب البيزنطية في هذا الجدال العقيم، الذي جاء على شاكلة "الدستور أم البرلمان؟"، "الرئيس أم الدستور؟"، "البيضة أم الدجاجة؟!".
فهل ساهمت هذه الجدالات في تحقيق أهداف الثورة؟
هل سادت العدالة الاجتماعية؟
وهل اختفى الفقراء من المجتمع، وأصبح الفقر أسطورة من الماضي؟
ولأن الإجابة عن كل هذه الأسئلة بالنفي، فإننا نؤكد أن مصر اليوم أصبحت في أمس الحاجة لثورة مجتمعية، لا سياسية فحسب. وأن التثقيف المجتمعي أصبح أهم من التثقيف السياسي. وأن الحاجة أصبحت ملحة لوجود نخب مجتمعية بعيدة عن المعارك الإعلامية المفتعلة.
ولا نعني بالنخب المجتمعية هنا صفوة الطبقات الاجتماعية العليا كما يعنيها مفهوم "النخبة الاجتماعية" في العلوم السياسية، ولكننا نقصد بها الرواد المجتمعيون الذين لا ينشغلون بهذه المهاترات السياسية والشو الإعلامي، وإنما يركزون جهودهم في محاولة إحداث حراك اجتماعي، والدفع في اتجاه تبني مبادرات مجتمعية تهتم بالفقراء، ومشكلات المجتمع الحقيقية، وتسعى للبحث عن حلول لها بأفكار مبتكرة، بغض النظر عن التوجهات السياسية أو الانتماءات الحزبية.
ولا يجب أن نغفل أن النظام السابق قد قتل روح الإبداع والاهتمام المجتمعي لدى الشعب، إلا قليلا من الأشخاص الإيجابيين الذين ساهموا بأفكار بسيطة وبجهود تطوعية خالصة في حل بعض من مشكلات مجتمعاتهم دون انتظار حلول سحرية من الحكومة أو من ممثلي الشعب في البرلمان.
لنأخذ على سبيل المثال تجربة رجل مصري أغفل الإعلام ذكره سواء قبل الثورة أم بعدها، وهو الدكتور حامد الموصلي الأستاذ المتفرغ بكلية الهندسة جامعة عين شمس، ومؤسس مركز تنمية الصناعات الصغيرة بالجامعة، وواحد من أبرز الخبراء التنمويين الذين استفادت العديد من الدول العربية بخبراته الرائدة.
فماذا فعل الدكتور الموصلي؟
هل ظهر في برامج التوك شو يستعرض عبقريته الفكرية الفذة، وقدرته البلاغية والمنطقية وقدرته على إفحام الغير؟
وهل دخل في مهاترات سياسية وإعلامية على نمط الجدل البيزنطي؟
لا، إنه اهتم بالإنسان، ومشكلات الناس في المجتمعات الريفية الفقيرة.  ولأنه شخص إيجابي مبادر، فلم ينتظر خططا حكومية للنهوض بالريف، ولم يستورد نماذج أجنبية ليطبقها في هذه القرى البعيدة عن الإعلام وعن الحكومات، بل سعى لتنمية المجتمع باستغلال موارده المحدودة واستثمارها بأفكار مبتكرة. قام باستغلال البواقي الزراعية كحطب القطن وجريد النخل، وغيرها في إنتاج أخشاب الباركيه والموسكي والكونتر وغيرها. ليس هذا فحسب، بل اختار قرية شماس -من أفقر عشر قرى في مصر-، وأقام بها مشروع منزلي لتصنيع مربى التين حقق المواصفات العالمية، وانتشل القرية من فقرها، وغير ذلك الكثير.
ومصر اليوم تحتاج للكثير من هؤلاء الرواد والنخب المجتمعية التي تهتم بالعمل على حل مشكلات المجتمع المحلي الصغير، وتحتاج للكثير من المبادرات الفردية التطوعية التي تكوِّن لبنات لبناء رأس المال الاجتماعي اللازم لتحقيق النهضة.