الثلاثاء، 9 أبريل، 2013

هل نستعيد أموالنا المنهوبة؟




أموال مصر المهربة بين صفقات التصالح وأحكام البراءة والفساد المؤسسي
كتبت: أمل خيري
جريدة الشعب
عدد الثلاثاء 42


على ضوء ما كشفت عنه صحيفة "الجارديان" في عددها الصادر يوم الخميس 28 مارس 2013، من أن عائلة الرئيس المخلوع حسني مبارك تمتلك أصولاً مالية مودعة في الأراضي البريطانية، وأن جمال نجل المخلوع، يجني حوالي 188 ألف يورو سنوياً من عائدات هذه الأصول المالية في جزر فيرجين، مع اعتراف (هيرميس) المصرية أن جمال مبارك يمتلك حوالي 17,5 % من أسهم الصندوق المسجل في جزر الفيرجين البريطانية، نظمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية نقاشًا مفتوحًا نهاية مارس الماضي بنقابة الصحفيين بمناسبة إطلاق تقرير: "هل نستعيد أموالنا المنهوبة: أموال مصر المهربة بين صفقات التصالح وأحكام البراءة والفساد المؤسسي". واستضافت المبادرة المصرية في هذا اللقاء الباحث والناشط "نيك هيلديارد"، مدير منظمة كورنر هاوس، غير الحكومية، المعنية بالحقوق البيئية والاقتصادية.
 قدم هيلديارد بحثًا مطولا عن أصول جمال مبارك في الملاذات الضرائبية وتحديدًا في جزر "العذراء" البريطانية على مدار الأشهر الماضية بالتعاون مع المبادرة المصرية، وأخيرا تم إصدار التقرير الذي يتناول مسألة تهريب الأموال المصرية، واحتمالات استعادتها، وتأثير أحكام البراءة وصفقات التصالح المعلنة وغير المعلنة، على استرداد الأموال المنهوبة فضلًا عن خطورة إسناد تبعية هذا الملف إلى الجهاز التنفيذي ممثلًا في وزارة العدل، لما يواجهه من تقلبات سياسية، وتأثير شبكات مصالح النظام السابق على الجهاز البيروقراطي في مصر، مما يعيق  إمكانية إحراز تقدمًا في هذا الملف، وأعد الملف للنشر الباحث أسامة دياب.
يبحث التقرير بداية في الدوافع التي تقف وراء عملية تهريب الأموال للخارج، ويأتي على رأسها غسيل الأموال، وهو ما يطلق على محاولات إضفاء الشرعية على الأموال التي تم اكتسابها عن طريق تجارة غير شرعية كالمخدرات أو السلاح أو الاتجار في البشر، إلا أن أغلب الأموال التي تم تجميعها من قبل رموز نظام مبارك لم تكن من نشاط غير شرعي بالمفهوم التقليدي، بل إن طريقة التربح الرئيسية كانت تتم عبر ما يمكن وصفه بالفساد المقنن أو "قوانين صناعة الفساد"،  فما الدافع إذًا لتهريب وتصدير أموالهم إلى بنوك في الخارج؟
لماذا تهريب الأموال؟
يُعتقَد أن الدافع الرئيسي لخروج تلك الأموال هو حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاضطرابات الاجتماعية التي شهدتها مصر قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وتقدر منظمة "جلوبال فاينانشال انتيجريتي" لمكافحة تهريب الأموال -ومقرها العاصمة الأمريكية واشنطن- حجم الأموال المهربة من مصر بشكل غير شرعي بنحو 132,28 مليار دولار (أي ما يعادل 847,444 مليار جنيه امصريا)، ويقسم هذا المبلغ، بحسب المنظمة، إلى حوالي 70 مليار دولار ناتجة عن اختلال في ميزان المدفوعات الذي عادة ما يقيس الفساد والرشوة والعمولات غير الشرعية، وبقية المبلغ ناتج عن سوء التسعير والذي يعد وسيلة من وسائل التهرب الضريبي.
أما عن وسائل تهريب الأموال فتتنوع، ولكن يبدو أنه من أسلم الطرق التي لا تسمح بإمكانية تتبع المال هي تهريب المال السائل (كاش(، وذاعت أنباء عن إلقاء القبض في دبي على رجل الأعمال المصري حسين سالم، المقرب من الرئيس السابق، والشريك في شركة غاز شرق البحر المتوسط التي تتولى تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل بأسعار بخسة، وبحوزته مبلغ 500 مليون دولار )أي ما يعادل نحو 3,2 مليار جنيه مصري)  في 31 يناير 2011 (أي في أثناء اندلاع المظاهرات المناهضة لحكم مبارك) مما يجعل هذه الحالة أيضا مثالا على العلاقة الطردية ما بين الاضطراب السياسي وهروب الأموال إلى الخارج، وتشير وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أن نقل المال السائل بكميات كبيرة يهدف إلى إخفاء الأموال الفاسدة والنشاطات المرتبطة بها عن أعين السلطات والأجهزة الرقابية.
الدور المشبوه للمصرف العربي الدولي
وكانت أصابع الاتهام قد اتجهت بعد الثورة مباشرة إلى بعض البنوك التي لا تخضع حساباتها إلى إشراف ورقابة البنك المركزي وعلى رأسها المصرف العربي الدولي والذي تأسس عام 1974 طبقا لاتفاقية دولية تجمع بين حكومات مصر وليبيا وعمان وقطر والإمارات، وكان الغرض من الإنشاء حسب موقع البنك هو القيام بجميع الأعمال المصرفية والمالية والتجارية المتعلقة بمشروعات التنمية الاقتصادية والتجارة الخارجية وبصفة خاصة للدول الأعضاء وغيرها من الدول والبلدان العربية، ويقبل المصرف فتح الحسابات للحكومات والهيئات والمؤسسات والبنوك والشركات والأفراد من البلاد العربية وغير العربية.
واستنادًا إلى هذه الاتفاقية فإن المصرف العربي يتمتع بوضعية قانونية خاصة، ولا تسري عليه القوانين المنظمة للمصارف ولا تخضع سجلات المصرف الذي كان يتعامل بالدولار فقط لقوانين وقواعد الرقابة والتفتيش القضائي أو الإداري أو المحاسبي.  وتجدر الإشارة إلى أنه قد حامت الشبهات حول المصرف بضلوعه في تهريب الأموال لأركان نظام مبارك بسبب وضعيته الخاصة، تقرر إخضاعه لرقابة البنك المركزي في مارس 2012 )أي بعد أكثر من عام على اندلاع الثورة المصرية(  بعد 38 عاما من العمل بدون رقابة.
وبالرغم من عدم وجود أدلة قاطعة تبرهن على استخدام المصرف العربي كقناة لتهريب الأموال للخارج استغلالا لسرية التعاملات ولغياب الرقابة وعدم وجود تحريات جدية فإن وجود ثغرات كبيرة كتلك في الجهاز المصرفي للدولة من شأنه تسهيل عملية تهريب أموال النظام السياسي القائم بشكل كبير.
المساهمة في صناديق الاستثمار
ومن أبرز صور تهريب الأموال تحويل الأموال إلى الخارج في صورة أرباح نتيجة المساهمة في شركات مصرية عن طر يق شبكة معقدة من صناديق استثمار في الخارج، وأكبر مثال معلن على ذلك هو شركة "ميد انفيست" البريطانية المملوكة لجمال مبارك والتي لا يتعدى رأسمالها 50 ألف جنيه إسترليني لكنها كانت تتحكم وتدير الملايين من الجنيهات في صورة أسهم في شركات مصرية تعمل في مجالات مختلفة منها تكنولوجيا المعلومات والسياحة والأسمنت والبنوك والأغذية والمنتجات الزراعية. وتتسم هذه العلاقة بشبكة معقدة ومترابطة من الشركات في قبرص وموريشيوس وبريطانيا ومصر بحيث يصبح من الصعب معرفة المالك الأصلي وحصته وتعقب أمواله وأرباحه بسبب تعقيدات هذه الشبكة التي غالبا ما تنتهي في واحدة من الدول التي تشتهر بسرية حساباتها وعدم الإفصاح عن هوية ملاك الشركات.
ومن أشهر هذه الدول أو الجزر الصغيرة المانحة للسرية في التعاملات موريشيوس وجزر العذراء البريطانية وجزر الكايمان وبنما وليس من الغريب أن أصول وأموال مبارك عادة ما تكون مرتبطة بتلك البلدان بشكل أو بآخر.
ويشرح نيك هيلديارد، مؤسس منظمة كورنر هاوس، والذي قضى شهورًا طويلة في محاولة تتبع أصول نظام مبارك، أن من أهم وسائل نزوح الأموال إلى الخارج ونهب الثروات هي أن يحصل ممثل للشخصية السياسية عند الإعلان عن خصخصة شركة قطاع عام أو تخصيص قطعة من الأرض على قرض بدون ضمانات من بنك حكومي بتوصية من شخصية ذات نفوذ سياسي، ويستخدم هذا القرض لشراء الشركة المعروضة للبيع أو الأرض بسعر بخس باستخدام دوائر النفوذ ذاتها، ويتم بيع هذا الأصل فيما بعد إلى مستثمر أجنبي بسعر أعلى كثيراً وغالباً ما يباع الأصل إلى صندوق استثمار يصعب تتبعه، ويكون للشخصية السياسية حصة في الصندوق (أحيانا عن طريق ممثل(، ويكون من الصعوبة بمكان طبقا لهيلديارد إثبات تورط الشخصية السياسية في هذه العملية لأن أسماءهم لا تظهر عادة على المستندات الخاصة بالقرض أو بالشركة.
و يضيف هيلديارد بأن ما يزيد الأمر صعوبة هو أن العديد من هذه الصناديق التي تأوي وتحرك الأموال المنهوبة مسجلة فيما يسمى بجنات الضرائب، وهي بلدان صغيرة لا تفصح عن هوية المساهمين في الصناديق المسجلة في الأماكن التي تخضع لولايتها القضائية، وحتى في البلدان التي تعلن عن أسماء المساهمين، تكون عادة هذه الأسماء لممثلين للشخصية السياسية المنتفعة.
ويضرب هيلديارد مثالا على ذلك عند إعلان بنك الاستثمار المصري عن  تملك جمال مبارك نسبة 18% من شركة "إي إ ف جي هيرميس" والتي تدير صناديق استثمار في الخارج وفي مصر، وتقول الشركة إن جمال مبارك يملك هذه الحصة عن طريق حصته في شركة بوليون القبرصية، والتي تبلغ 5٠٪، وبوليون بدورها تملك 35%من هيرمس.
ولكن باطلاع هيلديارد على السجلات القبرصية، اكتشف عدم ظهور اسم جمال مبارك كمساهم أو شريك في شركة بوليون برغم تصريح هيرمس، لكن يبدو أن حصته المزعومة كانت تمثلها شركة Panworld Investment INC  والمسجلة في جزر العذراء البريطانية ثم شركة Nakoda Limited القبرصية والتي تملكها شركة قبرصية أخرى تدعى  .CP Palema Services Limited
ويختتم هيلديارد ملاحظاته بالقول أن مالك هذه الشركات في الغالب تكون شركة مسجلة في جنة من جنات الضرائب حيث تتمتع بالسرية والتكتم كما سبق الذكر، وهنا فإن أي مواطن أو جهة مستقلة تحاول تتبع هذه الأصول سينتهي بها المطاف إلى سد من السرية، ولكن يؤكد هيلديارد أنه في وسع السلطات في مصر وفي بلدان أخرى طلب معلومات عن هذه الشركات، لكن يعتمد الرد على مدى رغبة جنات الضرائب والسرية في التعاون، وحتى في حالة التعاون والإفصاح عن المعلومات فقد تتكون حلقة جديدة من الملكية تقود إلى بلد آخر ما قد يستغرق سنوات لكشف المالك الحقيقي.
كيف نستعيد الأموال؟
ويتساءل التقرير بعد ذلك عن كيفية استعادة الأموال؟، مشيرا إلى أن استعادة أموال الأنظمة السياسية القمعية عملية غاية في التعقيد، وغالبا ما تستغرق سنوات طوال، وهي عملية تتطلب إرادة سياسية قوية من كافة الأطراف المعنية مع توافر خبرات في مجال تعقب واستعادة الأموال، وممارسة جهود قانونية وتحقيقية وقضائية ودبلوماسية وإعلامية متميزة، وبالنسبة إلى خطوات استعادة الأموال في سويسرا فتنقسم إلى خمس خطوات: تعريف الأصل غير الشرعي عن طريق وسيط مالي يشتبه في عملية مالية معينة، ويقوم بإبلاغ السلطات عنها، ثم فتح تحقيق جنائي عن الفساد في البلد الذي نُهبِ منه الأموال و/أو عن غسيل الأموال في البلد الذي توجد فيه الأصول محل النزاع، ثم تعاون البلدين عن طريق المساعدة القانونية المتبادلة في القضايا الجنائية، ويحتاج البلد المستقبل للأموال إلى أدلة فيما يتعلق بغسل الأموال فيما يحتاج بلد المنشأ إلى إثبات اتهامات الفساد في السجلات المصرفية عن طريق التحقيقات، يلي ذلك إصدار حكم قضائي نهائي من بلد المنشأ أو البلد المستقبل يقضي بفساد هذه الأموال، وأخيرا تفعيل قرار المحكمة ورد الأموال إلى بلد المنشأ.
ويمثل النموذج النيجيري لاستعادة الأموال واحدًا من أنجح النماذج في مجال استعادة الأموال المهربة، فبعد وفاة الديكتاتور النيجيري السابق ساني أباتشا، قامت الحكومات المتعاقبة بعمل تحقيقات موسعة، وحملات واسعة لاستعادة أموال أباتشا ومعاونيه المخبأة بالخارج في شبكة معقدة من الحسابات البنكية والشركات الواجهة في المملكة المتحدة وسويسرا ولوكسمبورج و ليخنشتاين وجيرسي وجزر الباهاما.
بدأت عملية استرداد الأموال عن طريق تحقيق شرطي خاص في عام 1998، وفي سبتمبر 1999 استعانت الحكومة النيجيرية بخدمات مكتب محاماة سويسري يدعى مونفريني وشركاه في تعقب واسترداد الأموال النيجيرية في الخارج، وبحلول ديسمبر عام 1999 قبلت السلطات السويسرية أول طلب للمساعدة القانونية المتبادلة، مما أتاح إصدار قرار عام بالتجميد إلا أن الحكومة السويسرية قد اشترطت الحصول على حكم نهائي بالمصادرة من المحاكم النيجيرية، وهو ما كان أمرًا صعباً على المستويين القانوني والسياسي في تلك الفترة في نيجيريا، وذلك إلى حين استطاع مكتب مونفريني من الحصول على حكم تاريخي بعدم الحاجة إلى حكم المصادرة النهائي لوجود ما يكفي من أدلة تثبت فساد أباتشا وأعوانه. وقد استغرق الأمر حوالي سبع سنوات حتى استردت نيجيريا شيئا من الأموال لكثرة الطعون المقدمة من عائلة أباتشا وأعوانه وعائلته ضد قرارات التجميد حتى استردت في عام 2005 و2006 ما يفوق نصف المليار دولار. ومازال بعض التحقيقات جاريًا بشأن أموال هذا النظام بعد مرور حوالي 15عامًا على وفاة أباتشا.
في المقابل فإن أداء الحكومات المتعاقبة في مصر عقب الإطاحة بمبارك كان سيئا، ويعتقد الدكتور "مارك بيث" أن الحكم على مبارك في قضايا قتل المتظاهرين وبراءته من قضايا الفساد قد يعوق جهود إثبات أن أرصدة مبارك ورجاله في البنوك ناتجة عن ممارسات فاسدة، ويقول مسئول وزارة الخارجية السويسرية "فالنتين زيلفيجر" إن إعادة أموال إلى مصر مرتبطة بربط الأموال بالجريمة والأحكام القضائية، ومن الممكن أن يأتي هذا الحكم إما عن طريق المحاكم المصرية أو السويسرية، ومن ثم فإن أحكام البراءة في المحاكم المصرية قد تؤدي إلى رفع التجميد عن الأموال في حالة عدم صدور حكم قضائي من محكمة سويسرية.
إن التحدي القانوني الأساسي الذي يواجه الجانب المصري هو إثبات أن أموال مبارك قد تم جمعها بأسلوب غير قانوني في ظل نظام تشريعي يسيطر عليه الحزب الوطني الحاكم آنذاك عن طريق تزوير الانتخابات وشراء الأصوات وإرهاب الخصوم السياسيين والسيطرة على وسائل الإعلام، بالإضافة إلى مجلس وزراء وأمانة السياسات بالحزب الحاكم سابقا التي كانت تخضع فعليا لحفنة من رجال أعمال منذ 2004 فيما عرف ب"حكومة رجال الأعمال"، وإقناع الأطراف الخارجية بوجود هذه الشبكة من المصالح بالأدلة وأن النظام لم يكن في حاجة إلى الفساد الجنائي لسيطرته على السلطة التشريعية بالقمع، ومن ثم صعوبة إثبات أن تلك الممارسات تمت بالمخالفة للقانون.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق