الثلاثاء، 14 مايو، 2013

بالأرقام ... لماذا فشلت مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح خلال نصف قرن؟ وهل اقتربنا من تحقيق الحلم؟



أمل خيري 
جريدة الشعب

القمح ليس مجرد غذاء للمصريين، بل ظل على مدى عقود سلاحا استراتيجيا واستخدم كورقة سياسية للضغط على الحكومات المتعاقبة، وبعد أن كانت مصر تحقق الاكتفاء الذاتي من القمح أصبحت أكبر دولة مستوردة على مستوى العالم. فهل تعرضت مصر لمؤامرة لمنع تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؟ وما حقيقة الدور الأمريكي في هذه المؤامرة؟ وهل يمكن استعادة تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؟ 

قبل ثورة يوليو 1952 لم تكن مصر تعاني من فجوة قمح، فقد كان إنتاجها يعادل استهلاكها، كما كان المصريون يعتمدون على الذرة في إنتاج الخبز أكثر من اعتمادهم على القمح، لذا كان سعر إردب القمح 4 جنيهات مقابل 3 جنيهات لإردب الذرة. 

بعد ثورة يوليو اتخذ مجلس قيادة الثورة قرارا ترتب عليه تحويل النمط الغذائي للمصريين من الذرة إلى القمح؛ حيث كان القرار بتخفيض سعر القمح، ومن هنا بدأت الفجوة تظهر بين الانتاج والاستهلاك؛ ففي عام 1955 استوردت مصر مليون طن من القمح، ومن يومها ظلت الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج تبعدنا كثيرا عن تحقيق الاكتفاء الذاتي. 

ويوضح الرسم البياني تطور نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح عبر أكثر من 50 عاما منذ عام 1960، حيث بلغت النسبة وقتها 60%، ثم ظلت تتناقص لتصل لأدناها عام 1984 بنسبة 22% فقط، ثم عادوت الزيادة وظلت تتأرجح ارتفاعا وانخفاضا حتى وصلت إلى نسبة 46% عام 2012، وهناك توقعات من الحكومة بأن تصل نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح خلال العام الحالي إلى 67%. 

وعلى الرغم من أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح أمرا لم يكن صعب المنال خاصة في ظل وجود منطقة الساحل الشمالي التي كان يمكنها أن تلبي حاجة الدولة من القمح اعتمادا على مياه الأمطار فقط، إلا أن تحقيق الاكتفاء مسألة مرتبطة في الأساس بالإرادة السياسية التي كانت تخشى من الضغوط الأمريكية، ويعزز ذلك ما قاله الرئيس السوداني عمر البشير صراحة عندما نقل عن الرئيس المخلوع قوله أنه "يخشي أن تغضب أمريكا منه لو دخل في اتفاق مع السودان للاكتفاء الذاتي من القمح الذي تعتبره واشنطن سلعة إستراتيجية تضغط بها على الدول العربية". 

ولم تتوان أمريكا في استخدام هذا السلاح مثلما حدث عندما قررت مصر بناء السد العالي، بل وكانت اتفاقيات المنح والقروض بين مصر وأمريكا دائما ما تنص على شرط ألا تستخدم أموال المنح في كل ما من شأنه تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، بل إن المعونة الاقتصادية الأمريكية والتي لا تتعدى 350 مليون جنيه سنوياً تخصص كلها لشراء القمح الأمريكي. 

إلا أن المفارقة أن المسئولين المصريين أنفسهم عبر عقود طويلة ظلوا يروجون لفكرة أن استيراد القمح أفضل من زراعته بحجة ارتفاع تكلفة القمح المحلي عن المستورد، وفي أوقات عدة رفضت الحكومة استلام القمح من الفلاحين، أو تقوم بشرائه بأسعار منخفضة مما جعل الفلاح يعرض عن زراعة القمح ويتجه لمحاصيل أخرى كالبرسيم، ناهيك طبعا عن أباطرة ومافيا مستوردي القمح الذين ظلوا المتحكمين في الواردات. 

والآن وبعد توافر الإرادة السياسية أعلنت الحكومة لأول مرة عن برنامجها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؛ حيث تدور التوقعات حول الإنتاج هذا العام ما بين 8.5 و9.5 مليون طن لتتحقق نسبة اكتفاء قدرها 67% حسب المتوقع، مما يتطلب توسعا رأسيا  (بزيادة إنتاجية الفدان)، وآخر أفقيا(بزيادة المساحة المزروعة). 

من الناحية الواقعية لا يمكن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح هذا العام ولا يتوقع أيضا خلال العام القادم، إلا إننا بدأنا على الأقل خطوة نحو انتزاع إرادتنا وكسر الاحتكار الأمريكي، ويعزز ذلك تصريح وزير التموين بأن "مصر لن تستورد قمحا إلا في الوقت الذي تريد وبالسعر الذي تريد ومن البلد التي تريد". 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق