‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبحاث ودراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبحاث ودراسات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 26 أغسطس 2013

سماعون للكذب.. هل اكتسب جيل التطبيع صفة اليهود؟!


بقلم: أمل خيرى

منذ توقيع معاهدة السلام بين مصر والكيان الصيوني والتي نصت على التطبيع الكامل للعلاقات بينهما تغيرت عقيدة الكثير من المصريين، من اعتبار إسرائيل جرثومة دخيلة في قلب الوطن العربي وعدوا أزليا يجب محاربته إلى صديق وجار استراتيجي يجب الحفاظ على العلاقات معه، ومعاداة حركات المقاومة التي تقاوم هذا المحتل، واعتبارها العدو الأول, كحماس على سبيل المثال. 



فمن أهم مساوئ التطبيع إزالة الحاجز النفسي بين اليهود والمسلمين؛ الأمر الذي يجعل المصري المسلم العربي يتقبل وجود دولة يهودية بجواره يعادي من يقاومها ويعتبره إرهابيا، لهذا كان أحد شروط الصهاينة في اتفاقيات السلام محو كل ما من شأنه تعميق العداء مع اليهود سواء في الكتب أو الصحف أو المناهج المدرسية، من حذف للآيات التي تفضح صفات اليهود أو منع عرض أية برامج أو دراما تركز على طبائع اليهود الخسيسة ونشر ثقافة التطبيع والتعايش، الأمر الذي أدى لتمييع القضية لفلسطينية وشق الصف العربى. 


أما الأمر الأكثر خطورة -في نظري- فكان العمل على نشر الفساد والرذيلة في المجتمع العربي لمحو مكونات الهوية الإسلامية والثقافة العربية الأصيلة، وتغيير سمات العربي الأصيل صاحب النخوة والكرامة والإباء والإنصاف والعقل الراجح والصدق، ليتحول إلى مسخٍ يهوى الفساد والضيم والخنوع والكذب والتضليل والاكتفاء بملذات الدنيا. 


من هنا بدأت بافتراضية صادمة قليلا تحتاج للنقاش والدراسة: هل اكتسب الشعب المصري من صفات اليهود بعد التطبيع؟، وهل انتقلت بعض صفات اليهود المميزة لهم إلى بعض المصريين عبر بوابة التطبيع؟ 


وبما أن صفات اليهود التي تحدث عنها القرآن كثيرة أكتفي بصفة واحدة, ذمها القرآن وهي صفة (سماعون للكذب)، فلماذا أصبح المصريون شركاء لليهود في هذه الصفة البغيضة؟ 


سماعون للكذب 


يقول تعالى في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)﴾. 


توضح الآيات إحدى صفات اليهود المميزة وهي (سماعون للكذب)، وسمَّاعون جمع سَمَّاعٍ، وهي صيغة مبالغة من سامع، فهو لم يسمع مرة واحدة بل هو كثير السمع، يعرف أن ما يستمع إليه كذب ولكنه مع ذلك لا يكف عن معاودة الاستماع للكذب حتى يصير الاستماع للكذب من طبائعه وعاداته اللصيقة. 


ولم تُعرف أمة من الأمم بهذه الصفة غير اليهود، ومع ذلك وصف القرآن فئة أخرى بهذه الصفة وهم المنافقون الذين يتخذون سماع وقبول وترويج الكذب ديدنا لهم؛ فالكذب والاستماع للكذب من الصفات المتناقضة مع الإيمان ولا يمكن أن يجتمع الإيمان والكذب في قلب المؤمن؛ لذا قرنت الآيات بين المنافقين (الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) وبين اليهود (من الذين هادوا) لاشتراكهما في اعتياد سماع الكذب والسماع لقوم آخرين ثم تحريف الكلم عن مواضعه. 


ولا يختلف اثنان الآن على انتشار هذه الصفة بين كثير من المصريين الذين يستمعون إلى الكلام الكاذب من الإعلام الموجه وإلى الكاذبين من الإعلاميين، فيقبلوا به ويصدقونه ويروجونه بل ويثنون على قائله، فقط لأنه يحقق مصلحتهم أو يؤيد وجهة نظرهم، ما يعني أنهم يصدقونه ويسمعونه لأنه يوافق هوى في نفوسهم. 


وقد حذرت آيات أخرى من اندساس فئة من المنافقين في صفوف المسلمين يسعون لنشر الفتنة, ومع ذلك من الناس من هم سماعون لهم رغم كذبهم ونفاقهم، فقال تعالى في سورة التوبة ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ التوبة (47(. 


قال الحافظ ابن كثير –رحمه الله- و(فيكم سمّاعون لهم)، أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. 


وقال الطبري -رحمه الله- "اختلف أهل التأويل في تأويله: فقال بعضهم: وفيكم سماعون لحديثكم لهم، يؤدُّونه إليهم، عيون لهم عليكم، وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيكم من يسمع كلامهم ويُطيع لهم". 


وقال عبد الرحمن السعدي رحمه الله في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان": "وَفِيكُمْ أناس ضعفاء العقول (سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي: مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم. فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فللّه أتم الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم". 


وقال صاحب المنار "وفيكم سماعون لهم أي: وفيكم أناس من ضعفاء الإيمان أو ضعفاء العزم والعقل كثيرو السمع لهم؛ لاستعدادهم لقبول وسوستهم، وقيل: أناس نمامون يسمعون لأجلهم ما يعنيهم ". 

لماذا يسمعون الكذب؟ 


فما الذي جعل بعض المصريين رغم كل التضليل الإعلامي والتحريض على الفتنة يحبون سماع الكذب المفضوح، بحيث تغلغل في أعماق قلوبهم وأشربوه، وأضحوا يتلذذون ويطربون لسماعه، ويسعون جاهدين للبحث عنه؟ 


يجيب عن هذا السؤال الشهيد سيد قطب؛ فقد قال في الظلال "سماعون" بما يشي بأن هذه أصبحت خصلة لهم تهش نفوسهم لسماع الكذب والباطل وتنقبض لسماع الحق والصدق، وهذه طبيعة القلوب حين تفسد وعادة الأرواح حين تنطمس، ما أحب كلمة الباطل والزور في المجتمعات المنحرفة وما أثقل كلمة الحق والصدق في هذه المجتمعات، وما أروج كلمة الباطل في هذه الآونة، وما أشد بوار الحق في هذه الفترات الملعونة" 


إذًا السبب هو فساد القلوب وانطماس الأرواح وانحراف المجتمعات، وما ذلك إلا لاتباع الهوى وتغليب حظ النفس، قال تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (الفرقان43)، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية 23)، فبينت الآيات أن عاقبة اتباع الهوى تتمثل في طمس البصر والبصيرة بحيث يصبح الإنسان في هذه الحالة كالأنعام بل أضل، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف 179). 


في حين حذرنا القرآن ليس فقط من اتباع الهوى بل من طاعة من يتبع هواه ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف 28). 


كما حذرنا من محترفي الكذب الذين يلحنون القول ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد 30)، وحذرنا من أن بعض شياطين الإنس والجن يزينون القول حتى يفتتن بهم الناس ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام 112). 


وعلى الرغم من تحذيرات القرآن الكثيرة للمسلمين من أمثال هؤلاء الذين يزخرفون القول والذين أوتوا من فصاحة اللسان وبلاغة البيان مع فساد قلوبهم في آيات كثيرة من بينها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة 204)، وكذلك ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المنافقون 4). وقال تعالى ﴿قُتل الخراصون﴾ (الذاريات 10) أي لعن الكذابون أصحاب القول المختلف. 


وما جاء هذا التحذير إلا لأن هؤلاء الذين يلحنون القول سيكونون أول من يتبرأ من الذين سمعوا لهم واتبعوهم يوم القيامة ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ (القصص 63). 


وعلى الرغم من كل هذا الذم لسماع الكذب أو اتباع الخراصين فهل تعلم أن معظم هؤلاء الإعلاميين ومروجي الكذب والفتن قد خاضوا في آيات الله واستهزأوا بها وخاضوا في أعراض الصحابة وافتروا الكذب على الإسلام، بل لم يسلم الرسول صلى الله عليه وسلم من سخريتهم، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، لكن نسوق بعضها للتذكرة فقط: 


قال عمرو أديب في برنامج "القاهرة اليوم": "لن تحكمنى آية من آيات الله أو شيخ، فلن يكون للدين سيطرة على الدولة، والسيادة للقانون فقط ولن أقبل بغير هذا"، كما قال معلقا على وصف بعض أتباع النظام السابق بـ(الفلول): "لماذا لم يقال عن عمر بن الخطاب أنه من الفلول عندما دخل الرسول مكة، ولم نسمع عن خناقة بين الكفار والمسلمين وقتها" وهو ما يعد استهزاءً بصحابة النبى الكرام. 


وتساءل خالد منتصر "ما دخل الله في السياسة؟" 


وقال عادل حمودة على قناة النهار معقبا على الوقفات الاحتجاجية على الفيلم المسيء للرسول: "الرسول ليس مصري الجنسية حتى تتحرك السفارة المصرية للدفاع عنه". 


أما إبراهيم عيسى فقد قاد حملة شعواء على الصحابي الجليل أبي هريرة، كما سخر من آيات الله فقال "هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ"، ثم سخر واستهزأ بحركات جسده وبكلامه من كتاب الله عز وجل قائلاً: "سلطانيّة سلطانيّة ده سلطانية محمد مرسي"، كما سخر من أذان المسلمين عبر مكبرات الصوت، وخاض في كثير من الصحابة. 


ولا يتسع المقام هنا لعرض كم السخريات الهائلة من الإسلام ورموزه التي عرضها باسم يوسف. 


هذه الأمثلة وغيرها تؤكد حقيقة أن كثيرًا من إعلاميي الضلال سخروا من الإسلام ورموزه وتهكموا على كتاب الله وافتروا الكذب على الصحابة، إلا أن المشكلة ليست فيهم بقدر ما هي في السماعين لهم، رغم تحذير القرآن من الاستماع لمثل هؤلاء، بل نهى القرآن عن حضور مثل هذه المجالس ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء 140)، وهو تحذير شديد اللهجة؛ حيث جعل المستمع لمن يستهزأ بآيات الله شريك معه في الوزر والمصير؛ ليجتمع الكافر الذي يكفر بآيات الله ويستهزأ بها مع المنافق الذي استمع إليه ولم يترك هذه المجالس. 

كن كالنجاشي 


تذكر كتب السيرة بعضَ صنوف الحرب الإعلامية التي مارستها قريش ضد نبي الإسلام، والترويج لكثير من الأكاذيب بحقه وبحق دعوته، لكن مع ذلك نذكر موقفا حكيما للنجاشي ملك الحبشة وكيف واجه هذه الأكاذيب، فبعد هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة أرسلت قريش عمرو بن العاص الذي دخل على النجاشي، فقدم له الهدايا العظيمة ثم بدأ خطبته بتسفيه المهاجرين عنده بقوله "أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء"، ثم حاول أن يوغر صدر النجاشي عليهم وتصويرهم كمارقين لجئوا إليه ولم يؤمنوا بدينه فقال "فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت"، ثم لوح له بإمكانية قطع العلاقات مع دولته من قبل أشراف مكة الذين أرسلوه فقال "وقد بعثَنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم؛ فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه"، وفي عبارته هذه لفتة إلى أن أشراف مكة هؤلاء هم الأوصياء على هؤلاء المهاجرين والأحق بهم. 


وبالطبع مهد عمرو بن العاص لمهمته هذه في إقناع النجاشي بتقديم الهدايا للبطارقة وحاشية الملك حتى إنهم تدخلوا في الحديث ليقنعوه برد المهاجرين فقالوا "صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم". 


وعلى الرغم من ذلك, ولأن النجاشي ملك عادل لا يُظلم عنده أحد، فإنه لم يتأثر بالأكاذيب التي ساقها ابن العاص؛ فقد رأى من بين هؤلاء المهاجرين أشرافا من قريش وليس غلمان سفهاء فقال كلمته الشهيرة "لا والله، لا أسلمهم إليهما، ولا يُكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوَهم فأسألهم مما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني". 


لم ينخدع إذًا النجاشي بحديث سفير قريش بل أعمل عقل وحكمته ليوازن كلامه وفي الوقت نفسه استمع إلى الطرف الآخر حتى يصير حكمه عادلا. 


الأمر الأكثر غرابة أنه حتى في عهد الجاهلية كان الرجل يخاف أن يؤثر عنه كذب فتضيع هيبته بين الناس، ونتذكر موقف أبي سفيان بن حرب مع هرقل حين استدعاه ليسأله عن النبي ومعه تجار من مكة فقال قولته الشهيرة "فوالله لولا الحياء من أن يؤثر أصحابي عني الكذب لكذبته حين سألني عنه، ولكني استحييت أن يؤثروا الكذب عني فصدقته!". 


هكذا الجاهليون يستحون من الكذب، وهكذا الملك النصراني لا تنطلي عليه الأكاذيب، فمال بال كثير من المصريين يتعمدون الكذب ويهشون له ويستمعون إليه تماما كاليهود؟!، هل تأثروا بالفعل بصفات اليهود بعد التطبيع؟ وصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم "لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ "فَمَنْ؟". 


http://www.alamatonline.net/l3.php?id=69843

الثلاثاء، 21 مايو 2013

اقتصاد العالم في قبضة الثلاثة الكبار!


حقيقة الدور المشبوه لوكالات التصنيف الائتماني 

كتبت: أمل خيري 

جريدة الشعب 

للمرة السادسة منذ انطلاق الثورة المصرية أعلنت وكالة "ستاندرد آند بورز" العالمية للتصنيف الائتماني تخفيض تصنيف الديون السيادية الطويلة الآجلة بالعملتين الأجنبية والمحلية من "B-" إلى "C+" مع نظرة مستقبلية سلبية، وأشارت الوكالة إلى أن تخفيض التصنيف الائتماني جاء على خلفية تصاعد المخاطر الخاصة بالمالية العامة للدولة، حيث يبدو الوضع المالي للدولة غير مستدام. 

ولم تكتف الوكالة بذلك بل أعلنت الخميس الماضي تخفيض تصنيفها لـ 4 بنوك محلية، وهي "الأهلي المصري"، و"مصر"، و"التجاري الدولي"، و"الأهلي سوسيتيه جنرال". وأرجعت الوكالة فى بيان لها، السبب وراء التخفيض إلى ما أسمته مخاطر قد تتعرض لها هذه البنوك من استثماراتها في الدين الحكومي المحلي. 

بالطبع سارع الكثير من خبراء الاقتصاد لإبراز المخاوف بشأن تردي الأوضاع المالية في مصر عقب هذا التخفيض في إشارة إلى أن الخبر سينعكس سلبا على الاستثمارات المحلية والأجنبية بالإضافة إلى مفاوضات صندوق النقد الدولي مع مصر وربما انهيار الاحتياطي النقدي. فهل لهذا التهويل ما يبرره؟ وماذا يعني خفض التصنيف الائتماني للدولة؟ وما أبرز الوكالات القائمة بهذا الدور وكيف تقوم بعملها؟ وهل تحكم هذه الوكالات قبضتها على اقتصاد الدول؟ وما حقيقة دورها المشبوه في تدمير الاقتصاد؟ 

شهادة ثقة اقتصادية 

التصنيف الائتماني أو درجة الجدارة لأي جهة يقصد به تقدير صلاحيتها للحصول على قروض وقدرتها المالية على تسديدها. وتضطلع بهذا الدور وكالات متخصصة للتصنيف، تعود نشأتها لعام 1975، استجابة لطلبات شركات التأمين الأمريكية من هيئة الأوراق المالية الأمريكية لتحديد حجم المخاطر التأمينية، ومع الوقت أصبحت هذه الوكالات تقوم بتصنيف الجدارة الائتمانية للدول كذلك. 

وتحتكر السوق العالمية في مجال التصنيف الائتماني ثلاث وكالات هي: "ستاندرد آند بورز" ، "فيتش" إضافة لوكالة "موديز"، ويستحوذ الثلاثة الكبار على أكثر من 90 % من السوق. وتتراوح درجة التصنيف بين جدارة ائتمانية عالية AAA، والتي تدل على استقرار الدولة المصدرة للسندات أو الصكوك، ثم جدارة متوسطة تبدأ من BBB، ثم CCC والتي تحمل درجة مخاطرة عالية، وأخيرا D والتي تشير إلى تعثر الدولة أو اقترابها لحافة الإفلاس. 

وبما إن الأسباب المعتادة لتخفيض تصنيف الدول تتلخص في انخفاض الاحتياطي النقدي وعدم الاستقرار السياسي والانفلات الأمني وغيرها من المؤشرات، فإن التخفيض الأخير لمصر تقف وراءه أسباب سياسية بالتأكيد؛ فلا يخفى على أحد أن هذا الإعلان جاء عقب ارتفاع الاحتياطي النقدي بمقدار مليار دولار خلال شهر أبريل، فكيف يتم تخفيض التصنيف الائتماني مع ارتفاع الاحتياطي؟، إضافة إلى الهدوء النسبي الذي تشهده البلاد. 

من هنا لا يمكن قراءة هذا الإعلان الأخير عن تخفيض التصنيف الائتماني لمصر إلا في ضوء الموافقة على قانون الصكوك، والإعلان عن البدء في مشروع تنمية إقليم قناة السويس، وزيارات الرئيس الأخيرة لدول البريكس وإبداء رغبته في انضمام مصر للمجموعة، فهذا التقييم جاء بعد يوم واحد فقط من زيارة مرسي للبرازيل، كما تأتي مع ارتفاع توريدات القمح التي تؤذن بانخفاض وراداته من الخارج خاصة من الولايات المتحدة أكبر مورد للقمح في مصر، مما يثير الشك حول عمل هذه الوكالات، في خطوة تبدو استباقية لإخافة المستثمرين من الإقبال على مشروع تنمية القناة أو الصكوك أو الإقدام على أي استثمارات في مصر، وكأنها تعاقب مصر على كل ما سبق ذكره من خطوات. يعزز ذلك ما أعلنته "ستاندرد آند بورز" : "نعتقد أن مصر على المحك، وتحتاج إلى حد كبير من التوافق السياسي والاقتصادي، لتتمكن من الوفاء بخدمة ديونها"، وهو تدخل سياسي سافر من قبلها. 

لعبة التصنيف 

فلنعد لمقولة توماس فريدمان الذي قال منذ أكثر من ثلاثة عقود:
" إذا كانت أمريكا تستطيع أن تدمر أى دولة بقوتها العسكرية فإن "موديز" تستطيع تدمير أى دولة من خلال تصنيف سنداتها ومنعها من الاقتراض من أسواق المال العالمية". وهذه المقولة صادقة تماما؛ فقد لعبت هذه الوكالات دورا مشبوها في تدمير الدول، حيث التلاعب بالتصنيف والذي على أثره يتخذ المستثمرون قراراتهم بالاستثمار في دولة ما أو التراجع عن ذلك الاستثمار. 

يكفي الإشارة إلى أنه في فترة السبعينيات كان المستثمرون أنفسهم يقومون بدفع المال لوكالات التصنيف مقابل الحصول على التقارير، إلا إنه بمرور الوقت أصبح مصدرو السندات أو المؤسسات الخاضعة للتقييم هي التي تدفع لهذه الوكالات مما يجعل مصداقيتها على المحك. 

وهناك أمر آخر يجعلنا نتشكك في مصداقية هذه الوكالات؛ فسوق التصنيف يسيطر عليه ما يسمى باحتكار القلة، فالوكالات الثلاث الكبرى استحوذت بمرور الزمن على الوكالات الصغيرة المنافسة، كما أن هناك تدخلا حكوميا سافرا يعزز هيمنة هذه الوكالات على السوق؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية لا يجوز إصدار وتداول سندات الدين في الأسواق ما لم يكن قد تم تصنيف هذه السندات من قبل وكالتين على أدنى تقدير، من الوكالات التي تعترف بها "اللجنة الأمريكية للأوراق المالية والتحويل الأجنبي"، إضافة إلى ما يكتنف عمل هذه الوكالات من عدم شفافية. 

من أجل هذا كله أخذ الكثير من وزراء المال الأوروبيين في التشكيك في هذه الوكالات عقب قيام الثلاثة الكبار بخفض تصنيف الوضع الائتماني للعديد من دول اليورو، مما دفع الأوروبيين للحديث عن إمكانية إنشاء وكالة تصنيف جديدة تواجه احتكار الثلاثة الكبار، فقد دعا رئيس المفوضية الأوربية "خوسية مانويل روسو" إلى تأسيس وكالة تصنيف ائتمانية أوربية للفكاك والتحرر من السيطرة الأمريكية. وكانت الصين قد تنبهت لهذه السيطرة الأمريكية فسارعت بإنشاء وكالة "داغونغ" للتصنيف الائتماني عام 1994. 

وكشف البعض عن انهيار سمعة هذه الوكالات عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث انهارت مؤسسات مالية كبرى وبيوتات تجارية عملاقة وشركات صناعية عالمية كانت قد حصلت من الثلاثة الكبار على تصنيفات مالية ممتازة، فأصبحت سمعة هذه الوكالات محل شك. 

الخلاصة أنه لا يجب النظر لتصنيفات الوكالات على أنها صكوك ثقة وشهادات مصداقية، ولا يجب أن نعطيها كل هذا القدر من الأهمية دون النظر إلى ما يحيط بها من شبهات وما قامت به من دور مشبوه على مدى تاريخها في معاقبة الدول أو الأنظمة عبر تفزيع المستثمرين باستخدام لعبة التصنيف. 


الجمعة، 17 مايو 2013

في الذكرى 65 على إنشائها... ما يجب أن تعرفه عن مؤسسة "راند"


أمل خيري

تحتفل مؤسسة راند الأمريكية البحثية بالذكرى الخامسة والستين على إنشائها ولأن الكثيرين لا يعرفون حقيقة هذه المؤسسة وأدوارها المشبوهة ضد الإسلام أعيد على حضراتكم مقتطفات من مقالات ودراسات نشرتها من قبل للتعريف بهذه المؤسسة.

مؤسسة راند البحثية هي مؤسسة أمريكية بحثية ذات صلة مباشرة بالمحافل الماسونية، ومن أهم مؤسسات الفكر الأمريكية ذات التأثير في دوائر صنع القرار في الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بشئون الشرق الأوسط الكبير. لذا كان لابد من إلقاء الضوء على طبيعة عمل هذه المؤسسة ودورها في تحريك الإدارة الأمريكية.

تعود نشأة مؤسسة راند إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتحديدا عام 1948، حيث تأسست بإشراف سلاح الجو الأمريكي تحت اسم معهد راند " RAND Institute" على غرار بيت الخبرة البريطاني "Think Tank"، وظل سلاح الجو الأمريكي يرعى المعهد الذي ساهم في حل كثير من المشكلات التي تعترض صناع القرار في القوات الجوية. وبعد النجاح الذي أدى به المعهد دوره في خدمة صناع القرار في سلاح الجو الأمريكي ارتأت الإدارة الأمريكية توسيع نشاطه ليشمل فروع القوات المسلحة كافة ومن ثم أجهزة الدولة كلها فتحول ليحمل اسم مؤسسة راند " RAND Corporation" منظمةً بحثية غير ربحية تهدف إلى تطوير السياسات وآليات صنع القرار، وما زالت المؤسسة تتلقى دعمها المالي من الحكومة والتبرعات، وذات تأثير نافذ في السياسات الأمريكية، وتقدم خدماتها لكل من القطاعين العام والخاص. 

ويعود اهتمام راند بالإسلام وما أسمته بالخطر الإسلامي إلى عام 1999 أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بنحو عامين ، حين أصدرت كتابا بعنوان " مواجهة الإرهاب الجديد" وقد أعدته مجموعة من الخبراء الأمريكيين، وحذر الكتاب أن خطر الإرهاب الجديد سيتركز في منطقة الشرق الأوسط ومن ثم سيشكل تهديدا للأمن القومي الإسرائيلي والمصالح العليا للولايات المتحدة في المنطقة. ثم جاء تقرير راند عام 2004 بعنوان "العالم الإسلامي بعد الحادي عشر من سبتمبر" The Muslim World After 9/11”" [1] ، وقد مثل خطة محكمة لتوجيه الإدارة الأمريكية نحو لتعامل مع العالم الإسلامي، ويُعَدُّ التقرير خارطة طريق واضحة يتعين على الساسة الأمريكيين إتباعها في كل منطقة من مناطق العالم الإسلامي. حيث تم تقسيم العالم الإسلامي تقسيما جائرا؛ فهناك منطقة سلفية وأخرى معتدلة وثالثة راديكالية، ووجه التقرير صناع القرار الأمريكي إلى ضرورة احتواء شيعة العراق لصد المد الشيعي الإيراني.

تشكيل السياسة الأمريكية

ثم جاء تقرير "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات" "Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies" [2]عام 2005 الذي عَدَّ الإسلام حائطا منيعا أمام محاولات التغيير، وقام بتصنيف المسلمين إلى أربع فئات:
أصوليين ، تقليديين، حداثيين، علمانيين.
ووجه التقرير الإدارة الأمريكية إلى كيفية التعامل مع كل فئة؛ فالأصوليين يجب استئصال شأفتهم، والتقليديين يجب دعمهم ليشككوا بمبادئ الأصوليين، ومن ثم يجب دعم الشيعة والصوفية، كما يجب دعم ما أسمتهم بالمسلمين الحداثيين والعلمانيين.

أما التقرير الأخطر الذي قدمته مؤسسة راند فكان بعنوان " بناء شبكات مسلمة معتدلة" " Building Moderate Muslim Networks " [3]، الصادر عام 2007 وأثار ضجة حينها وكان يهدف إلى رسم خطة متكاملة للسياسة الأمريكية في العالم أجمع وخاصة منطقة الشرق الأوسط، وقد قدم تعريفا أمريكيا خالصا لمفهوم الاعتدال، فالمسلم المعتدل هو من يرفض الشريعة، ويؤمن بالعلمانية!

وفي عام 2008 صدر كتاب لراند بعنوان "صعود الإسلام السياسي في تركيا" "The Rise of Political Islam in Turkey" [4]، ويصف الكتاب المشهد السياسي والديني في تركيا، والعلاقة بين الدين والدولة، وكيف تقيم الدولة التوازن بين القوى العلمانية والدينية ،وبين النخب الكمالية والفئات الاجتماعية الجديدة الناشئة . ويقدم أيضا تعريفا بالتحديات والفرص الجديدة للسياسة الأمريكية في تغيير البيئة السياسية التركية، ويحدد الإجراءات التي ينبغي على الولايات المتحدة اتخاذها للحفاظ على تركيا مستقرة وديمقراطية، وصديقة.

وفي السياق نفسه قدمت راند عام 2009 كتابا بعنوان "الإسلام الراديكالي في شرق أفريقيا" " Radical Islam in East Africa". والخطورة في تقارير راند أنها تشكل المرجع الأساسي في توجيه صناع القرار الأمريكي، خاصة مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية، فيكفي الإشارة إلى أن بول بريمر الحاكم الأميركي المدني السابق في العراق قد ذكر صراحة في مذكراته عن غزو العراق [5] أنه ما إن وطئت قدماه أرض العراق وبدأ يسأل عن كيفية إدارة هذه الدولة، كان تقرير مؤسسة راند الاستراتيجي عن أفضل السبل لتسيير الوضع في العراق أول ما وضعه جيم دوبنز Jim Dobbins بين يديه، ومن المعروف أن دوبنز شغل سابقا منصبا دبلوماسيا وهو محلل سياسي بمؤسسة راند ذو خبرة طويلة[6] . بل يتهم بعض المراقبين راند بعلاقاتها القوية مع شركات تصنيع الأسلحة وأجهزة الاستخبارات والتي جعلتها تضطلع بمهمة تحفيز القادة الأمريكيين لما أسمته بالحروب الاستباقية التي شهدناها في أفغانستان والعراق، وراجت على إثرها مبيعات الأسلحة وأجهزة الاستخبارات، مما أثار تساؤلات عديدة حول دور المؤسسة في الدفع بالإدارة الأمريكية لخوض حروب لا مبرر لها.


([1])  يمكن تحميل التقرير كاملا من هذا الرابط:
 ([2])  يمكن تحميل التقرير كاملا من هذا الرابط:

([3])  يمكن تحميل التقرير كاملا من هذا الرابط:
([4])  الكتاب موجود على هذا الرابط:
([5])  جاءت مذكرات بول بريمر بعنوان "عامي في العراق: صراع لأجل مستقبل مشرق"My year in Iraq: the struggle to build a future of hope
([6])  انظر مذكرات بول بريمر: L. Paul BREMER, My year in Iraq: the struggle to build a future of hope,Simon and Schuster, New York, 2006, p.p.9,10.

الثلاثاء، 14 مايو 2013

الاقتصاد البرازيلي من هوة الإفلاس إلى سادس اقتصاد عالمي



دروس في التنمية والقضاء على الفقر 

كتبت: أمل خيري

جريدة الشعب

اختتم الرئيس محمد مرسي زيارته الرسمية للبرازيل، والتي استمرت ثلاثة أيام، التقى خلالها رئيسة الدولة ديلما روسيف. ورافق الرئيس خلال الزيارة وفد رسمي كبير بغرض بحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، كما شارك مرسي في افتتاح منتدي الأعمال بساو باولو، والتقى بممثلي منظمات الأعمال البرازيلية والشركات ومجموعة من أبناء الجالية المصرية. 

وبالإضافة إلى ما أسفرت عنه الزيارة من توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية بين الدولتين، فإن الزيارة استهدفت بالأساس السعي نحو الانضمام لتجمع البريكس من جهة والاستفادة من تجربة البرازيل الرائدة في التنمية ومكافحة الفقر وتطوير العشوائيات والعدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى خبرتها المُتميزة في إعداد مؤشرات لقياس مستوى التنمية المستدامة ونشر الوعي البيئي. 

كما أكد مرسي خلال لقائه بروسيف على سعي مصر للاستفادة من التجربة البرازيلية المُهمة فى انتاج واستخدام الوقود الحيوي من خلال استغلال المخلفات الزراعية والعضوية والصلبة فى انتاج الكحول كوقود من مخلفات قصب السكر وقش الأرز، وبحث إمكان تطبيقها فى مصر، وأهمية التعاون مع البرازيل في مجال الاقتصاد الأخضر، الذي يعتمد على موارد الطاقة النظيفة كانتاج الطاقة من الرياح، باعتبار أن الطاقة أحد أهم ركائز تحقيق النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى تعزيز السياحة البيئية. 

التجربة البرازيلية 

في عام 2002 تقدمت البرازيل بطلب لصندوق النقد الدولي لمنحها قرضا بقيمة 30 مليار دولار، وقوبل طلبها بالرفض خوفاً من عدم قدرتها على تسديده، إلا إنها في غضون سنوات قليلة استطاعت أن تتحول من دولة على وشك الإفلاس إلى سادس أقوى اقتصاد عالمي، متخطية المملكة المتحدة بناتج محلي إجمالي 2.5 تريليون دولار، بل وأصبحت دائنة لصندوق النقد الدولي بنحو 20 مليار دولار!، بفضل سياسات الرئيس السابق “لولا دا سيلفا”(2003-2010). 

من البرامج التي قام بها “دا سيلفا” برنامج صفر جوع، والذي أطلقه في العام الأول لحكمه، وتضمن العديد من البرامج الاجتماعية مثل برنامج "المنح العائلية"، والذي تتلقى بموجبه 13 مليون عائلة فقيرة جدا مساعدات من الدولة تتراوح بين 39 و78 دولار شهريا للفرد الواحد بشرط إرسال الأطفال للمدارس والخضوع للمتابعة الطبية، ونجح البرنامج في انتشال أكثر من 30 مليون شخصا من الفقر خلال 8 سنوات، كما انخفضت نسبة الفقر المدقع من 12% إلى 4.8%، إضافة إلى الحدّ من سوء التغذية بنسبة 25%. 

كما اشتمل على برنامج "مساعدة الفلاح البرازيلي" والذي استهدف إعادة توزيع الأراضي في إطار الإصلاح الزراعي، ودعم ملايين البرازيليّين في الخروج من دائرة الفقر، وهناك أيضا برنامج "Pro Uni" والذي قدم دعماً لطلاّب العائلات الفقيرة، كما وفر 14 مليون وظيفة، وارتفعت القيمة الحقيقية للحدّ الأدنى للأجور بنسبة 53.6%. أما مشروع التمويل الأصغر البرازيلي أو "الرفيق الدائن"، فقدم التمويل للمشروعات الصغيرة، واستفاد منه الملايين. 

وكان “دا سيلفا” قد أعلن عن برنامج للتقشف في بداية حكمه وطلب دعم الطبقات الفقيرة له والصبر على هذه السياسات، وقد أدت هذه السياسات إلى خفض عجز الموازنة وارتفاع التصنيف الائتماني للبلاد، فزادت الثقة في الاقتصاد البرازيلي وانهالت الاستثمارات والتي وصلت إلى 200 مليار دولار استثمارات مباشرة خلال الفترة من 2004 إلى 2011، مما أدى إلى رفع الطاقة الانتاجية للبلاد، ومن ثم توفير فرص العمل وحل مشكلة الفقر. 

اهتمت كذلك البرازيل بالتصنيع سواء الصناعات البسيطة أو المتقدمة، مع التوسع في الزراعة والاكتشافات البترولية. واتبعت البرازيل خطة لتنشيط قطاع السياحة فابتكرت سياحة المهرجانات معتمدة على تراثها الشعبي ونجحت في الترويج لهذا النوع من السياحة. 

وعلى المستوى الخارجي اتبع “دا سيلفا” سياسة انفتاحية، خاصة على البلدان النامية ومن بينها العالم العربي، فكان أول رئيس برازيلي يزور مصر وسوريا ولبنان، إضافة إلى توجهه الإفريقي. كما اتجه نحو التكتلات الاقتصادية كمنظمة الميروكسور التي تعد بمثابة سوق مشتركة بين كل من البرازيل والأرجنتين وباراجواى وأوروجواى وعضوية غير كاملة لفنزويلا وبوليفيا، وكذلك تجمع البريكس للاقتصادات الناشئة، كما أصبح لها دور بارز في إطار مجموعة العشرين G20. 

قائد منفتح وشعب واع 

ربما لا يعرف الكثيرون عن "دا سيلفا" أنه ولد لأسرة فقيرة تتكون من 8 أطفال تركهم والدهم لأمهم الأمية، وظل يتنقل بين المهن الوضيعة من ماسح للأحذية إلى خراط وميكانيكي وصبي في محطة بنزين، وفقد أحد أصابعه وهو في التاسعة عشر أثناء عمله في مصنع لقطع غيار السيارات. 

ورغم انتمائه للطبقة الفقيرة فقد تمتع بكرامة واحترام فائق للذات جعله يسعى لبناء دولة حرة ذات مكانة وكرامة، انعكست على رغبته في أن تكون لكل الدول النامية كرامة، فيقول: :"نحن نقرّر مصير علاقاتنا ونغيّر بشكل سريع الجغرافيا التجارية للعالم والجغرافيا السياسية للعالم، أي إننا في الجنوب نتعلّم بأننا شعوب ذات سيادة وأن علينا أن نقرّر مصير علاقاتنا السياسية والثقافية". 

وخلال فترة رئاسته الأولى قام بتحويل قرض إئتماني بقيمة112.1 مليون دولار من البنك الوطني للتنمية الاقتصادية لأكبر جمعية تعاونية تضم رفاقه قبل أن يصبح رئيساً للبرازيل، من جامعي القمامة وتدويرها في ساو باولو، مؤكدا بذلك وفاءه لأبناء طبقته ورغبته في إنصافهم. 

ومع ذلك فإن شخصية "دا سليفا" لم تكن تستطع وحدها تحقيق هذا النجاح لولا الإرادة الشعبية والوعي الجماهيري الذي جعل أبناء الشعب بجميع طبقاته يتحملون أعباء سياسات التقشف بلا ضجر ولا تذمر حتى استعاد الاقتصاد البرازيلي عافيته. 


الأربعاء، 1 مايو 2013

تقرير لمنتدى "بيو" للأديان: 74% من المصريين يرغبون في تطبيق الشريعة




كتبت: أمل خيري


يحتل العالم الإسلامي أهمية بالغة لدى صانعي القرار في الدول الغربية، الأمر الذي يظهر في اهتمام مراكز الأبحاث الغربية برصد التحولات الأساسية في العالم الإسلامي، ورؤى وتصورات المسلمين حول قضايا الدين والمجتمع والسياسة.
ومن بين أهم مراكز الأبحاث المهتمة بدراسة العالم الإسلامي منتدى مركز "بيو" للدين والحياة العامة الذي أصدر تقريرا شاملا يوم 30 إبريل من 226 صفحة بعنوان "المسلمون في العالم: الدين والسياسة والمجتمع"، وكشف التقرير عن أن معظم المسلمون حول العالم أبدوا التزاما عميقا بدينهم، وعبر غالبيتهم عن رغبتهم في تطبيق الشريعة وأن تصبح القانون الرسمي في بلادهم.
وشملت الدراسة الاستطلاعية عينة من المسلمين من 39 دولة، حيث وصل عدد المشاركين إلى أكثر من 38,000 من المسلمين الذين يتحدثون أكثر من 80 لغة، من جميع أنحاء أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.  وذكر أغلب المشاركين أن الإسلام هو الدين الوحيد الحق، وأن تطبيق الشريعة الإسلامية يجب أن يكون في جميع المجالات السياسية والاجتماعية.
وقد تباينت نسبة المسلمين الراغبين في تطبيق الشريعة رسميا في بلادهم تباينا شديدا؛ ففي حين لم تتعد هذه النسبة 8% في أذربيجان، وصلت إلى 99% في أفغانستان. كما أبدى الكثير من مسلمي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا رغبتهم في أن تصبح الشريعة المصدر الرسمي لكل القوانين؛ فبلغت نسبة المسلمين المطالبين بتطبيق الشريعة 71% في نيجيريا، و72% في إندونيسيا و74٪ في مصر، و89٪ في الأراضي الفلسطينية.
وأظهر الاستطلاع أن معظم المسلمين يؤيدون الحرية الدينية لأصحاب الديانات الأخرى، كما أن معظم المسلمين لا يرون تعارضا بين التدين والعيش في مجتمع حديث، ولا يرون تناقضا بين الدين والعلم.  كما أظهرت النتائج أن غالبية المسلمين يدينون العمليات الإرهابية والتفجيرات الانتحارية أو غيرها من أشكال العنف ضد المدنيين، فهناك 81% يرون أن هذه الأفعال لا مبرر لها من الشرع.
وذكر التقرير أيضا أن نصف المسلمين على الأقل في معظم الدول التي شملها الاستطلاع يشعرون بالقلق من الجماعات الدينية المتطرفة في بلادهم؛ ففي مصر بلغت نسبة الخوف من التشدد 67%، وفي تونس 67٪، وفي العراق 68٪، وفي غينيا بيساو 72%، وفي إندونيسيا 78٪.
كما تعارض الغالبية الساحقة من المسلمين السلوكيات المرفوضة من الإسلام بما في ذلك البغاء والشذوذ الجنسي والانتحار والإجهاض والقتل الرحيم وشرب الكحول، وذكروا أنها سلوكيات غير أخلاقية. في حين تباينت المواقف تجاه تعدد الزوجات والطلاق وتحديد النسل؛ على سبيل المثال، يعتبر تعدد الزوجات أمرا مقبولا أخلاقيا من قبل 4٪ فقط من المسلمين في البوسنة والهرسك وأذربيجان، وحوالي نصف المسلمين في الأراضي الفلسطينية (48٪) وماليزيا (49٪)، والغالبية العظمى من المسلمين في عدة بلدان في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مثل السنغال (86٪) والنيجر (87٪).
ويعتقد غالبية المسلمين في ضرورة تطبيق الشريعة على المسلمين فقط، إلا أن مسلمي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عبروا عن اعتقادهم بضرورة تطبيق الشريعة على المسلمين وغير المسلمين؛ ففي مصر يرى 74% تطبيق الشريعة على غير المسلمين أيضا، وفي الأردن بلغت النسبة 58%، وفي العراق 38%، وفي المغرب 29%.
ويزيد حماس المسلمين لتطبيق الشريعة في مجال الأحوال الشخصية والميراث، غير أن ردود أفعالهم تباينت إزاء تطبيق الحدود؛ فبخصوص حد السرقة أيد الكثير من المسلمين قطع يد السارق، وصلت النسبة إلى 88% في باكستان، و81% في أفغانستان، 76% في فلسطين، و70% في مصر، 57% في الأردن.
أما حد الزنا فقد وصت نسبة الراغبين في تطبيقه إلى 89% في باكستان، و85% في أفغانستات، و81% في مصر، و74% في فلسطين و58% في العراق. ونادى الكثير أيضا بتطبيق حد الردة على المرتدين عن الإسلام؛ ففي مصر بلغت النسبة 86%، وفي الأردن 82%، وفي فلسطين 66%، وفي أفغانستان 79%، وفي باكستان 76٪.
وطرح الاستطلاع سؤال حول الموقف من الأحزاب السياسية الإسلامية، حيث ذكر الغالبية أن هذه الأحزاب أفضل من غيرها من الأحزاب الأخرى؛ وبلغت النسبة في مصر 55%، وفي تونس 55%، وفي أفغانستان 54%، وفي الأردن 46%، وفي ماليزيا 43%.
لتحميل التقرير كاملا
http://www.pewforum.org/Muslim/the-worlds-muslims-religion-politics-society.aspx

الثلاثاء، 30 أبريل 2013

متى تتحول الموزانة المصرية من موازنة بنود إلى موازنة برامج؟



مع بداية مناقشة مجلس الشورى للموازنة العامة وتوقعات بعجز 197,5 مليار جنيها

كتبت: أمل خيري
جريدة الشعب

 
استمع مجلس الشورى في جلساته الثلاثاء الماضي لبيان الحكومة حول الموازنة العامة للدولة الجديدة، حيث ألفى الدكتور المرسى حجازى وزير المالية، بيانه المالي عن مشروع الموزانة العامة للدولة للسنة المالية "2013 / 2014"، وبعد الاستماع للبيان قام الدكتور أحمد فهمى، رئيس مجلس الشورى، بإحالة بيان الحكومة إلى اللجنه المالية والاقتصاديه بالمجلس، لاعداد تقرير حول الموازنة.
وأعلن وزير المالية في بيانه أن العجز في الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2013 / 2014 يبلغ 197,5 مليار جنيها (28,581 مليار دولار)، وكشف حجازي أن النفقات تُمثل 84,4 % من الحجم العام للاستخدامات بمشروع الموازنة، فيما تغطي الإيرادات نسبة 71,8 % من حجم النفقات ليصل العجز النقدي في الموازنة العامة الجديدة إلى 197,5 مليار جنيها بنسبة 9,5 % من الناتج المحلي الإجمالي، مشيراً إلى أن إجمالي الناتج المحلي ارتفع في الموازنة العامة الجديدة ليصل إلى 2,1 تريليون جنيه في مقابل 1,7 تريليون في الموازنة الحالية التي تنتهي في 30 يونيو المقبل.
وكشف حجازي أن الناتج المحلي الإجمالي في مشروع الموازنة الجديدة يبلغ 2,1  تريليون جنيه (303,5 مليار دولار)، بارتفاع نسبته 23,5%، مقارنة بـ1,7 تريليون جنيه في الموازنة الحالية. ولفت إلى أنه يتم اتخاذ إجراءات لزيادة الإيرادات، ومنها توسيع القاعدة الضريبية وإصلاح المنظومة التي تتعلق بها.
وأوضح حجازي أن هناك زيادة تبلغ 108,6 مليار جنيه في تقديرات مشروع الموازنة "المصروفات" عن العام المالي الحالي بنسبة 18,6%، وأشار وزير المالية إلى أن المصروفات في الموازنة الجديدة بلغت 692,4 مليار جنيها، وأن الإيرادات بلغت 497,1 مليار جنيها.
الموازنة الفعالة
وتعد الموازنة العامة لأي دولة أول أداة للتعبير عن ترتيب أولويات السياسة الاقتصادية؛ لذا فإن فاعلية الموازنة العامة يأتي من مدى ما يعكسه إعداد الموازنة من أولويات المجتمع الاقتصادية والتنموية في القطاعات المختلفة، وليس فقط أن يقتصر على سرد بنود الإنفاق العام وبنود الإيرادات العامة مثل الموازنة المحاسبية التجارية المعتادة.
وهناك ثلاث أنواع أساسية للموازنات العامة: موازنة البنود وموازنة الأداء وموازنة البرامج، وتعد موازنة البنود، والتي تنتمي إلها الموازنة المصرية أقدم أنواع الموازنات، وكانت تهدف إلى الرقابة على الإنفاق العام، وكانت انجلترا أول دولة استخدمت هذا النوع من الموازنة، وتقتصر موازنة البنود على حصر جميع إيرادات الدولة ونفقاتها بشكل مفصل وعرضها على السلطة التشريعية لاعتمادها ومن ثم مراقبتها.
أما موازنة الأداء فتبين الأهداف التي تطلب لها الاعتمادات المالية، وتكاليف البرامج المقترحة للوصول إلى تلك الأهداف، والبيانات والمعلومات الاحصائية التي تقيس الإنجازات، وكل ما أنجز من الأعمال المدرجة تحت كل برنامج؛ ومن ثم فموازنة الأداء تلقي الضوء على العمل الذي تم أو الخدمة التي أنجزت للتأكد من أن النتائج التي تحققت توازي ما كان مخططا لها .
وأخيرا جاء ظهور موازنة البرامج نتيجة الحاجة إلى ربط البرامج الحكومية بالخطة العامة للدولة، لذا فإن هذه الموازنة تهدف إلى تحديد الأولويات التنموية للدولة، وتقوم بالربط بين الاعتمادات الجارية والاستثمارية وبين تحقيق الأهداف المخططة.
ولكون الموازنة المصرية تنتمي للنوع الأول الذي يقصرها على مجرد وثيقة تعرض جانبي النفقات والإيرادات فإنها تظل غير فعالة رغم سهولة إعدادها؛ ذلك أنها تهتم فقط بالشق المحاسبي والتأكد من عدم تجاوز التخصيصات عند الانفاق، دون النظر إلى مدى أهمية هذه التخصيصات أو عوائدها على الناتج القومي أو ما حققته من إنجاز.
كما تفتقر موازنة الأداء إلى وسائل متابعة تنفيذ المشروعات والتي تكون في الغالب غير متصلة بخطة تنموية أو برنامج اقتصادي متكامل، مما يجعل هذا النوع من الموازنة قاصرا وغير قادر على التصدي لعجز الموازنة، لذا فإن العجز يتواصل على مدار الأعوام.
تطور عجز الموازنة
يعود ارتفاع عجز الموازنة في مصر إلى النمو المتواصل في النفقات العامة خلال الثلاثة وأربعين عاماً الماضية؛ فقد كان حجم النفقات 1,6 مليار عام 70/1971، ووصل إلى 200 مليار جنية عام 2012/2013.
كما أدى الاختلال الحاد بين الإصدار النقدي ( كمية النقود ) ونمو الناتج القومي الحقيقي إلى زيادة العجز في الموازنة، وكذلك قلة الإيرادات العامة بالمقارنة مع ارتفاع النفقات العامة وعدم وجود سياسات مالية قادرة على مسايرة التطور الاقتصادي والتحولات العالمية، ومن أمثلة ذلك عدم تطور النظام الضريبي بالشكل الذي يسهم في ارتفاع الإيرادات العامة.
هناك أيضا ارتفاع حجم الفوائد المدفوعة علي الديون المحلية والخارجية، وزيادة حجم الإنفاق الحكومي علي بناء وتطوير البنية الأساسية المطلوبة والخدمات الصحية والتعليمية، مع التزايد المستمر في عدد السكان مما يؤدي إلي تزايد الإنفاق الحكومي علي التعليم والصحة والإسكان وغير ذلك ومن ثم زيادة الفجوة بين الإيرادات والنفقات .
والجدول التالي يرصد تطور عجز الموازنة على مدار العشرين عاما السابقة:

العام المالي
العجز الكلي بالمليار جنيه
نسبة العجز الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي
1993/1994
3.7
2.1%
1994/1995
2.5
1.2%
1995/1996
3.0
1.3%
1996/1997
2.3
0.9%
1997/1998
2.8
1%
1998/1999
8.9
2.9%
1999/2000
13.2
3.9%
2000/2001
20.0
5.6%
2001/2002
22.2
5.9%
2002/2003
25.4
6.1%
2003/2004
28.6
5.9%
2004/2005
49.8
9.3%
2005/2006
49.8
8.6%
2006/2007
54.0
7.3%
2007/2008
59.2
6.8%
2008/2009
68.9
6.9%
2009/2010
98.6
8.3%
2010/2011
130.4
9.5%
2011/2012
170.0
11%
2012/2013
 (متوقع)200.0
10.7 %
2013/2014
 (متوقع)197.5 
9.5%


ويظهر الجدول أن عجز الموازنة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2000/2001 لم يتعد نسبة 5%، في حين قفزت النسبة هذا العام من 5.6% إلى 9.3% عام 2004/2005، لتظل متأرجحة صعودا وهبوطا حتى وصلت أقصاها عام 2011/2012 لتصل إلى 11%، ثم عاودت الانخفاض حيث يتوقع في الموازنة الجديدة أن تصل نسبة العجز الكلي للناتج المحلي الإجمالي إلى 9.5%.

ويترتب على الخلل في عمليات إعداد وإدارة الموازنة العامة للدولة عدة مشكلات ترتبط بالكفاءة في تخصيص الموارد وعدالة التوزيع الجغرافي للموارد؛ فهناك أولاً تعدد في الجهات التي تقوم على الإنفاق العام على قطاعات بعينها ولعله من أبرز الأمثلة على ذلك قطاع الطرق الذى يشرف على تخطيطه والإنفاق عليه أكثر من خمس جهات، وهناك ثانياً مشكلات عدم عدالة التوزيع الجغرافي، الأمر الذي أدي إلى تكدس الفقراء في محافظات الصعيد على وجه الخصوص.
لذا فإن هناك ضرورة للدمج بين عمل وزارة التخطيط ووزارة المالية، ووضع إطار معلن للإنفاق العام متوسط الأجل وعدم الاكتفاء بالموازنة العامة السنوية، وأخيرا تحويل الموازنة من موازنة بنود إلى موازنة برامج.