الاثنين، 28 أبريل، 2008

محمد البهي .. والإصلاح الديني الرشيد

أمل خيري

محمد البهي

الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف المصري الأسبق أحد مفكري الإسلام في العصر الحديث، دعا إلى الإصلاح الديني بالعودة للأصول، وتتبع نشأة الفكر الإسلامي منذ بدايته حتى الوقت المعاصر مقارنا بينه وبين غيره من المذاهب الفكرية، متصديا للأفكار الهدامة وفاضحا الاستعمار ودوره في المجتمعات الإسلامية. وقد ترك البهي ثروة غنية من المؤلفات التي أثرت الفكر الإسلامي والمكتبة الإسلامية كان أكثرها أهمية كتابه "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" الذي كان له الفضل في التعريف به كمفكر إسلامي في الأوساط العربية والإسلامية.

النشأة والتكوين

ولد محمد محمد البهي بقرية "أسمانية" التابعة لمركز شبراخيت بمحافظة البحيرة بمصر يوم 2 من جمادى الآخرة 1323هـ/3 من أغسطس 1905م.

أتم حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة وأتم تجويده في دسوق في الحادية عشرة، ثم التحق بمعهد دسوق الديني عام 1335هـ/1917م واستمر فيه ثلاث سنوات، انتقل بعدها لمعهد طنطا الديني، ثم إلى معهد الإسكندرية الديني حيث حصل منه على الشهادة الثانوية الأزهرية وكان ترتيبه الأول على طلاب الإسكندرية.

تابع البهي دراسته في الأزهر الشريف بالقاهرة، وحصل على شهادة العالمية النظامية بعد أن تقدم إلى الامتحان من الخارج مختصرا بذلك المدة الدراسية، وكان عدد المتقدمين للامتحان 400 طالب لم ينجح سوى أربعة منهم وكان ترتيبه الأول عليهم، ثم التحق بقسم التخصص في البلاغة والأدب وأتم دراسته في هذا القسم وحصل على درجة التخصص في ربيع الآخر 1353هـ/أغسطس 1931م بعد أن تقدم بأطروحته للحصول على هذه الدرجة بعنوان "أثر الفكر الإغريقي في الأدب العربي نثرا ونظما".

في جمادى الأولى 1353هـ/سبتمبر 1931م سافر إلى ألمانيا لدراسة الفلسفة مبعوثا من مجلس مديرية البحيرة إحياء لذكرى الشيخ محمد عبده، فحصل على دبلوم عال في اللغة الألمانية عام 1356هـ/1934م، كما حصل على الدكتوراة في الفلسفة والدراسات الإسلامية بتقدير امتياز من جامعة هامبورج عام 1358هـ/1936م وحملت أطروحته للدكتوراة عنوان "الشيخ محمد عبده والتربية القومية في مصر".

بين الأزهر والأوقاف

بعد عودته لمصر عام 1360هـ/1938م اشتغل البهي بتدريس الفلسفة الإسلامية والإغريقية في كلية أصول الدين، ثم نقل عام 1369هـ/1950م إلى كلية اللغة العربية أستاذا ورئيسا لقسم الفلسفة إلى جانب اشتغاله أستاذا زائرا بجامعة ماكجل بكندا وبجامعة الرباط الحديثة وجامعة قسنطينة الجزائرية وجامعة قطر وجامعة العين بالإمارات العربية.

وعمل بجانب التدريس مديرا عاما للثقافة الإسلامية بالأزهر فاهتم بنشر تراث الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق، ثم عين أول مدير لجامعة الأزهر بعد صدور قانون تطوير الأزهر عام 1381هـ/1961م.

وكان البهي قد أعرب عام 1358هـ/1936م عن رأيه في الدراسة بجامعة الأزهر بعدم اقتصار الدراسة على العلوم الدينية وحدها فتحقق ما أراده عام 1382هـ/1962م حيث اشتملت الدراسة على دراسات علمية أخرى.

وفي ربيع الآخر 1382هـ/سبتمبر 1962م عين وزيرا للأوقاف وشئون الأزهر وكان يتطلع لإنشاء شعبة خاصة في كلية البنات باسم شعبة الثقافة العامة مهمتها التنوير العام من نواحي تدبير المنزل ورعاية الأسرة وذلك من خلال تنظيم محاضرات مفتوحة لكل ربة بيت، ولكنه لم يتمكن من تجسيد فكرته على أرض الواقع.

وفي ذي القعدة 1383هـ/مارس 1964م عين مرة أخرى مديرا لجامعة الأزهر فاستقال وعين أستاذا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة القاهرة.

كما شارك البهي في أعمال المجلس الأعلى للفنون والآداب، والمؤتمر الثقافي الأول لجامعة الدول العربية بالإسكندرية عام 1369هـ/1950م وفي الندوة الإسلامية العالمية بجامعة برنستون ومكتبة الكونجرس عام 1372هـ/1953م والندوة الإسلامية العالمية بلاهور 1377هـ/1958م، واختير عضوا بمجمع البحوث الإسلامية ومستشارا في المؤتمر الإسلامي بالقاهرة، كما زار الملايو وإندونسيا والفلبين في صحبة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر.

وعندما بلغ الستين من عمره ترك التدريس ورفض قرار مجلس الوزراء بمد خدمته خمس سنوات أخرى وآثر التفرغ للكتابة والتأليف إلى أن وافته المنية في 22 من ذي القعدة 1402هـ/10 من سبتمبر 1982م عن عمر يناهز سبعة وسبعين عاما.

وبعد وفاته منح اسمه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى بمناسبة الاحتفال بالعيد الألف للأزهر.

كما تبرعت أسرته بمكتبته لمسجد النور بالعباسية وتضم 2250 كتابا منها 38 من مؤلفاته، بالإضافة لكتب بلغات مختلفة في الأدب العالمي والإسلاميات والتراجم وسجلات للمؤتمرات والندوات الإسلامية.

مشروعه الفكري

تأثر البهي بآراء الشيخين محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغطى بكتاباته تاريخ الفكر الإسلامي منذ نشأته حتى وقتنا الحاضر.

وفي فترة الستينيات تحمس البهي للاشتراكية العربية بوصفها نظاما حتميا لإعادة الوضع الإسلامي باعتبار الاشتراكية العربية نظاما يجمع بين الملكية العامة في مصادر الإنتاج الرئيسية والملكية الخاصة والإيمان بالله وبدينه والمساواة، ومن هنا كانت دعوته لعلماء المسلمين للمشاركة في مساندة هذا النظام بالفقه والفلسفة الإسلامية وتحرير الاقتصاد القومي. لكن التجارب أثبتت فشل الشعارات التي رفعتها الاشتراكية العربية ما خيب آمال البهي فيها فعدل عن وجهته الاشتراكية وحذف الكثير مما كتبه عنها من كثير من كتبه عند إعادة طبعها وتمسك فقط بالحلول الإسلامية الخالصة.

كما وقف البهي ضد تيار الفكر المادي التاريخي وأوضح مدى تخلف الفكر الماركسي اللينيني وفشله في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتصدى للرد على رشدي صالح حين كتب عن ابن خلدون محاولا استلهام شخصيته وتطويع أفكاره من أجل الدعوة للماركسية.

وفي الوقت نفسه وجه سهام النقد للفكر الغربي الاستعماري لرغبته في إبقاء المسلمين في موقع التخلف.

ويركز البهي على الحلول الإسلامية وليس المستوردة من الشرق أو الغرب ولكنه لا يدعو للانغلاق الفكري بل كان يدعو للتأني والقراءة النقدية للفكر الوافد.

وكان العالم الوحيد الذي جهر في مؤتمر علماء المسلمين الذي انعقد بالقاهرة عام 1392هـ/1972م بأن الإسلام دعوة وليس ثورة وأن الإسلام لا يقر الانقلابات العسكرية ولا تأميم ومصادرة ممتلكات الناس.

رفض البهي مفهوم التجديد الذي ساد في كتابات بعض المفكرين في القرن العشرين من أمثال علي عبد الرازق وطه حسين وغيرهم ممن تأثروا بالفكر الغربي، واعتبر هذا التجديد تقليدا للفكر الأوروبي، وتبنى في مقابل مفهوم التجديد مفهوم الإصلاح الديني الذي قصد به رد الاعتبار للقيم الدينية، ودحض ما أثير حولها من افتراءات وشبهات.

إنتاجه الفكري

ترك الدكتور محمد البهي إنتاجا فكريا غزيرا ومتنوعا كتب معظمه في العشرين عاما الأخيرة من حياته بعد أن تفرغ للتأليف، وقد بلغ عدد الكتب التي ألفها 23 كتابا إضافة إلى 60 رسالة صغيرة في شئون الفكر والفقه والمجتمع الإسلامي وإصلاح الأزهر.

كما قام بتفسير 23 سورة من سور القرآن الكريم وجزء عم كله تفسيرا موضوعيا حيث قسم سور القرآن إلى مكية ومدنية وبدأ بتفسير السور المكية، وقد جعل عنوانها "القرآن في مواجهة المادية" وكان في نيته أن يتم تفسير السور المدنية بتقسيمها إلى قسمين: الأول: "القرآن في بناء المجتمع"، والآخر: "القرآن في تنظيم المجتمع" ثم يجمع التفاسير الثلاثة في مجلد واحد يكون الأول من نوعه، إلا أن المنية وافته قبل استكمال هذا المشروع الرائد.

وكان زواجه من ابنة الشيخ علي الغاياتي صاحب جريدة "منبر الشرق" الذي عاش منفيا في جنيف أكثر من ربع قرن يدافع عن مصر من منفاه بعد أن أصدر ديوان "وطنيتي" الذي عرضه للمحاكمة والتشريد، الأمر الذي تأثر به البهي في بعض مؤلفاته التي يأتي في مقدمتها كتابه المشهور "الدين والحضارة الإسلامية"، إلى جانب ثلاثة مؤلفات كبيرة في الشئون الإسلامية والفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي. وقد ترجمت هذه المؤلفات إلى اللغات الإنجليزية والتركية والإندونيسية إلى جانب مؤلفين وضعهما باللغة الألمانية ومؤلف آخر باللغة الإنجليزية.

ويعد كتاب "الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي" أهم مؤلفاته المبكرة في الفلسفة الإسلامية، حيث أجاب فيه على عديد من التساؤلات التي تدور بالأذهان حول الفلسفة وسر تفوق علماء المسلمين فيها وكيف وفق الفلاسفة المسلمون بين الفلسفة والدين.

وفي مجال الإفتاء له موسوعة فتاوى بعنوان "رأي الدين بين السائل والمجيب في كل ما يهم المسلم المعاصر" يعرض فيها بأسلوب مبسط كثيرا من مشاكل الحياة المتنوعة في مجتمعنا الإسلامي المعاصر منطلقا من أن القرآن منهج حياة.

وفي كتابه "القرآن والمجتمع" يحرص على توضيح هذه الصورة أكثر بتأكيده على المنهج القرآني الذي يحقق سكن النفس وسيادة علاقات المودة والرحمة داخل المجتمع.

مواجهات فكرية

أما الكتاب الذي نال به شهرته في العالم العربي والإسلامي فكان كتاب "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي"، الذي عرض فيه للاتجاهات الفكرية تجاه الاستعمار، سواء تلك التي خالفته أو قاومته أو مالأته، ودعا فيه إلى رفض التجديد الذي هو تقليد للغرب وتبني الإصلاح الديني الرشيد بديلا له.

ويكتسب الكتاب أهميته من حيث أنه جعله مواجهة مباشرة مع تيارات فكرية مستترة وراء عناوين خادعة وهي في جوهرها محاولة لفصل المسلمين عن دينهم، لذا كشف في كتابه عن قيم الإسلام وصلاحية هذه القيم وحدها لحل المشكلات المادية المعاصرة، وبسبب المعارك الفكرية التي خاضها البهي مع أصحاب هذه الأفكار. تعرض الكتاب للمصادرة والمنع لعشر سنوات وعاد في السبعينيات حين تراجعت حدة هذه الأيديولوجيات المغايرة للإسلام.

وكتب الدكتور البهي أيضا "الفكر الإسلامي والمجتمع المعاصر"، و"الفكر الإسلامي في تطوره"، وغير ذلك من الكتب.

وفي عديد من مؤلفاته يواجه البهي المادية والمذاهب الأخرى الهدامة مثل "تهافت الفكر المادي"، و"الإسلام ومواجهة المذاهب الهدامة"، و"القرآن والمادية"، و"العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق"، و"مفاهيم يجب الوقوف عندها في لغة اليسار العربي"، كما كتب في التربية والاجتماع والعقيدة وغيرها من مناحي الفكر الإسلامي.

وقبل وفاته بعامين كتب سيرته الذاتية بعنوان "حياتي في رحاب الأزهر: طالبا وأستاذا ووزيرا" وهو بمثابة وثيقة هامة تسجل أحداث حياته جنبا إلى جنب مع التطورات السياسية والأحداث التي مر بها الأزهر.

وما زالت مؤلفاته تمثل معينا لا ينضب للباحثين والمفكرين ومرجعا أصيلا للفكر الإسلامي الإصلاحي في العصر الحديث.

المراجع

1. محمود حمدي زقزوق. من أعلام الفكر الإسلامي الحديث، القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، سلسلة دراسات إسلامية، العدد 152، صفر 1329هـ/فبراير 2008.

2. زكي الميلاد. د. البهي والفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، مجلة الكلمة، العدد 54 السنة الرابعة عشرة، شتاء 2007.

3. محمد خير رمضان يوسف. معجم المؤلفين المعاصرين، الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، السلسلة الثالثة، 1425هـ/2004م، الجزء الثاني، ص554.

4. محمد خير رمضان يوسف. تتمة الأعلام للزركلي، المجلد الثاني، بيروت: دار ابن حزم، 2002م، ص ص 133-134.

5. أحمد العلاونة. ذيل الأعلام، جدة: دار المنارة، 1998، ص 169-170.

6. محمود حبيب. شيخ المشايخ الدكتور محمد البهي، جريد الأخبار المصرية، 25 من رمضان 1425هـ/10-12-2001م.

7. كمال عبد الوهاب. محمد البهي العالم الصارم، منبر الإسلام، العدد 64، شوال 1426هـ/نوفمبر 2005م، ص ص 117-121.

http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=1&ID=31&UICollectionID=20


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق