الثلاثاء، 29 أبريل، 2008

الشيخ الصابوني.. المفسر الموسوعي في العصر الحديث

أمل خيري

الصابونييعد الشيخ محمد علي الصابوني أحد رواد التفسير في العصر الحديث، نالت مؤلفاته العديدة في التفسير شهرة واسعة وحظيت بالقبول في أوساط المثقفين وطلاب العلم، وخاصة كتابه "صفوة التفاسير" الذي يقترن باسمه في جميع المحافل. بذل حياته في خدمة كتاب الله وإثراء المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات الموسوعية، وكان اختياره شخصية العام الإسلامية من قبل جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم لعام 1428هـ/ 2007م تتويجا وعرفانا بجهوده المباركة في خدمة الإسلام والمسلمين.

النشأة والتكوين

ولد محمد علي بن الشيخ جميل الصابوني بمدينة حلب الشهباء عام 1350هـ/ 1930م لأسرة علمية خرجت العلماء والفضلاء، حيث يعد والده الشيخ جميل الصابوني من أكابر علماء حلب وكان له الفضل الأول في تهيئة ولده لسبيل العلم، فقد التحق الصابوني الابن بالكتاب وأتم حفظ كتاب الله في سن مبكرة وتتلمذ على يد والده فأخذ منه الكثير من العلوم الشرعية والعلوم العربية.

التحق الصابوني بالدراسة النظامية في مدارس تابعة للحكومة فدرس الابتدائية ثم التحق بإعدادية مدرسة التجارة، إلا أنه لم يقض فيها سوى عام واحد وكان ترتيبه الأول على أقرانه في هذا العام ورغم ذلك فقد تركها لعدم موافقتها ميوله فقد كان مهتما بالعلوم الشرعية. وكانت مدرسة التجارة تدرس أصول المعاملات الربوية في البنوك فعافت نفس الصابوني الدراسة فيها فتركها والتحق بالمدرسة الثانوية الشرعية التي كانت تسمى الخسروية حيث كانت تجمع بين العلوم الشرعية والدينية فحصل على الإعدادية ثم الثانوية بدرجة ممتاز عام 1369هـ/ 1949م؛ ما أهله لاستحقاق بعثة على نفقة الحكومة السورية للقاهرة ليدرس بجامعة الأزهر الشريف فالتحق بكلية الشريعة وتخرج فيها عام 1371هـ/ 1952م.

عاشق العلم

وأثناء دراسته الثانوية بدت أمارات النجابة على الصابوني وظهر شغفه بالعلم الشرعي جنبا إلى جنب مع التعليم النظامي حيث كان يتردد على المساجد لتلقي العلم على شيوخ حلب، إضافة إلى حضور الحلقات التي كان يقيمها بعض الشيوخ في بيوتهم، ومن بين أساتذته الذين تتلمذ عليهم شيخ القراء الشيخ نجيب خياطة، وعالم الشهباء الشيخ محمد نجيب سراج، والشيخ راغب الطباخ، والشيخ محمد سعيد الإدلبي، والشيخ أحمد الشماع وغيرهم الكثير من أفاضل علماء حلب في عصره.

وفي مصر بعد أن تخرج الصابوني في كلية الشريعة استكمل دراسته العليا بدراسة التخصص في القضاء الشرعي، حيث حصل على شهادة العالمية المناظرة الآن لشهادة الدكتوراة وكانت حينها تعد أعلى الشهادات الجامعية وذلك عام 1972هـ/ 1954م بتقدير ممتاز.

وحينما عاد لسورية قضى الصابوني نحو ثماني سنوات في مجال التدريس، حيث عين مدرسا بدور المعلمين والمدارس الثانوية بحلب لمادة الثقافة الإسلامية.

وفي عام 1380هـ/ 1960م عاد لمصر لنيل الدكتوراة من جامعة الأزهر إلا أن الظروف السياسية السائدة آنذاك وسوء العلاقات بين مصر وسورية قد حالت دون دراسته فعاد لسورية يستكمل التدريس، ثم انتدب أستاذا معارا للمملكة العربية السعودية بتكليف من وزارة التربية والتعليم السورية عام 1382هـ/ 1962م، فسافر في إطار بعثة سورية كان هو على رأسها فقام بالتدريس في عدة كليات سعودية من بينها كلية التربية بمكة المكرمة وكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، وامتدت فترة انتدابه ثمان وعشرين عاما تخرج فيها على يديه العديد من الأساتذة والعلماء.

وخلال هذه الفترة أسندت إليه جامعة أم القرى مهمة التحقيق في بعض كتب التراث وتم تعيينه في مركز البحوث العلمية واحياء التراث كباحث علمي، وقد جاء هذا التكليف بناء على نشاطه العلمي البحثي المكثف، فقد قام بتحقيق كتاب "معاني القرآن" للإمام أبي جعفر النحاس وخرج المحقق منه في ستة أجزاء بالغة الدقة والإحكام.

كما عمل الصابوني مستشارا في هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة التابعة لرابطة العالم الإسلامي منذ عام 1409هـ/ 1998م لعدة سنوات تفرغ بعدها للبحث العلمي والتأليف.

المفسر الموسوعي

وللصابوني العديد من المؤلفات خاصة في مجال تفسير القرآن اتسمت جميعها بالروح العلمية والمعاني الغزيرة التي قدمها ميسرة لطلاب العلم وعامة المسلمين، ومنهجه في الكتابة يعتمد على التبسيط والابتعاد عن المطولات.

وقد تناول أحكام القرآن في كتابه "روائع البيان في تفسير آيات الأحكام" وهو كتاب يبين الأحكام في المرجع الأول لها وهو القرآن الكريم، كما اشتغل بالحديث والسنة النبوية حين قام باختصار كتاب تفسير ابن كثير ونقحه، لكنه في هذا تعرض للكثير من الانتقادات ودارت الخلافات بين العلماء حول ما كتبه، فهناك من اعتبرها اختصارا ما كان يجب أن يتم لمؤلفات علماء رحلوا وخلفوا لنا هذا التراث وما كان ينبغي التعدي على هذا التراث بالتلخيص والتنقيح، وهناك من اعتبر هذه المحاولات تقديما للعلم وتبسيطا له نحن في أمس الحاجة إليه في هذا العصر.

كما كتب الصابوني "مختصر تفسير الطبري"، وسبق أيضا أن ألف في علوم القرآن الكريم تحت عنوان "التبيان في علوم القرآن"، و"قبس من نور القرآن".

صفوة التفاسير

أما كتابه الأشهر فهو "صفوة التفاسير" والذي قضى في تأليفه خمس سنوات كاملة وفرغ منه عام 1400هـ/ 1900م، كان يواصل فيها الليل بالنهار يجمع فيها أقوال المفسرين، ولم يكتب شيئا حتى راجع أكثر من خمسة عشر تفسيرا من أمهات كتب التفسير مع التحري الدقيق لأصح الأقوال وأرجحها، ورجع الصابوني في تفسيره هذا إلى الطبري والكشاف والقرطبي والألوسي وابن كثير والبحر المحيط وغيرها، وعني فيه بالوجوه البيانية واللغوية كما ابتعد عما تحويه هذه التفاسير من الإسرائيليات وتجنب مواطن الخلافات بين المفسرين.

وقد أسماه "صفوة التفاسير"؛ ذلك لأنه جامع لعيون ما في التفاسير الكبيرة المفصلة، مع الاختصار والترتيب والوضوح والبيان. وقد سلك الصابوني في تفسيره هذا منهجا مميزا حيث يقدم للسورة ببيان إجمالي لها وتوضيح لمقاصدها الأساسية، ثم يذكر المناسبة بين الآيات السابقة والآيات اللاحقة، ثم يتعرض للغة مع بيان الاشتقاق اللغوي والشواهد العربية، يلي ذلك بيان أسباب النزول ثم تفسير السورة، ويختتم ببيان نواحي البلاغة في الآيات والفوائد واللطائف.

وقد قام العديد من العلماء بتقريظ الكتاب من بينهم الشيخ أبو الحسن الندوي والشيخ عبد الحليم محمود والشيخ محمد الغزالي والدكتور عمر نصيف وغيرهم، وكما نال الكتاب التقريظ فقد تعرض أيضا للنقد ورد عليه كثير من أهل العلم مثل الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ الألباني والشيخ صالح الفوزان، إلا أن هذه الردود لا تنتقص من مجهودات الصابوني الرائدة في مجال التفسير في العصر الحديث. وقد قام الصابوني بتفنيد هذه الردود في كتابه "كشف الافتراءات في رسالة التنبيهات حول صفوة التفاسير".

الناشط العلمي

وبجانب مؤلفاته في التفسير عديد من المؤلفات في كثير من العلوم الشرعية والعربية والتي ألف بعضها أثناء تدريسه في الجامعة والبعض الآخر أثناء مرحلة التفرغ للكتابة والتأليف، ونالت معظم كتبه القبول وكان لها الانتشار الواسع بين طلاب العلم في أرجاء العالم الإسلامي ترجم معظمها للعديد من اللغات كالإنجليزية والفرنسية والتركية ولغة الملايو والهاوسا ولغات أخرى عديدة نظرا لما حظيت به كتبه من البساطة والعمق.

وقد ألف الصابوني كتابا في "فقه التمكين في القرآن الكريم" هو في الأصل رسالة جامعية نال بها المؤلف درجة الماجستير يبين فيه أنواع التمكين وشروطه، ومراحله، وأهدافه، وتحقيقه ومنه التقدم العلمي في الحياة والتعامل مع سنن الله في الكون وقوانينه.

كما كتب "فقه العبادات في ضوء الكتاب والسنة" وكذلك "فقه المعاملات في ضوء الكتاب والسنة"، وله في مجال الإعجاز العلمي "حركة الأرض ودورانها: حقيقة علمية أثبتها القرآن" كما كتب "النبوة والأنبياء: دراسة تفصيلية لحياة الرسل الكرام ودعوتهم".

والصابوني عالم مثمر في نشاطه العلمي سواء في تأليف الكتب العلمية أو المقالات والأبحاث أو إلقاء المحاضرات أو المشاركة في الندوات أو أحاديثه في الإذاعة والتليفزيون، كما شارك في العديد من الدورات ومؤتمرات رابطة العالم الإسلامي، ففي مكة المكرمة اعتاد الصابوني أن يكون له درس يومي للإفتاء بالمسجد الحرام إضافة إلى درس أسبوعي في التفسير في أحد مساجد جدة استمر فيه ثماني أعوام فسر فيها أكثر من ثلثي القرآن الكريم، كما سجل أكثر من ستمائة حلقة في التفسير عرضت على بعض القنوات التليفزيونية فسر خلالها القرآن الكريم كاملا خلال عامين كاملين.

شخصية العام الإسلامية

وتتويجا لجهوده المثمرة على مدى أعوام مطولة بذلها في خدمة كتاب الله وخدمة الإسلام والدعوة الإسلامية فقد اختارته اللجنة المنظمة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم "شخصية العام الإسلامية" في الدورة الحادية عشرة لعام 1428هـ/ 2007م عرفانا بجهوده المتواصلة في الإنتاج الفكري المثمر خاصة في مجال تفسير القرآن الكريم ومن أهمها كتابه "صفوة التفاسير" و"من كنوز السنة" و"روائع البيان في آيات الأحكام". وتم اختيار الصابوني بعد انطباق معايير الاختيار التي وضعت من قبل الجائزة عليه باعتباره عالما متميزا في شتى العلوم الشرعية وعلوم القرآن الكريم ومؤلفاته الموسوعية التي زادت على أربعين مؤلفا تعد من المراجع الهامة لكل دارس وطالب علم ولكل باحث ومثقف.

وقد سبق تكريم الصابوني في منتدى الإثنينية وهو منتدى أدبي يقيمه عبد المقصود خوجه كل يوم إثنين في مدينة جدة ولهذا سميت بالإثنينية، حيث يكرم كل يوم إثنين شخصية لها أثر في المجتمع، وهذا التكريم يشمل كل أصحاب الفكر وأهل العلم، وقد تم اختيار الشيخ الصابوني لتكريمه في هذا المنتدى الأدبي في 8 من ربيع الآخر 1410هـ/ 6 من نوفمبر 1989م.

صدر عن الإثنينية كتاب مطبوع لحفل تكريم الصابوني تضمن أرجوزة للشيخ أبي تراب الظاهري كان مطلعها:

تحية تهدى إلى الصابوني العالم النحرير ذي التبيين

مفسر الكتاب بالآثار وثاقب الفهم لدى الأخيار

وما زال الصابوني لا يضن بعطائه الفكري المتواصل ونشاطه الدعوي المكثف، وما تزال مؤلفاته موضع ثناء ونقاش يثري الفكر الإسلامي ويبين سماحة الإسلام ووسطيته.

المصادر:

1. حفل تكريم الشيخ محمد علي الصابوني، جدة:سلسلة الإثنينية، العدد 97، 1989م.

2. مجلة المجتمع، العدد 1774، 27-10-2007م.

3. موقع جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم: http://www.quran.gov.ae

4. مقدمة كتاب صفوة التفاسير لمحمد علي الصابوني، بيروت: المكتبة العصرية، الدار النموذجية، 1422هـ/ 2002م.

5. العلامة السوري محمد علي الصابوني شخصية العام الإسلامية، جريدة أخبار الشرق، الإثنين 15 من أكتوبر 2007م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق