الخميس، 17 أبريل، 2008

المستشار سالم البهنساوي .. مناهض التكفير والتغريب


أمل خيري


يعد المستشار سالم البهنساوي أحد رواد الوسطية الإسلامية، نذر حياته للدعوة الإسلامية وتأصيل الفكر الوسطي بلا إفراط ولا تفريط. تصدى للفكر التغريبي العلماني والشيوعي، كما قاوم الفكر التكفيري وفند دعاواه الزائفة، وسخر قلمه على مدى حياته للدفاع عن الإسلام ووسطيته، واستعان بكل الوسائل لبيان مقاصد الشريعة الإسلامية، دافع عن السنة النبوية والشريعة الإسلامية، وعرف كفقيه قانوني ضليع؛ ما أهله للمشاركة في صياغة
العديد من القوانين في البلاد العربية وفق الشريعة الاسلامية.

النشأة والتكوين

ولد سالم علي إمام البهنساوي في قرية السعديين بمحافظة الشرقية في مصر عام 1350هـ/ 1932م، حفظ القرآن الكريم صغيرا وكان من الرعيل الأول الذي التحق بدعوة الإخوان المسلمين في مصر منذ أن كان طالبا في المرحلة الثانوية في الأربعينيات من القرن الماضي، حصل على ليسانس الحقوق في جامعة فؤاد الأول بمصر عام 1374هـ/ 1955م (جامعة القاهرة حاليا).

ساعدته نشأته في أجواء عائلية ملتزمة على الارتباط بالعمل الدعوي باكرا، وبسبب التزامه بالنهج الإسلامي تعرض البهنساوي للاعتقال وهو طالب عام 1373هـ/ 1954م إثر مشاركته في الإضرابات التي قام بها طلاب الجامعة اعتراضا على قرار تنحية الرئيس محمد نجيب، وأعيد اعتقاله في جمادى الأولى 1385هـ/ سبتمبر 1965م تنفيذا لقرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي أعلنه من موسكو أثناء زيارته للإتحاد السوفييتي باعتقال ثلاثين ألفا من الإخوان المسلمين من بينهم كل من اعتقل سابقا في الخمسينيات. ووجهت إلى البهنساوي تهمة إلقاء محاضرات عن الإسلام والشيوعية بالدقهلية بمؤسسة الثقافة العمالية وكذلك بالمعهد التجاري العالي بالمنصورة، وكان البهنساوي في محاضراته قد قام بفضح الشيوعية ودعاواها الكاذبة وحمل على من افتروا على الدعوة الإسلامية كذبا وأفتوا بعدم وجود تعارض بين الإسلام والشيوعية. وفي هذه المرة امتدت فترة اعتقاله إلى ست سنوات كاملة تنقل فيها بين معتقلات السجن الحربي وأبي زعبل وليمان طرة، تعرض فيها لشتى أنواع التعذيب الذي تحمله صابرا محتسبا ولم يفرج عنه إلا في ربيع الأول 1391هـ/ مايو 1971 بعد تولي الرئيس الراحل أنور السادات الحكم في مصر وقيامه بتصفية المعتقلات.

عمل البهنساوي مديرا لإدارة التأمينات بمدينة المنصورة في الفترة من عام 1375-1380هـ / 1956-1959م، ثم انتقل للعمل مديرا للتأمينات الاجتماعية بمدينة شبين الكوم في الفترة من 1380-1384هـ / 1959-1964م.

الفقيه القانوني

عام 1393هـ/ 1973م سافر البهنساوي لدولة الكويت حيث عمل بالهيئة العامة لشئون القصر بوزارة العدل، وظل في منصبه هذا حتى بلوغه سن التقاعد. وفي هذه الفترة شارك البهنساوي في صياغة بعض القوانين الخاصة بالهيئة وفق مبادئ الشريعة الإسلامية مثل قانون شئون القصر، كما ساهم في صياغة قانون إنشاء الهيئة الأساسي عام 1403هـ/ 1983م والذي ما زال معمولا به إلى الآن، كما شارك في صياغة بعض القوانين المستنبطة من الشريعة الإسلامية في دول أخرى، وعمل مستشارا للجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة، قدم خلالها العديد من الأبحاث وأوراق العمل وشارك في العديد من المؤتمرات، كما اختير مستشارا لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية وذلك للاستفادة من خبراته منذ عام 1421هـ/ 2001م.

وتطوع البهنساوي كذلك كمستشار قانوني للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ما أهله للمشاركة في صياغة العديد من الدساتير والقوانين لبعض الدول العربية والإسلامية نظرا لفقهه واجتهاده.

نذر البهنساوي حياته للدعوة الإسلامية حتى نهاية حياته، فقد شارك في مؤتمر الوسطية الذي نظمته الكويت لنشر الإسلام بين مسلمي الإتحاد السوفيتي وكان مكان انعقاد المؤتمر بباكو عاصمة أذربيجان، وتوجه البهنساوي لباكو وبعد أن صلى فجر يوم الجمعة 3 من صفر 1427هـ/ 3 من مارس 2006م صعدت روحه إلى بارئها بعد يوم شاق قضاه بالمؤتمر شارحا وسطية الإسلام ومشاركا في نقاشات حامية، وحمل جثمانه لدولة الكويت حيث ووري في ثراها بعد أن بذل نفسه في خدمة الدعوة الإسلامية.

منطلقاته الفكرية

ارتكزت منطلقات البهنساوي في كتاباته على حقيقة عالمية الإسلام وشموليته وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان، وأن التمكين لهذا الدين لا يتأتي إلا بتضافر جهود الدعاة المخلصين والعمل الجماعي المنظم ومراعاة آداب الخلاف ومعالجة الأخطاء باللين.

وكتب البهنساوي ما يربو على عشرين كتابا في الفقه والدعوة، وتميزت مؤلفاته بسعة الأفق وعمق الأفكار والمناقشة المتعمقة للعديد من القضايا الخلافية ومن بين هذه القضايا التي تعرض لها مناقشته للغزو الفكري للتاريخ والسيرة النبوية ومناقشته للخلاف بين الشيعة والسنة ومناقشته لقضية السلام بين العرب وإسرائيل.

وكانت بداياته في التأليف عام 1376هـ/ 1957م حين كتب "الوجيز في العبادات" ثم "الإسلام والتأمينات الاجتماعية" عام 1383هـ/ 1963م وتوالت بعدها مؤلفاته.

ظهر انحياز البهنساوي للأسرة وتمكين المرأة وتفعيل دورها في المجتمع، وحمل على محاولات تهميشها واتخاذها سلعة، فكتب "مكانة المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية".

كما أوضح الحقائق الغائبة في الخلاف بين الشيعة والسنة موضحا أن الحوار من أجل التقريب بين المذهبين لا يمكن أن يتم إلا بإيضاح هذه الحقائق التي يختلف فيها الفريقان، فكتب "الحقائق الغائبة بين الشيعة وأهل السنة" وأوضح فيه أهم الاختلافات بين المذهبين والضوابط والأحكام التي تشمل دعوة التقريب بين السنة والشيعة.

ولإيمانه أن الخلاف سنة من سنن الله في خلقه كتب "أدب الحوار والخلاف" ليسلط الضوء على آداب الحوار وآداب الخلاف في الإسلام عارضا لنماذج من الخلاف والحوارات في القرآن الكريم ليبين أسلوب الحوار كما ينبغي وكما بينه القرآن.

أما كتابه "الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديمقراطية" فقدم فيه دراسة عن الخلفاء الراشدين وأهم أعمالهم مع تمحيص الخلافات المروية عنهم في كتب التاريخ، موضحا مكانة الخلافة في الإسلام ومفرقا بين الخلافة والحكومة الدينية كما عرفتها أوروبا، ومبينا أهم الفوارق بين مفهوم سيادة الأمة في كل من الفكر الإسلامي والغربي.

وناقش قضية السلام مع إسرائيل من وجهة نظر كل من الصهاينة والعرب في كتابه "السلام الصهيوني والعجز العربي"، كما كتب عن حرية الرأي وحقوق الإنسان سواء في كتبه أو في مقالاته العديدة التي نشرت في الكثير من الصحف والمجلات العربية والعالمية مثل: المجتمع، والوعي الإسلامي، والدعوة، والأنباء، ولواء الإسلام.

مفكر الوسطية

اشتهر البهنساوي كفقيه وعالم قانون كما تميز بفكره الوسطي الذي يعبر عن وسطية الإسلام وشموليته. نذر نفسه لنشر الفكرة الإسلامية ومناهضة الأفكار المناهضة للإسلام مثل الشيوعية، كما ناقش دعاة التكفير والفكر التكفيري في السجن الحربي وقام بتفنيد مزاعمهم وشارك مع المستشار حسن الهضيبي في تأليف كتاب "دعاة لا قضاة" الذي قدماه للرد على جماعة شكري مصطفي الذي دعا إلى تكفير كل من لا ينتمي للفكرة الإسلامية، ثم كتب البهنساوي كتاب "الحكم وقضية تكفير المسلم" وفند فيه كل ادعاءات التكفيريين ورد عليها بالكتاب والسنة والإجماع، وبذلك ساهم في كشف زيف هذا المنهج التكفيري. وكان هذا الكتاب في أصله مجموعة من المذكرات كتبها وهو في السجن الحربي ثم ما لبث الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق أن طلب منه أن يخرج هذه المذكرات في كتاب لحماية الشباب من الوقوع في هذا الفكر التكفيري، لذا يعد هذا الكتاب المرجع الأول في كشف التكفير ودعاواه الزائفة.

وواجه البهنساوي الفكر الشيوعي وأسلوبه ونهجه في مكافحة التطرف والفكر التكفيري، وذلك في مقاله "العلاج الشيوعي للتطرف الديني.. مساوئ ومهالك". كما ساهم في تأصيل وضبط فكر الشهيد سيد قطب، فكتب "فكر سيد قطب في الميزان"، كما كتب مقاله "رؤية لتباين الآراء حول فكر سيد قطب". كما ألقى الضوء على كتاب "معالم في الطريق" لقطب وأوضح جوانب الحق فيه وذلك في كتابه "أضواء على معالم في الطريق".

وعلى نفس النهج ألقى البهنساوي الضوء على تفسير "في ظلال القرآن"، كما كتب "سيد قطب بين العاطفية والموضوعية" فأوضح الحقائق حول الشهيد ودافع عنه وعن عقيدته.

وفي مجال الذب عن الشريعة الإسلامية كتب "الشريعة الإسلامية المفترى عليها" وكذلك "السنة النبوية المفترى عليها"، وناهض الشبهات التي أثيرت حول الفكر الإسلامي في كتابه "شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر".

واهتم البهنساوي ببيان موقف الإسلام من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي فكتب "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي" الذي صدر بالعربية وترجم للإنجليزية والفرنسية.

وفضح البهنساوي كذلك العلمانية والتهافت العلماني في صحافة الأمة التي تساهم بقدر كبير في توجيه الشعوب فكتب "تهافت العلمانية في الصحافة العربية".

وفي خطوة رائدة نظمت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ندوة تكريمية للمستشار البهنساوي، وأنجزت إدارة العلاقات العامة والإعلام بالهيئة كتيبا وقرصا ممغنطا عنه مشتملا على تعريف بسيرته واستعراض لتراثه الفكري وجهوده في مناهضة الفكر التغريبي والتكفيري ودوره في مجال الفقه القانوني تحت عنوان "المستشار البهنساوي رائد من رواد الوسطية". وما زال المجال مفتوحا للباحثين للكتابة حول التراث الفكري للبهنساوي، وما زالت هناك حاجة ماسة لتجميع هذا التراث والاستفادة منه بما يلائم مكانة المستشار الرائدة في الفكر الإسلامي.

المراجع

1. يوسف عبد الرحمن. البهنساوي.. مفكر واسع الأفق ومؤرخ بارع، مجلة العالمية - ربيع الأول - 1427 هجرية – إبريل 2006م - العدد (192) - السنة الثامنة عشرة.

2. توفيق الواعي. سالم البهنساوي الفارس الذي ترجل، مجلة العالمية - ربيع الأول - 1427 هجرية – إبريل 2006م - العدد (192) - السنة الثامنة عشرة.

3. السيد محمد نوح: مفكر الوسطية، مجلة العالمية - ربيع الأول - 1427 هجرية – إبريل 2006م - العدد (192) - السنة الثامنة عشرة.

4. أسامة الشاهين. المستشار البهنساوي وشؤون القصَّر، دار ناشري للنشر الإلكتروني، 5 من ربيع الآخر 1427هـ/ 3-5-2006م.

5. وفاءً للمستشار الراحل سالم البهنساوي، مجلة المجتمع، عدد 1752، 3 من جمادى الأولى 1428هـ/ 15 من مايو 2007م.

6. حسين الجرادي. رحيل المفكر الإسلامي الكبير المستشار البهنساوي بعد أكثر من نصف قرن وهو يدافع عن وسطية الإسلام، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 493، 3 من ذي الحجة 1427هـ/ 2006-12-23م.

7. عصام العريان. المستشار سالم البهنساوي المفكر والفقيه الذي فقدناه، مجلة المجتمع، عدد 1693، 18 من صفر 1427هـ/ 18 من مارس 2006م.

http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=4&ID=32&UICollectionID=20


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق