الأحد، 29 يناير 2012

إسلاميو مصر ومستقبل الإسلام السياسي.. رؤية تركية



أمل خيري

إسلام أون لاين


في الوقت الذي مثلت فيه الثورة الشعبية المصرية نقطة تحول فارقة في تشكيل مصير الشعب المصري، برزت على الساحة مخاوف من استبدال الحكم الديكتاتوري الفاسد بحكم إسلامي، بدأت تظهر إرهاصاته في النجاح الساحق للإسلاميين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

البعض بالطبع بالغ في مخاوفه، بينما قلل آخرون من هذه المخاوف واعتبرها من قبيل المبالغة. وفي الموقع الالكتروني للمنتدى العالمي World Bulletin حاول الكاتب التركي إسماعيل دومان نقل صورة محايدة للرؤى المختلفة حول مستقبل الإسلام السياسي بعد فوز الإسلاميين في مصر، في دراسته التي نشرها على الموقع في جزئين.

لماذا فاز الإسلاميون؟

استهل دومان دراسته باستكشاف العوامل التي وقفت وراء فوز الإسلاميين في الانتخابات الأخيرة، وذكر تعدد الآراء بهذا الصدد، وإن كانت هناك الكثير من النخب الليبرالية والعلمانية في مصر ترجع ذلك إلى تنظيم القوى الإسلامية مقابل عدم استعداد الفئة الثورية من الشباب لخوض الانتخابات، إلا أن دومان اعتبر ذلك من قبيل تسطيح الأمور؛ إذ أن الانتخابات قد تأجلت بناء على طلب هذه النخب لمدة تقارب العام لم تستطع خلالها القوى الثورية تثبيت أقدامها في الشارع المصري.

في المقابل، فإن التحليل الأكثر منطقية أن تنظيم هذه القوى هو فقط أحد هذه العوامل، بينما تتفاعل عوامل أخرى من بينها، المزاج العام للشعب المصري الذي يرفض الفكرة العلمانية، والذي يعتقد أن الحكومات العلمانية السابقة شهدت فسادا غير مسبوق، وأنه آن الأوان لتجربة شكل جديد من الحكم، خاصة أن الدولتين اللتين حققتا أكبر مكاسب اقتصادية في المنطقة وهما إيران وتركيا، تخضعان لحكم إسلامي.

وربما كان أيضا من عوامل نجاح هذه القوى الإسلامية، ما تتبناه من مواقف تجاه القضية الفلسطينية، وهي القضية الأهم بالنسبة للشعوب العربية. كل ذلك بالإضافة إلى انتشار هذه القوى في الأحياء والمناطق الريفية والحضرية سواء في المساجد أو الجمعيات الخيرية، خاصة في المناطق المحرومة، التي لم تجد اهتماما بمشكلاتها إلا من الإسلاميين على مدى العقود الماضية.

والأمر الأخير، أن القوى الغربية والإقليمية التي سعت حثيثا على مدى السنوات الأخيرة لمنع الإسلاميين من الوصول إلى الحكم -كما في حالة الجزائر أو فلسطين على سبيل المثال-، قد أدركت تماما أن الوضع اليوم مختلف جدا؛ فالأحزاب الإسلامية المنتخبة ترتكز على قاعدة قوية من الشرعية الشعبية التي لم تكن موجودة من قبل.

خريطة الأحزاب الإسلامية

يستعرض دومان خريطة لأهم الأحزاب الإسلامية في مصر، ومن ثم يركز على الحزبين الأكبر تأثيرا في الساحة، وهما حزب الحرية والعدالة –الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين-، وحزب النور –الخارج من عباءة الحركة السلفية-، ويلخص أهم المبادئ التي يرتكز عليها الحزبان.

فبالنسبة لحزب الحرية والعدالة، فقد تأسس رسميا في مايو 2011، وأعلن بوضوح التزامه بالدولة الحديثة والديموقراطية وحقوق المرأة، والوحدة الوطنية. وقد ضمت عضوية الحزب الكثير من النساء والأقباط.

ويدعم الحزب نظام الحكومة البرلمانية، على أساس أن مثل هذا النظام سيعمل على التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما يتبنى الحزب المساواة بين الأفراد أمام القانون، والعدالة الاجتماعية، والتضامن بين جميع أفراد المجتمع. وفيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية، فإن الحزب يدعم بوضوح الملكية الخاصة، والأعمال التجارية الخاصة، وحلول السوق الحرة، كما ينبغي أن يقتصر دور الدولة الاقتصادي على توفير مناخ استثماري صحي والحفاظ على البنية التحتية للبلاد.

بالطبع فإن قضية الدين والدولة تطرح نفسها بقوة في برنامج الحزب الذي يعلن صراحة التزامه بـ "الدولة المدنية"، التي لا يقودها الجيش أو رجال الدين، وفق مقاصد الشريعة الإسلامية.

وفيما يتعلق بالشأن الخارجي، يؤكد برنامج الحزب على أن "المشكلة الفلسطينية" تعد واحدة من القضايا الأكثر أهمية التي تتعلق بالأمن القومي المصري، ومن ثم يدعم الحزب حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس، فضلا عن تبنيه حق العودة. ومع ذلك يظل موقف الحزب يحيطه الكثير من الغموض بشأن مصير اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.

ينتقل دومان بعد ذلك إلى حزب النور ثاني الأحزاب الإسلامية شعبية في مصر، والذي تأسس في يونيو 2011. ويعد إنشاء هذا الحزب أحد أبرز منجزات الثورة؛ إذ ظل السلفيون غير مهتمين بالعملية السياسية قبل الثورة، إلا أنهم ما لبثوا أن تفتحت شهيتهم للممارسة السياسية فشكلوا حزبي النور والأصالة، وإن كان الأول هو الأكثر قوة.

برنامج الحزب يدعم حكومة برلمانية – رئاسية في آن واحد على غرار النظام الفرنسي الحالي. كما ينص على ضرورة إعادة توزيع الدخل والثروة بين الشعب المصري، وهذا يتناقض مع برامج معظم الأحزاب الرئيسية، والتي عادة ما تتبنى الدعوة لوضع حد أدنى لائق للأجور، دون إشارة صريحة إلى ضرورة إعادة توزيع الثروة.

ووفقا لبرنامج الحزب، فإنه ينبغي إدارة الاقتصاد الوطني بما يتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وبالتالي يجب إلغاء كل التشريعات التي تنظم القطاع المصرفي والتمويل، والتي تقوم على الفائدة المحرمة في الإسلام. وتحتل الهوية جانبا هاما من برنامج الحزب، الذي يؤكد على تطبيق الشريعة بطريقة تدريجية تتناسب وطبيعة للمجتمع.

ومن الغريب أن قسم العلاقات الخارجية في البرنامج الانتخابي لحزب النور شديد الإيجاز، ويؤكد على التزام واسع النطاق بتعزيز دور مصر الإقليمي والدولي، وتحسين علاقاتها مع البلدان المجاورة. ولا يوجد ذكر لموقف الحزب تجاه الحقوق الفلسطينية أو معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، على الرغم من التشديد على أهمية احترام المعاهدات والاتفاقيات القائمة. وإن كانت أحد التصريحات الصادرة من بعض قيادي الحزب قد أشارت إلى معارضة إلغاء معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، مع الدعوة إلى مراجعة بعض أحكامها، مع التعهد بعدم أخذ قرار بشأن مستقبل المعاهدة إلا من خلال استفتاء وطني.

مخاوف من انتصار الإسلاميين

نأتي الآن إلى الجزء الأهم من دراسة دومان، التي ركز فيها على أبرز المخاوف من انتصار الإسلاميين، فهناك من يرى أن فوز الإسلاميين يهدد مستقبل السلام مع اسرائيل والتعاون مع أمريكا. وهناك من يخشى ظهور حكومة اسلامية شعبية، تبدد كل جهود النخب العلمانية المستندة على الدعم الغربي. وتأتي بالطبع التخوفات الغربية من تقييد حقوق المسيحيين، ويبالغ البعض في القلق من ظهور طالبان أخرى أو إيران جديدة في مصر.

على النقيض من هذه المخاوف، نجد خطاب الأحزاب الإسلامية هادئ جدا؛ فقد أكد حزب الحرية والعدالة أكثر من مرة، على أن الإخوان المسلمين إذا قدر لهم تشكيل حكومة فستكون حكومة ائتلافية واسعة قدر الإمكان، وذلك عن قناعة تامة وليس فقط لمجرد تهدئة التيارات الليبرالية والعلمانية، فضلا عن الأقباط والجيش في مصر.

كما صرح المتحدث باسم حزب النور بتفضيله للنموذج الاقتصادي البرازيلي، نافيا أي توجه نحو نموذج ديني، مؤكدا أن الشعب المصري لن يسمح لأي حزب بممارسة الديكتاتورية وفرض الرأي. كما يرغب الحزب في تعاون أقوى وأشمل مع تركيا.

وهناك العديد من التصريحات المشابهة من قبل حزب الحرية والعدالة، في الإشارة إلى تركيا، لذا كان لابد من النظر في واقع النموذج التركي، من أجل فهم هذه التصريحات من جانب الإسلاميين في مصر.

النموذج التركي

هناك تلازم بين النموذج التركي وحزب العدالة والتنمية الذي يستلهم كثير من الإسلاميين تجربته. ويمكن القول أن أبرز مبادئ الحزب فيما يتعلق بالسياسات الداخلية تتلخص في الحفاظ على نمط حكومة علمانية وديمقراطية في مجتمع يشكل المسلمون الغالبية الساحقة فيه. ووفقا للحزب فإن العلمانية تعني أن على الدولة أن تقف على مسافة متساوية من جميع الأديان، وأن يتم تقييم الحكومات المنتخبة وفقا لأدائها في السلطة، وتعزيز فكرة أن الحكومة ستبقى في السلطة طالما ضمنت الرخاء العام للشعب.

وفيما يتعلق بالسياسات الخارجية، فإن فكرة حزب العدالة والتنمية ترتكز على الرغبة في بناء علاقات تعاون مع الجهات الخارجية تقوم على التعاون المتبادل والمصالح الاستراتيجية المشتركة، مع ارتداء النظارة الأيديولوجية قدر الإمكان بخصوص التطورات الخارجية وتحديد أولويات ودوافع التحرك الذي يجب ألا يخلو من الواقعية.

إذن يمكن القول أن اعتماد الواقعية والنهج العملي قد ساعدا تركيا على إضفاء الطابع المؤسسي على النظام الإقليمي والعالمي على أساس الشرعية والمساواة، كما أصبح تعريف المصلحة الوطنية مزيجا من الرخاء والأمن في الداخل والخارج.

ومع ذلك فإن مصطلح النموذج التركي لا يعني أبدا أنه يمكن تطبيق هذه السياسات الداخلية والخارجية على النحو المذكور أعلاه تلقائيا في بلدان الشرق الأوسط. في التحليل النهائي، هناك تباين في الديناميات الداخلية، وكل دولة لديها تصورها الخاص بها. على سبيل المثال، في بعض البلدان (مثل مصر)، من الواضح أن هناك رغبة شعبية عارمة في أن يكون للدين دور بارز في الحياة الاجتماعية والسياسية.

أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية التركية، فيعتقد الكثير من المحللين أن النموذج التركي يمكن أن يكون ملهما جدا لحالة مصر، فقد أظهرت تركيا أنه من الممكن أن تكون الدولة ديمقراطية، وفي نفس الوقت لديها علاقات جيدة مع الغرب، ومواقف قوية تجاه السياسات الإسرائيلية الظالمة. ويتوقع البعض أن تلعب مصر دورا إيجابيا في دمج الحركات الإسلامية في الهياكل السياسية في المنطقة، وأن تقدم الأحزاب الإسلامية في مصر نموذجا قد يلهم دول أخرى في المنطقة.

وإن كان البعض يرى في النموذج التركي نجاحا تمثل في أن تركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية المحافظ، قد تمكنت من تحقيق الإسلام والديمقراطية معا، إلا أن هناك من يرى أن السيطرة العسكرية التي تضاءلت على مدى السنوات الثماني الماضية، اقترنت بتكثيف سيطرة الشرطة التي أصبحت أكثر عنفا ضد الاحتجاجات المؤيدة للدعوة إلى إصلاحات السوق الحرة، كما اقترنت بتركيز القوة في يد السلطة التنفيذية، وهو ما لن يقبله المصريون في الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار الاحتجاجات الشعبية.

الوجه المتغير للإخوان

حين نتحدث عن النموذج التركي فليس الأمر من قبيل الصدفة؛ إذ أن هذا النموذج يمثل تجربة حية للوجه المتغير للإسلام السياسي في الفترة الماضية. فقد دخل الإسلاميون الساحة السياسية في تركيا مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد سلسلة من التحولات الفكرية من الراديكالية إلى الاعتدال. وبالطبع فإن هذه التجربة تستدعي فورا ما طرأ على جماعة الإخوان المسلمين في مصر من تحولات فكرية أيضا.

فحين تأسست الجماعة عام 1928، كانت البديل الأكثر قوة للأحزاب القومية العلمانية الهشة التي كانت قائمة في ذلك الوقت الذي كانت مصر واقعة فيه تحت الاحتلال البريطاني. وهنا بشر حسن البنا –مؤسس الجماعة- بالأصولية الإسلامية، ودعا إلى قيام دولة إسلامية غير معزولة عن التقنيات الغربية الحديثة الخاصة بالتنظيم السياسي والممارسة الديمقراطية. وفي غضون سنوات قليلة أصبحت الجماعة لاعبا أساسيا في السياسة المصرية.

إلا أن الجماعة أصبحت أكثر عنفا في معارضتها للبريطانيين قبيل الحرب العالمية الثانية، وشاركت في إسقاط الملكية، إلا أنها ما لبثت أن تعرضت للقمع في عهد عبد الناصر.

وفي ظل حكم مبارك استمرت الجماعة الأكثر معارضة للنظام رغم الاعتقالات الموسعة والتضييق الأمني، ومع ذلك ظلت على منهجها في نبذ العنف، حتى أنها تعرضت للانتقاد الشديد من قبل إسلاميين أكثر راديكالية كأيمن الظواهري، وتمسكت بتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية للشعب المصري.

شهدت الجماعة أيضا تحولا هاما في خطابها السياسي، وتبنت مفردات أكثر توافقية، منها على سبيل المثال، التحول في تبني مفهوم الدولة من "دولة إسلامية"، إلى "دولة مدنية ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية". ويرى كثير من المحللين أن جماعة الاخوان المسلمين في مصر هي الحركة الإسلامية الأكثر قدرة على الممارسة الديمقراطية.

وتولي جماعة الإخوان المسلمين اهتماما كبيرا بالعلاقات الخارجية، لما لها من دور في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين وضع مصر الاقتصادي. وكل ذلك يستلزم تعزيز التجارة مع أوروبا والولايات المتحدة، ومن ثم فالجماعة في حاجة إلى تطوير علاقات قوية مع الدول التي تستطيع المساعدة في إعادة بناء اقتصاد الدولة.


الأحد، 15 يناير 2012

الإسلام والعلمانية في أوزبكستان: احتواء الدين لتقوية الدولة

أحدث دراسة فرنسية تقترب من وضع الإسلام في آسيا الوسطى

أمل خيري

إسلام أون لاين


منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي السابق، كان للدين دوره البارز في عملية تكوين الأمة في أوزبكستان. فالحكومة اليوم تتبنى الإسلام كتراث وطني وتوجيه أخلاقي، وهذا ربما يعني تصاعد النشاط الإسلامي، ولكنه قد يعني أيضا بعد عدة سنوات من الاضطرابات في مواجهة التشدد الديني، منذ التسعينيات من القرن العشرين، مزيدا من تشديد الرقابة
الحكومية على التعليم والشعائر الدينية.
وفي ظل افتقار المجتمعات الإسلامية تاريخيا - بالنسبة لأغلب هذه المجتمعات- إلى هيئات دينية مركزية، فإن التطورات السياسية التي شهدها القرن الماضي، مع ظهور تيارات راديكالية تسعى لإحياء الإسلام، دفعت الحكومات في البلدان الإسلامية إلى الشعور بالحاجة إلى مزيد من السيطرة المركزية على الدين.
وحول هذا الموضوع كتب هنريك أولسون Henrik Ohlsson دراسة بعنوان "الإسلام والدولة العلمانية في أوزبكستان:سيطرة الدولة على الدين وآثارها على فهم العلمانية"[1]، والتي نشرت بالعدد الأخير والخاص من مجلة آسيا الوسطى[2] Cahiers d’Asie central، الصادرة عن المعهد الفرنسي لدراسات آسيا الوسطى، وجاء العدد الخاص بعنوان "تعريف الهوية".
وتهدف الدراسة إلى التعريف بالهياكل الرسمية التي تتحكم في الدين في أوزبكستان المعاصرة، وكيف يمكن فهم العلمانية في ضوء هذا التحكم. وقد صاغ أولسون السؤال المحوري لدراسته على النحو التالي: هل هي بداية لبلورة شكل جديد من أشكال تقديس الإسلام داخل إطار الدولة القومية؟ وبشكل أكثر تحديدا، هل مؤسسات الدولة في أوزبكستان أصبحت دينية، أم أنها ما زالت جزءا من هيكل الدولة العلمانية؟
ما هي العلمانية؟
يستهل أولسون دراسته بمحاولة تحديد المعنى الأساسي لكلمة العلمانية، وينطلق من أبسط التعريفات والتي انتشرت على نطاق واسع، وتختصر العلمانية في أنها تعني درجة من الفصل بين السلطتين السياسية والدينية. ومن ثم فإن الكاتب يؤكد على التفرقة بين ثلاثة مفاهيم مختلطة، العلمانية كأيديولوجية secularism، والعلمانية كتطبيق secularity (أي كسمة للمجتمعات أو الأفراد أو المؤسسات)، والعلمنة secularization (أي العملية الاجتماعية التي تجعل المجتمع يتجه بشكل متزايد نحو العلمانية).
وهنا يبرز الفارق الأساسي بين المجتمعات المسلمة والمسيحية؛ إذ تفتقر الأولى لهياكل دينية مركزية، وهي الأساس الذي تقوم عليه فكرة العلمانية كما ظهرت في الغرب المسيحي الكاثوليكي الذي شهد نوعا من الاحتكار الديني للكنيسة، وظهور قوى علمانية تميل إلى المواجهة المباشرة مع الكنيسة، مما ولد رغبة في إقصاء الدين، فيبدو الأمر كما لو كان هناك نزاع بين سلطتين مركزيتين. ومن ثم فإن المجتمعات المسلمة لم تشهد مثل هذا النزاع لغياب هياكل دينية مركزية، وبالتالي تنتفي الحاجة لظهور فكرة العلمانية. وهو نفس ما حدث في المجتمعات البروتستنتية التي شهدت درجة من التعددية سمحت بتشكيل تحالفات بين قوى سياسية مختلفة، ومن ثم لم يكن الدين في مواجهة السلطة السياسية.
وقد أنتجت التجارب التاريخية المختلفة لعلمنة المجتمعات مجموعة متنوعة من الأشكال التي قد يبدو بها المجتمع علمانيا، فضلا عن تنوع تفسيرات مفهومالعلمانية في سياسات الحكومات المختلفة. وفي هذا السياق ناقش أحمد كوروAHMET T. KURU [3] هذه المسألة باستخدام مصطلحي العلمانية السلبية والعلمانية الإيجابية، وذلك على النحو التالي:
فالعلمانية السلبية تعني الحياد السلبي من الدولة تجاه الديانات المختلفة، والسماح بحضور عام للدين في المجتمع، أما العلمانية الإيجابية فتعني تفضيل الدولة للنظرة العلمانية في الحياة العامة، وسعيها إلى حصر الدين في المجال الخاص. والمثال العملي على العلمانية السلبية الولايات المتحدة، في حين تعبر تركيا بعد أتاتورك عن الديمقراطية الإيجابية. والنموذج الآخر للعلمانية الإيجابية يتمثل في فرنسا، التي تسعى بقوة لتحجيم دور الدين في المجتمع، وحصره في المجال الخاص، وهو ما ظهر مؤخرا في حظر النقاب والرموز الدينية في المدارس.
وكما شهد العالم المسيحي تحولا من الاحتكار الديني إلى مزيد من التنوع، يتوقع أولسون أن تشهد المجتمعات المسلمة توجها معاكسا، نحو الاحتكار الديني بعد مرحلة من التنوع، إذ يعتقد أن هناك اتجاه عام نحو درجات مرتفعة من سيطرة الدولة على الدين في المجتمعات المسلمة، وهو الأمر الذي يستحق الاهتمام.
آسيا الوسطى
ينتقل أولسون من هذه المقدمة إلى تناول الوضع في منطقة آسيا الوسطى التي تشترك في بعض الخبرات مع غيرها من البلدان المسلمة، ولكنها نتيجة لوقوعها سبعة عقود تحت السيطرة السوفيتية تميزت ببعض الخصوصيات التي جعلتها تختلف عن بقية العالم الإسلامي. ففي فترة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، تشاركت المجتمعات المسلمة في وسط آسيا بعض السمات المشتركة مع المجتمع البروتستنتي، الذي تميز بنوع من التعددية وغياب احتكار الدين، ومن ثم لم تشهد هذه المجتمعات سيطرة مركزية للدين.
وفي أعقاب الثورة الروسية عام 1917، حاول البلاشفة بكل ما أوتوا من قوة تصدير العلمانية بالمفهوم الغربي إلى مجتمعات آسيا الوسطى، بل وأنتجت نمطا علمانيا فريدا من نوعه، وذلك نتيجة تبني معظم العلمانيين السوفيت لنوع من العلمانية الإيجابية المفرطة – أكثر بكثير من تركيا أو فرنسا- التي أصبحت جزءا من أيديولوجية الدولة السوفيتية، والتي لم تقنع بمجرد حصر الدين في المجال الخاص، بل سعت لوضعه تحت سيطرة الدولة، وتمثل الهدف النهائي في القضاء التام على الدين من عقول الناس، عبر الترويج لمقولة "الدين أفيون الشعوب"، وتعريف الدين في المصطلحات الماركسية اللينينية على أنه "الوعي الزائف" الذي يشكل عقبة أمام التقدم الاشتراكي.
وعلى الرغم من بعض المحاولات السوفيتية الجادة لإلغاء الدين -خصوصا في العقدين الأولين بعد الثورة- فإن الدولة في نهاية المطاف اضطرت إلى الاستسلام لتشكيل هيئات مركزية للسيطرة على الدين.
الإحياء الديني في أوزبكستان
بعد الاستقلال، طمحت الحكومة الأوزبكية في إحياء التقاليد الاسلامية، إلا أن أوزبكستان –دستوريا- لا تزال دولة علمانية. فالدستور الأوزبكي منذ عام 1992 ينص على وجوب فصل الهيئات الدينية عن الدولة، وعلى أن الدولة يجب ألا تتدخل في الشئون الدينية، وفي نفس الوقت فإن الدولة لديها هيكل ديني رسمي دقيق. فالإدارة الروحية لآسيا الوسطى وكازاخستان (كان يطلق عليها SADUM في الحقبة السوفيتية) ما تزال قائمة، لكن تم إصلاحها وأعيد تسميتها بمجلس مسلمي أوزبكستان.
ومن الواضح أن التطورات التي حدثت في فترة ما بعد الاستقلال، قد أجبرت جميع الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى على إعادة النظر في هذه السياسات الدينية إلى حد ما. ومع ذلك، تباينت مواقف مختلف البلدان مع بروز التطرف الإسلامي وتدفق الأفكار المتشددة من الشرق الأوسط وباكستان؛ ففي طاجيكستان اندلعت حرب أهلية في التسعينيات من القرن العشرين، والتي لعب فيها حزب النهضة الإسلامي دورا فاعلا. وقد نصت معاهدة السلام التي أنهت هذه الحرب على نوع من تقاسم السلطة، تضمن بعض النفوذ لحزب النهضة في البرلمان. ومن وقتها أصبحت الأحزاب السياسية القائمة على أساس الدين تتمتع بحضور قوي في البلاد، بينما تحظر في باقي دول آسيا الوسطى المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق.
فقد سعت الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى إلى إعادة إنتاج نفسها كدول قومية. وكان الوعي الوطني والقومي قد بدأ يتزايد بالفعل في الحقبة السوفياتية. ومن أجل تجنب الحالة التي تصبح فيها الوطنية أو القومية عائقا في طريق الاشتراكية، تبنى الحزب البلشفي استراتيجية مفادها "وطنية في الشكل، اشتراكية في المضمون". مما عزز من الوعي الوطني لمختلف الشعوب في إطار الاتحاد السوفيتي، ولكن بطريقة مسيطر عليها وذلك لتجنب ظهور أشكال عدوانية من القومية.
وأحد المسائل التي أولاها الاتحاد السوفيتي السابق أهمية -على الأرجح- كانت مواجهة ظهور النزعة القومية التركية، والتي تشكل تهديدا لوحدة للدولة السوفيتية. وقد كانت هذه السياسة فعالة حتى أنه بحلول نهاية الحقبة السوفيتية، ظهرت في الواقع نسخة أقرب إلى "اشتراكي في الشكل، ووطني في المحتوى".
وهكذا، فإن الأرضية اللازمة لتشكيل الدول القومية قد ظهرت بالفعل قبل وقت طويل من الاستقلال، ولكن مع الاستقلال صعدت النزعة الوطنية إلى مستوى جديد. فقد نشأت دساتير جديدة تعتمد اللغات المحلية لغات رسمية للبلاد، بل واحتلت المسائل الدينية أهمية كبيرة على نحو فاجأ حكومات هذه الدول التي ظلت جزءا من الهيكل السياسي السوفيتي العلماني (بل والملحد في بعض الأحيان).
وعلى الرغم من أن الأوزبك يشكلون الغالبية العظمى من السكان في أوزبكستان، فإن هناك عدد من الأقليات، خصوصا الطاجيك والروس والقوزاق، وقد منحت هذه الأخيرة منطقة تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال غرب البلاد. في الوقت نفسه فإن90 ? من السكان في أوزبكستان هم من المسلمين السنة. في ظل هذه الظروف أصبح الإسلام نقطة تجمع طبيعية لهوية جماعية جديدة.
من الانفتاح إلى الحظر
في مطلع التسعينيات من القرن العشرين تدفق عشرات الدعاة الإسلاميين الأجانب على وسط آسيا، في محاولة لاغتنام الفرصة لإعادة هذه البلدان إلى الأمة المسلمة، بعد أن عانوا طويلا في ظل نظام ملحد، وجاءت أكبر مجموعات من الدعاة من تركيا والجزيرة العربية خاصة السعودية. وشملت البعثات التركية حركات صوفية بهدف إعادة إحياء الطرق الصوفية -وعلى رأسها النقشبندية- في موطنها الأصلي.
كما انتشرت أيضا النورسية -وهي حركة إسلامية معتدلة تعود إلى سعيد النورسي- ولكن هذه المرة عن طريق فتح الله جولن أحد تلاميذ النورسي، الذي أنشأ حركة أخرى تحمل اسمه تستوحي الأفكار الصوفية مع مزيج من الحداثة. وقد سعت حركة "فتح الله جولن" بقوة للانتشار في آسيا الوسطى، عن طريق المدارس والمؤسسات التجارية والدعوية والمطبوعات والوسائل الإعلامية، وعلى الرغم من ذلك فقد أغلقت الدولة في أوزبكستان الطريق في وجه هذه الحركة بعد عدة سنوات من العمل، بحجة نشرها المذهب الوهابي المتشدد المتعارض مع التقاليد الإسلامية المحلية والسياسات الحكومية.
فبعد أن رحبت حكومات آسيا الوسطى في البداية بالبعثات الدعوية، سرعان ما أصبحت في نظرها مشبوهة، وقلقت بشأن أهدافها، وخشيت من مخاطر الاضطرابات التي قد تنجم عن الأفكار الدينية المتطرفة. لذا فقد اتخذت الحكومة الأوزبكية موقفا صارما خشية تكرار ما حدث في طاجيكستان المجاورة، خصوصا مع ظهور بعض التطورات على الجبهة الداخلية.
ففي عامي 1992 و1993 قامت الحكومة بطرد حوالي خمسين داعية سعودي من أوزبكستان. وفي عام 1994 قامت بحظر صحيفة "زمان" -الصحيفة التي تصدرها الحركة النورسية التركية-، كما أغلقت مدارس جولن في 1999. كما اضطرت كثير من الطرق الصوفية إلى انهاء أنشطتها في البلاد. وعلى الرغم من التعاطف الرسمي من الحكومة التي تصرح بأن التصوف جزء من التقاليد الوطنية، إلا أنه يبدو أنها تريد للتصوف أن يقتصر على المستوى الفكري، دون أن يتحول إلى قوة تنافس السلطات الرسمية.
ومما يثير الدهشة أنه في السنوات القليلة الماضية كان التواجد التبشيري الأجنبي الوحيد في أوزبكستان ينحصر في الجماعات المسيحية الإنجيلية المختلفة التي ازداد قلق الحكومة منها في الآونة الأخيرة، ليس من منطلق الخوف من أن الكثير من أفكارهم قد تؤدي إلى الإرهاب، بل من منطلق تعارض هذه الجماعات مع القيم العامة، فهذه المجموعات لا تعتبر جزءا من الثقافة الوطنية كالأقليات الدينية الأخرى (اليهودية والمسيحية الرثوذكسية الروسية)، بل تعتبر دخيلة على المجتمع.
انتفاضة يولداش
في عام 1992، في مدينة نمنكان في وادي فرغانة، قامت مجموعة من الشباب المتشدد اسلاميا بالاستيلاء على مقر محلي للحزب الشيوعي السابق. وأجبروا الرئيس كريموف على الحضور إلى نمنكان، وهو ما فعله، واستمع إلى عدد من المطالب، بما في ذلك إقامة دولة إسلامية في أوزبكستان، واعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للتشريع.
وقد تشكلت في نمنكان منظمة الشباب المتشددة باسم "العدالة"، تحت قيادة الإمام الشاب طاهر يولداش الذي تلقى تعليمه في الجامعات الإسلامية في السعودية وتأثر بالفكر الوهابي، وبقيادة هذه المنظمة انتشرت انتفاضة اسلامية في جميع أنحاء وادي فرغانة -وهي منطقة معروفة حتى في زمن الاتحاد السوفيتي بكونها معقل الحركات الإسلامية- وقامت هذه الانتفاضة بتحدي الحكومة علنا، وأعربت عن أملها فى إسقاط نظام كريموف. ومع ذلك بقي نظام كريموف الذي ضرب بيد من حديد على هؤلاء المتشددين الاسلاميين، الذي اضطر الكثير منهم إلى مغادرة البلاد والانضمام إلى الحركات الجهادية في طاجيكستان وأفغانستان. وكان ذلك بداية عصر من التحول نحو مزيد من سيطرة الحكومة على الدين.
الهيكل الديني الرسمي في أوزبكستان
واحدة من المشاكل التي تواجهها العلمانية في أوزبكستان تتمثل في تصنيف علمانية الحكومة، وهل هي نوع من العلمانية السلبية أم الإيجابية. فالدستور يبدو أنه يعزز الحياد الديني في الدولة ولكن منذ اعتماده، وضعت الدولة العديد من الأدوات القانونية الأخرى التي تتعامل مع التطرف الديني، مثل التعديلات على قانون العقوبات.
ومن أجل الوصول إلى قبضة قوية على النشاطات الدينية في البلاد، أقامت حكومة أوزبكستان هيئات دينية تستند جزئيا على الهياكل القائمة من قبل في الحقبة السوفيتية. وجعلت هذه الهيئات تحت إدارة مجلس الوزراء (الحكومة) مباشرة، وعلى رأسها لجنة الشؤون الدينية (CRA)، التي تتألف من خبراء في مختلف المجالات، والتي تشرف على جميع الأنشطة الدينية في البلاد. وباستثناء الإسلام، هناك (16) ديانة معترف بها رسميا في أوزبكستان، وأكثر من 2000 منظمة دينية مسجلة، والتي يجب أن تحصل على ترخيص من اللجنة.
ونظرا لكون الإسلام ، يشكل دين غالبية السكان، فبطبيعة الحال يتمتع بموقف متميز، إذ يجب أن تكون جميع المساجد ومؤسسات التربية الإسلامية تابعة لمجلس مسلمي أوزبكستان، وهو هيئة تمثيلية تتكون من الأئمة والشيوخ من جميع مناطق البلاد. ويشرف المجلس أيضا على إعادة بناء وصيانة المساجد والأماكن المقدسة مثل المقابر وأضرحة الأولياء المختلفة. والأيديولوجية الرسمية لهذا المجلس هي الإسلام السني الحنفي -على الرغم من وجود أقلية صغيرة من الشيعة الإسماعيلية-، ويرأس هذا المجلس المفتي الذي يتم ترشيحه منن قبل المجلس، بشرط موافقة الحكومة عليه.
وكل هذه الممارسات الحكومية تدل في نظر أولسون على توجه نحو مزيد من التدخل الحكومي في القضايا الدينية مما قد يفيد في فهم نظرة الحكومة الأوزبكية للعلمانية، والتي قد تبدو نوعا من السيطرة والهيمنة على الدين لصالح تقوية النفوذ الحكومي على حساب احتواء الدين.


[1] Henrik Ohlsson, « Islam and Secular State in Uzbekistan: State Control of Religion and its Implications for theUnderstanding of Secularity », Cahiers d’Asie centrale , 19-20 / 2011, mis en ligne le 01 janvier 2012.
[2] يمكن الاطلاع على محتويات هذا العدد على الرابط التالي:
http://asiecentrale.revues.org/index1343.html
[3] أستاذ مشارك، بقسم العلوم السياسية (ومركز الدراسات الإسلامية والعربية)، جامعة ولاية سان دييغو الأمريكية، ومؤلف كتاب "الديمقراطية والإسلام والعلمانية في تركيا"، وكتاب "العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين: الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا".


رابط النشر:
http://www.islamonline.net/ara/article/1304971289338


الأربعاء، 5 أكتوبر 2011

يوميات صحفية من منازلهم ..الحلقة السابعة


في العمل عن بعد تجنبي الاستنساخ
أمل خيري

أحيانا ما تواجه العاملات عن بعد بعض الإحباطات أو شعورا بعدم الانجاز أو الفشل، ويعود ذلك بالتأكيد لأسباب كثيرة لكن هناك آفتان رئيسيتان لا يمكن تجاهلهما وهما المقارنة والتقليد.

فالمقارنة بالآخرين الذين حققوا نجاحا قد يجعلك تصابي باليأس والإحباط، ومحاولة محاكاة تجارب الغير عن طريق استنساخها كما هي كذلك قد توقعك في الفشل الذي يولد مزيد من الإحباط واليأس.

لا تظلمي نفسك بمقارنتها بالآخرين، لا تقولي زميلتي تدير مشروعا منزليا بطريقة أكفأ مني، أو زميلتي الأخرى تنجز أعمالا من المنزل أضعاف ما أنجزه أنا، وذلك لعدة أسباب. أولها أن كل إنسان له ظروفه ومشكلاته وتحدياته التي يواجهها.

اعملي لتعيشي


وصلتني عدة رسائل من زميلات تركن العمل الوظيفي وبدأن العمل من المنزل، والآن يشعرن بالتوتر، لأن الوقت يضيع بسبب الأولاد، فلا يستطعن انجاز نصف أو ربع ما كن ينجزنه أثناء الوظيفة، لأن طلبات الأولاد لا تنتهي، خاصة الصغار منهم، بينما كن فيما سبق يذهبن بأطفالهن للحضانة أثناء فترة العمل.

لهؤلاء الزميلات أقول كما يروى في الأثر "كل لتعيش ولا تعش لكي تأكل"، يمكننا القول "اعمل لتعيش لا تعش لكي تعمل"، فلا تجعلي العمل يطغى على مهامك الأخرى، خاصة أطفالك الذين قررت ترك العمل من أجلهم، أو على استمتاعك بالحياة فالعمل مجرد وسيلة لا غاية في حد ذاته، فلا تتركيه يسبب لك الشعور بالضغط أو التوتر.

وكما قررت ذات يوم أن تتركي الوظيفة لتسببها في ضغوط نفسية عليك، قد تجدين نفسك تقررين ترك العمل من المنزل لفترة ما إن كانت تسبب لك ضغوطا مماثلة. على أن تعودي وتتابعي العمل مرة أخرى. كل ما في الأمر أن فرصتك في الحصول على إجازة راحة من العمل عبر المنزل أفضل من الوظيفة بدوام كامل لأنك كما اتفقنا من قبل رئيسة نفسك.

لا تتوقعي أن تعملي بنفس طاقتك وأنت لديك طفل حديث الولادة، أو أن يكون معدل انجازك وأطفالك صغار مثل أم أخرى اجتاز أبناؤها مرحلة الطفولة المبكرة، ودخلوا في طور المراهقة والاعتماد على النفس. ظروف أخرى قد تجعل معدل انجازك أقل سواء لمعاناتك من مشكلات صحية مزمنة أو كثرة عدد الأبناء، أو كون أحدهم يعاني من مشكلات خاصة، أو كونك ترعي أحد والديك في البيت، أو ربما حتى مدى تقبل زوجك لفكرة عملك ومقدار تشجيعه لك أو إعاقتك.

فيجب أن تتوقفي عن لوم نفسك ومقارنتها بالآخرين فلكل ظروفه التي لا يتشابه فيها مع غيره، والمقارنة في حد ذاتها قد تفسد العمل وقد تجعلك تشعرين بالفشل رغم أنك تحققين نجاحا معقولا مقارنة بظروفك فربما تقررين حينها عدم المواصلة مع أنك لو انتظرت قليلا حتى تتغير الظروف لتحسنت أحوالك كثيرا.

كوني نفسك!

هناك سبب آخر يجعلك تبتعدين عن مقارنة نفسك بالآخرين لأنه مضيعة للوقت والجهد والتفكير فيما لا طائل منه، فكل شخص منا يتفرد في إمكاناته ومواهبه وقدراته. وهذه القدرات والمواهب لا تظهر فجأة، وإنما يفتش كل منا في نفسه عن مواهبه التي نشأ معها وينقب عن معارفه ومهاراته وقدراته، والتي قد تكون في تصميم مواقع الانترنت أو التسويق الالكتروني أو الترجمة أو الكتابة، أو مشروعات منزلية صغيرة.

وأريد التأكيد على ذلك لأن هناك المئات من الرسائل وصلتني من فتيات وسيدات لا علاقة لهن سابقة بالعمل الصحفي أو الكتابة، وبمجرد متابعتهن لهذه اليوميات اعتقدن أن مهنة الكتابة هي الوحيدة التي يمكن ممارستها عن بعد، وأن الأمر لا يستحق سوى تعريفهن ببعض المؤسسات الصحفية فيصبحن هكذا وبدون مقدمات صحفيات عن بعد أو كاتبات ومحررات في المواقع الالكترونية.

وذلك طبعا دون اعتبار لمدى توافر الموهبة اللازمة أو الخبرات والدراسات الضرورية للعمل الصحفي، بل هناك من لم تمسك قلما في حياتها بل ولا تستطيع صياغة جملة واحدة وتريد أن تصبح صحفية عن بعد!. ولو نظر كل شخص في نفسه لوجد طاقات ومواهب وقدرات كامنة ما عليه سوى أن ينقب عنها ويصقلها بالمعرفة والتدريب والخبرة، فكوني نفسك ولا تقلدي غيرك الذي قد يختلف عنك في خبراته وقدراته.

لا تقولي لماذا نجحت غيري في مشروعها المنزلي ولم أوفق أنا في تنفيذ نفس المشروع، فربما تكوني اخترت المشروع الخطأ أو الوقت غير المناسب أو لم تحسني استثمار مهاراتك وربما لم تقومي بعمل دراسة جدوى مستفيضة قبل شروعك في التنفيذ. نفس الأمر ينطبق على نجاحات الآخرين في مجالات مختلفة في العمل عن بعد.

ابتكري ولا تحاكي

إحدى صديقاتي علمت نفسها بنفسها مبادئ صيانة الكمبيوتر وبدأت تجاربها في إصلاح أجهزة بعض الأقارب والجيران والأصدقاء وبعد مرور عدة سنوات عانت فيها بالطبع من كثير من المشكلات، من بينها عدم أخذ الكثيرين لعملها مأخذ الجد وتهكمهم عليها. ولكنها بإصرارها نجحت اليوم في إنشاء شركة صغيرة تديرها من المنزل لصيانة أجهزة الكمبيوتر، وتراجع من كانوا يسخرون منها عن مواقفهم وهناك من تريد أن تكرر تجربتها بحذافيرها بالنظر إلى ما انتهت إليه من نجاح دون النظر إلى البدايات فأحيانا تصقل المتاعب والمشكلات المواهب وتخرج الطاقات الكامنة.

ابتعدي عن استنساخ تجارب الآخرين دون النظر للظروف والإمكانات والقدرات والمهارات، وليس معنى نجاح إحداهن في عمل ما أنه يصلح للتكرار بالنسبة للجميع.

وقد تتوصلين أنت لابتكار وظيفة جديدة عن بعد لم يتوصل لها أحد من قبل وتحققين من النجاح ما لم يحققه غيرك، فتوقفي عن المحاكاة والتقليد العشوائي وبالتأكيد سيوفقك الله لما يناسبك، وتذكري أن مقياس نجاحك في العمل من المنزل أو عن بعد يختلف عن مقاييس نجاحك الوظيفي، وهو ما سنتناوله في حديث آخر.

الأحد، 4 سبتمبر 2011

خطة أمريكية لغزو إعلامي في ثوب جديد

في دراسة جديدة لـ"معهد بروكينز" حول العلاقة بين واشنطن والعالم الإسلامي

خطة أمريكية لغزو إعلامي في ثوب جديد؟

أمل خيري

إسلام أون لاين ـ القاهرة

لسنوات عديدة ظلت العلاقة بين الإسلام والولايات المتحدة محكومة بالقوالب النمطية التي يكرسها الإعلام في كلا الجانبين، لاسيما في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي ساهمت في تنميط صورة كل طرف لدى الطرف الآخر.

فالصورة النمطية للمسلم في الإعلام الغربي تتمثل في رجل إرهابي يرتدي عمامة ويطلق لحيته ويقوم بتفجير الطائرات ونسف المباني العامة وقتل المدنيين، بينما تظل الصورة النمطية للأمريكي في الإعلام الإسلامي تتركز حول الرجل الإمبريالي الذي يسعى لنهب ثروات العالم الإسلامي ونفطه، ويعمل على غسل أدمغة الشعوب الإسلامية لفرض ثقافة الكاوبوي على هذه المجتمعات.

والمشكلة في هذه الصور النمطية أنها لا تفرق بين المواطنين العاديين وبين صناع القرار، وتقوم بتعميم الصورة لتشمل الجميع، وكل ذلك يسهم في إذكاء مشاعر الاستياء والكراهية بين الجانبين، مما يعني أن وسائل الإعلام في كلا الجانبين تكرس المفاهيم الخاطئة سواء بقصد أو بدون بوعي، ومع ذلك تظهر بين الحين والآخر مبادرات إيجابية تحاول القضاء على هذه الصور النمطية الخاطئة، غير أن هذه المبادرات الإعلامية تكاد تقتصر على القطاع غير الربحي الذي يخضع لقيود مالية شديدة خاصة في ظل الانكماش الاقتصادي الأخير.

كان هذا محور بعض الأوراق المقدمة للمنتدى العالمي الأمريكي الإسلامي الذي عقد في أغسطس 2011 بالعاصمة الأمريكية واشنطن، في إطار مشروع معهد بروكينز Brookings للعلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.

وفي تقرير بعنوان "حوارات مقطوعة بين الولايات المتحدة والمجتمعات العالمية المسلمة"، وأصدره المعهد في نفس الشهر (أغسطس 2011) تم عرض بعض المبادرات والجهود الرامية لتغيير الصور النمطية في وسائل الإعلام بين الطرفين.

الإعلام المرئي


على الرغم من أننا نعيش في عصر انتشار الشبكات الاجتماعية، فما زالت وسائل الإعلام المرئية من أقوى الأدوات في تشكيل والتأثير على الرأي العام.

لذا فقد حاول المنتدى العمل على إتاحة فرص مد جسور التعاون بين العالمين الإسلامي والغربي، وقد أجمع المشاركون فيه على ضرورة انتهاز التغيير في العالم العربي من أجل تحسين العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة لاسيما أن استطلاعات للرأي أظهرت أن أحداث العالم العربي انعكست إيجابا على نظرة الأميركيين إلى الشعوب العربية.

وبتحليل دور وسائل الإعلام المرئية في تكريس القوالب النمطية، يمكن الكشف عن خطاب إعلامي أمريكي سائد يدعم العداء المسبق للإسلام والمسلمين.

فعلى سبيل المثال رصد وسائل الإعلام الأمريكية لردود أفعال المسلمين على نشر رسوم كاريكاتيرية مسيئة للإسلام يكاد يقتصر على أقلية تدعو للعنف والانتقام من الغرب، دون تفرقة بين مسيء وبين مسالم، بينما لا يتم تسليط الضوء على أصوات أخرى متعقلة تدعو للحوار وتميز بدقة بين متعمدي الإساءة وبين هؤلاء الذين يرفضونها من داخل الغرب نفسه.

في الوقت نفسه لا تفرق وسائل الإعلام في الدول الإسلامية بين الممارسات الأمريكية الصهيونية الرامية لاحتلال الشعوب الإسلامية واستنزاف ثرواتها، وبين المواطن الأمريكي أو الغربي العادي الذي يعارض مثل هذه الممارسات وينتقدها بشدة. والنتيجة أن الصورة الذهنية الخاطئة تتأصل في الوعي الشعبي لدى الجانبين.

وفي استطلاع للرأي العام العربي أجرته جامعة ميريلاند عام 2010 بالتعاون مع مؤسسة الزغبي الدولية، أظهرت النتائج أن 39% من العرب اعتبروا الدين هو المكون الأهم لهويتهم، على الرغم من أن 47% من المشاركين أكدوا أنهم يشاهدون الأفلام الأمريكية والأوروبية يوميا، مما يعني تعرضهم بشكل يومي لثقافة البوب الأمريكية.

والأكثر من ذلك أن استطلاع رأي أجراه معهد جالوب بعنوان "رصد العلاقات الغربية الإسلامية" كشف عن أن كلمة السر التي يمكن للغرب أن يكسب بها ثقة المسلمين لتتحسن علاقته بالمجتمعات الإسلامية تتلخص في "احترام الإسلام".

- فقد ذكر 72% من المشاركين في الاستطلاع أن الامتناع عن تدنيس القرآن والرموز الإسلامية ستكون ذات معنى طيب.

- كما قام 54% من المشاركين بتعريف كلمة الاحترام بأنها معاملة عادلة في السياسات التي تمسهم، وأشار 49% إلى أن الاحترام يعني أن يتم رسم صورة صحيحة وإيجابية للمسلمين في الأفلام الأجنبية، فالمعايير المزدوجة من أكثر ما يضايق المسلمين من الغرب والتي يساهم الإعلام في تفاقمها بشدة .

الإعلام غير الربحي


بعد عدة محاولات أمريكية لتمويل وسائل إعلامية تسعى للتقارب مع العالم الإسلامي، وجدت أن الفشل يحيق بها خاصة مع صدور فتاوى من بعض علماء المسلمين بتحريم مشاهدة هذه القنوات، ومنها على سبيل المثال قناة الحرة، التي تمولها الولايات المتحدة، فصدرت عدة فتاوى بتحريم مشاهدتها على أساس أنها أنشئت لمحاربة الإسلام، ونشر الانحلال الأمريكي على نطاق واسع داخل البلدان الإسلامية.

وعلى نفس المنوال يتشكك الكثير من المسلمين في القنوات الممولة من الحكومات الإسلامية والعربية ذاتها وفيما تقدمه، معتبرين إياها أبواق للحكومة مما يقلل من مصداقيتها.

لذا فإن البديل الأنسب للولايات المتحدة يتمثل في دعم منظمات المجتمع المدني في الدول الإسلامية نفسها، من خلال تمويل وسائل إعلامية ذاتية بدلا من إنشاء قنوات تابعة للإدارة الأمريكية.

ويتلخص هذا البديل في أن تستعين الولايات المتحدة بمذيعين ومقدمي برامج دوليين، من العاملين في الولايات المتحدة، وذلك بالاستفادة من صلاتهم غير الرسمية بهذه المنظمات المدنية غير الربحية وبمن يمكن أن يصبحوا منتجين محتملين في المستقبل، وبالمؤسسات التي تقدم منح ومساعدات، مثل "مؤسسة التفاهم العالمي".

وهناك العديد من المبادرات في هذا الصدد التي كللت بالنجاح، من بينها على سبيل المثال خدمة التليفزيون المستقلة (ITVS) والتي تتلقى تمويلا هائلا من الحكومة الأمريكية، ولكن على العكس من قناة الحرة، تقوم المنظمة بتمويل منتجين مستقلين يتناولون قضايا معقدة ويعرضون لمختلف الرؤى والآراء حولها، والتي يفتقدها الإعلام الرسمي.

وبحسب ما هو معلن عن خدمة التليفزيون المستقلة، فإنها عبارة عن "تجمع مستقل، لبث إعلام وبرامج جديدة ذات جودة عالية على الأصعدة المحلية والوطنية، والدولية". وذلك بقصد "إثراء المشهد الثقافي مع تمثيل أصوات ورؤى المجتمعات، لتعكس مصالح واهتمامات متنوعة للمجتمع".

فضائيات للجميع


يعكس المشهد الفضائي العربي تنوعا هائلا نجح في جذب الشركات الإعلانية لاستثمار ارتفاع معدلات المشاهدة العربية.

فمن بين أكثر من 600 فضائية عربية، تنتشر القنوات الدينية والتي تستحوذ على نسب مشاهدة عالية، وهناك أيضا البرامج الإخبارية الحوارية التي تجتذب المشاهدين من مختلف الأطياف، حتى أن الشركات الخليجية وخاصة السعودية أصبحت تتنافس على رعاية هذه البرامج.

على سبيل المثال تتنافس عدة شركات سعودية محلية ودولية على الحصول على مساحات إعلانية في برنامج "يا ليل يا عين" الذي تقدمه قناة LBC اللبنانية وهو برنامج ثقافي تحرري، كما تستأثر إحدى الشركات السعودية برعاية برنامج "الاتجاه المعاكس" الذي تقدمه قناة الجزيرة وهو برنامج حواري سياسي.

وقد دفع نجاح هذه القنوات الفضائية (الخاصة وشبه الخاصة) إلى محاولة الفضائيات المحلية المملوكة للدولة تغيير خريطة برامجها إلا أنها لم تحرز نجاحا يذكر لسيطرة التوجيهات الحكومية.

وفي العادة لا تجتذب وسائل الإعلام العربية المستثمرين من القطاع الخاص الأمريكي، لكونها أسواقا نائية عن هوليوود، ومن ثم لا تميل الشركات الأمريكية للإعلان عن أفلامها مثلا في الفضائيات العربية بسبب أن أغلب المشاهدين العرب إما ينتظرون مضي فترة على عرض الأفلام –ومن بينها أفلام هوليوود- ليشاهدوها مجانا، أو يقومون بمشاهدتها أثناء العرض مجانا أيضا بسبب انتشار عمليات القرصنة في ظل غياب سياسات حماية الملكية الفكرية.

من أجل ذلك فإن فرصة الولايات المتحدة لتغيير الصورة النمطية عنها لدى العرب والمسلمين ستظل محدودة جدا خاصة مع استمرار تقديمها لمحتوى فني لا ينسجم مع المعايير والثقافة الإسلامية.

فالأمريكيون لا يدركون أن تغيير الصورة النمطية لا تحتاج للتقنيات والتكلفة العالية في هوليود بقدر ما تحتاج للتبسيط واحترام الثقافة والتقاليد وتقديم الصورة الصحيحة للمسلمين.

ونفس الأمر ينطبق على الإعلام العربي الذي يحاول البحث عن مكان له على خارطة الأمريكيين الإعلامية، على سبيل المثال أطلقت قناة الجزيرة الإنجليزية في عام 2006 من واشنطن لكنها لم تنجح في إقناع شركات الكابل الأمريكية لتقديم القناة لعملائها، ويعود ذلك بشكل جزئي إلى مقاومة مزودي خدمات الكابل للعلامة التجارية للجزيرة خوفا من احتمال رد فعل عنيف من المعلنين، إضافة إلى أسباب سياسية نظرا لما كانت إدارة الرئيس الأمريكي بوش تكنه من عداء لشبكة الجزيرة.

توصيات التقرير


ويحاول التقرير في ختامه أن يقدم بعض التوصيات التي يمكن من خلالها للولايات المتحدة أن تجد لها مكانا في الساحة الإعلامية في المجتمعات الإسلامية، فيما يمكن اعتباره خطة أمريكية لغزو إعلامي للمسلمين من نوع جديد مغلف بدعوات للحوار والتفاهم. ومن أهم هذه التوصيات:

- تغيير التصورات والبدء في الحوار: فالدعم الأميركي حتى الآن للثورات العربية ما زال متفاوتا، بل سرعان ما تحول إلى خوف متزايد من تولي الإسلاميين الحكم، وهو أمر واضح في التغطيات الإعلامية الأميركية، مما يساهم في تأصيل الصورة النمطية لدى المسلمين والعرب عن سياسة الكيل بمكيالين الأمريكية.

- استخدام أسلوب سابيدو (Sabido) لتثقيف المشاهدين والتأثير على التصورات: وقد أثبت أسلوب Sabido فعاليته في إحداث تغييرات اجتماعية هامة. وهو أسلوب تم استخدامه في ميجيل سابيدو في المكسيك، وهو عبارة عن نهج يمزج بين الترفيه والتعليم. ويمكن من خلال هذا الأسلوب تناول موضوعات حساسة اجتماعيا في صورة إيجابية عبر الترفيه والنقاش سواء كانت في شكل من الكوميديا ​​أو الدراما.

وينصح التقرير الولايات المتحدة أن تتأكد بدقة أثناء استخدامها هذا الأسلوب في البلدان الإسلامية من قدرتها على جذب تعاطف المشاهدين استنادا إلى التعرف الدقيق على احتياجات المشاهدين وردود أفعالهم.

- إعادة تحديد دور القطاع غير الربحي في سوق الإعلام العربي: فالعديد من المبادرات التي يقودها القطاع غير الربحي تمكنت من تحقيق نتائج إيجابية. ومع ذلك فما زال تأثيرها محدود بسبب القيود المالية المترتبة على الانكماش الاقتصادي الأخير.

- إنشاء منابر إعلامية وتعليمية قوية: حيث تستخدم القنوات الدينية تقنيات منوعة لتعليم الإسلام، ووفقا للتقرير لا ينبغي أن تكون هذه القنوات هي المصدر الوحيد لتثقيف الناس حول الإسلام، فعلى الأمريكيين أن يتخذوا خطوات إيجابية لتعليم المسلمين دينهم!!. فالولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة لتثقيف المسلمين في العالم حول أمريكا، وإنما تحتاج لتعريفهم الإسلام بهدف ردع الناس عن اللجوء إلى العنف طالما كان هناك إمكانية للحوار.

- تعزيز الإنتاج الإعلامي الأمريكي الإسلامي المشترك: فهناك العديد من القضايا المشتركة التي ينشغل بها الناس في كلا المجتمعات المسلمة والأمريكية على حد سواء، فلابد من العمل على توحيد الجهود في هذا المضمار بما لا يتسبب في حساسيات دينية أو ثقافية أو اجتماعية. ويتم ذلك من خلال برامج حوارية تعليمية حول الإسلام لتثقيف المسلمين في المجتمعات الإسلامية، وكذلك المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الأمريكي.

- بناء مؤسسات أو العمل مع مؤسسات مثل نيلسن للاستطلاعات: فالفضائيات العربية تفتقد قياسات دقيقة حول مشاهديها، ويمكن لمثل هذه المؤسسات أن تساعد هذه الفضائيات على عدم خسارة مشاهديها من خلال الدراسات الاستقصائية ومجموعات التركيز.

- تنفيذ دورات تدريبية حول وسائل الإعلام: فهناك حاجة ماسة لتدريب البلدان النامية على وسائل الإعلام الرقمية، وصناعة الأفلام، والبرمجة، والتعامل مع الشبكات الاجتماعية، والمهارات الإعلامية. ويتعين على أميركا عدم تصدير منتجات "هوليوود" فقط، ولكن ينبغي عليها أيضا تصدير المهارات الإعلامية، بالشراكة مع المنظمات المحلية التي تعرف احتياجات المتدربين بشكل أفضل.

الثلاثاء، 19 يوليو 2011

القاعدة والصين.. مسارات في تحول العلاقات الإستراتيجية


هل يصبح مسلمو الإيغور ضحية المصالح الجيوسياسية؟

أمل خيري
إسلام أون لاين

أصبحت التكهنات حول نهضة الصين الاقتصادية والسياسية والعسكرية هي الحديث المفضل لدى السياسيين وواضعي السياسات الغربية. إلا أن العلاقة بين الصعود الصيني وبين توجهات الجهادية العالمية لم ينل الاهتمام الكافي من قبل المراقبين الغربيين.
فقضية مسلمي الإيغور في الصين لم تشغل بال التنظيمات الجهادية العالمية كثيرا، كما تباينت آراء المنظرين الجهاديين تجاه الصين، ما بين اعتبارها شريكا وحليفا يجب ألا يخسره المسلمون لكسب المعركة ضد قوى الشر الممثلة في الولايات المتحدة، وما بين وضعها على مصاف الدول المعادية لانتهاكها حقوق المسلمين في أراضيها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تأتي الجغرافيا السياسية على حساب الإيغور؟ وهو السؤال الذي حاول بريان فيشرمان Brian Fishman الإجابة عنه في دراسته الأخيرة التي جاءت بعنوان "تنظيم القاعدة وصعود الصين: الجغرافيا السياسية الجهادية في عالم ما بعد الهيمنة" والتي نشرت بالعدد الأخير لمجلة واشنطن الفصلية لصيف 2011.
الصين في الفكر الاستراتيجي للجهاد
على مدى السنوات السابقة ركز تنظيم القاعدة على توجيه الهجمات نحو الولايات المتحدة، في الوقت الذي كان الاهتمام بالصين ضئيلا جدا خلال فترة حكم حركة طالبان في أفغانستان. ولا يعني هذا في نظر فيشرمان أن الصين لم تواجه مشاكل مع المجاهدين خلال تلك الفترة.
بل على العكس واجهت الصين مجموعات جهادية تزعمت الثورة في صفوف مسلمي الإيغور في إقليم شينجيانج، والذين تلقى بعضهم بحسب فيشرمان تدريبا في أفغانستان، إلا أنه رغم حرية مجاهدي الإيغور في تنقلهم بين أفغانستان والصين، فإن مقاتلي طالبان منعوا أفراد حركة تركستان الشرقية الإسلامية من مهاجمة الصين من أراضيها، منعا للحرج مع الحكومة الصينية، وهذا يفسر أن التدريبات التي تلقاها أفراد الحركة الإسلامية كانت على يد تنظيم القاعدة وليس حركة طالبان.
ويرى فيشرمان أن هذا الحذر من قبل طالبان في مهاجمة الصين مقابل هجومها الواضح على معسكر الولايات المتحدة وحلفائها، يعود لفهم طالبان الواسع للواقع الجيوسياسي حول دور الصين في النظام الدولي.
ويمكن فهم التوجه الطالباني تجاه الجهاد ضد الصين من كلمات أبو مصعب السوري أحد أبرز قادة المقاومة الجهادية، التي لخص فيها سياسة طالبان إزاء حركة تركستان الشرقية الإسلامية والصين خلال فترة التسعينيات، حيث قال: "عاد مجاهدو تركستان الشرقية لوطنهم، وتم توظيف المجاهدين الذين عادوا لأفغانستان ليتدربوا على التكتيكات العسكرية الموجهة ضد الحكومة الصينية. هذه المجموعة اعتبرت الملا عمر إمامها الرسمي. وتحت كثير من الضغوط الأمريكية، أمرت طالبان مجموعة مجاهدي تركستان الشرقية بوقف هجماتها ضد الصين. فقد أرادت طالبان استمرار العلاقات الودية مع الصين، باعتبارها وسيلة لمواجهة التهديد الأمريكي".
وعلى الرغم من أن طالبان أمرت أسامة بن لادن بعدم مهاجمة الولايات المتحدة، ولم تقبل تقديره بأن الولايات المتحدة تمثل تهديدا مركزيا لنظام طالبان، فلم يستجب بن لادن لذلك واستمر في مهاجمة الولايات المتحدة، إلا أنه بخصوص الصين استجاب لطالبان ولم يقم بهجمات عليها. بل واتهم الولايات المتحدة بعد سلسلة التفجيرات التي شهدتها بكين عام 1997 - والتي ألصقت بمسلمي الإيغور- بمحاولة التحريض على النزاع بين الصين والمسلمين، متهما وكالة الاستخبارات المركزية بتنفيذ هذه التفجيرات حتى تلقي الصين باللائمة على المسلمين في شينجيانج. وكثيرا ما حذر بن لادن حكومة الصين من نوايا الشر التي تضمرها الولايات المتحدة وإسرائيل تجاهها ورغبتهما في الاستيلاء على موارد البلاد.
ليس هذا فحسب بل إن مجاهدي الإيغور أنفسهم نفوا في أكثر من مناسبة أي صلة لهم ببن لادن، كما نفوا تلقيهم للمساعدة منه بأي وسيلة، وأعلنوا أن جهادهم يعتمد على أنشطتهم الذاتية لطرد الغزاة الصينيين من أراضيهم.
الصين عدو أم حليف؟
ويواصل فيشرمان دراسته بمحاولة التعرف على توجهات الحركات الجهادية العالمية تجاه الصين بعد تغير الظروف الدولية منذ أواخر التسعينيات، حيث يرى أن المعطيات الإستراتيجية التي أجبرت طالبان والقاعدة على التعامل الحذر مع الصين قد تغيرت. ومن ثم يؤكد أن هناك اليوم خلافات بين الجهاديين المعاصرين بشأن التعامل مع الصين.
ففي حين يرى البعض أن تنامي القوة السياسية والاقتصادية للصين من شأنه إضعاف قوة الولايات المتحدة، فإن البعض الآخر ينظر للصين على أنها قوة أخرى كافرة من شأنها اضطهاد المسلمين بدعمها الأنظمة التي يهدف الجهاديون لتدميرها.
المفكرون الإسلاميون أيضا على حد قول فيشرمان تباينت نظرتهم إزاء الصين والجهاد ضدها، فالشيخ حامد العلي كتب عن العلاقة بين قضية مسلمي الإيغور وما أسماه بالمشروع الغربي لتقويض النهوض الصيني، وطالب الصين بوقف مجازرها ضد مسلمي الإيغور حتى لا تخسر علاقاتها الطيبة مع المسلمين والعرب. كما اعتبر العلي أن المساعدات التي يقدمها الغرب وخاصة الولايات المتحدة لمسلمي الإيغور ليس حبا في المسلمين أو تعاطفا مع قضيتهم، بل لأن هدفها في النهاية حصار الصين والقضاء على نفوذها، واقتطاع أجزاء من أراضيها.
ويرى العلي أن هذا التوجه الغربي للتعاطف مع مسلمي الإيغور لا يهدف إلا إلى إظهار الصين كقوة معادية للإسلام بعد أن تنامت قوتها الاقتصادية خاصة في إفريقيا والشرق الأوسط، مما هدد المصالح الغربية في هذه المناطق. بل ويعتبر العلي أن الصين كانت دوما الدولة المسالمة التي لم تسع يوما للتدخل في شؤون الآخرين، ولم تتبع السياسات الاستعمارية التي اتبعها الغرب معنا.
على الجانب الآخر فإن بعض المنظرين الجهاديين تبنوا نهجا مغايرا، معتبرين أن النظر للولايات المتحدة على أنها العدو الأوحد، بمثابة نظرة ضيقة، فعلى سبيل المثال نجد أكرم حجازي الكاتب الأردني الذي يصفه البعض بمنظر القاعدة أو مفكر القاعدة، له عدة كتابات فيما يتعلق بالموقف من الصين، يستنكر فيه على من أعطوا صك غفران للصين على أساس أنها لم تكن يوما صليبية، ولكنه تساءل "هل يمكن أن يحل التنين الصيني ذو الرؤوس المتعددة، في مرحلة ما، محل رأس الأفعى؟" قاصدا الولايات المتحدة.
بل وحاول حجازي في بعض دراساته أن يتنبأ بما قد تنتهجه الجهادية العالمية في حالة انتقال رأس الأفعى من مكان لآخر، وفي حالة قيام الصين بدعم وحماية إسرائيل كما تفعل الولايات المتحدة اليوم، وهل ستعلن حينها التيارات الجهادية حربها على الصين؟ خاصة أن هناك من الأدلة على زيادة سوء موقف الجماعات الجهادية مع تصاعد قوة الصين، في ظل الاتفاقات بين الصين وإسرائيل من جهة، وقمع مسلمي الإيغور من جهة أخرى. ولا يستغرب فيشرمان من أن آراء حجازي قد تم نشرها من قبيل الدعاية الجهادية التي استخدمها البعض لتسليط الضوء على قضية الإيغور.
التحول في المسار الجهادي
منذ عام 2008، نشط المجاهدون خاصة على الإنترنت للتعريف بقضية الإيغور، خاصة بعد أن فتر نشاط حركة تركستان الشرقية الإسلامية منذ عام 2003 بعد مقتل أميرها حسن محسوم، إلا أن ظهور مجموعة جهادية أخرى أطلقت على نفسها اسم حزب تركستان الإسلامي، قد أعاد لقضية الإيغور ثقلها مرة أخرى منذ عام 2008، وأعلنت هذه المجموعة الجهادية أنها جاءت خلفا لحركة تركستان الشرقية الإسلامية، وأخذت في توسيع نطاق دعايتها باللغة العربية على شبكة الإنترنت والمنتديات الإلكترونية، لتذكير المسلمين والعرب بمسلمي الإيغور، وتصاعدت الأعمال الجهادية ضد الصين منذ ذلك الحين، فظهر في يوليو 2008 شريط فيديو للحزب يعلن فيه مسؤوليته عن تفجير حافلتين في مقاطعتي شانغهاي ويونان في الصين. كما استغلت هذه المجموعات الجهادية مركز الفجر الإعلامي كمنبر للدعاية لتنظيم القاعدة والجهاد.
ومع كل تلك الدعاية الجهادية لم يقم التيار الجهادي في الإيغور باستهداف الصين إلا في يوليو 2009، عندما قامت الحكومة الصينية بقمع المظاهرات التي اجتاحت شينجيانج، ومواجهة أعمال العنف بين الإيغور وقومية هان الصينية. في أعقاب تلك الاشتباكات ، دعا عبد الحق التركستاني أمير حزب تركستان إلى استخدام العنف ليس فقط في الداخل، بل ضد المصالح الصينية في جميع أنحاء العالم. فظهر حديثه الموجه للإيغور مصحوبا بترجمة عربية حيث قال: "يجب أن نستهدف الصينيين داخل وخارج الدولة. ويجب استهداف السفارات والقنصليات والمقرات والتجمعات، وأن نقتل الرجال وعائلاتهم، لتخليص إخواننا المحتجزين في تركستان الشرقية. وكل هذه الأعمال ما هي إلا دعم منا لإخواننا في تركستان الشرقية".
وبعد هذه الكلمات هدد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بالرد على العنف في شينجيانج من خلال مهاجمة المصالح الصينية في الجزائر. ثم قام أحد كبار منظري الجهادية وهو أبو يحيى الليبي في أكتوبر 2009 ، بالدعوة للتضامن مع الإيغور، ورادف بين سياسة الصين في شينجيانج والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وإزاء مثل هذه الدعوات كان رد الصين أعنف، إذ وجهت ضربات قوية ضد التنظيمات الجهادية المرتبطة بالإيغور، حتى إنها في يوليو 2010 اعتقلت مجموعة مرتبطة بالحزب في النرويج، واتهمتهم بالتآمر لمهاجمة السفارة الصينية هناك وكذلك مكاتب صحيفة يولاندس بوستن، والتي كانت قد نشرت الرسوم المسيئة للنبي عام 2005.
وإذا صحت تلك الاتهامات فإنها تعكس توليفة من المفاهيم الأيديولوجية للجهادية العالمية، التي تتبنى العصيان المسلح ضد الصين. وفي حين تركزت كل النقاشات بين منظري الجهاد حول ما إذا كان صعود الصين يمثل فرصة جيدة للجهاديين أم العكس؟ فإن الاتجاه الفعلي للجهاديين على الأرض يعكس تبنيهم لخط واضح في المواجهة مع الدولة الصينية.
الجهادية العالمية في الاستراتيجية الصينية
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تتبع الصين نفس الإستراتيجية التي تبنتها الولايات المتحدة، إلا أنها على الرغم من ذلك استغلت هذه الأحداث في تبرير قمعها للإيغور بدعوى صلتهم بتنظيم القاعدة. وكانت استراتيجية الصين الأولي تعتمد على التركيز على اكتساب دعم دولي لجهودها الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وهو ما فعلته من خلال قبول تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان (التي تشترك في حدود قصيرة جدا مع الصين)، في مقابل الربط بين الانفصاليين الإيغور وبين تنظيم القاعدة من أجل الضغط على الولايات المتحدة لوضع جماعات الإيغور على قائمة المنظمات الإرهابية. وبالفعل استجابت الولايات المتحدة بوضع حركة تركستان الشرقية الإسلامية على هذه القائمة، إلا أنها لم تدرج باقي المنظمات الجهادية الأخرى.
لكن مع تطور الأحداث، وتصاعد قوة الصين الدولية من جهة واستهداف الجهاديين المصالح الصينية في الخارج من جهة ثانية، دفع بالصين للعودة إلى إستراتيجيتها قبل الحادي عشر من سبتمبر والتي تحددت في اعتبار قضية الإيغور شأنا داخليا، وعدم الربط بينها وبين تنظيم القاعدة أو الجهادية العالمية.
ويعود فيشرمان بالحديث عن ما أسماه بتمرد الإيغور ضد الحكم الصيني في شينجيانج إلى عام 1962، حينما فر عشرات الآلاف من الإيغور إلى كازاخستان، وناشدوا الاتحاد السوفيتي بدعمهم وتقديم المساعدة، لكن الصين رفضت التدخل في أمنها الداخلي، وفي النهاية لم يقدم السوفيت لقومية الإيغور سوى القليل (من المرجح أن الاتحاد السوفيتي خشي من دعم الإيغور حتى لا يحفز النزعة الانفصالية في آسيا الوسطى). وفي التسعينيات توالت الدعوات مرة أخر من الإيغور لطلب الدعم السوفيتي إلا أن الاتحاد السوفيتي كان خارجا لتوه من أفغانستان خاسرا.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ازدهرت قوة الصين السياسية والاقتصادية وكانت هذه القوة سببا مقنعا للدول الناشئة في آسيا الوسطى لتفادي دعم جماعات الإيغور. خاصة عندما تشكلت منظمة شانغهاى للتعاون عام 1996 بعضوية الصين، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان. وزادت الصين من ضغوطها على هذه الدول للحد من دعم الإيغور.
بل وظلت الصين تناشد دول الشرق الأوسط وإفريقيا بعدم التدخل في شؤونها مقابل التوسع في نشاطها الاقتصادي. ويؤكد المفكرون الجهاديون مثل أكرم حجازي ذلك حين شكا من أن الدول العربية والإسلامية لا تدعم الانفصاليين الإيغور.
في الوقت الذي كانت الصين تدعم فيه الإسلاميين المتشددين في أفغانستان وباكستان، بل أظهرت دعمها لطالبان التي حفظت لها الجميل فأعلنت أن أراضيها لن تستخدم لضرب الصين.
التحول نحو التدويل
إلا أن الاستراتيجية الصينية بعدم تدويل قضية الإيغور لم تدم طويلا، ففي يناير 2002 قدمت الصين كتابها الأبيض داعية فيه إلى النظر لقضية الإيغور على أنها تتعلق بقضية مكافحة الإرهاب، وعلى النقيض من الجهود السابقة في التقليل من أهمية عنف الإيغور في شينجيانج، تضمنت وثيقة الكتاب الأبيض لائحة طويلة من الاتهامات ضد حركة تركستان الشرقية الإسلامية، واتهمتها مباشرة بتلقي تدريبات على يد أسامة بن لادن في أفغانستان.
وترتب على هذا التحول في إستراتيجية الصين تجاه قضية الإيغور بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أن وافقت الولايات المتحدة على إدراج حركة تركستان على قائمة المنظمات الإرهابية، كما اعتقلت العديد من ناشطي الإيغور في معتقلات جوانتنامو، غير أنها قامت بإرسال من أفرج عنهم إلى دول أخرى بدلا من إعادتهم إلى الصين. وهو الأمر الذي دفع الأخيرة إلى اتهام الولايات المتحدة بمساعدة الإرهاب والكيل بمكيالين.
وإذا كانت الصين لم تنجح في إجبار الولايات المتحدة على تسليم نشطاء الإيغور، فإنها نجحت عموما في تشتيت الانتباه العالمي عن حملاتها على مجموعات الإيغور في الصين نفسها. وكما أشار أكرم حجازي، فإنها حتى الدول العربية والإسلامية قد تجنبت عموما هذه المسألة، حتى في أحداث عام 2009 عندما قمعت الصين المسلمين وتعاملت معهم بالعنف. ويمكن تفسير ذلك بتنامي العلاقات الاقتصادية الصينية مع العديد من دول العالم خاصة دول الشرق الأوسط وإفريقيا. فلم يصدر احتجاج رسمي واحد ضد أعمال العنف في شينجيانج إلا من قبل تركيا التي تتقاسم روابط تاريخية ولغوية مع الإيغور.
الآثار الجيوستراتيجية
لا شك أن العلاقة المتطورة بين الجهاديين والصين لها آثار على الولايات المتحدة. فمنذ عام 1998، يقوم تنظيم القاعدة بتبرير وجوده على أساس ظرف جيوسياسي معين يتمثل في هيمنة الولايات المتحدة عالميا ودعمها للأنظمة العربية، إلا أن هذه الظروف قد تغيرت الآن، ومثل غيره من الجهات الفاعلة حاول تنظيم القاعدة تطوير تعامله مع الحقائق الجيوسياسية الجديدة.
فقد زادت قوة الصين الاقتصادية والعسكرية والسياسية مما قد يؤدي لتوترات مع الولايات المتحدة في مجالات عديدة، ولكنها أيضا سوف تخلق فرصاً للتعاون بينهما. فالصين تعلم أنها يمكنها الاعتماد على جهود الولايات المتحدة لقمع عناصر القاعدة التي تستهدف مصالح في إفريقيا.
وفي حين أن تنظيم القاعدة لديه الحد الأدنى من القدرة على مهاجمة الصين مباشرة، إلا أنه قد تجاهل قضية مسلمي الإيغور عن طيب خاطر، ومن الصعب الهروب من الاستنتاج بأن هذا التجاهل ناجم عن عدم الرغبة في فتح جبهات للصراع مع كل من الولايات المتحدة والصين في وقت واحد. لذا فإن الهجمات تتركز على بعض المصالح الصينية في شمال إفريقيا وتبتعد تماما عن المناطق الصينية نفسها.
ويرى فيشرمان أن القاعدة بعد أسامة بن لادن ربما تفقد قدرا من توجها العالمي، وتعود للتركيز على الأهداف المحلية، وأخيرا فبالنسبة لبكين، فإن رد فعل تنظيم القاعدة ليس سوى أحد العوامل التي قد تجبر الصين على إعادة النظر في سياستها التي انتهجتها منذ أمد بعيد بعدم التدخل في شؤون الآخرين. لكنها لن تستطيع التغاضي عن المصالح المستهدفة في شمال إفريقيا أو جنوب آسيا لذا ينبغي عليها تطوير استراتيجيتها تجاه الجهادية العالمية.