الثلاثاء، 14 مايو، 2013

الاقتصاد البرازيلي من هوة الإفلاس إلى سادس اقتصاد عالمي



دروس في التنمية والقضاء على الفقر 

كتبت: أمل خيري

جريدة الشعب

اختتم الرئيس محمد مرسي زيارته الرسمية للبرازيل، والتي استمرت ثلاثة أيام، التقى خلالها رئيسة الدولة ديلما روسيف. ورافق الرئيس خلال الزيارة وفد رسمي كبير بغرض بحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، كما شارك مرسي في افتتاح منتدي الأعمال بساو باولو، والتقى بممثلي منظمات الأعمال البرازيلية والشركات ومجموعة من أبناء الجالية المصرية. 

وبالإضافة إلى ما أسفرت عنه الزيارة من توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية بين الدولتين، فإن الزيارة استهدفت بالأساس السعي نحو الانضمام لتجمع البريكس من جهة والاستفادة من تجربة البرازيل الرائدة في التنمية ومكافحة الفقر وتطوير العشوائيات والعدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى خبرتها المُتميزة في إعداد مؤشرات لقياس مستوى التنمية المستدامة ونشر الوعي البيئي. 

كما أكد مرسي خلال لقائه بروسيف على سعي مصر للاستفادة من التجربة البرازيلية المُهمة فى انتاج واستخدام الوقود الحيوي من خلال استغلال المخلفات الزراعية والعضوية والصلبة فى انتاج الكحول كوقود من مخلفات قصب السكر وقش الأرز، وبحث إمكان تطبيقها فى مصر، وأهمية التعاون مع البرازيل في مجال الاقتصاد الأخضر، الذي يعتمد على موارد الطاقة النظيفة كانتاج الطاقة من الرياح، باعتبار أن الطاقة أحد أهم ركائز تحقيق النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى تعزيز السياحة البيئية. 

التجربة البرازيلية 

في عام 2002 تقدمت البرازيل بطلب لصندوق النقد الدولي لمنحها قرضا بقيمة 30 مليار دولار، وقوبل طلبها بالرفض خوفاً من عدم قدرتها على تسديده، إلا إنها في غضون سنوات قليلة استطاعت أن تتحول من دولة على وشك الإفلاس إلى سادس أقوى اقتصاد عالمي، متخطية المملكة المتحدة بناتج محلي إجمالي 2.5 تريليون دولار، بل وأصبحت دائنة لصندوق النقد الدولي بنحو 20 مليار دولار!، بفضل سياسات الرئيس السابق “لولا دا سيلفا”(2003-2010). 

من البرامج التي قام بها “دا سيلفا” برنامج صفر جوع، والذي أطلقه في العام الأول لحكمه، وتضمن العديد من البرامج الاجتماعية مثل برنامج "المنح العائلية"، والذي تتلقى بموجبه 13 مليون عائلة فقيرة جدا مساعدات من الدولة تتراوح بين 39 و78 دولار شهريا للفرد الواحد بشرط إرسال الأطفال للمدارس والخضوع للمتابعة الطبية، ونجح البرنامج في انتشال أكثر من 30 مليون شخصا من الفقر خلال 8 سنوات، كما انخفضت نسبة الفقر المدقع من 12% إلى 4.8%، إضافة إلى الحدّ من سوء التغذية بنسبة 25%. 

كما اشتمل على برنامج "مساعدة الفلاح البرازيلي" والذي استهدف إعادة توزيع الأراضي في إطار الإصلاح الزراعي، ودعم ملايين البرازيليّين في الخروج من دائرة الفقر، وهناك أيضا برنامج "Pro Uni" والذي قدم دعماً لطلاّب العائلات الفقيرة، كما وفر 14 مليون وظيفة، وارتفعت القيمة الحقيقية للحدّ الأدنى للأجور بنسبة 53.6%. أما مشروع التمويل الأصغر البرازيلي أو "الرفيق الدائن"، فقدم التمويل للمشروعات الصغيرة، واستفاد منه الملايين. 

وكان “دا سيلفا” قد أعلن عن برنامج للتقشف في بداية حكمه وطلب دعم الطبقات الفقيرة له والصبر على هذه السياسات، وقد أدت هذه السياسات إلى خفض عجز الموازنة وارتفاع التصنيف الائتماني للبلاد، فزادت الثقة في الاقتصاد البرازيلي وانهالت الاستثمارات والتي وصلت إلى 200 مليار دولار استثمارات مباشرة خلال الفترة من 2004 إلى 2011، مما أدى إلى رفع الطاقة الانتاجية للبلاد، ومن ثم توفير فرص العمل وحل مشكلة الفقر. 

اهتمت كذلك البرازيل بالتصنيع سواء الصناعات البسيطة أو المتقدمة، مع التوسع في الزراعة والاكتشافات البترولية. واتبعت البرازيل خطة لتنشيط قطاع السياحة فابتكرت سياحة المهرجانات معتمدة على تراثها الشعبي ونجحت في الترويج لهذا النوع من السياحة. 

وعلى المستوى الخارجي اتبع “دا سيلفا” سياسة انفتاحية، خاصة على البلدان النامية ومن بينها العالم العربي، فكان أول رئيس برازيلي يزور مصر وسوريا ولبنان، إضافة إلى توجهه الإفريقي. كما اتجه نحو التكتلات الاقتصادية كمنظمة الميروكسور التي تعد بمثابة سوق مشتركة بين كل من البرازيل والأرجنتين وباراجواى وأوروجواى وعضوية غير كاملة لفنزويلا وبوليفيا، وكذلك تجمع البريكس للاقتصادات الناشئة، كما أصبح لها دور بارز في إطار مجموعة العشرين G20. 

قائد منفتح وشعب واع 

ربما لا يعرف الكثيرون عن "دا سيلفا" أنه ولد لأسرة فقيرة تتكون من 8 أطفال تركهم والدهم لأمهم الأمية، وظل يتنقل بين المهن الوضيعة من ماسح للأحذية إلى خراط وميكانيكي وصبي في محطة بنزين، وفقد أحد أصابعه وهو في التاسعة عشر أثناء عمله في مصنع لقطع غيار السيارات. 

ورغم انتمائه للطبقة الفقيرة فقد تمتع بكرامة واحترام فائق للذات جعله يسعى لبناء دولة حرة ذات مكانة وكرامة، انعكست على رغبته في أن تكون لكل الدول النامية كرامة، فيقول: :"نحن نقرّر مصير علاقاتنا ونغيّر بشكل سريع الجغرافيا التجارية للعالم والجغرافيا السياسية للعالم، أي إننا في الجنوب نتعلّم بأننا شعوب ذات سيادة وأن علينا أن نقرّر مصير علاقاتنا السياسية والثقافية". 

وخلال فترة رئاسته الأولى قام بتحويل قرض إئتماني بقيمة112.1 مليون دولار من البنك الوطني للتنمية الاقتصادية لأكبر جمعية تعاونية تضم رفاقه قبل أن يصبح رئيساً للبرازيل، من جامعي القمامة وتدويرها في ساو باولو، مؤكدا بذلك وفاءه لأبناء طبقته ورغبته في إنصافهم. 

ومع ذلك فإن شخصية "دا سليفا" لم تكن تستطع وحدها تحقيق هذا النجاح لولا الإرادة الشعبية والوعي الجماهيري الذي جعل أبناء الشعب بجميع طبقاته يتحملون أعباء سياسات التقشف بلا ضجر ولا تذمر حتى استعاد الاقتصاد البرازيلي عافيته. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق