الأربعاء، 3 أبريل، 2013

الكيان الصهيوني.. معجزة اقتصادية هل نستوعبها؟





دور ريادة الأعمال الشبابية في النهضة

بقلم: أمل خيري*

كيان غاصب، دولة صغيرة، عمرها قصير لا يتعدى 65 عاما، نشأت عبر احتلال استيطاني وموجات من الهجرات لشعوب متباينة الأجناس لا يجمعها سوى الرغبة في سرقة مقدرات الشعوب، محاطة بأعدائها من كل جانب، لم تهدأ فيها الحروب، شحيحة الموارد والمياه.
مقابل دولة كبيرة، سبعة آلاف سنة حضارة، لشعب متمازج، تقع في قلب العالم الإسلام والعربي، يمر بها أطول أنهار الدنيا وتسيطر على أهم ممر ملاحي، وتضم أراضيها الشاسعة كنوزا دفينة.
مقارنة غير عادلة على الإطلاق، ومع ذلك تصنف الأولى في فئة البلدان مرتفعة الدخل، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي فيها 242,9 مليار دولار، نصيب الفرد منها 32,200 دولار في العام، في حين تنتمي الثانية للشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، بإجمالي ناتج محلي 229,5 مليار دولار، نصيب الفرد منها 6,600 دولار فقط.
بينما استطاعت إسرائيل في فترة حياتها القصيرة أن تحقق تقدما علميا واقتصاديا وعسكريا يفوق دول الجوار مجتمعة، يتلذذ العرب باستسهال رد هذا النجاح إلى ما تلقاه الدولة من دعم أجنبي خاصة من الولايات المتحدة، وما يتدفق عليها من معونات اقتصادية وعسكرية، مع رفض الاعتراف بعوامل النجاح الداخلية، وتجاهل دور الشعب نفسه في استثمار قدراته لأبعد حد لتحقيق معجزة اقتصادية تنموية حقيقية، في حين كان يمكن لشعب آخر أن يكتفي بالعيش على المعونات ويركن للاستهلاك دون أن يسعى لبناء نهضة صناعية وتكنولوجية طالما الأموال المجانية ما تزال تتدفق!
من قلب إسرائيل يأتي كتاب يصف عوامل نجاح الاقتصاد الإسرائيلي بعنوان "Start-Up nation"، أو "أمة الشركات الناشئة: معجزة الاقتصاد الإسرائيلي"، والذي كتبه دان سينور وسول سينجر، والذي صنف ضمن الكتب الاكثر مبيعاً فى أمريكا. يتناول الكتاب دور ريادة الأعمال الشبابية فى نهضة إسرائيل، حيث حققت آلاف من الشركات الصغيرة الناشئة طفرات متتالية فى الوضع الاقتصادي للعدو الصهيوني، ووفرت الدولة الدعم لهذه المشروعات الناشئة حتى أصبحت مشروعات ريادية عالمية، ومن منطلق فكرة "اعرف عدوك" جدير بنا أن نتعرف على عوامل هذه النجاح؛ كي نتغلب على معوقات النهضة في مصر، فهي ليست دعوة للتطبيع مع الكيان الغاصب ولا إشادة بعبقرية الصهاينة، بقدر ما هو استخلاص للدروس المستفادة لنا.
ريادة الأعمال
يقصد بمفهوم ريادة الأعمالEntrepreneurship   استحداث أو إنشاء منظمة اقتصادية مبدعة من أجل تحقيق الربح أو النمو تحت ظروف المخاطرة وعدم التأكد، وتعد ريادة الأعمال من الاستراتيجيات  الهامة لتحقيق  التطور والنمو الاقتصادي للمجتمعات.

وبصفة عامة فإن دور رواد الأعمال (أصحاب الشركات الناشئة) يتنوع ما بين إنشاء أسواق جديدة، واكتشاف مصادر جديدة للموارد تتمتع بميزة تنافسية، وكذلك تحريك الموارد الرأسمالية وحسن استغلالها، وتقديم تكنولوجيا وصناعات ومنتجات جديدة، وأخيرا خلق فرص عمل جديدة مما يعني مزيدا من الدخل والطلب على السلع والخدمات يدفع بدوره لزيادة الإنتاج، وكل ذلك له تأثيرات تسرع من نمو الاقتصاد ككل.

ستة عوامل أساسية
وبمطالعة كتاب "أمة الشركات الناشئة" يمكن تحديد أهم عوامل نجاح ريادة الأعمال فى إسرائيل، والتي لخصها الكاتبان في ستة عوامل: الخبرة المكتسبة من الخدمة فى الجيش، ووفرة رأس المال المخاطر، ومبدأ الوقاحة والجدل وعدم الخوف من الفشل، والطبيعة المخاطرة للمهاجرين، التشتت والإنتماء، وأخيرا المقاطعة العربية.
أولا: الخبرة المكتسبة من الخدمة فى الجيش الإسرائيلي:
يرى الكاتبان أن الخبرة التي يكتسبها الشاب في الجيش مبكرا تمنحه قدرة تنافسية عالية؛ إذ إن إسرائيل لديها نظام تجنيد إجباري بعد المرحلة الثانوية، يكتسب خلاله الشاب خبرات تقنية وإدارية تفيده في بناء مستقبله، كما يتم تدريب الشباب سنويا بعد خروجهم من الخدمة للحفاظ على كفاءتهم، ويبقى جميع من يكمل مرحلة التجنيد مسجلاً في الجيش الاحتياطي ويتم استدعاؤه لمدة معينة سنوياً، كما ينخرط المجندون في عمليات قتال حقيقية في ساحات القتال. ويعدد الكتاب أمثلة على قصص ومغامرات يخوضها شباب في سن مبكرة بدون وجود مصدر توجيه، ثم يوضح علاقة هذه التجارب بالأفراد الذين يقررون إطلاق شركات صاعدة في المستقبل، مؤكدا أن معظم رؤساء وقادة الشركات الإسرائيلية الناجحة كانوا أفرادًا في الجيش، وكلهم اكتسب خبرة مميزة في مجال العمل الجماعي والمبادرة واتخاذ القرارات الجريئة خلال مرحلة التجنيد أو مرحلة الانتساب في الجيش الاحتياطي.
ثانيا: وفرة رأس المال المخاطر:
يوجد أكثر من 3800 شركة حديثة مبتكرة وصاعدة في إسرائيل، ويفوق عدد الشركات الإسرائيلية التي اُكتُتِبت في البورصة الأمريكية "ناسداك" عدد جميع الشركات الأوروبية، ويرجع الكتاب ذلك إلى وفرة رأس المال المخاطر أو رأس المال الجريء "Venture Capital"، فقد استثمر هذا النوع من المستثمرين في إسرائيل خلال عام 2008 فقط أكثر من 2 مليار دولار، وهذا رقم يفوق ما تم استثماره في بريطانيا، أو في فرنسا وألمانيا معاً!
وقام برنامجBIRD  الأمريكي- الإسرائيلي المشترك برأسمال 110 مليون دولار، واستثمر أكثر من 250 مليون دولار في780 مشروعا بمنح من نصف مليون إلى مليون دولار، ونتج عنه قرابة 8 مليارات دولار فى المبيعات المباشرة وغير المباشرة. كما استثمرت الحكومة في برنامج "يوزما" برأسمال 100 مليون دولار فى 10 صناديق استثمار لتمويل الشركات الناشئة، واليوم بلغ رأس مال البرنامج 3 مليارات دولار.
ثالثا: الوقاحة والجدل وعدم الخوف من الفشل:
يستعرض الكتاب صفة غريبة ومميزة لدى اليهود يطلق عليها "خوتزبه"، ومعناها باللغة العربية: الوقاحة وهو مبدأ منتشر في الثقافة اليهودية، ويقصد بها مواجهة الموظفين للمدراء وعدم قبول آرائهم إن كان فيها خلل أو خطأ، حتى إن الجنود أجبروا قائدا عسكريا على التنحي بسبب أخطائه.
وهناك العديد من الأمثلة على تمكن الإسرائيليين من خلال الوقاحة والجدال من تسويق أفكارهم وإقناع الممولين بها، ففي فرع "إنتل" في إسرائيل قام فريق إسرائيلي بابتكار معالج Centrino  بعد رفض الشركة الأم للفكرة، لكن استمر الفريق الإسرائيلي في الجدال لإقناع رؤساء الشركة بالفكرة وبالفعل أنتج المعالج وحقق أرباحا عالية.
يرى الكاتبان أن نشأة إسرائيل المعتمدة على المهاجرين من شتى دول العالم كانت أحد عوامل نجاح الدولة اقتصاديا؛ فالمهاجر بطبعه مخاطر وهو ما تتطلبه ريادة الأعمال، و"الأمة المكونة من مهاجرين هي أمة رواد أعمال". ويؤكد صحة هذه الفرضية أن ريادة الأعمال تتزايد في الولايات الأمريكية الساحلية المكتظة بالمهاجرين، بينما تكاد تنعدم في الولايات التي تقع في الوسط والتي يقل فيها عدد المهاجرين بشكل كبير.
ويذكر الكتاب قصة الشابين اللذين أسسا شركة جوجل (سيرجي برين ولاري بيج)، وهما من أصول يهودية سوفيتيه، وحين قاما بزيارة إحدى مدارس الجاليات السوفيتية في إسرائيل، التي تشتهر بنبوغ طلابها وإبداعهم، قال سيرجي للطلاب "لقد سمعت بأن مدرستكم حققت 7 مراكز من أفضل 10 مراكز في مسابقة الرياضيات، وبينما بدأ الطلاب بالتصفيق والافتخار بأدائهم، تدارك سيرجي قائلاً: ولكني أتساءل، ماذا عن الثلاثة المراكز المتبقية، لماذا لم تفوزوا بها؟!".
رابعا: الطبيعة المخاطرة للمهاجرين:

ويؤكد الكاتبان على دور المهاجرين في تحقيق المعجزة الاقتصادية الإسرائيلية، ففي عام 1948 كان عدد السكان 800 ألف نسمة، واليوم أصبح 7 مليون، ينتمون لأكثر من 70 دولة، وبين عامي 1990 و 2000 هاجر أكثر من 800,000 روسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى إسرائيل، معظمهم مبدعون ومن حاملي الدكتوراه خصوصاً في الطب والرياضيات والفيزياء، ويتميزون بالمخاطرة، وتراقب إسرائيل بشكل مستمر عدد المهاجرين الوافدين، وتعد زيادة عدد المهاجرين مؤشرا اقتصاديا مهما.
خامسا: التشتت والانتماء:
يشير الكتاب إلى الفوائد التي جناها الاقتصاد الإسرائيلي من انتشار اليهود الإسرائيليين في العالم، مع شعورهم القوي بالانتماء الذي يجعلهم مرتبطين بوطنهم الأم، وبدلا من تهجير العقول تحرص إسرائيل على عودة مبدعيها من الخارج، فكما هو معروف فإن دولاً مثل أمريكا وكندا تستقطب المهارات الفكرية من كل دول العالم وتستنزفها بما يسمى ظاهرة الاستنزاف الفكري أو Brain Drain، إلا أن إسرائيل نجحت في إيجاد ظاهرة معاكسة تسمى Reverse Brain Drain ، وذلك بعودة هؤلاء المهاجرين إلى أوطانهم لتستفيد من خبراتهم المكتسبة، ويذكر أن بناء صناعة الطيران في إسرائيل اعتمد على اليهود المغتربين.
سادسا: المقاطعة العربية:
يشير الكاتبان إلى أن وجود إسرائيل وسط بحيرة من العرب الذين يقاطعونها اقتصاديا كان له بالإضافة للآثار السلبية العديدة آثار أخرى إيجابية على الاقتصاد الإسرائيلي؛ فقد أُجبر الإسرائيليون على تسويق منتجاتهم خارجيا، مما جعلهم يركزون على القطاع التقني الحديث، والذي يسهل تسويق منتجاته في الأسواق البعيدة وشحنها بسهولة، لذا لم تقتصر على الاتجاه للأسواق الأمريكية والأوروبية فحسب بل اتجهت كذلك للصين، ونقل المؤلفان مقولة لأحد الإسرائيليين: كلما حاولت حبسي، كلما سأثبت لك أني قادر على الخروج وتخطي حواجزك. (ويكأنهم يتحدثون عن حصارهم للفلسطينيين!).
صناعة العلم
في الوقت الذي حاز فيه تسعة علماء إسرائيليين على جوائز نوبل، لم يحصل من المصريين سوى عالم واحد على الجائزة، كما تنفق إسرائيل على البحث العلمي ضعف ما يُنفق في العالم العربي، بما مقداره 4,7% من إنتاجها القومي فيما تنفق الدول العربية 0,2% من دخلها القومي.
بالطبع كان الدافع للبحث العلمي السعي نحو التصنيع العسكري، وطبيعة الدولة القائمة على الاحتلال تضطرها لتقوية جيشها، وبدلا من الاكتفاء بصفقات الأسلحة المستوردة أنتجت دبابة الميركافا وطائرة نيشر ثم كفير، كما أطلقت قمرا صناعيا، وغير ذلك، واستغلت هذه التكنولوجيا المتطورة في العديد من الصناعات.
يذكر مثلا أن فكرة الري بالتنقيط تعود إلى مؤسس شركة نيتافيم الإسرائيلية الرائدة في مجال الري الزراعي، والذي لاحظ نمو شجرة خلف بيته في منطقة لا يصلها الماء أصلاً، وعندما قام بالبحث عن سبب نموها، اكتشف أن هناك أنبوبا مائيا يقوم بتسريب قطرات بسيطة سببت نمو هذه الشجرة. هذا الاكتشاف مكن رائد الأعمال الإسرائيلي من تأسيس شركة لها مبيعات في أكثر من 110 دولة حالياً.
وهناك العديد من الأمثلة على الابتكارات الإسرائيلية، فتكنولوجيا الهاتف المحمول تم تطويرها في مركز شركة موتورولا البحثي في إسرائيل، كما طورت مايكروسوفت نظام تشغيل "ويندوز NT" بالكامل في اسرائيل في فرعها الاقليمي هناك، وتم تطوير تكنولوجيا البريد الصوتي Voice mail  في إسرائيل، وصنّعت إسرائيل طائرة تجسس صغيرة وسيارة تعمل بالطاقة الشمسية، كما صُنع الطبق الشمسي الأكبر في العالم في مركز بن جوريون الوطني للطاقة الشمسية.
مأزق الشيخ!
بعد أن استعرض الكتاب عوامل نجاح الاقتصاد الإسرائيلي انتقل لتفسير سبب فشل الدول العربية في ريادة الأعمال والابتكار في فصل بعنوان "مأزق الشيخ" ، فالدول العربية التي اجتذبت رؤوس أموال خارجية وجاءت العديد من الشركات الدولية لاستثمار أموالها في المنطقة العربية لم تأت بالطبع للبحث والتطوير والإنتاج بل لبيع منتجاتها، وهناك فرق كبير بين اقتصاد قائم على الإنتاج والتطوير والبحث العلمي وآخر قائم على خدمة العملاء والمبيعات. وعلى الرغم من وجود تكتلات علمية وتقنية في دبي مشابهة لما في إسرائيل إلا إنه ينقصها الاعتماد على المواطنين، فتتمثل مشكلة دبي على سبيل المثال في أن معظم سكان المدينة من الأجانب الزائرين ولا يمكن إنشاء تكتل بدون خوض سكان المدينة الأصليين في عملية البناء وليس الإدارة فقط.
ويمكننا من خلال قراءة الكتاب أن نستشف أهم معوقات ريادة الأعمال في مصر والعالم العربي، فهناك المعوقات القانونية لافتقاد البنية التشريعية المنظمة لريادة الأعمال وتيسير إنشاء الشركات، كما يفتقر رأس المال المصري للمخاطرة، ويميل المصريون عموما للنمطية والبحث عن الوظيفة الآمنة حتى لو بمرتبات متدنية، ولا تقوم الدولة بدورها في احتضان الشركات الناشئة ودعمها.
ويذكر جهاز الإحصاء الأمريكي أن معظم النمو الوظيفي في أمريكا بين عامي 1980 و2005 كان مصدره شركات حديثة صاعدة لا يتجاوز عمرها الخمس سنوات، في الوقت الذي يشكو فيه المصريون من البطالة بحجة تقصير الحكومة في خلق الوظائف، في حين يكمن الحل في إنشاء الشركات الصاعدة المبتكرة التي لها القدرة على النمو خارج الدولة لتصبح شركة عالمية.
أؤكد مرة أخرى أن الكتاب ليس دعوة للتطبيع مع الصهاينة، ولا افتخارا وانبهارا باقتصاد الدولة الغاصبة، فمصير ذلك كله إلى زوال خاصة مع كل المؤشرات التي تدل على تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لأزمات اقتصادية، ولكنها نظرة للتعرف على العدو من الداخل، ودعوة لتعلم الدروس المستفادة من التجربة وإن كانت من الأعداء.
..................
*باحثة اقتصادية
 http://www.alamatonline.net/l3.php?id=55433

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق