الثلاثاء، 2 أبريل، 2013

من جامع قمامة إلى رئيس جمهورية!


لي ميونج-باك يروي قصة نجاح كوريا الجنوبية
أمل خيري
جريدة الشعب
عدد الثلاثاء
غلاف كتاب الطريق الوعر

صدرت مؤخرا عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الطبعة العربية من كتاب "الطريق الوعر: السيرة الذاتية للرئيس لي ميونج-باك"، وهو الرئيس الحالي لجمهورية كوريا الجنوبية، والرئيس التنفيذي السابق لهيونداي، والكتاب من تأليف لي ميونج-باك نفسه.
وفي هذا الكتاب، لا يسرد لي ميونج-باك قصة نجاحه الشخصي فحسب، بل يروي حكاية أمة تمكنت من الانطلاق من جحيم الفقر إلى نعيم الثراء والتقدم التكنولوجي، حتى أصبح الاقتصاد الكوري اليوم، يحتل المرتبة الثالثة عشرة على مستوى العالم، والثالثة على مستوى آسيا.
ولد لي ميونج-باك عام 1941 لأسرة فقيرة في قرية بوهانج في كوريا الجنوبية. خلال طفولته عاش فقرا مدقعا حيث كان لا يتناول أثناء دوامه الدراسي سوى الماء؛ فأسرته لا تملك أن تعطيه وجبة إفطار. وعلى الرغم من أغلب الأطفال في قريته كانوا يلجأون للتسول لسد جوعهم، إلا أن أسرة لي ميونج علمته أن يعمل ويجتهد بدلا من الحصول على المال السهل من التسول، لذا فقد عمل لي ميونج في شتى الأعمال من بيع فاكهة على الأرصفة، لتنظيف الشارع، إلى بيع قطع الكعك التي تصنعها أمه في السوق ليتمكن من إعالة أسرته وتوفير مصروفاته الدراسية، وعلى مدار سنوات طويلة لم يكن يرتدي سوى نفس رداء المدرسة سائر يومه لأنه لم يكن يملك غيره.
وعلى الرغم من تفوقه في المدرسة، فإنه لم يتمكن من الذهاب إلى المدرسة الثانوية التي كان يحلم بها، لأنه كان يعمل من أجل توفير المصروفات الجامعية لأخيه الأكبر. فالتحق بمدرسة ثانوية تجارية ليلية، وكان يُعفى من الرسوم الدراسية بسبب تفوّقه.
وبعد تخرجه في المدرسة الثانوية التجارية، انتقل إلى سيول؛ حيث حاول الالتحاق بالخدمة العسكرية ليتخلص من حياة الشقاء، لكنه لم يجتز الفحص الطبي بسبب اعتلال صحته. ثم قرر أن يلتحق بكلية التجارة في جامعة كوريا عام 1961، وأن يعمل جامع قمامة لتوفير المصروفات الجامعية.
وخلال فترة الجامعة توسعت مداركه وبدأ يفكر في الناس والوطن وما يعنيان له. فرشح نفسه لرئاسة اتحاد الطلبة في كليته، وفاز بها، ثم شارك في حركة الثالث من يونيو عام 1964 الاحتجاجية الطلابية؛ الرافضة لسياسة تطبيع العلاقات مع اليابان، والمطالبة بإسقاط النظام المستبد وتطبيق الديمقراطية. فاعتقلته أجهزة الأمن، وحكم عليه بالسجن سنتين، لكنه خرج بعد أربعة أشهر بسبب الضغط الشعبي، ويعتبر باك فترة سجنه من أفضل فترات حياته؛ حيث ساعدته لأول مرة على التفكير بعمق دون معاناة من الجوع!.
بعد تخرجه في الجامعة، ازداد اهتمامه بالتجارة والاقتصاد؛ اعتقاداً منه بأن كوريا بحاجة إلى التركيز على هذين المجالين وتحسينهما. في تلك الفترة، كانت كوريا دولة نامية تتفشى فيها البطالة وتعجّ بالشبان المستائين؛ فالتحق بشركة هيونداي للهندسة والإنشاء عام 1965، موظفاً صغيراً؛ ونتيجة لجدّه ومثابرته وابتكاره في العمل، ترقّى بسرعة قياسية، إلى أن أصبح رئيسها التنفيذي وهو في الخامسة والثلاثين من العمر. وقضى لي ميونج-باك سبعة وعشرين عاماً في شركة هيونداي؛ حيث ساعد في تحويلها إلى مؤسسة عالمية ضخمة، وأنشأ لها أعمالاً في كثير من الدول الآسيوية، ولعب دوراً بارزاً في دخولها إلى منطقة الشرق الأوسط وغيرها، وكان يطلق عليه في الشركة وقتها لقب "البلدوزر" لنشاطه الفائق.
في 1992، استهل لي ميونج-باك حياته السياسة عضواً في الجمعية الوطنية؛ فقد قرر دخول الساحة السياسية؛ رغبةً منه في تطبيق ما تعلمه في عالم الأعمال على عالم السياسة، وإيماناً منه بأن ذلك سيعود بالفائدة على بلده.
وكان عازماً على إحداث تغيير حقيقي؛ لقناعته بأن إدارة الدول لا تختلف في جوهرها عن إدارة الشركات. وكان واثقاً بأنه سيوجد أسطورة جديدة إذا تمكّن من دمج ثقافة الشركات وممارساتها في السياسة.
وفي عام 2002 انتُخب عمدة لمدينة سيول، وفي عهده تحققت بعض المنجزات المهمة في تاريخ المدينة. وقد استمر في منصبه حتى عام 2006 . وفي ديسمبر 2007 ، منح فرصة جديدة لخدمة بلده، بانتخابه رئيساً لجمهورية كوريا. ومع أنه كان يدرك أن رئاسة الاقتصاد الثالث عشر الأكبر عالمياً تختلف كلياً عن شغل منصب رئيس تنفيذي لشركة أو عمدة مدينة، فقد واجه على الفور تحدياً صعباً ممثلاً في نشوب الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 ، وهي التي تعد أسوأ أزمة تضرب الاقتصاد العالمي منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين. فبعد أيام قليلة فقط على تسلمه مهمات منصبه، وجد نفسه مضطراً إلى الكفاح من أجل الحول دون غرق الاقتصاد الكوري. ومن خلال رئاسته لبلاده أسهم في التدابير التي اتخذها المجتمع الدولي؛ بهدف إيجاد حل لهذه الأزمة العالمية.
ويبدو أن هناك تماثلاً وتوازياً بين مسيرة لي ميونج-باك ومسيرة جمهورية كوريا الجنوبية نفسها؛ فهذا البلد الذي خرج من الحرب الكورية مدمراً ومعدماً، ثابر واجتهد وأطلق كل طاقات الشعب الكوري، حتى أصبحت كوريا الجنوبية اليوم، تمتلك اقتصاداً قوياً يحتل المرتبة الثالثة عشرة على مستوى العالم. وأصبحت تنتج أجهزة الهاتف المحمول وأشباه الموصلات، وتبني سفناً عملاقة وسيارات فارهة، إضافة إلى أعلى ناطحات السحاب في العالم وأطول الجسور. ولديها رياضيون وفنانون وموسيقيون وعلماء مشهورون على مستوى العالم. وقد حدثت هذه الإنجازات الملحوظة خلال الأعوام الستين الماضية، في الوقت الذي تتصارع فيه مع كوريا الشمالية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق