الاثنين، 7 أبريل، 2008

محمد عابد الجابري .. والمشروع الفكري النهضوي

أمل خيري

يعد محمد عابد الجابري أحد رواد الفكر العربي المعاصرين، فقد أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والدراسات التي تبغي إعادة قراءة التراث العربي كخطوة تمهيدية لازمة للمضي قدما في المشروع النهضوي الذي حمله الجابري على عاتقه على مدى نصف قرن من الزمان.

النشأة والتكوين

ولد محمد الجابري غرة شوال 1354هـ بمدينة فجيج الواقعة في الجنوب الشرقي من المغرب على خط الحدود الذي أقامه الفرنسيون بين المغرب والجزائر، وتتألف فجيج من سبعة قصور - أي تجمعات سكنية - من بينها قلعة زناكة التي ولد فيها الجابري بعد أن انفصلت والدته عن والده، فنشأ نشأته الأولى عند أخواله وكان يلقى عناية فائقة من أهله سواء من جهة أبيه أو أمه. وكان جده لأمه يحرص على تلقينه بعض السور القصيرة من القرآن وبعض الأدعية، وما لبث أن ألحقه بالكتاب فتعلم القراءة والكتابة وحفظ ما يقرب من ثلث القرآن، وما إن أتم السابعة حتى انتقل لكتاب آخر، وتزوجت أمه من شيخ الكتاب فتلقى الجابري تعليمه على يد زوج والدته لفترة قصيرة، ثم ألحقه عمه بالمدرسة الفرنسية فقضى عامين بالمستوى الأول يدرس بالفرنسية.

بدت أمارات التفوق على الجابري حين برع في الحساب كما كان يجيد القراءة في كتاب التلاوة الفرنسية، وكان الانتساب للمدرسة الفرنسية ينطوي على نوع من العقوق للوطن والدين فكان الآباء يخفون أبناءهم ولا يسمحون بتسجيلهم في هذه المدرسة إلا تحت ضغط السلطات الفرنسية.

أتيحت للجابري فرصة الالتقاء بالحاج محمد فرج وهو من رجال السلفية النهضوية بالمغرب الذين جمعوا بين الإصلاح الديني والكفاح الوطني والتحديث الاجتماعي والثقافي، وكان محمد فرج إماما بمسجد زناكة الجامع، فكان الجابري وهو لا يتجاوز العاشرة يواظب على حضور دروسه بعد صلاة العصر، وفي هذه الأثناء راودت شيخه فكرة إنشاء مدرسة وطنية حرة بفجيج، وبالفعل حصل على رخصة من وزارة المعارف لإنشاء مدرسة "النهضة المحمدية" كمدرسة وطنية لا تخضع للسلطات الفرنسية ولا تطبق برامجها، بل يشرف عليها رجال الحركة الوطنية حيث جعلوا منها مدارس عصرية معربة لتصبح بديلا للتعليم الفرنسي بالمغرب، فالتحق الجابري بالمدرسة وتخرج فيها عام 1368هـ/ 1949م بعد أن حصل على الابتدائية. ولم يكن العمل الفكري معزولا عن العمل اليدوي في ذلك الوقت بالنسبة للأطفال حيث كانوا يمارسون الأعمال اليدوية التطبيقية جنبا إلى جنب مع الدراسة.

لبنات الصرح الثقافي

أولع الجابري بالكتابة منذ طفولته فكان يكتب موضوعات في الإنشاء ويكتب مذكرات ومقالات، ويحاول قرض الشعر مستعينا بقاموس المنجد للحصول على القافية المطلوبة، كما كان مولعا بالقراءة. ويذكر أن أول كتاب اشتراه كان كتاب الأخلاق لأحمد أمين والذي ما زال يحتفظ به في مكتبته، وأثناء زيارة والده بمنطقة وجدة أتيحت له فرصة زيارة مكتبة الدرفوفي، وهو ممثل حزب الاستقلال آنذاك بوجدة وأحد الشخصيات الوطنية المرموقة، فأقرضه كتابا من مكتبته العامرة ووعده بالمزيد فور حصوله على الشهادة الابتدائية.

وافتتح الحاج محمد فرج فيما بعد قسما تكميليا للتلاميذ الذين نجحوا في الشهادة الابتدائية، فالتحق الجابري بهذا القسم الذي لم تكن الدراسة فيه منتظمة لعدم وجود مدرسين متفرغين، فكان الحاج محمد وبعض مساعديه من معلمي الابتدائية يتولون تدريس بعض المواد التراثية، الفقهية واللغوية والأدبية، إضافة إلى دروس في التاريخ القديم وحصص في الفرنسية والحساب. ويعد الجابري هذه السنة التكميلية بالنسبة له السنة التأسيسية في حياته الثقافية، فكانت بمثابة اللبنة الأولى في صرحه الثقافي وخاصة على مستوى التعامل مع النصوص التراثية إضافة إلى تنمية ملكة الكتابة لديه.

وفي عام 1369هـ/1950م التحق الجابري بالقسم الإعدادي بمدرسة التهذيب العربية وهي إحدى المدارس الوطنية الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية بوجدة كبديل للتعليم الفرنسي، وقضى الجابري في هذه المدرسة عاما واحدا أتاح له الانفتاح على الدرس المنظم والمعارف العصرية والمنهجية الحديثة.

التحق بعدها بمدرسة عبد الكريم الحلو الثانوية بالدار البيضاء وكان التدريس فيها باللغة العربية مع عناية بالفرنسية كلغة أجنبية أولى وتتلمذ الجابري فيها على العديد من الأساتذة الأكفاء وعلى رأسهم السي بوشتي الجامعي الذي كان من أكثر القادة الوطنيين اهتماما بالتعليم الوطني الحر، ولكن طالته حملة الاعتقالات من قبل المستعمر الفرنسي في صيف 1372هـ/1953م فتوقفت الدراسة في المدرسة، وقد طبعت في ذاكرة الجابري هذه الأزمة السياسية حيث كان قد بلغ الثامنة عشرة وتميزت هذه المرحلة بالقمع المنهجي الشامل الذي مارسته السلطة الفرنسية على الحركة الوطنية والتي توجت بخلع ونفي السلطان محمد الخامس، كما تمثل نصيب الجابري من الأحداث في فرض نظام الإقامة الجبرية على والده، وتوقف الجابري عن الدراسة وعمل مع عمه في دكان للخياطة.

في سلك التدريس

وفي صفر 1373هـ/ أكتوبر 1953م التحق الجابري بالمدرسة المحمدية بالدار البيضاء معلما في القسم التحضيري ثم في أقسام الشهادة الابتدائية، واستطاع عام 1376هـ/ 1956م الحصول على الشهادة الثانوية وشهادة الكفاءة في التعليم الابتدائي، فالتحق كمعلم رسمي بوزارة التربية الوطنية، وفي نفس العام حصل على الشهادة الأولى للترجمة، وفي العام التالي حصل على شهادة البكالوريا ثم التحق بالجامعة في دمشق وحصل على شهادة الثقافة العامة بعدها عاد للرباط فالتحق بكلية الآداب قسم الفلسفة، وفي عام 1378هـ/ 1958م التحق بمعهد ليرميطاج بالدار البيضاء قائما بأعمال المدير ثم مديرا للمعهد، وفي ذي الحجة 1380هـ/ يونيو 1961م حصل على الإجازة في الفلسفة.

وسار الجابري في مسار استكمال دراسته جنبا إلى جنب مع مهمة التدريس إضافة إلى التأليف، ففي هذه الفترة ألف مع بعض زملائه كتابي "دروس الفلسفة"، و"الفكر الإسلامي ودراسة المؤلفات" اللذين أقرتهما وزارة التعليم وقررتهما على طلاب الثانوية، وما إن حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة حتى التحق بكلية الآداب بالرباط أستاذا مساعدا ثم أستاذا، كما أسند إليه مهمة مفتش الفلسفة في التعليم الثانوي المعرب بالمغرب كله، وفي عام 1390هـ/ 1970م حصل على دكتوراة الدولة في الفلسفة، وبناء على هذه الدكتوراة عين أستاذا للتعليم العالي، وفي عام 1422هـ/ 2002م أحيل للتقاعد بعد أن أمضى في سلك التعليم خمسة وأربعين سنة.

الصحافة والوطنية

التحق الجابري بجريدة "العلم" من عام 1376هـ/ 1957م ثم التحق بجريدة "التحرير" سكرتير تحرير متطوعا، حيث واظب على كتابة ركن يومي بعنوان "صباح النور"، وساهم في إصدار مجلة أقلام، وتطوع للعمل بجريدة المحرر، وواظب كذلك على كتابة ركن يومي فيها بعنوان "بصراحة".

كما ساعد في إصدار جريدة فلسطين الأسبوعية، وفي جمادى الأولى 1418هـ/ سبتمبر 1997م أصدر مع محمد إبراهيم بوعلو وعبد السلام بن عبد العالي مجلة "فكر ونقد" حيث يتولى فيها حتى الآن مهمة رئيس التحرير.

وقد تضافر عمل الجابري في الصحافة مع نضاله الوطني، فقد ساهم في انتفاضة 16 من رجب 1378هـ/ 25-1-1959م، كما انتخب عضوا في المجلس الوطني للإتحاد الوطني للقوات الشعبية، واعتقل عام 1382هـ/ 1963م في مؤامرة لتصفية الإتحاد ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى في ذي القعدة 1384هـ/ مارس 1965م.

وما إن خرج من معتقله حتى ساهم في تأسيس النقابة الوطنية للتعليم واستعادة التضامن الجامعي المغربي، كما ساهم في الإعداد للمؤتمر الاستثنائي للإتحاد ثم انتخب عضوا في المكتب السياسي، وفي عام 1401هـ/ 1981م قدم الجابري استقالته النهائية من المكتب السياسي وتفرغ للعمل الثقافي.

التراث والنهضة

قدم محمد الجابري للفكر العربي ثروة من المؤلفات في شتى مجالات الفكر، ففي عام 1391هـ/ 1971م صدر أول كتاب له بعنوان "العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي" وكان أطروحته للدكتوراة، وكان يهدف منه لتقديم آراء ابن خلدون كما هي انطلاقا من نظرة شمولية باعتبارها امتدادا وتطورا للفكر العربي السياسي والاجتماعي على وجه الخصوص.

أما الإشكالية التي شغلت ذهن الجابري طيلة ما يقرب من نصف قرن فهي: هل بإمكاننا بناء نهضة بدون عقل ناهض؟ ولماذا لم تتطور أدوات المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية خلال نهضتها في القرون الوسطى لتمتد حتى يومنا الحاضر؟.

وللإجابة عن هذه التساؤلات كتب الجابري عدة دراسات من أهمها "نحن والتراث" وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات عن شخصيات فلسفية قدم لها برؤيته عن الإطار العام الذي ينتظم التراث الفكري للأمة.

كما كتب "الخطاب العربي المعاصر" الذي أكد فيه على فقدان الذاتية العربية الراهنة لاستقلالها نتيجة تنازع المرجعية العربية الإسلامية مع المرجعية الغربية، ثم كان كتابه الأكثر أهمية "نقد العقل العربي" الذي صدر في ثلاثة أجزاء: "تكوين العقل العربي"، و"بنية العقل العربي"، و"العقل السياسي". ويعد هذا الكتاب من أهم ما قدمه الجابري في مشروعه النهضوي حيث هدف من قراءته للتراث فهم الحاضر كجزء أساسي من مشروع النهضة.

وقد بدأ المشروع الفكري النهضوي للجابري عام 1400هـ/ 1980م وأدى صدور كتبه المتعاقبة في هذا المجال إلى إثراء مجال الدراسات النهضوية. وقد انتشرت أفكار الجابري في أنحاء الوطن العربي في الوقت نفسه الذي لاقت أفكاره انتقادات ودارت حولها المناقشات في عديد من الندوات والمحافل الفكرية.

أما كتابه "حوار المشرق والمغرب" فهو عبارة عن حوارات مطولة بينه وبين المفكر المصري حسن حنفي، تطرقت لقضايا سياسية واجتماعية هامة، وقد أثارت هذه الحوارات ردود فعل واسعة في الأوساط الفكرية والسياسية حتى أطلق عليها "حوار الثمانينيات".

وباعتبار القرآن الكريم النص المرجعي للحضارة الإسلامية أصدر الجابري كتابه "مدخل إلى القرآن الكريم" وكباقي كتابات الجابري فقد أثار جدلا موسعا بين المفكرين والفقهاء، وفي التفسير كتب الجابري "فهم القرآن الكريم".

كما كتب "من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية"، و"المشروع النهضوي العربي".

وفي مجال التعليم كتب "أضواء على مشكلة التعليم" وكان في أصله مجموعة مقالات كتبها في مجلة "أقلام" وكتب أيضا "السياسات التعليمية في المغرب العربي".

وفي مجال الفلسفة كتب "مدخل إلى فلسفة العلوم" ويتكون من جزأين الأول بعنوان: "تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة"، والآخر بعنوان "المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي"، إضافة إلى دراسته الهامة عن ابن رشد.

كما كتب محمد عابد الجابري العديد من المقالات والتي ما زال يثري بها الفكر العربي في عدة مجلات مثل "فكر ونقد" ومجلة "الإتحاد" إضافة إلى سلسلة مواقف وهي عبارة عن كتيبات في حجم الجيب تضم نصوصا بالغة الأهمية تتعلق بمسار الجابري السياسي والفكري في المدة ما بين عامي 1378هـ/ 1959م، و1422هـ/2002م والتي أجمل بعضها في كتاب "حفريات في الذاكرة من بعيد" الذي سجل فيه سيرته الذاتية منذ طفولته المبكرة.

جوائز وأوسمة

حصل الجابري على العديد من الجوائز من بينها "جائزة بغداد للثقافة العربية" التي تمنحها اليونسكو، عام 1418هـ/ 1988م، و"الجائزة المغاربية للثقافة" عام 1419هـ/ 1999م، و"جائزة الدراسات الفكرية في العالم العربي" التي تمنحها فاونديشن إم بي آي تحت رعاية اليونسكو عام 1425هـ/ 2005م، وفي العام نفسه حصل على "جائزة الرواد" من مؤسسة الفكر العربي ببيروت، ونال ميدالية ابن سينا من اليونسكو في حفل تكريم شاركت فيه الحكومة المغربية بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة عام 1426هـ/ 2006م، ومؤخرا فاز بالجائزة الأولى للترجمة التي تمنحها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الإسيسكو) بالاشتراك مع المنظمة الدولية للفرانكفونية في 9 من ربيع الأول 1429هـ/ 16-3-2008م.

كما اعتذر الجابري عن العديد من الجوائز الأخرى مثل جائزة صدام حسين في الثمانينيات، وجائزة المغرب، وجائزة الشارقة التي تمنحها اليونسكو عام 1421هـ/ 2001م، كما اعتذر عام 1422هـ/ 2002م عن جائزة العقيد القذافي لحقوق الإنسان.

وتعددت الدراسات التي تناولت مؤلفات الجابري تحليلا ونقدا ونقاشا، وما زالت أفكاره تثير جدلا في أوساط المفكرين وتغري الباحثين بالكتابة حولها.

المصادر:

1. الدكتور محمد عابد الجابري، حفريات في الذاكرة من بعيد، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1417هـ/ 1997م.

2. عبد العزيز الوهيبي، قراءة في فكر الدكتور محمد عابد الجابري، مجلة البيان، العدد 71.

3. موقع منبر الدكتور محمد عابد الجابري http://www.aljabriabed.net/
http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=5&ID=59&UICollectionID=20

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق