الثلاثاء، 7 فبراير 2012

جزر المالديف.. دولة إسلامية في مواجهة الإسلاميين

دراسة في جامعة البحرية الأمريكية تقترب من الظاهرة

أمل خيري

إسلام أون لاين


ربما لا يعلم الكثيرون منا بوجود دولة صغيرة، عبارة عن مجموعة جزر تقع في المحيط الهندي، جميع سكانها من المسلمين. وعلى الرغم من غياب هذه الدولة المسماة بجمهورية جزر المالديف عن العقل الإسلامي وذاكرة المسلمين، إلا أن الإسلام يحتل فيها مكانة بارزة على مدى قرون طويلة منذ أن دخلها الإسلام.

وشهدت هذه الدولة نوعا من الحكم الاستبدادي الذي أدى في نهاية المطاف لتصاعد المد الثوري الإسلامي، أو كما يحلو للبعض تسميته بالراديكالية الإسلامية. وهو الأمر الذي جذب انتباه بعض الباحثين الغربيين قبل المسلمين. إلا أن الدراسة التي بين أيدينا اليوم ربما تكون الأولى من نوعها في مجال الدراسات الأكاديمية التي تتناول الوضع في جزر المالديف، ويقوم بإعدادها باحث مسلم، ويشرف عليها أيضا أستاذ مسلم. حيث نوقشت رسالة الماجستير المقدمة من الباحث حسن أمير، وأشرف عليها البروفيسور محمد حافظ بمدرسة الدراسات العليا البحرية، بولاية كاليفورنيا الأمريكية، في ديسمبر 2011.

وتهدف الرسالة لاستكشاف العوامل التي أدت إلى تصاعد التيارات الإسلامية في المالديف، وأهم هذه التيارات الموجودة على الساحة.

الإسلام في المالديف

دخل الإسلام جزر المالديف في القرن السادس الهجري - الثاني عشر الميلادي، على يد أبي البركات يوسف البربري الداعية الإسلامي القادم من المغرب العربي. ويروي الأدب الشعبي قصة دخول الإسلام إلى المالديف، حيث قدم هذا الداعية إلى المالديف وراعه أن وجد أهلها غارقين في الخرافات والجهل، الأمر الذي دعاهم بالتضحية بأجمل فتياتهم كل شهر وإلقائها في المحيط اتقاء للعنات إحدى الأرواح الشريرة التي تحيط بالجزر. واستطاع البربري إقناع أهل المالديف بعدم وجود روح شريرة؛ إذ ظل طوال الليل يتلو القرآن في مكان تقديم الأضحية ولم تظهر الروح الشريرة لعدة أيام، وهكذا دخل السلطان المالديفي "درمس كويمالا كالو" الإسلام، وسمى نفسه السلطان محمد بن عبد الله، وأصدر مرسوما ملكيا داعيا جميع المالديفيين إلى اعتناق الإسلام.

ولم يكتف السلطان بذلك، بل أمر بإنشاء المساجد والمدارس الإسلامية في جميع أنحاء الجزر. وهكذا دخل الإسلام المالديف بمرسوم ملكي، مما يفسر ارتباط الدين بالقائم على الحكم منذ أمد بعيد في هذه الجزر المنسية. وربما أيضا يفسر ذلك امتداد بعض التأثيرات الجاهلية على من أسلموا في البداية واستمرار بعض مظاهر الوثنية من الديانات السابقة. وظلت المرأة المالديفية محافظة على تقاليدها، فلم يكن هناك التزام بالحجاب، كما تمسك المجتمع المالديفي بعاداته الاجتماعية، فشهد تاريخ المالديف وجود العديد من الحكام من النساء، ويذكر أن المجتمع المالديفي مجتمع أمومي على غرار بعض المجتمعات الهندية.

ومنذ دخول الإسلام جزر المالديف، أصبح المحيط الهندي قوة عربية لا يُستهان بها، إلا أن هذه القوة تراجعت خلال القرن السابع عشر الميلادي، تزامنا مع بدء اهتمام القوى الاستعمارية بالمنطقة. ومما مهد للاحتلال البرتغالي للمالديف اعتناق السلطان حسن التاسع (المعروف باسم مانويل دوم بعد تعميده) للمسيحية، حيث رحب بالمحتل البرتغالي ودخل في حمايته.

احتلال المالديف

ظلت المالديف تحت الاحتلال البرتغالي من عام 1558 حتى 1573، إلى أن استطاع محمد ذاكروفانو تحريرها بالكامل، وأعلن نفسه سلطانا في البلاد، وبدأ حملته لتطهير الجزر من كافة مظاهر المسيحية التي أدخلها سلفه.

وبعد أقل من قرن، وقعت المالديف تحت الاحتلال الهولندي، ثم البريطاني، ففي عام 1887 أصبحت جزر المالديف محمية بريطانية تابعة لمستعمرة سيلان. وفي عام 1965 نالت المالديف استقلالها، وتحولت من سلطنة إلى نظام جمهوري بناء على استفتاء شعبي، وتولى إبراهيم ناصر رئاسة البلاد عام 1968.

وبرغم التحول من السلطنة إلى الجمهورية، ظلت الممارسات الديكتاتورية للحكام، إذ احتفظ الرئيس بالسلطات المركزية في يده، ولم يسمح بتكوين أحزاب سياسية. بل وأعطت التعديلات الدستورية التي أجريت أعوام 1970، و1972، و1975 مزيد من السلطات للرئيس. وظل رئيس المالديف أيضا مخولا بنشر وحماية الدين الإسلامي، وتطبيق أحكام الشريعة.

وفي عام 1978 تولى مأمون عبد القيوم رئاسة البلاد، خلفا لناصر الذي رفض ترشيح نفسه لفترة ثالثة، رغم عدم وجود أي تقييد على عدد مرات الترشح للرئاسة. وقد تلقى عبد القيوم تعليمه في الأزهر بمصر، وشغل بعض الوظائف التعليمية في نيجيريا. وعندما عاد إلى بلاده بدأ في انتقاد الحكومة فيما يتعلق بمسألة التجاوزات الأخلاقية في السياحة، وبيع المشروبات الكحولية، وغيرها من الأمور التي تتنافى مع الشريعة الإسلامية. وبسبب هذه الانتقادات وضع عبد القيوم قيد الاقامة الجبرية ونفي من المالديف عام 1973. وبعد عودته أصبح وزيرا للنقل، حتى وصوله سدة الرئاسة.

طلائع الصحوة الإسلامية

منذ اضطلاعه بمهام رئيس الجمهورية على مدى ثلاثين عاما، شهدت المالديف في عهد عبد القيوم مزيدا من عمليات الأسلمة للمجتمع، وأصبح الإسلام محركا أساسيا في الخطاب الاجتماعي والسياسي السائد في البلاد.

ومن بين المبادرات التي قام بها إنشاء معهد الدراسات الإسلامية عام 1980. وفي عام 1984 قام بتأسيس المركز الإسلامي بمساعدات من بعض الدول الإسلامية، مثل باكستان وسلطنة بروناي، وبعض دول الخليج العربي. وخلال السنوات الأولى لحكمه بدأت أعداد كبيرة من الشباب المالديفي في الحصول على منح وبعثات للتعليم في دول العالم الإسلامي المختلفة، وكان هؤلاء الشباب هم طليعة الحركة الإسلامية في جزر المالديف.

ولم ينس عبد القيوم يوما أنه نفسه مفكر وداعية إسلامي، فكان يقوم بإلقاء الخطب والدروس بنفسه في المساجد وعبر شاشات التليفزيون. ويرى البعض أن عبد القيوم لم يسمح بظهور أي معارضة ولو حتى في المسائل الدينية، لذا فإن المعارضة كانت تلقى في عهده التنكيل والقمع، وهو الأمر الذي يراه الباحث أحد الدوافع الأساسية لتصاعد المد الإسلامي المتشدد في البلاد.

وربما كان عبد القيوم يحاول تقديم دولته على أنها نموذج للإسلام المعتدل، لتحقيق أمرين:

الأول: من أجل القضاء على التشدد الديني، وتجفيف منابع التطرف.

والثاني: جذب المساعدات والاستثمارات الأجنبية لجزر المالديف، خاصة أن الاقتصاد المالديفي يعتمد على السياحة التي تأتي من الغرب.

من هنا، مكنت سياسة عبد القيوم دولته من اجتذاب الاستثمارات الأجنبية، خاصة من دول الخليج، التي قدمت القروض بشروط ميسرة، مما مكن البلاد من القيام بدور متزايد على الصعيد الدولي، لا سيما في مجال تزعم قضايا المناخ، والتنمية المستقلة للدول الصغيرة.

التحول الديمقراطي والحركة الإسلامية

على الرغم من دور عبد القيوم في نهضة بلاده، ونجاحه في تحقيق العديد من النجاحات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، إلا أن التدابير القمعية التي انتهجها نظامه على مدى ثلاثين عاما مهدت لتصاعد الحركات الإسلامية، خاصة أنه كان يصم معارضيه بالزندقة والكفر، أو على أحسن الأحوال (أعداء الإسلام).

وما لبثت الساحة السياسية في المالديف أن شهدت قدرا هائلا من التغيير مع الشروع في عملية الإصلاح الديمقراطي، والتي بدأت جديا عام 2003. فقد سمح بتكوين الأحزاب السياسية، وظهرت تحولات في نمط الحكم المركزي بمزيد من الصلاحيات والسلطات للمجالس المحلية.

ومنذ عام 2005 نشأت العديد من الأحزاب السياسية مثل حزب المالديف الديمقراطي، وحزب الشعب الثوري – الذي أسسه عبد القيوم نفسه – ثم أحزاب أخرى أقل حجما مثل، الحزب الجمهوري، والحزب الاجتماعي التحرري.

وقد انقسم الخطاب السياسي الديني إلى خطين رئيسيين:

الأول: انتهجته جميع الأحزاب ضد منافسيها، بوصمهم بمعاداة الإسلام والهرطقة. وهذا النوع من الخطاب قد استخدمه الحزب الديمقراطي بشدة في مواجهة حزب الشعب الثوري.

الثاني: يتركز حول تصاعد الراديكالية والتطرف في المالديف، وكيف أن الحزب الديمقراطي قد ساهم في هذا التصاعد.

وفي مواجهة هذين الخطابين، ظهر خطاب ثالث جديد، تبناه حزب العدالة، وهو أحد الأحزاب السياسية الإسلامية التي تضع الإسلام في مركز السياسة. وقد تمكن الحزب عام 2008 من حصد 15% من الأصوات لصالح مرشحه في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة. إلا أنه في جولة الإعادة شكلت المعارضة تحالفا ضده بقيادة الحزب الديمقراطي، حيث فاز محمد ناشد برئاسة الجمهورية خلفا لعبد القيوم.

حزب العدالة

ويعمل حزب العدالة على نشر الدين الإسلامي والحفاظ على الهوية الإسلامية لشعب المالديف، ويسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية. ومن ثم يعد الحزب جزءا من الصحوة الإسلامية، وينتمي العديد من قياداته إلى طلائع الحركة الإسلامية الذين تلقوا تعليمهم في السعودية وباكستان وماليزيا، وبعد عودتهم لبلادهم تم تهميشهم وقمعهم في عهد عبد القيوم لرفضهم قبول فكرة "الإسلام المعتدل" التي روج لها عبد القيوم، لذا حينما شهدت البلاد قدرا من الانفتاح السياسي كانوا أول من سارع بدخول الساحة السياسية للاستفادة من هذا الانفتاح.

ومنذ انتخاب ناشد رئيسا للبلاد، حرص على إزالة كافة المظاهر الإسلامية من الدولة التي أصلها عبد القيوم. ومن هنا بدأ حزب العدالة في الانتقاد العلني لسياسات الحكومة، ومن أهمها ترحيب ناشد بعودة العلاقات مع الكيان الصهيوني، بعد أن كان عبد القيوم قد قطع كافة هذه العلاقات، وسحب اعتراف بلاده بإسرائيل.

وقد دفعت سياسات ناشد بحزب العدالة إلى تنظيم احتجاجات موسعة ومسيرات جابت العاصمة "ماليه"، ضد قرار ناشد بسماحه لفريق طبي إسرائيلي بزيارة المالديف. كما عارض الحزب الحكومة بخصوص السياسات المتعلقة بإعادة التعليم المختلط، وانتقد الحزب هذه السياسات علانية، وازدادت حدة المعارضة حين قررت الحكومة إغلاق المدرسة الوحيدة لتعليم اللغة العربية في البلاد.

كذلك انتقد الحزب توجه الحكومة لإضفاء الشرعية على بيع الكحول ولحم الخنزير في الفنادق التي تستقبل السياح، بحجة اجتذاب المزيد من السياح الأجانب، ودعم الاقتصاد المحلي، مما أجبر الحكومة على التراجع عن هذه القرارات.

بين التحديث والتغريب

ظلت جزر المالديف نقطة التقاء العديد من الحضارات والثقافات على مدى تاريخها لوقوعها على طريق القوافل، وبالتالي شهدت ثقافتها مزيجا من تقاليد منوعة، مثلت فسيفساء ثقافية مميزة. إلا أن هذا المزيج شكل تهديدا دائما للهوية الإسلامية، مع تزايد أعداد السائحين الأجانب الوافدين بعادات وتقاليد مختلفة، مما أدى إلى حدوث تغيرات اجتماعية واقتصادية هائلة، ومعاناة الشعب المالديفي من آثار الحداثة والتغريب.

ومن أبرز ما ترتب على هذا الانفتاح، ازدياد معدلات الجريمة والعنف، وانتشار المخدرات بين أوساط الشباب، وكذلك انتشار البطالة بين الطبقات الوسطى، وظهور حدة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بين ساكني العاصمة، والمناطق النائية، التي لم تلق نفس الاهتمام بالمرافق الأساسية والخدمات العامة.

بطبيعة الحال كان هناك أيضا إيجابيات للحداثة، فبفضل هذا الانفتاح شهدت المالديف ثورة في الرعاية الصحية، ونشر المعرفة. وتكفي الإشارة إلى انخفاض معدلات وفيات الرضع، واختفاء ظاهرة الأمية بين الشعب المالديفي.

ومع ذلك، فإن الاحتكاك بين منظومتي القيم التقليدية والتحديثية قد أدى في نهاية المطاف إلى نشوء اتجاه محافظ وآخر حداثي. ومثّل الاتجاه المحافظ بعض الحركات الإسلامية غير المسلحة التي ظهرت على الساحة منذ عام 2009.

ففي هذا العام ظهرت الجماعة السلفية، وكذلك منظمة المالديف الإسلامية، وكلاهما تيارات إسلامية لا تنتهج العنف، وتتبنى فكرة الاصلاح الاجتماعي. وقبل هذا الوقت حالت الطبيعة الجغرافية لجزر المالديف دون ظهور علماء ودعاة على المستوى القومي، نظرا لصعوبة التنقل بين الجزر، لذا كان التركيز على القيادات الدينية المحلية، ومن ثم كان وجود جماعات دينية منظمة أمرا مستحيل حدوثه.

وفي مرحلة ما قبل التحول الديمقراطي، لم يكن مسموحا لأي جماعة دينية أن يكون لها هيكل تنظيمي، إذ كان ينظر إليها باعتبارها تهديدا محتملا للسلطة. إلا أن ذلك لا ينفي تأثر جزر المالديف بالحركات الإسلامية المختلفة التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، غير أن تأثيرات فكر مثل هذه الحركات على أرض المالديف اقتصر على بعض الجزر النائية.

السلفية والوهابية

يرى الباحث في دراسته أن جذور السلفية في المالديف تعود إلى الطلاب الذين تلقوا تعليمهم في عدة دول إسلامية، وتأثر بعضهم بالفكر الوهابي. وقد تمكن هؤلاء من الوصول إلى عامة الناس في المساجد، وكذلك في التليفزيون والراديو، وشبكة الانترنت.

وقد بدأت هذه المنظمات، وعلى الأخص، الجماعة السلفية، في توعية الجماهير من خلال المحاضرات الدينية لعلماء مشهورين تمت دعوتهم مثل الداعية بلال فيليبس. كما بدأت المنظمة الإسلامية في التواصل مع المالديفين المغتربين في سريلانكا والهند وماليزيا، واستخدمت كذلك وسائل الإعلام الجماهيري خاصة الأشرطة والانترنت.

ولم تكن الحركات الإسلامية بمعزل عن الحركات الأخرى خارج المالديف، فقد تأثر الكثير من الشباب في أواخر الثمانينيات بالفكر الجهادي، حيث سافر العديد منهم لتلقي العلم في باكستان وتمكن بعضهم من الاحتكاك بمجاهدين أفغان وعرب شاركوا في الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي.

أما النقطة الفاصلة التي مكنت لوجود الإسلاميين في المالديف، فيعود إلى عام 2004، حين اجتاحت الجزر موجات تسونامي، وتدفقت العديد من منظمات الإغاثة على البلاد، ومن بينها منظمات تبشيرية، وبالطبع كان على المنظمات الإسلامية أن تبحث لها عن موطئ قدم. وبالفعل نجحت بعض هذه المنظمات في تقديم المساعدات الإنسانية والطبية للمتضررين من الفيضانات، كما نجحت في تقديم الكتيبات والأشرطة الصوتية التي تروج لما أسماه الباحث بالفكر الوهابي.

وعلى حد قول الباحث، فقد قامت هذه المنظمات أيضا بمساعدة الكثير من الشباب المالديفي على التسجيل في المدارس الدينية في باكستان، وبعضها نجح في تجنيد هؤلاء الشباب لأغراض أكثر تطرفا. ومن بين هذه المنظمات المتطرفة بعض الجماعات الدعوية التي تعمل في مجال التبليغ ونشر الدعوة وترتبط ببعض المنظمات الموضوعة على قائمة المنظمات الإرهابية مثل "عسكر طيبة"، المسئولة عن تدبير العديد من الهجمات في الهند وباكستان. وبحسب الباحث فقد نجحت بعض هذه المنظمات في تجنيد الشباب المالديفي وإرسالهم إلى معسكرات التدريب في باكستان، وبعضهم شارك في عمليات انتحارية بما أضر بالأمن القومي المالديفي.

الأربعاء، 1 فبراير 2012

الإسلاميون في مقدونيا جناة أم مفترى عليهم؟


أمل خيري

إسلام أون لاين

شهدت منطقة البلقان على مدى تاريخها صراعا دمويا حادا منذ انفصالها عن الإمبراطوية العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر. ومع بدايات انهيار الاتحاد اليوغوسلافي، انفصلت جمهورية مقدونيا عام 1991، وأعلنت استقلالها، متخذة من سكوبيا عاصمة لها. وتضم مقدونيا حوالي 30% من المسلمين بين سكانها، والذين يتنوعون بين العرق الألباني والتركي والرومي والبوشناقي.

ويعيش المسلمون في مقدونيا في ظروف صعبة، ويتعرضون للتضييق وهدم المساجد، بل ويتهمون دائما بالإرهاب من قبل الأغلبية السلافية الأرثوذكسية، على الرغم من أنهم لم يتعرضوا لأي كنيسة، مثلما لاقت مساجدهم من إغلاق وهدم.

تلك الاتهامات امتدت حتى للدراسات التي تجرى حولهم، كان آخرها رسالة الماجستير المقدمة من الباحث أتاناس بانوفسكي بعنوان "انتشار التطرف الإسلامي في جمهورية مقدونيا"، التي نوقشت بمدرسة الدراسات العليا البحرية، بولاية كاليفورنيا الأمريكية، والتي أشرف عليها البروفيسور مايكل فريمان في ديسمبر 2011.

وعلى الرغم مما تحتويه هذه الدراسة من مغالطات واتهامات بحق حركات إسلامية معروف عنها عدم انتهاجها العنف، وصلت إلى حد اعتبار الاهتمام بالقضية الفلسطينية مؤشرا على ازدياد التطرف، فإننا نعرض تلك الدراسة من باب الاطلاع على الرؤى الغربية التي قد تساهم في صناعة صورة ذهنية مشوهة عن بعض الأقليات أو الحركات الإسلامية.

قامت هذه الأطروحة بمحاولة تحديد أسباب انتشار ما وصفته بالتطرف الإسلامي، باعتباره تهديدا محتملا لجمهورية مقدونيا. وتمثلت أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة في أن التغيرات السياسية والاقتصادية والقانونية الكبرى التي شهدتها مقدونيا، قدمت أرضا خصبة للأيديولوجيات الإسلامية غير التقليدية. وتشير النتائج أيضا إلى أن المسلمين في مقدونيا هم الأكثر عرضة للتجنيد من قبل هؤلاء "المتشددين"، وهناك محاولات دائمة من "المتطرفين الإسلاميين" المحليين لحشد أكبر عدد من الأنصار.

ويرى الباحث أن ظهور ما يصفها "بالأيديولوجيات الإسلامية المتطرفة" في مقدونيا ليست رد فعل على العلمانية والحداثة، كما أنها لا تدافع عن الدين. وبالتالي، يمكن تصنيف أنشطتها كشكل من أشكال الأعمال الإرهابية، ومن ثم قدم الباحث توصياته حول السياسات التي يجب على الدولة اتخاذها كتدابير لمكافحة الإرهاب.

الأيديولوجيات المتطرفة


بغض النظر عن الانتماء إلى معتقدات دينية بعينها، فإن هناك بعض الخصائص المشتركة بين الأيديولوجيات المتطرفة. فالأيديولوجية المتطرفة هي ظاهرة تتميز بالسلطوية، والأحادية والشمولية، والجماعية، والطوباوية، والتزمت، وتميل هذه النوعية من الأيديولوجيات غالبا إلى الترويج لفكر المؤامرة، وشيطنة الأعداء.

وقد استعرض الباحث بعض أشكال التيارات الإسلامية التي يعتبرها متطرفة، ومن أهمها الإسلاموية والوهابية والسلفية. وأشار إلى أن التشدد الموجود في الإسلاموية ليس ناتجا عن خصائص كامنة في الإسلام نفسه، بل هو نتيجة فهم خاطئ للإسلام.

أما الوهابية، فقد اعتبرها الباحث من أهم الأيديولوجيات المتطرفة، وقد أولاها اهتماما كبيرا في دراسته. وأخيرا جاء مفهوم السلفية، مشيرا إلى أن السلفيين يدافعون عن التطبيق الصارم للشريعة، ويرفضون بالتالي فكرة الديمقراطية الغربية والقوانين الوضعية، حسبما يرى الباحث.

المسلمون والعنف في منطقة البلقان

تعد البلقان من أكثر المناطق تعقيدا من الناحية الدينية واللغوية والعرقية في العالم. وفي حين يرى البعض في هذه المنطقة مركزا للتنافس بين الحضارات، يعتبرها البعض الآخر حلقة الوصل بين الثقافات المختلفة.


وصل الإسلام إلى البلقان على يد العثمانيين الذين حكموا المنطقة لمدة خمسة قرون. وفي هذه الفترة تعايشت الأديان المختلفة بفضل تسامح المسلمين. وانضم كثير من غير المسلمين إلى الإسلام –على حد قول الباحث- تهربا من دفع الجزية للدولة العثمانية.

وبعد حرب البلقان الأولى، انهزم العثمانيون وغادروا البلقان. ويرى الباحث أنه خلال الحرب العالمية الثانية، وأثناء المواجهة بين المسلمين وخصومهم في البلقان، سنحت الفرصة لتسلل التأثير الإسلامي الراديكالي. وبفضل الحاج أمين الحسيني مفتي القدس الذي تعاون مع النازيين أثناء الحرب، تم تجنيد المسلمين في البلقان للقتال إلى جانب الألمان- بحسب الباحث- وأنشئت في البوسنة شعبة حربية، عرفت باسم "Handzar" ، أو الخنجر. وتطورت هذه الشعبة حتى أصبحت تسمى Kama في منتصف عام 1994.

وبعد انهيار الدولة اليوغوسلافية، أصبحت منطقة البلقان نقطة جذب رئيسية للتشدد الإسلامي، ونشوب الصراعات العرقية. ففي البوسنة والهرسك، انضم المجاهدون الأجانب الذين حاربوا مع البوسنيين إلى الجيش البوسني. وفي ألبانيا، تسللت منظمات إرهابية مثل القاعدة، والجبهة الإسلامية للإنقاذ، والمجموعة الإسلامية المسلحة (GIA) ، وحركة الجهاد الإسلامي المصري (EIJ) في البلاد، واستخدمت المؤسسات الخيرية لجمع وتوزيع الأموال. ووفقا لمصادر مختلفة، فإنه خلال النزاع في مقدونيا، ضم جيش التحرير الوطني في صفوفه حوالي 150 من المجاهدين من ألبانيا والبوسنة وتركيا والمملكة العربية السعودية، وأفغانستان ، وجميعهم شاركوا في الصراع.

الوهابية والسلفية

يذكر الباحث أنه عقب تفكك يوغوسلافيا، واندلاع الحروب في البوسنة وكوسوفو، شارك المجاهدون من كل أنحاء العالم في هذه الحروب. وبعد انتهاء الحروب ظل التأثير الوهابي السعودي مستمرا على حد قوله. ومن هنا بدأت وسائل الإعلام وكذلك الخبراء الدوليون في لفت الانتباه إلى تزايد التطرف الاسلامي في العاصمة المقدونية، حيث ينتمي أغلب المسلمين في هذه المنطقة إلى العرق الألباني. ويتهم الباحث المشيخة الإسلامية المقدونية المعروفة باسم الاتحاد الإسلامي IVZ بكونها ذات تمويل وهابي، الأمر الذي أدى إلى سيطرة الفكر الوهابي على مساجد عدة في العاصمة. حتى أن رئيس المشيخة نفسه سليمان أفندي رجبي، قد طلب رسميا في سبتمبر 2010، من السلطات السياسية والمجتمع الدولي المساعدة في التعامل مع الجماعات الوهابية، ودعا إلى اتخاذ تدابير لوقف انتشار الراديكالية الإسلامية في مقدونيا.

ويرصد الباحث بعض التأثيرات الناجمة عما أسماه بانتشار التشدد الوهابي في مقدونيا، ومن بين هذه التأثيرات ظهور التعصب تجاه باقي المسلمين، ورفض الاعتراف بالمذاهب الأخرى كالصوفية والشيعية. ويكفي التذكير بأن الفرقة البكتاشية الصوفية اكتسبت شعبية كبيرة في ظل الحكم العثماني، ومن أهم مؤسساتها تكية "حرابتي" التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر، وهي موجودة بمنطقة تيتوفو ومقدونيا.

وفي أبريل 2006، دخل جناة مجهولون إلى ساحة التكية في تيتوفو ومزقوا صورة الزعيم البكتاشي حاجي ديدي رشيد. وفي ديسمبر 2010، اندلعت النار في التكية، ونسب زعيم الطائفة البكتاشية أعمال العنف هذه إلى جماعات وهابية متطرفة.

كما أشار الباحث إلى سيطرة بعض الجماعات الإرهابية على عدة مناطق مقدونية خلال عام 2001، حيث ظهرت جماعات مسلحة تابعة للقاعدة، مما أثار مخاوف المجتمع الدولي حينها. الأمر الذي دعا خبراء في مكافحة الارهاب من الاستخبارات الفرنسية ومركز الأمن الأوروبي، إلى الكشف عن وجود ما يصل إلى مائة إرهابي في مقدونيا. كما ادعى بعض الخبراء وجود صلات مالية بين تنظيم القاعدة وهؤلاء الإرهابيين، واتهموا مفتي مقدونيا في ذلك الوقت بدعمه التطرف، من خلال تعينه أئمة وهابيين في المساجد.

الوهابيون في المجال العام

وإلى جانب الحوادث التي وقعت في بعض المساجد، فإن أتباع الحركة الوهابية لم يترددوا في إبراز النشاط في الأماكن العامة، واستدل الباحث على ذلك بقيادة بعض المظاهرات المنددة بالرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم في عام 2006، معتبرا إياها دليل على انتشار النفوذ الوهابي، رغم أن أغلب العواصم العربية والأوروبية شهدت وقتها مثل هذه التنديدات!.

ويستمر الباحث في إثباته انتشار التطرف الإسلامي، متخذا هذه المرة من الاهتمام بالقضية الفلسطينية مؤشرا على ازدياد هذا التطرف. فقد شهدت السنوات الخيرة اهتماما من مسلمي مقدونيا بالقضية الفلسطينية، وظهرت عدة مطالبات بوقف العنف على غزة في يناير 2009، كما كشفت القوات البحرية الإسرائيلية عن وجود ثلاثة أفراد مقدونيين بين فريق سفينة النجاة المتجهة إلى غزة، والتي استولت عليها السلطات الإسرائيلية.

كما شهدت المساجد أيضا ساحات حرب -على حد قول الباحث- بين الوهابيين والمسلمين العاديين في مقدونيا، حيث سيطرت الجماعات الوهابية على عدة مساجد وطردت أئمتها. ولم تسلم أيضا المنظمات غير الحكومية من امتداد النفوذ الوهابي، فقد قامت بعض هذه المنظمات بجمع تبرعات باسم الإنسانية دون اعتماد رسمي، ووجهت الاتهامات لبعض الجمعيات بالاشتراك في أنشطة مالية غير مشروعة.

ومن بين المنظمات غير الحكومية التي أشار إليها الباحث ووصفها بالتطرف: منظمة Kalaya Shkup، ومنظمة رازبودي Razbudi، و منتدى الشباب المسلم الذي تأسس في سكوبي عام 2000 بهدف "تعزيز وغرس القيم الإنسانية الإسلامية والعالمية، وحماية الشباب من الانحرافات وتوعيتهم"، ونجح المنتدى في اجتذاب الجمهور، بل وقد دعا المفكر الإسلامي طارق رمضان وشقيقه هاني لحضور بعضا فعالياته، وهو ما اعتبره الباحث توجها نحو الراديكالية الإسلامية!

هناك أيضا جماعة الشباب الإسلامي التي نشأت بعد الحرب في البوسنة والهرسك، وتضم في عضويتها المسلمين المحليين الذين قاتلوا بجانب مسلمي البوسنة، وقد صنفها الباحث ضمن الجماعات الراديكالية المتطرفة واتهمها بتلقي تمويل من القاعدة.

ثم انتقل الباحث إلى الجمعيات الخيرية وهيئات الإغاثة التي اعتبرها امتدادا للنفوذ الوهابي، وعلى رأسها هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، ومؤسسة الحرمين الإسلامية، ومنظمة Bamiresia المقدونية. ولم يغفل كذلك استغلال الوهابيين لشبكة الانترنت والوسائل التكنولوجية، مشيرا إلى انتشار أشرطة الفيديو والتسجيلات الصوتية لكبار علماء الوهابية، وكذلك من خلال موقع التوحيد الالكتروني.

التبليغ وحركة جولن

بعد استعراض أهم ملامح النفوذ الوهابي في مقدونيا، انتقل الكاتب إلى الحديث عن جماعة التبليغ والدعوة التي وصفها بنوع من المرونة مقارنة بالفكر الوهابي. وتعود نشأة الجماعة في مقدونيا إلى عام 1994 على يد إسماعيل سيف الله، ويوجد للجماعة عدة فروع في تيتوفو، وغيرها من المدن.

وحتى عام 2005 لم يكن لهذا الجماعة أي نشاط ملحوظ، إلا أنه ما لبثت أن وصلت مجموعات من أفراد الجماعة الباكستانيين إلى مطار سكوبي، ولاقت هذه المجموعات ترحيبا من الزعماء الإسلاميين المحليين. وقد انتشرت هذه المجموعات في عدة قرى مأهولة بالسكان "التوربيش" Torbeshوهو اسم يستخدم للإشارة إلى المقدونيين الذين تحولوا إلى الإسلام - وهناك بدأوا في العمل لنشر الدعوة.

ومن أهم خصائص جماعة التبليغ والدعوة عدم وجود رقابة مركزية، والعمل بأسلوب منظم فريد. وقد أثار مشهد انتشار رجال ملتحين ونساء متشحات بالسواد شكوك بعض الجهات الرسمية حول التمويل، خاصة أن بعض دول الخليج العربي تقوم بتقديم منح دراسية للشباب المقدوني المسلم، مما قد يثير المخاوف حول محاولات لفرض النهج الوهابي على سكان هذه القرى، من وجهة نظر الباحث.

أما الأمر المثير للدهشة في أطروحة بانوفسكي، فهو إدراجه حركة جولن الإصلاحية ضمن المنظمات التي ربما تنتهج التطرف وتسعى لنشره في مقدونيا، على الرغم مما هو معروف عن هذه الحركة من تبني فكرة التربية من خلال مدارس مخصصة لذلك، لا تتناول بين مناهجها الموضوعات الدينية. ولكن الباحث شكك في توجهات هذه المدارس في مقدونيا بسبب جو السرية الذي تفرضه الحركة على أنشطتها ومعلوماتها، إضافة إلى مقابلته لأحد الطلاب المقدونيين في هذه المدارس، الذي ذكر له أنه اختير من بين مجموعة أخرى متميزة من الطلاب لحضور أنشطة لا صفية بعد انتهاء الدوام الدراسي، وهو ما اعتبره الباحث نوعا من الأنشطة السرية التي ربما تخفي أنشطة أخرى أكثر تطرفا!

وعلى الرغم مما تحتويه هذه الدراسة من مغالطات واتهامات بحق حركات إسلامية معروف عنها عدم انتهاجها العنف، فإن أخطر ما في الدراسة تقديمها توصيات بخصوص مواجهة ما أسماه بانوفسكي بالتطرف الإسلامي في مقدونيا. ومن أهم هذه التوصيات:

· مواجهة الفكر الراديكالي بنشر الأفكار المناهضة للراديكالية في أوساط المسلمين.

· مكافحة الجريمة المنظمة.

· تطبيق مفاهيم العلوم الاجتماعية، وأهمها:

o أسلوب تحليل الشبكات الاجتماعية: للتعرف على هياكل هذه الجماعات المتطرفة.

o أسلوب التحليل البنيوي المتعمق: عبر استخدام استراتيجيات محددة للتأثير على التشكيل الاجتماعي للمنظمات المتطرفة، عن طريق توليد الوعي داخل المجتمعات المستهدفة، وتمكين الجماعات البديلة، والحد من العزلة، والطعن في الخرافات، وتفتيت التعاطف بين الأعضاء.

o وأخيرا يقترح بانوفسكي اختراق الشبكات الإلكترونية التي يستخدمها أعضاء هذه الجماعات عن طريق برامج الاختراق المختلفة.
http://www.islamonline.net/ara/article/1304971328523

الأحد، 29 يناير 2012

إسلاميو مصر ومستقبل الإسلام السياسي.. رؤية تركية



أمل خيري

إسلام أون لاين


في الوقت الذي مثلت فيه الثورة الشعبية المصرية نقطة تحول فارقة في تشكيل مصير الشعب المصري، برزت على الساحة مخاوف من استبدال الحكم الديكتاتوري الفاسد بحكم إسلامي، بدأت تظهر إرهاصاته في النجاح الساحق للإسلاميين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

البعض بالطبع بالغ في مخاوفه، بينما قلل آخرون من هذه المخاوف واعتبرها من قبيل المبالغة. وفي الموقع الالكتروني للمنتدى العالمي World Bulletin حاول الكاتب التركي إسماعيل دومان نقل صورة محايدة للرؤى المختلفة حول مستقبل الإسلام السياسي بعد فوز الإسلاميين في مصر، في دراسته التي نشرها على الموقع في جزئين.

لماذا فاز الإسلاميون؟

استهل دومان دراسته باستكشاف العوامل التي وقفت وراء فوز الإسلاميين في الانتخابات الأخيرة، وذكر تعدد الآراء بهذا الصدد، وإن كانت هناك الكثير من النخب الليبرالية والعلمانية في مصر ترجع ذلك إلى تنظيم القوى الإسلامية مقابل عدم استعداد الفئة الثورية من الشباب لخوض الانتخابات، إلا أن دومان اعتبر ذلك من قبيل تسطيح الأمور؛ إذ أن الانتخابات قد تأجلت بناء على طلب هذه النخب لمدة تقارب العام لم تستطع خلالها القوى الثورية تثبيت أقدامها في الشارع المصري.

في المقابل، فإن التحليل الأكثر منطقية أن تنظيم هذه القوى هو فقط أحد هذه العوامل، بينما تتفاعل عوامل أخرى من بينها، المزاج العام للشعب المصري الذي يرفض الفكرة العلمانية، والذي يعتقد أن الحكومات العلمانية السابقة شهدت فسادا غير مسبوق، وأنه آن الأوان لتجربة شكل جديد من الحكم، خاصة أن الدولتين اللتين حققتا أكبر مكاسب اقتصادية في المنطقة وهما إيران وتركيا، تخضعان لحكم إسلامي.

وربما كان أيضا من عوامل نجاح هذه القوى الإسلامية، ما تتبناه من مواقف تجاه القضية الفلسطينية، وهي القضية الأهم بالنسبة للشعوب العربية. كل ذلك بالإضافة إلى انتشار هذه القوى في الأحياء والمناطق الريفية والحضرية سواء في المساجد أو الجمعيات الخيرية، خاصة في المناطق المحرومة، التي لم تجد اهتماما بمشكلاتها إلا من الإسلاميين على مدى العقود الماضية.

والأمر الأخير، أن القوى الغربية والإقليمية التي سعت حثيثا على مدى السنوات الأخيرة لمنع الإسلاميين من الوصول إلى الحكم -كما في حالة الجزائر أو فلسطين على سبيل المثال-، قد أدركت تماما أن الوضع اليوم مختلف جدا؛ فالأحزاب الإسلامية المنتخبة ترتكز على قاعدة قوية من الشرعية الشعبية التي لم تكن موجودة من قبل.

خريطة الأحزاب الإسلامية

يستعرض دومان خريطة لأهم الأحزاب الإسلامية في مصر، ومن ثم يركز على الحزبين الأكبر تأثيرا في الساحة، وهما حزب الحرية والعدالة –الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين-، وحزب النور –الخارج من عباءة الحركة السلفية-، ويلخص أهم المبادئ التي يرتكز عليها الحزبان.

فبالنسبة لحزب الحرية والعدالة، فقد تأسس رسميا في مايو 2011، وأعلن بوضوح التزامه بالدولة الحديثة والديموقراطية وحقوق المرأة، والوحدة الوطنية. وقد ضمت عضوية الحزب الكثير من النساء والأقباط.

ويدعم الحزب نظام الحكومة البرلمانية، على أساس أن مثل هذا النظام سيعمل على التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما يتبنى الحزب المساواة بين الأفراد أمام القانون، والعدالة الاجتماعية، والتضامن بين جميع أفراد المجتمع. وفيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية، فإن الحزب يدعم بوضوح الملكية الخاصة، والأعمال التجارية الخاصة، وحلول السوق الحرة، كما ينبغي أن يقتصر دور الدولة الاقتصادي على توفير مناخ استثماري صحي والحفاظ على البنية التحتية للبلاد.

بالطبع فإن قضية الدين والدولة تطرح نفسها بقوة في برنامج الحزب الذي يعلن صراحة التزامه بـ "الدولة المدنية"، التي لا يقودها الجيش أو رجال الدين، وفق مقاصد الشريعة الإسلامية.

وفيما يتعلق بالشأن الخارجي، يؤكد برنامج الحزب على أن "المشكلة الفلسطينية" تعد واحدة من القضايا الأكثر أهمية التي تتعلق بالأمن القومي المصري، ومن ثم يدعم الحزب حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس، فضلا عن تبنيه حق العودة. ومع ذلك يظل موقف الحزب يحيطه الكثير من الغموض بشأن مصير اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.

ينتقل دومان بعد ذلك إلى حزب النور ثاني الأحزاب الإسلامية شعبية في مصر، والذي تأسس في يونيو 2011. ويعد إنشاء هذا الحزب أحد أبرز منجزات الثورة؛ إذ ظل السلفيون غير مهتمين بالعملية السياسية قبل الثورة، إلا أنهم ما لبثوا أن تفتحت شهيتهم للممارسة السياسية فشكلوا حزبي النور والأصالة، وإن كان الأول هو الأكثر قوة.

برنامج الحزب يدعم حكومة برلمانية – رئاسية في آن واحد على غرار النظام الفرنسي الحالي. كما ينص على ضرورة إعادة توزيع الدخل والثروة بين الشعب المصري، وهذا يتناقض مع برامج معظم الأحزاب الرئيسية، والتي عادة ما تتبنى الدعوة لوضع حد أدنى لائق للأجور، دون إشارة صريحة إلى ضرورة إعادة توزيع الثروة.

ووفقا لبرنامج الحزب، فإنه ينبغي إدارة الاقتصاد الوطني بما يتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وبالتالي يجب إلغاء كل التشريعات التي تنظم القطاع المصرفي والتمويل، والتي تقوم على الفائدة المحرمة في الإسلام. وتحتل الهوية جانبا هاما من برنامج الحزب، الذي يؤكد على تطبيق الشريعة بطريقة تدريجية تتناسب وطبيعة للمجتمع.

ومن الغريب أن قسم العلاقات الخارجية في البرنامج الانتخابي لحزب النور شديد الإيجاز، ويؤكد على التزام واسع النطاق بتعزيز دور مصر الإقليمي والدولي، وتحسين علاقاتها مع البلدان المجاورة. ولا يوجد ذكر لموقف الحزب تجاه الحقوق الفلسطينية أو معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، على الرغم من التشديد على أهمية احترام المعاهدات والاتفاقيات القائمة. وإن كانت أحد التصريحات الصادرة من بعض قيادي الحزب قد أشارت إلى معارضة إلغاء معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، مع الدعوة إلى مراجعة بعض أحكامها، مع التعهد بعدم أخذ قرار بشأن مستقبل المعاهدة إلا من خلال استفتاء وطني.

مخاوف من انتصار الإسلاميين

نأتي الآن إلى الجزء الأهم من دراسة دومان، التي ركز فيها على أبرز المخاوف من انتصار الإسلاميين، فهناك من يرى أن فوز الإسلاميين يهدد مستقبل السلام مع اسرائيل والتعاون مع أمريكا. وهناك من يخشى ظهور حكومة اسلامية شعبية، تبدد كل جهود النخب العلمانية المستندة على الدعم الغربي. وتأتي بالطبع التخوفات الغربية من تقييد حقوق المسيحيين، ويبالغ البعض في القلق من ظهور طالبان أخرى أو إيران جديدة في مصر.

على النقيض من هذه المخاوف، نجد خطاب الأحزاب الإسلامية هادئ جدا؛ فقد أكد حزب الحرية والعدالة أكثر من مرة، على أن الإخوان المسلمين إذا قدر لهم تشكيل حكومة فستكون حكومة ائتلافية واسعة قدر الإمكان، وذلك عن قناعة تامة وليس فقط لمجرد تهدئة التيارات الليبرالية والعلمانية، فضلا عن الأقباط والجيش في مصر.

كما صرح المتحدث باسم حزب النور بتفضيله للنموذج الاقتصادي البرازيلي، نافيا أي توجه نحو نموذج ديني، مؤكدا أن الشعب المصري لن يسمح لأي حزب بممارسة الديكتاتورية وفرض الرأي. كما يرغب الحزب في تعاون أقوى وأشمل مع تركيا.

وهناك العديد من التصريحات المشابهة من قبل حزب الحرية والعدالة، في الإشارة إلى تركيا، لذا كان لابد من النظر في واقع النموذج التركي، من أجل فهم هذه التصريحات من جانب الإسلاميين في مصر.

النموذج التركي

هناك تلازم بين النموذج التركي وحزب العدالة والتنمية الذي يستلهم كثير من الإسلاميين تجربته. ويمكن القول أن أبرز مبادئ الحزب فيما يتعلق بالسياسات الداخلية تتلخص في الحفاظ على نمط حكومة علمانية وديمقراطية في مجتمع يشكل المسلمون الغالبية الساحقة فيه. ووفقا للحزب فإن العلمانية تعني أن على الدولة أن تقف على مسافة متساوية من جميع الأديان، وأن يتم تقييم الحكومات المنتخبة وفقا لأدائها في السلطة، وتعزيز فكرة أن الحكومة ستبقى في السلطة طالما ضمنت الرخاء العام للشعب.

وفيما يتعلق بالسياسات الخارجية، فإن فكرة حزب العدالة والتنمية ترتكز على الرغبة في بناء علاقات تعاون مع الجهات الخارجية تقوم على التعاون المتبادل والمصالح الاستراتيجية المشتركة، مع ارتداء النظارة الأيديولوجية قدر الإمكان بخصوص التطورات الخارجية وتحديد أولويات ودوافع التحرك الذي يجب ألا يخلو من الواقعية.

إذن يمكن القول أن اعتماد الواقعية والنهج العملي قد ساعدا تركيا على إضفاء الطابع المؤسسي على النظام الإقليمي والعالمي على أساس الشرعية والمساواة، كما أصبح تعريف المصلحة الوطنية مزيجا من الرخاء والأمن في الداخل والخارج.

ومع ذلك فإن مصطلح النموذج التركي لا يعني أبدا أنه يمكن تطبيق هذه السياسات الداخلية والخارجية على النحو المذكور أعلاه تلقائيا في بلدان الشرق الأوسط. في التحليل النهائي، هناك تباين في الديناميات الداخلية، وكل دولة لديها تصورها الخاص بها. على سبيل المثال، في بعض البلدان (مثل مصر)، من الواضح أن هناك رغبة شعبية عارمة في أن يكون للدين دور بارز في الحياة الاجتماعية والسياسية.

أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية التركية، فيعتقد الكثير من المحللين أن النموذج التركي يمكن أن يكون ملهما جدا لحالة مصر، فقد أظهرت تركيا أنه من الممكن أن تكون الدولة ديمقراطية، وفي نفس الوقت لديها علاقات جيدة مع الغرب، ومواقف قوية تجاه السياسات الإسرائيلية الظالمة. ويتوقع البعض أن تلعب مصر دورا إيجابيا في دمج الحركات الإسلامية في الهياكل السياسية في المنطقة، وأن تقدم الأحزاب الإسلامية في مصر نموذجا قد يلهم دول أخرى في المنطقة.

وإن كان البعض يرى في النموذج التركي نجاحا تمثل في أن تركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية المحافظ، قد تمكنت من تحقيق الإسلام والديمقراطية معا، إلا أن هناك من يرى أن السيطرة العسكرية التي تضاءلت على مدى السنوات الثماني الماضية، اقترنت بتكثيف سيطرة الشرطة التي أصبحت أكثر عنفا ضد الاحتجاجات المؤيدة للدعوة إلى إصلاحات السوق الحرة، كما اقترنت بتركيز القوة في يد السلطة التنفيذية، وهو ما لن يقبله المصريون في الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار الاحتجاجات الشعبية.

الوجه المتغير للإخوان

حين نتحدث عن النموذج التركي فليس الأمر من قبيل الصدفة؛ إذ أن هذا النموذج يمثل تجربة حية للوجه المتغير للإسلام السياسي في الفترة الماضية. فقد دخل الإسلاميون الساحة السياسية في تركيا مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد سلسلة من التحولات الفكرية من الراديكالية إلى الاعتدال. وبالطبع فإن هذه التجربة تستدعي فورا ما طرأ على جماعة الإخوان المسلمين في مصر من تحولات فكرية أيضا.

فحين تأسست الجماعة عام 1928، كانت البديل الأكثر قوة للأحزاب القومية العلمانية الهشة التي كانت قائمة في ذلك الوقت الذي كانت مصر واقعة فيه تحت الاحتلال البريطاني. وهنا بشر حسن البنا –مؤسس الجماعة- بالأصولية الإسلامية، ودعا إلى قيام دولة إسلامية غير معزولة عن التقنيات الغربية الحديثة الخاصة بالتنظيم السياسي والممارسة الديمقراطية. وفي غضون سنوات قليلة أصبحت الجماعة لاعبا أساسيا في السياسة المصرية.

إلا أن الجماعة أصبحت أكثر عنفا في معارضتها للبريطانيين قبيل الحرب العالمية الثانية، وشاركت في إسقاط الملكية، إلا أنها ما لبثت أن تعرضت للقمع في عهد عبد الناصر.

وفي ظل حكم مبارك استمرت الجماعة الأكثر معارضة للنظام رغم الاعتقالات الموسعة والتضييق الأمني، ومع ذلك ظلت على منهجها في نبذ العنف، حتى أنها تعرضت للانتقاد الشديد من قبل إسلاميين أكثر راديكالية كأيمن الظواهري، وتمسكت بتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية للشعب المصري.

شهدت الجماعة أيضا تحولا هاما في خطابها السياسي، وتبنت مفردات أكثر توافقية، منها على سبيل المثال، التحول في تبني مفهوم الدولة من "دولة إسلامية"، إلى "دولة مدنية ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية". ويرى كثير من المحللين أن جماعة الاخوان المسلمين في مصر هي الحركة الإسلامية الأكثر قدرة على الممارسة الديمقراطية.

وتولي جماعة الإخوان المسلمين اهتماما كبيرا بالعلاقات الخارجية، لما لها من دور في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين وضع مصر الاقتصادي. وكل ذلك يستلزم تعزيز التجارة مع أوروبا والولايات المتحدة، ومن ثم فالجماعة في حاجة إلى تطوير علاقات قوية مع الدول التي تستطيع المساعدة في إعادة بناء اقتصاد الدولة.


الأحد، 15 يناير 2012

الإسلام والعلمانية في أوزبكستان: احتواء الدين لتقوية الدولة

أحدث دراسة فرنسية تقترب من وضع الإسلام في آسيا الوسطى

أمل خيري

إسلام أون لاين


منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي السابق، كان للدين دوره البارز في عملية تكوين الأمة في أوزبكستان. فالحكومة اليوم تتبنى الإسلام كتراث وطني وتوجيه أخلاقي، وهذا ربما يعني تصاعد النشاط الإسلامي، ولكنه قد يعني أيضا بعد عدة سنوات من الاضطرابات في مواجهة التشدد الديني، منذ التسعينيات من القرن العشرين، مزيدا من تشديد الرقابة
الحكومية على التعليم والشعائر الدينية.
وفي ظل افتقار المجتمعات الإسلامية تاريخيا - بالنسبة لأغلب هذه المجتمعات- إلى هيئات دينية مركزية، فإن التطورات السياسية التي شهدها القرن الماضي، مع ظهور تيارات راديكالية تسعى لإحياء الإسلام، دفعت الحكومات في البلدان الإسلامية إلى الشعور بالحاجة إلى مزيد من السيطرة المركزية على الدين.
وحول هذا الموضوع كتب هنريك أولسون Henrik Ohlsson دراسة بعنوان "الإسلام والدولة العلمانية في أوزبكستان:سيطرة الدولة على الدين وآثارها على فهم العلمانية"[1]، والتي نشرت بالعدد الأخير والخاص من مجلة آسيا الوسطى[2] Cahiers d’Asie central، الصادرة عن المعهد الفرنسي لدراسات آسيا الوسطى، وجاء العدد الخاص بعنوان "تعريف الهوية".
وتهدف الدراسة إلى التعريف بالهياكل الرسمية التي تتحكم في الدين في أوزبكستان المعاصرة، وكيف يمكن فهم العلمانية في ضوء هذا التحكم. وقد صاغ أولسون السؤال المحوري لدراسته على النحو التالي: هل هي بداية لبلورة شكل جديد من أشكال تقديس الإسلام داخل إطار الدولة القومية؟ وبشكل أكثر تحديدا، هل مؤسسات الدولة في أوزبكستان أصبحت دينية، أم أنها ما زالت جزءا من هيكل الدولة العلمانية؟
ما هي العلمانية؟
يستهل أولسون دراسته بمحاولة تحديد المعنى الأساسي لكلمة العلمانية، وينطلق من أبسط التعريفات والتي انتشرت على نطاق واسع، وتختصر العلمانية في أنها تعني درجة من الفصل بين السلطتين السياسية والدينية. ومن ثم فإن الكاتب يؤكد على التفرقة بين ثلاثة مفاهيم مختلطة، العلمانية كأيديولوجية secularism، والعلمانية كتطبيق secularity (أي كسمة للمجتمعات أو الأفراد أو المؤسسات)، والعلمنة secularization (أي العملية الاجتماعية التي تجعل المجتمع يتجه بشكل متزايد نحو العلمانية).
وهنا يبرز الفارق الأساسي بين المجتمعات المسلمة والمسيحية؛ إذ تفتقر الأولى لهياكل دينية مركزية، وهي الأساس الذي تقوم عليه فكرة العلمانية كما ظهرت في الغرب المسيحي الكاثوليكي الذي شهد نوعا من الاحتكار الديني للكنيسة، وظهور قوى علمانية تميل إلى المواجهة المباشرة مع الكنيسة، مما ولد رغبة في إقصاء الدين، فيبدو الأمر كما لو كان هناك نزاع بين سلطتين مركزيتين. ومن ثم فإن المجتمعات المسلمة لم تشهد مثل هذا النزاع لغياب هياكل دينية مركزية، وبالتالي تنتفي الحاجة لظهور فكرة العلمانية. وهو نفس ما حدث في المجتمعات البروتستنتية التي شهدت درجة من التعددية سمحت بتشكيل تحالفات بين قوى سياسية مختلفة، ومن ثم لم يكن الدين في مواجهة السلطة السياسية.
وقد أنتجت التجارب التاريخية المختلفة لعلمنة المجتمعات مجموعة متنوعة من الأشكال التي قد يبدو بها المجتمع علمانيا، فضلا عن تنوع تفسيرات مفهومالعلمانية في سياسات الحكومات المختلفة. وفي هذا السياق ناقش أحمد كوروAHMET T. KURU [3] هذه المسألة باستخدام مصطلحي العلمانية السلبية والعلمانية الإيجابية، وذلك على النحو التالي:
فالعلمانية السلبية تعني الحياد السلبي من الدولة تجاه الديانات المختلفة، والسماح بحضور عام للدين في المجتمع، أما العلمانية الإيجابية فتعني تفضيل الدولة للنظرة العلمانية في الحياة العامة، وسعيها إلى حصر الدين في المجال الخاص. والمثال العملي على العلمانية السلبية الولايات المتحدة، في حين تعبر تركيا بعد أتاتورك عن الديمقراطية الإيجابية. والنموذج الآخر للعلمانية الإيجابية يتمثل في فرنسا، التي تسعى بقوة لتحجيم دور الدين في المجتمع، وحصره في المجال الخاص، وهو ما ظهر مؤخرا في حظر النقاب والرموز الدينية في المدارس.
وكما شهد العالم المسيحي تحولا من الاحتكار الديني إلى مزيد من التنوع، يتوقع أولسون أن تشهد المجتمعات المسلمة توجها معاكسا، نحو الاحتكار الديني بعد مرحلة من التنوع، إذ يعتقد أن هناك اتجاه عام نحو درجات مرتفعة من سيطرة الدولة على الدين في المجتمعات المسلمة، وهو الأمر الذي يستحق الاهتمام.
آسيا الوسطى
ينتقل أولسون من هذه المقدمة إلى تناول الوضع في منطقة آسيا الوسطى التي تشترك في بعض الخبرات مع غيرها من البلدان المسلمة، ولكنها نتيجة لوقوعها سبعة عقود تحت السيطرة السوفيتية تميزت ببعض الخصوصيات التي جعلتها تختلف عن بقية العالم الإسلامي. ففي فترة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، تشاركت المجتمعات المسلمة في وسط آسيا بعض السمات المشتركة مع المجتمع البروتستنتي، الذي تميز بنوع من التعددية وغياب احتكار الدين، ومن ثم لم تشهد هذه المجتمعات سيطرة مركزية للدين.
وفي أعقاب الثورة الروسية عام 1917، حاول البلاشفة بكل ما أوتوا من قوة تصدير العلمانية بالمفهوم الغربي إلى مجتمعات آسيا الوسطى، بل وأنتجت نمطا علمانيا فريدا من نوعه، وذلك نتيجة تبني معظم العلمانيين السوفيت لنوع من العلمانية الإيجابية المفرطة – أكثر بكثير من تركيا أو فرنسا- التي أصبحت جزءا من أيديولوجية الدولة السوفيتية، والتي لم تقنع بمجرد حصر الدين في المجال الخاص، بل سعت لوضعه تحت سيطرة الدولة، وتمثل الهدف النهائي في القضاء التام على الدين من عقول الناس، عبر الترويج لمقولة "الدين أفيون الشعوب"، وتعريف الدين في المصطلحات الماركسية اللينينية على أنه "الوعي الزائف" الذي يشكل عقبة أمام التقدم الاشتراكي.
وعلى الرغم من بعض المحاولات السوفيتية الجادة لإلغاء الدين -خصوصا في العقدين الأولين بعد الثورة- فإن الدولة في نهاية المطاف اضطرت إلى الاستسلام لتشكيل هيئات مركزية للسيطرة على الدين.
الإحياء الديني في أوزبكستان
بعد الاستقلال، طمحت الحكومة الأوزبكية في إحياء التقاليد الاسلامية، إلا أن أوزبكستان –دستوريا- لا تزال دولة علمانية. فالدستور الأوزبكي منذ عام 1992 ينص على وجوب فصل الهيئات الدينية عن الدولة، وعلى أن الدولة يجب ألا تتدخل في الشئون الدينية، وفي نفس الوقت فإن الدولة لديها هيكل ديني رسمي دقيق. فالإدارة الروحية لآسيا الوسطى وكازاخستان (كان يطلق عليها SADUM في الحقبة السوفيتية) ما تزال قائمة، لكن تم إصلاحها وأعيد تسميتها بمجلس مسلمي أوزبكستان.
ومن الواضح أن التطورات التي حدثت في فترة ما بعد الاستقلال، قد أجبرت جميع الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى على إعادة النظر في هذه السياسات الدينية إلى حد ما. ومع ذلك، تباينت مواقف مختلف البلدان مع بروز التطرف الإسلامي وتدفق الأفكار المتشددة من الشرق الأوسط وباكستان؛ ففي طاجيكستان اندلعت حرب أهلية في التسعينيات من القرن العشرين، والتي لعب فيها حزب النهضة الإسلامي دورا فاعلا. وقد نصت معاهدة السلام التي أنهت هذه الحرب على نوع من تقاسم السلطة، تضمن بعض النفوذ لحزب النهضة في البرلمان. ومن وقتها أصبحت الأحزاب السياسية القائمة على أساس الدين تتمتع بحضور قوي في البلاد، بينما تحظر في باقي دول آسيا الوسطى المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق.
فقد سعت الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى إلى إعادة إنتاج نفسها كدول قومية. وكان الوعي الوطني والقومي قد بدأ يتزايد بالفعل في الحقبة السوفياتية. ومن أجل تجنب الحالة التي تصبح فيها الوطنية أو القومية عائقا في طريق الاشتراكية، تبنى الحزب البلشفي استراتيجية مفادها "وطنية في الشكل، اشتراكية في المضمون". مما عزز من الوعي الوطني لمختلف الشعوب في إطار الاتحاد السوفيتي، ولكن بطريقة مسيطر عليها وذلك لتجنب ظهور أشكال عدوانية من القومية.
وأحد المسائل التي أولاها الاتحاد السوفيتي السابق أهمية -على الأرجح- كانت مواجهة ظهور النزعة القومية التركية، والتي تشكل تهديدا لوحدة للدولة السوفيتية. وقد كانت هذه السياسة فعالة حتى أنه بحلول نهاية الحقبة السوفيتية، ظهرت في الواقع نسخة أقرب إلى "اشتراكي في الشكل، ووطني في المحتوى".
وهكذا، فإن الأرضية اللازمة لتشكيل الدول القومية قد ظهرت بالفعل قبل وقت طويل من الاستقلال، ولكن مع الاستقلال صعدت النزعة الوطنية إلى مستوى جديد. فقد نشأت دساتير جديدة تعتمد اللغات المحلية لغات رسمية للبلاد، بل واحتلت المسائل الدينية أهمية كبيرة على نحو فاجأ حكومات هذه الدول التي ظلت جزءا من الهيكل السياسي السوفيتي العلماني (بل والملحد في بعض الأحيان).
وعلى الرغم من أن الأوزبك يشكلون الغالبية العظمى من السكان في أوزبكستان، فإن هناك عدد من الأقليات، خصوصا الطاجيك والروس والقوزاق، وقد منحت هذه الأخيرة منطقة تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال غرب البلاد. في الوقت نفسه فإن90 ? من السكان في أوزبكستان هم من المسلمين السنة. في ظل هذه الظروف أصبح الإسلام نقطة تجمع طبيعية لهوية جماعية جديدة.
من الانفتاح إلى الحظر
في مطلع التسعينيات من القرن العشرين تدفق عشرات الدعاة الإسلاميين الأجانب على وسط آسيا، في محاولة لاغتنام الفرصة لإعادة هذه البلدان إلى الأمة المسلمة، بعد أن عانوا طويلا في ظل نظام ملحد، وجاءت أكبر مجموعات من الدعاة من تركيا والجزيرة العربية خاصة السعودية. وشملت البعثات التركية حركات صوفية بهدف إعادة إحياء الطرق الصوفية -وعلى رأسها النقشبندية- في موطنها الأصلي.
كما انتشرت أيضا النورسية -وهي حركة إسلامية معتدلة تعود إلى سعيد النورسي- ولكن هذه المرة عن طريق فتح الله جولن أحد تلاميذ النورسي، الذي أنشأ حركة أخرى تحمل اسمه تستوحي الأفكار الصوفية مع مزيج من الحداثة. وقد سعت حركة "فتح الله جولن" بقوة للانتشار في آسيا الوسطى، عن طريق المدارس والمؤسسات التجارية والدعوية والمطبوعات والوسائل الإعلامية، وعلى الرغم من ذلك فقد أغلقت الدولة في أوزبكستان الطريق في وجه هذه الحركة بعد عدة سنوات من العمل، بحجة نشرها المذهب الوهابي المتشدد المتعارض مع التقاليد الإسلامية المحلية والسياسات الحكومية.
فبعد أن رحبت حكومات آسيا الوسطى في البداية بالبعثات الدعوية، سرعان ما أصبحت في نظرها مشبوهة، وقلقت بشأن أهدافها، وخشيت من مخاطر الاضطرابات التي قد تنجم عن الأفكار الدينية المتطرفة. لذا فقد اتخذت الحكومة الأوزبكية موقفا صارما خشية تكرار ما حدث في طاجيكستان المجاورة، خصوصا مع ظهور بعض التطورات على الجبهة الداخلية.
ففي عامي 1992 و1993 قامت الحكومة بطرد حوالي خمسين داعية سعودي من أوزبكستان. وفي عام 1994 قامت بحظر صحيفة "زمان" -الصحيفة التي تصدرها الحركة النورسية التركية-، كما أغلقت مدارس جولن في 1999. كما اضطرت كثير من الطرق الصوفية إلى انهاء أنشطتها في البلاد. وعلى الرغم من التعاطف الرسمي من الحكومة التي تصرح بأن التصوف جزء من التقاليد الوطنية، إلا أنه يبدو أنها تريد للتصوف أن يقتصر على المستوى الفكري، دون أن يتحول إلى قوة تنافس السلطات الرسمية.
ومما يثير الدهشة أنه في السنوات القليلة الماضية كان التواجد التبشيري الأجنبي الوحيد في أوزبكستان ينحصر في الجماعات المسيحية الإنجيلية المختلفة التي ازداد قلق الحكومة منها في الآونة الأخيرة، ليس من منطلق الخوف من أن الكثير من أفكارهم قد تؤدي إلى الإرهاب، بل من منطلق تعارض هذه الجماعات مع القيم العامة، فهذه المجموعات لا تعتبر جزءا من الثقافة الوطنية كالأقليات الدينية الأخرى (اليهودية والمسيحية الرثوذكسية الروسية)، بل تعتبر دخيلة على المجتمع.
انتفاضة يولداش
في عام 1992، في مدينة نمنكان في وادي فرغانة، قامت مجموعة من الشباب المتشدد اسلاميا بالاستيلاء على مقر محلي للحزب الشيوعي السابق. وأجبروا الرئيس كريموف على الحضور إلى نمنكان، وهو ما فعله، واستمع إلى عدد من المطالب، بما في ذلك إقامة دولة إسلامية في أوزبكستان، واعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للتشريع.
وقد تشكلت في نمنكان منظمة الشباب المتشددة باسم "العدالة"، تحت قيادة الإمام الشاب طاهر يولداش الذي تلقى تعليمه في الجامعات الإسلامية في السعودية وتأثر بالفكر الوهابي، وبقيادة هذه المنظمة انتشرت انتفاضة اسلامية في جميع أنحاء وادي فرغانة -وهي منطقة معروفة حتى في زمن الاتحاد السوفيتي بكونها معقل الحركات الإسلامية- وقامت هذه الانتفاضة بتحدي الحكومة علنا، وأعربت عن أملها فى إسقاط نظام كريموف. ومع ذلك بقي نظام كريموف الذي ضرب بيد من حديد على هؤلاء المتشددين الاسلاميين، الذي اضطر الكثير منهم إلى مغادرة البلاد والانضمام إلى الحركات الجهادية في طاجيكستان وأفغانستان. وكان ذلك بداية عصر من التحول نحو مزيد من سيطرة الحكومة على الدين.
الهيكل الديني الرسمي في أوزبكستان
واحدة من المشاكل التي تواجهها العلمانية في أوزبكستان تتمثل في تصنيف علمانية الحكومة، وهل هي نوع من العلمانية السلبية أم الإيجابية. فالدستور يبدو أنه يعزز الحياد الديني في الدولة ولكن منذ اعتماده، وضعت الدولة العديد من الأدوات القانونية الأخرى التي تتعامل مع التطرف الديني، مثل التعديلات على قانون العقوبات.
ومن أجل الوصول إلى قبضة قوية على النشاطات الدينية في البلاد، أقامت حكومة أوزبكستان هيئات دينية تستند جزئيا على الهياكل القائمة من قبل في الحقبة السوفيتية. وجعلت هذه الهيئات تحت إدارة مجلس الوزراء (الحكومة) مباشرة، وعلى رأسها لجنة الشؤون الدينية (CRA)، التي تتألف من خبراء في مختلف المجالات، والتي تشرف على جميع الأنشطة الدينية في البلاد. وباستثناء الإسلام، هناك (16) ديانة معترف بها رسميا في أوزبكستان، وأكثر من 2000 منظمة دينية مسجلة، والتي يجب أن تحصل على ترخيص من اللجنة.
ونظرا لكون الإسلام ، يشكل دين غالبية السكان، فبطبيعة الحال يتمتع بموقف متميز، إذ يجب أن تكون جميع المساجد ومؤسسات التربية الإسلامية تابعة لمجلس مسلمي أوزبكستان، وهو هيئة تمثيلية تتكون من الأئمة والشيوخ من جميع مناطق البلاد. ويشرف المجلس أيضا على إعادة بناء وصيانة المساجد والأماكن المقدسة مثل المقابر وأضرحة الأولياء المختلفة. والأيديولوجية الرسمية لهذا المجلس هي الإسلام السني الحنفي -على الرغم من وجود أقلية صغيرة من الشيعة الإسماعيلية-، ويرأس هذا المجلس المفتي الذي يتم ترشيحه منن قبل المجلس، بشرط موافقة الحكومة عليه.
وكل هذه الممارسات الحكومية تدل في نظر أولسون على توجه نحو مزيد من التدخل الحكومي في القضايا الدينية مما قد يفيد في فهم نظرة الحكومة الأوزبكية للعلمانية، والتي قد تبدو نوعا من السيطرة والهيمنة على الدين لصالح تقوية النفوذ الحكومي على حساب احتواء الدين.


[1] Henrik Ohlsson, « Islam and Secular State in Uzbekistan: State Control of Religion and its Implications for theUnderstanding of Secularity », Cahiers d’Asie centrale , 19-20 / 2011, mis en ligne le 01 janvier 2012.
[2] يمكن الاطلاع على محتويات هذا العدد على الرابط التالي:
http://asiecentrale.revues.org/index1343.html
[3] أستاذ مشارك، بقسم العلوم السياسية (ومركز الدراسات الإسلامية والعربية)، جامعة ولاية سان دييغو الأمريكية، ومؤلف كتاب "الديمقراطية والإسلام والعلمانية في تركيا"، وكتاب "العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين: الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا".


رابط النشر:
http://www.islamonline.net/ara/article/1304971289338