الثلاثاء، 29 أبريل 2008

الشيخ الصابوني.. المفسر الموسوعي في العصر الحديث

أمل خيري

الصابونييعد الشيخ محمد علي الصابوني أحد رواد التفسير في العصر الحديث، نالت مؤلفاته العديدة في التفسير شهرة واسعة وحظيت بالقبول في أوساط المثقفين وطلاب العلم، وخاصة كتابه "صفوة التفاسير" الذي يقترن باسمه في جميع المحافل. بذل حياته في خدمة كتاب الله وإثراء المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات الموسوعية، وكان اختياره شخصية العام الإسلامية من قبل جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم لعام 1428هـ/ 2007م تتويجا وعرفانا بجهوده المباركة في خدمة الإسلام والمسلمين.

النشأة والتكوين

ولد محمد علي بن الشيخ جميل الصابوني بمدينة حلب الشهباء عام 1350هـ/ 1930م لأسرة علمية خرجت العلماء والفضلاء، حيث يعد والده الشيخ جميل الصابوني من أكابر علماء حلب وكان له الفضل الأول في تهيئة ولده لسبيل العلم، فقد التحق الصابوني الابن بالكتاب وأتم حفظ كتاب الله في سن مبكرة وتتلمذ على يد والده فأخذ منه الكثير من العلوم الشرعية والعلوم العربية.

التحق الصابوني بالدراسة النظامية في مدارس تابعة للحكومة فدرس الابتدائية ثم التحق بإعدادية مدرسة التجارة، إلا أنه لم يقض فيها سوى عام واحد وكان ترتيبه الأول على أقرانه في هذا العام ورغم ذلك فقد تركها لعدم موافقتها ميوله فقد كان مهتما بالعلوم الشرعية. وكانت مدرسة التجارة تدرس أصول المعاملات الربوية في البنوك فعافت نفس الصابوني الدراسة فيها فتركها والتحق بالمدرسة الثانوية الشرعية التي كانت تسمى الخسروية حيث كانت تجمع بين العلوم الشرعية والدينية فحصل على الإعدادية ثم الثانوية بدرجة ممتاز عام 1369هـ/ 1949م؛ ما أهله لاستحقاق بعثة على نفقة الحكومة السورية للقاهرة ليدرس بجامعة الأزهر الشريف فالتحق بكلية الشريعة وتخرج فيها عام 1371هـ/ 1952م.

عاشق العلم

وأثناء دراسته الثانوية بدت أمارات النجابة على الصابوني وظهر شغفه بالعلم الشرعي جنبا إلى جنب مع التعليم النظامي حيث كان يتردد على المساجد لتلقي العلم على شيوخ حلب، إضافة إلى حضور الحلقات التي كان يقيمها بعض الشيوخ في بيوتهم، ومن بين أساتذته الذين تتلمذ عليهم شيخ القراء الشيخ نجيب خياطة، وعالم الشهباء الشيخ محمد نجيب سراج، والشيخ راغب الطباخ، والشيخ محمد سعيد الإدلبي، والشيخ أحمد الشماع وغيرهم الكثير من أفاضل علماء حلب في عصره.

وفي مصر بعد أن تخرج الصابوني في كلية الشريعة استكمل دراسته العليا بدراسة التخصص في القضاء الشرعي، حيث حصل على شهادة العالمية المناظرة الآن لشهادة الدكتوراة وكانت حينها تعد أعلى الشهادات الجامعية وذلك عام 1972هـ/ 1954م بتقدير ممتاز.

وحينما عاد لسورية قضى الصابوني نحو ثماني سنوات في مجال التدريس، حيث عين مدرسا بدور المعلمين والمدارس الثانوية بحلب لمادة الثقافة الإسلامية.

وفي عام 1380هـ/ 1960م عاد لمصر لنيل الدكتوراة من جامعة الأزهر إلا أن الظروف السياسية السائدة آنذاك وسوء العلاقات بين مصر وسورية قد حالت دون دراسته فعاد لسورية يستكمل التدريس، ثم انتدب أستاذا معارا للمملكة العربية السعودية بتكليف من وزارة التربية والتعليم السورية عام 1382هـ/ 1962م، فسافر في إطار بعثة سورية كان هو على رأسها فقام بالتدريس في عدة كليات سعودية من بينها كلية التربية بمكة المكرمة وكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، وامتدت فترة انتدابه ثمان وعشرين عاما تخرج فيها على يديه العديد من الأساتذة والعلماء.

وخلال هذه الفترة أسندت إليه جامعة أم القرى مهمة التحقيق في بعض كتب التراث وتم تعيينه في مركز البحوث العلمية واحياء التراث كباحث علمي، وقد جاء هذا التكليف بناء على نشاطه العلمي البحثي المكثف، فقد قام بتحقيق كتاب "معاني القرآن" للإمام أبي جعفر النحاس وخرج المحقق منه في ستة أجزاء بالغة الدقة والإحكام.

كما عمل الصابوني مستشارا في هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة التابعة لرابطة العالم الإسلامي منذ عام 1409هـ/ 1998م لعدة سنوات تفرغ بعدها للبحث العلمي والتأليف.

المفسر الموسوعي

وللصابوني العديد من المؤلفات خاصة في مجال تفسير القرآن اتسمت جميعها بالروح العلمية والمعاني الغزيرة التي قدمها ميسرة لطلاب العلم وعامة المسلمين، ومنهجه في الكتابة يعتمد على التبسيط والابتعاد عن المطولات.

وقد تناول أحكام القرآن في كتابه "روائع البيان في تفسير آيات الأحكام" وهو كتاب يبين الأحكام في المرجع الأول لها وهو القرآن الكريم، كما اشتغل بالحديث والسنة النبوية حين قام باختصار كتاب تفسير ابن كثير ونقحه، لكنه في هذا تعرض للكثير من الانتقادات ودارت الخلافات بين العلماء حول ما كتبه، فهناك من اعتبرها اختصارا ما كان يجب أن يتم لمؤلفات علماء رحلوا وخلفوا لنا هذا التراث وما كان ينبغي التعدي على هذا التراث بالتلخيص والتنقيح، وهناك من اعتبر هذه المحاولات تقديما للعلم وتبسيطا له نحن في أمس الحاجة إليه في هذا العصر.

كما كتب الصابوني "مختصر تفسير الطبري"، وسبق أيضا أن ألف في علوم القرآن الكريم تحت عنوان "التبيان في علوم القرآن"، و"قبس من نور القرآن".

صفوة التفاسير

أما كتابه الأشهر فهو "صفوة التفاسير" والذي قضى في تأليفه خمس سنوات كاملة وفرغ منه عام 1400هـ/ 1900م، كان يواصل فيها الليل بالنهار يجمع فيها أقوال المفسرين، ولم يكتب شيئا حتى راجع أكثر من خمسة عشر تفسيرا من أمهات كتب التفسير مع التحري الدقيق لأصح الأقوال وأرجحها، ورجع الصابوني في تفسيره هذا إلى الطبري والكشاف والقرطبي والألوسي وابن كثير والبحر المحيط وغيرها، وعني فيه بالوجوه البيانية واللغوية كما ابتعد عما تحويه هذه التفاسير من الإسرائيليات وتجنب مواطن الخلافات بين المفسرين.

وقد أسماه "صفوة التفاسير"؛ ذلك لأنه جامع لعيون ما في التفاسير الكبيرة المفصلة، مع الاختصار والترتيب والوضوح والبيان. وقد سلك الصابوني في تفسيره هذا منهجا مميزا حيث يقدم للسورة ببيان إجمالي لها وتوضيح لمقاصدها الأساسية، ثم يذكر المناسبة بين الآيات السابقة والآيات اللاحقة، ثم يتعرض للغة مع بيان الاشتقاق اللغوي والشواهد العربية، يلي ذلك بيان أسباب النزول ثم تفسير السورة، ويختتم ببيان نواحي البلاغة في الآيات والفوائد واللطائف.

وقد قام العديد من العلماء بتقريظ الكتاب من بينهم الشيخ أبو الحسن الندوي والشيخ عبد الحليم محمود والشيخ محمد الغزالي والدكتور عمر نصيف وغيرهم، وكما نال الكتاب التقريظ فقد تعرض أيضا للنقد ورد عليه كثير من أهل العلم مثل الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ الألباني والشيخ صالح الفوزان، إلا أن هذه الردود لا تنتقص من مجهودات الصابوني الرائدة في مجال التفسير في العصر الحديث. وقد قام الصابوني بتفنيد هذه الردود في كتابه "كشف الافتراءات في رسالة التنبيهات حول صفوة التفاسير".

الناشط العلمي

وبجانب مؤلفاته في التفسير عديد من المؤلفات في كثير من العلوم الشرعية والعربية والتي ألف بعضها أثناء تدريسه في الجامعة والبعض الآخر أثناء مرحلة التفرغ للكتابة والتأليف، ونالت معظم كتبه القبول وكان لها الانتشار الواسع بين طلاب العلم في أرجاء العالم الإسلامي ترجم معظمها للعديد من اللغات كالإنجليزية والفرنسية والتركية ولغة الملايو والهاوسا ولغات أخرى عديدة نظرا لما حظيت به كتبه من البساطة والعمق.

وقد ألف الصابوني كتابا في "فقه التمكين في القرآن الكريم" هو في الأصل رسالة جامعية نال بها المؤلف درجة الماجستير يبين فيه أنواع التمكين وشروطه، ومراحله، وأهدافه، وتحقيقه ومنه التقدم العلمي في الحياة والتعامل مع سنن الله في الكون وقوانينه.

كما كتب "فقه العبادات في ضوء الكتاب والسنة" وكذلك "فقه المعاملات في ضوء الكتاب والسنة"، وله في مجال الإعجاز العلمي "حركة الأرض ودورانها: حقيقة علمية أثبتها القرآن" كما كتب "النبوة والأنبياء: دراسة تفصيلية لحياة الرسل الكرام ودعوتهم".

والصابوني عالم مثمر في نشاطه العلمي سواء في تأليف الكتب العلمية أو المقالات والأبحاث أو إلقاء المحاضرات أو المشاركة في الندوات أو أحاديثه في الإذاعة والتليفزيون، كما شارك في العديد من الدورات ومؤتمرات رابطة العالم الإسلامي، ففي مكة المكرمة اعتاد الصابوني أن يكون له درس يومي للإفتاء بالمسجد الحرام إضافة إلى درس أسبوعي في التفسير في أحد مساجد جدة استمر فيه ثماني أعوام فسر فيها أكثر من ثلثي القرآن الكريم، كما سجل أكثر من ستمائة حلقة في التفسير عرضت على بعض القنوات التليفزيونية فسر خلالها القرآن الكريم كاملا خلال عامين كاملين.

شخصية العام الإسلامية

وتتويجا لجهوده المثمرة على مدى أعوام مطولة بذلها في خدمة كتاب الله وخدمة الإسلام والدعوة الإسلامية فقد اختارته اللجنة المنظمة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم "شخصية العام الإسلامية" في الدورة الحادية عشرة لعام 1428هـ/ 2007م عرفانا بجهوده المتواصلة في الإنتاج الفكري المثمر خاصة في مجال تفسير القرآن الكريم ومن أهمها كتابه "صفوة التفاسير" و"من كنوز السنة" و"روائع البيان في آيات الأحكام". وتم اختيار الصابوني بعد انطباق معايير الاختيار التي وضعت من قبل الجائزة عليه باعتباره عالما متميزا في شتى العلوم الشرعية وعلوم القرآن الكريم ومؤلفاته الموسوعية التي زادت على أربعين مؤلفا تعد من المراجع الهامة لكل دارس وطالب علم ولكل باحث ومثقف.

وقد سبق تكريم الصابوني في منتدى الإثنينية وهو منتدى أدبي يقيمه عبد المقصود خوجه كل يوم إثنين في مدينة جدة ولهذا سميت بالإثنينية، حيث يكرم كل يوم إثنين شخصية لها أثر في المجتمع، وهذا التكريم يشمل كل أصحاب الفكر وأهل العلم، وقد تم اختيار الشيخ الصابوني لتكريمه في هذا المنتدى الأدبي في 8 من ربيع الآخر 1410هـ/ 6 من نوفمبر 1989م.

صدر عن الإثنينية كتاب مطبوع لحفل تكريم الصابوني تضمن أرجوزة للشيخ أبي تراب الظاهري كان مطلعها:

تحية تهدى إلى الصابوني العالم النحرير ذي التبيين

مفسر الكتاب بالآثار وثاقب الفهم لدى الأخيار

وما زال الصابوني لا يضن بعطائه الفكري المتواصل ونشاطه الدعوي المكثف، وما تزال مؤلفاته موضع ثناء ونقاش يثري الفكر الإسلامي ويبين سماحة الإسلام ووسطيته.

المصادر:

1. حفل تكريم الشيخ محمد علي الصابوني، جدة:سلسلة الإثنينية، العدد 97، 1989م.

2. مجلة المجتمع، العدد 1774، 27-10-2007م.

3. موقع جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم: http://www.quran.gov.ae

4. مقدمة كتاب صفوة التفاسير لمحمد علي الصابوني، بيروت: المكتبة العصرية، الدار النموذجية، 1422هـ/ 2002م.

5. العلامة السوري محمد علي الصابوني شخصية العام الإسلامية، جريدة أخبار الشرق، الإثنين 15 من أكتوبر 2007م.

الاثنين، 28 أبريل 2008

محمد البهي .. والإصلاح الديني الرشيد

أمل خيري

محمد البهي

الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف المصري الأسبق أحد مفكري الإسلام في العصر الحديث، دعا إلى الإصلاح الديني بالعودة للأصول، وتتبع نشأة الفكر الإسلامي منذ بدايته حتى الوقت المعاصر مقارنا بينه وبين غيره من المذاهب الفكرية، متصديا للأفكار الهدامة وفاضحا الاستعمار ودوره في المجتمعات الإسلامية. وقد ترك البهي ثروة غنية من المؤلفات التي أثرت الفكر الإسلامي والمكتبة الإسلامية كان أكثرها أهمية كتابه "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" الذي كان له الفضل في التعريف به كمفكر إسلامي في الأوساط العربية والإسلامية.

النشأة والتكوين

ولد محمد محمد البهي بقرية "أسمانية" التابعة لمركز شبراخيت بمحافظة البحيرة بمصر يوم 2 من جمادى الآخرة 1323هـ/3 من أغسطس 1905م.

أتم حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة وأتم تجويده في دسوق في الحادية عشرة، ثم التحق بمعهد دسوق الديني عام 1335هـ/1917م واستمر فيه ثلاث سنوات، انتقل بعدها لمعهد طنطا الديني، ثم إلى معهد الإسكندرية الديني حيث حصل منه على الشهادة الثانوية الأزهرية وكان ترتيبه الأول على طلاب الإسكندرية.

تابع البهي دراسته في الأزهر الشريف بالقاهرة، وحصل على شهادة العالمية النظامية بعد أن تقدم إلى الامتحان من الخارج مختصرا بذلك المدة الدراسية، وكان عدد المتقدمين للامتحان 400 طالب لم ينجح سوى أربعة منهم وكان ترتيبه الأول عليهم، ثم التحق بقسم التخصص في البلاغة والأدب وأتم دراسته في هذا القسم وحصل على درجة التخصص في ربيع الآخر 1353هـ/أغسطس 1931م بعد أن تقدم بأطروحته للحصول على هذه الدرجة بعنوان "أثر الفكر الإغريقي في الأدب العربي نثرا ونظما".

في جمادى الأولى 1353هـ/سبتمبر 1931م سافر إلى ألمانيا لدراسة الفلسفة مبعوثا من مجلس مديرية البحيرة إحياء لذكرى الشيخ محمد عبده، فحصل على دبلوم عال في اللغة الألمانية عام 1356هـ/1934م، كما حصل على الدكتوراة في الفلسفة والدراسات الإسلامية بتقدير امتياز من جامعة هامبورج عام 1358هـ/1936م وحملت أطروحته للدكتوراة عنوان "الشيخ محمد عبده والتربية القومية في مصر".

بين الأزهر والأوقاف

بعد عودته لمصر عام 1360هـ/1938م اشتغل البهي بتدريس الفلسفة الإسلامية والإغريقية في كلية أصول الدين، ثم نقل عام 1369هـ/1950م إلى كلية اللغة العربية أستاذا ورئيسا لقسم الفلسفة إلى جانب اشتغاله أستاذا زائرا بجامعة ماكجل بكندا وبجامعة الرباط الحديثة وجامعة قسنطينة الجزائرية وجامعة قطر وجامعة العين بالإمارات العربية.

وعمل بجانب التدريس مديرا عاما للثقافة الإسلامية بالأزهر فاهتم بنشر تراث الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق، ثم عين أول مدير لجامعة الأزهر بعد صدور قانون تطوير الأزهر عام 1381هـ/1961م.

وكان البهي قد أعرب عام 1358هـ/1936م عن رأيه في الدراسة بجامعة الأزهر بعدم اقتصار الدراسة على العلوم الدينية وحدها فتحقق ما أراده عام 1382هـ/1962م حيث اشتملت الدراسة على دراسات علمية أخرى.

وفي ربيع الآخر 1382هـ/سبتمبر 1962م عين وزيرا للأوقاف وشئون الأزهر وكان يتطلع لإنشاء شعبة خاصة في كلية البنات باسم شعبة الثقافة العامة مهمتها التنوير العام من نواحي تدبير المنزل ورعاية الأسرة وذلك من خلال تنظيم محاضرات مفتوحة لكل ربة بيت، ولكنه لم يتمكن من تجسيد فكرته على أرض الواقع.

وفي ذي القعدة 1383هـ/مارس 1964م عين مرة أخرى مديرا لجامعة الأزهر فاستقال وعين أستاذا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة القاهرة.

كما شارك البهي في أعمال المجلس الأعلى للفنون والآداب، والمؤتمر الثقافي الأول لجامعة الدول العربية بالإسكندرية عام 1369هـ/1950م وفي الندوة الإسلامية العالمية بجامعة برنستون ومكتبة الكونجرس عام 1372هـ/1953م والندوة الإسلامية العالمية بلاهور 1377هـ/1958م، واختير عضوا بمجمع البحوث الإسلامية ومستشارا في المؤتمر الإسلامي بالقاهرة، كما زار الملايو وإندونسيا والفلبين في صحبة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر.

وعندما بلغ الستين من عمره ترك التدريس ورفض قرار مجلس الوزراء بمد خدمته خمس سنوات أخرى وآثر التفرغ للكتابة والتأليف إلى أن وافته المنية في 22 من ذي القعدة 1402هـ/10 من سبتمبر 1982م عن عمر يناهز سبعة وسبعين عاما.

وبعد وفاته منح اسمه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى بمناسبة الاحتفال بالعيد الألف للأزهر.

كما تبرعت أسرته بمكتبته لمسجد النور بالعباسية وتضم 2250 كتابا منها 38 من مؤلفاته، بالإضافة لكتب بلغات مختلفة في الأدب العالمي والإسلاميات والتراجم وسجلات للمؤتمرات والندوات الإسلامية.

مشروعه الفكري

تأثر البهي بآراء الشيخين محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغطى بكتاباته تاريخ الفكر الإسلامي منذ نشأته حتى وقتنا الحاضر.

وفي فترة الستينيات تحمس البهي للاشتراكية العربية بوصفها نظاما حتميا لإعادة الوضع الإسلامي باعتبار الاشتراكية العربية نظاما يجمع بين الملكية العامة في مصادر الإنتاج الرئيسية والملكية الخاصة والإيمان بالله وبدينه والمساواة، ومن هنا كانت دعوته لعلماء المسلمين للمشاركة في مساندة هذا النظام بالفقه والفلسفة الإسلامية وتحرير الاقتصاد القومي. لكن التجارب أثبتت فشل الشعارات التي رفعتها الاشتراكية العربية ما خيب آمال البهي فيها فعدل عن وجهته الاشتراكية وحذف الكثير مما كتبه عنها من كثير من كتبه عند إعادة طبعها وتمسك فقط بالحلول الإسلامية الخالصة.

كما وقف البهي ضد تيار الفكر المادي التاريخي وأوضح مدى تخلف الفكر الماركسي اللينيني وفشله في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتصدى للرد على رشدي صالح حين كتب عن ابن خلدون محاولا استلهام شخصيته وتطويع أفكاره من أجل الدعوة للماركسية.

وفي الوقت نفسه وجه سهام النقد للفكر الغربي الاستعماري لرغبته في إبقاء المسلمين في موقع التخلف.

ويركز البهي على الحلول الإسلامية وليس المستوردة من الشرق أو الغرب ولكنه لا يدعو للانغلاق الفكري بل كان يدعو للتأني والقراءة النقدية للفكر الوافد.

وكان العالم الوحيد الذي جهر في مؤتمر علماء المسلمين الذي انعقد بالقاهرة عام 1392هـ/1972م بأن الإسلام دعوة وليس ثورة وأن الإسلام لا يقر الانقلابات العسكرية ولا تأميم ومصادرة ممتلكات الناس.

رفض البهي مفهوم التجديد الذي ساد في كتابات بعض المفكرين في القرن العشرين من أمثال علي عبد الرازق وطه حسين وغيرهم ممن تأثروا بالفكر الغربي، واعتبر هذا التجديد تقليدا للفكر الأوروبي، وتبنى في مقابل مفهوم التجديد مفهوم الإصلاح الديني الذي قصد به رد الاعتبار للقيم الدينية، ودحض ما أثير حولها من افتراءات وشبهات.

إنتاجه الفكري

ترك الدكتور محمد البهي إنتاجا فكريا غزيرا ومتنوعا كتب معظمه في العشرين عاما الأخيرة من حياته بعد أن تفرغ للتأليف، وقد بلغ عدد الكتب التي ألفها 23 كتابا إضافة إلى 60 رسالة صغيرة في شئون الفكر والفقه والمجتمع الإسلامي وإصلاح الأزهر.

كما قام بتفسير 23 سورة من سور القرآن الكريم وجزء عم كله تفسيرا موضوعيا حيث قسم سور القرآن إلى مكية ومدنية وبدأ بتفسير السور المكية، وقد جعل عنوانها "القرآن في مواجهة المادية" وكان في نيته أن يتم تفسير السور المدنية بتقسيمها إلى قسمين: الأول: "القرآن في بناء المجتمع"، والآخر: "القرآن في تنظيم المجتمع" ثم يجمع التفاسير الثلاثة في مجلد واحد يكون الأول من نوعه، إلا أن المنية وافته قبل استكمال هذا المشروع الرائد.

وكان زواجه من ابنة الشيخ علي الغاياتي صاحب جريدة "منبر الشرق" الذي عاش منفيا في جنيف أكثر من ربع قرن يدافع عن مصر من منفاه بعد أن أصدر ديوان "وطنيتي" الذي عرضه للمحاكمة والتشريد، الأمر الذي تأثر به البهي في بعض مؤلفاته التي يأتي في مقدمتها كتابه المشهور "الدين والحضارة الإسلامية"، إلى جانب ثلاثة مؤلفات كبيرة في الشئون الإسلامية والفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي. وقد ترجمت هذه المؤلفات إلى اللغات الإنجليزية والتركية والإندونيسية إلى جانب مؤلفين وضعهما باللغة الألمانية ومؤلف آخر باللغة الإنجليزية.

ويعد كتاب "الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي" أهم مؤلفاته المبكرة في الفلسفة الإسلامية، حيث أجاب فيه على عديد من التساؤلات التي تدور بالأذهان حول الفلسفة وسر تفوق علماء المسلمين فيها وكيف وفق الفلاسفة المسلمون بين الفلسفة والدين.

وفي مجال الإفتاء له موسوعة فتاوى بعنوان "رأي الدين بين السائل والمجيب في كل ما يهم المسلم المعاصر" يعرض فيها بأسلوب مبسط كثيرا من مشاكل الحياة المتنوعة في مجتمعنا الإسلامي المعاصر منطلقا من أن القرآن منهج حياة.

وفي كتابه "القرآن والمجتمع" يحرص على توضيح هذه الصورة أكثر بتأكيده على المنهج القرآني الذي يحقق سكن النفس وسيادة علاقات المودة والرحمة داخل المجتمع.

مواجهات فكرية

أما الكتاب الذي نال به شهرته في العالم العربي والإسلامي فكان كتاب "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي"، الذي عرض فيه للاتجاهات الفكرية تجاه الاستعمار، سواء تلك التي خالفته أو قاومته أو مالأته، ودعا فيه إلى رفض التجديد الذي هو تقليد للغرب وتبني الإصلاح الديني الرشيد بديلا له.

ويكتسب الكتاب أهميته من حيث أنه جعله مواجهة مباشرة مع تيارات فكرية مستترة وراء عناوين خادعة وهي في جوهرها محاولة لفصل المسلمين عن دينهم، لذا كشف في كتابه عن قيم الإسلام وصلاحية هذه القيم وحدها لحل المشكلات المادية المعاصرة، وبسبب المعارك الفكرية التي خاضها البهي مع أصحاب هذه الأفكار. تعرض الكتاب للمصادرة والمنع لعشر سنوات وعاد في السبعينيات حين تراجعت حدة هذه الأيديولوجيات المغايرة للإسلام.

وكتب الدكتور البهي أيضا "الفكر الإسلامي والمجتمع المعاصر"، و"الفكر الإسلامي في تطوره"، وغير ذلك من الكتب.

وفي عديد من مؤلفاته يواجه البهي المادية والمذاهب الأخرى الهدامة مثل "تهافت الفكر المادي"، و"الإسلام ومواجهة المذاهب الهدامة"، و"القرآن والمادية"، و"العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق"، و"مفاهيم يجب الوقوف عندها في لغة اليسار العربي"، كما كتب في التربية والاجتماع والعقيدة وغيرها من مناحي الفكر الإسلامي.

وقبل وفاته بعامين كتب سيرته الذاتية بعنوان "حياتي في رحاب الأزهر: طالبا وأستاذا ووزيرا" وهو بمثابة وثيقة هامة تسجل أحداث حياته جنبا إلى جنب مع التطورات السياسية والأحداث التي مر بها الأزهر.

وما زالت مؤلفاته تمثل معينا لا ينضب للباحثين والمفكرين ومرجعا أصيلا للفكر الإسلامي الإصلاحي في العصر الحديث.

المراجع

1. محمود حمدي زقزوق. من أعلام الفكر الإسلامي الحديث، القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، سلسلة دراسات إسلامية، العدد 152، صفر 1329هـ/فبراير 2008.

2. زكي الميلاد. د. البهي والفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، مجلة الكلمة، العدد 54 السنة الرابعة عشرة، شتاء 2007.

3. محمد خير رمضان يوسف. معجم المؤلفين المعاصرين، الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، السلسلة الثالثة، 1425هـ/2004م، الجزء الثاني، ص554.

4. محمد خير رمضان يوسف. تتمة الأعلام للزركلي، المجلد الثاني، بيروت: دار ابن حزم، 2002م، ص ص 133-134.

5. أحمد العلاونة. ذيل الأعلام، جدة: دار المنارة، 1998، ص 169-170.

6. محمود حبيب. شيخ المشايخ الدكتور محمد البهي، جريد الأخبار المصرية، 25 من رمضان 1425هـ/10-12-2001م.

7. كمال عبد الوهاب. محمد البهي العالم الصارم، منبر الإسلام، العدد 64، شوال 1426هـ/نوفمبر 2005م، ص ص 117-121.

http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=1&ID=31&UICollectionID=20


الخميس، 17 أبريل 2008

المستشار سالم البهنساوي .. مناهض التكفير والتغريب


أمل خيري


يعد المستشار سالم البهنساوي أحد رواد الوسطية الإسلامية، نذر حياته للدعوة الإسلامية وتأصيل الفكر الوسطي بلا إفراط ولا تفريط. تصدى للفكر التغريبي العلماني والشيوعي، كما قاوم الفكر التكفيري وفند دعاواه الزائفة، وسخر قلمه على مدى حياته للدفاع عن الإسلام ووسطيته، واستعان بكل الوسائل لبيان مقاصد الشريعة الإسلامية، دافع عن السنة النبوية والشريعة الإسلامية، وعرف كفقيه قانوني ضليع؛ ما أهله للمشاركة في صياغة
العديد من القوانين في البلاد العربية وفق الشريعة الاسلامية.

النشأة والتكوين

ولد سالم علي إمام البهنساوي في قرية السعديين بمحافظة الشرقية في مصر عام 1350هـ/ 1932م، حفظ القرآن الكريم صغيرا وكان من الرعيل الأول الذي التحق بدعوة الإخوان المسلمين في مصر منذ أن كان طالبا في المرحلة الثانوية في الأربعينيات من القرن الماضي، حصل على ليسانس الحقوق في جامعة فؤاد الأول بمصر عام 1374هـ/ 1955م (جامعة القاهرة حاليا).

ساعدته نشأته في أجواء عائلية ملتزمة على الارتباط بالعمل الدعوي باكرا، وبسبب التزامه بالنهج الإسلامي تعرض البهنساوي للاعتقال وهو طالب عام 1373هـ/ 1954م إثر مشاركته في الإضرابات التي قام بها طلاب الجامعة اعتراضا على قرار تنحية الرئيس محمد نجيب، وأعيد اعتقاله في جمادى الأولى 1385هـ/ سبتمبر 1965م تنفيذا لقرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي أعلنه من موسكو أثناء زيارته للإتحاد السوفييتي باعتقال ثلاثين ألفا من الإخوان المسلمين من بينهم كل من اعتقل سابقا في الخمسينيات. ووجهت إلى البهنساوي تهمة إلقاء محاضرات عن الإسلام والشيوعية بالدقهلية بمؤسسة الثقافة العمالية وكذلك بالمعهد التجاري العالي بالمنصورة، وكان البهنساوي في محاضراته قد قام بفضح الشيوعية ودعاواها الكاذبة وحمل على من افتروا على الدعوة الإسلامية كذبا وأفتوا بعدم وجود تعارض بين الإسلام والشيوعية. وفي هذه المرة امتدت فترة اعتقاله إلى ست سنوات كاملة تنقل فيها بين معتقلات السجن الحربي وأبي زعبل وليمان طرة، تعرض فيها لشتى أنواع التعذيب الذي تحمله صابرا محتسبا ولم يفرج عنه إلا في ربيع الأول 1391هـ/ مايو 1971 بعد تولي الرئيس الراحل أنور السادات الحكم في مصر وقيامه بتصفية المعتقلات.

عمل البهنساوي مديرا لإدارة التأمينات بمدينة المنصورة في الفترة من عام 1375-1380هـ / 1956-1959م، ثم انتقل للعمل مديرا للتأمينات الاجتماعية بمدينة شبين الكوم في الفترة من 1380-1384هـ / 1959-1964م.

الفقيه القانوني

عام 1393هـ/ 1973م سافر البهنساوي لدولة الكويت حيث عمل بالهيئة العامة لشئون القصر بوزارة العدل، وظل في منصبه هذا حتى بلوغه سن التقاعد. وفي هذه الفترة شارك البهنساوي في صياغة بعض القوانين الخاصة بالهيئة وفق مبادئ الشريعة الإسلامية مثل قانون شئون القصر، كما ساهم في صياغة قانون إنشاء الهيئة الأساسي عام 1403هـ/ 1983م والذي ما زال معمولا به إلى الآن، كما شارك في صياغة بعض القوانين المستنبطة من الشريعة الإسلامية في دول أخرى، وعمل مستشارا للجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة، قدم خلالها العديد من الأبحاث وأوراق العمل وشارك في العديد من المؤتمرات، كما اختير مستشارا لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية وذلك للاستفادة من خبراته منذ عام 1421هـ/ 2001م.

وتطوع البهنساوي كذلك كمستشار قانوني للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ما أهله للمشاركة في صياغة العديد من الدساتير والقوانين لبعض الدول العربية والإسلامية نظرا لفقهه واجتهاده.

نذر البهنساوي حياته للدعوة الإسلامية حتى نهاية حياته، فقد شارك في مؤتمر الوسطية الذي نظمته الكويت لنشر الإسلام بين مسلمي الإتحاد السوفيتي وكان مكان انعقاد المؤتمر بباكو عاصمة أذربيجان، وتوجه البهنساوي لباكو وبعد أن صلى فجر يوم الجمعة 3 من صفر 1427هـ/ 3 من مارس 2006م صعدت روحه إلى بارئها بعد يوم شاق قضاه بالمؤتمر شارحا وسطية الإسلام ومشاركا في نقاشات حامية، وحمل جثمانه لدولة الكويت حيث ووري في ثراها بعد أن بذل نفسه في خدمة الدعوة الإسلامية.

منطلقاته الفكرية

ارتكزت منطلقات البهنساوي في كتاباته على حقيقة عالمية الإسلام وشموليته وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان، وأن التمكين لهذا الدين لا يتأتي إلا بتضافر جهود الدعاة المخلصين والعمل الجماعي المنظم ومراعاة آداب الخلاف ومعالجة الأخطاء باللين.

وكتب البهنساوي ما يربو على عشرين كتابا في الفقه والدعوة، وتميزت مؤلفاته بسعة الأفق وعمق الأفكار والمناقشة المتعمقة للعديد من القضايا الخلافية ومن بين هذه القضايا التي تعرض لها مناقشته للغزو الفكري للتاريخ والسيرة النبوية ومناقشته للخلاف بين الشيعة والسنة ومناقشته لقضية السلام بين العرب وإسرائيل.

وكانت بداياته في التأليف عام 1376هـ/ 1957م حين كتب "الوجيز في العبادات" ثم "الإسلام والتأمينات الاجتماعية" عام 1383هـ/ 1963م وتوالت بعدها مؤلفاته.

ظهر انحياز البهنساوي للأسرة وتمكين المرأة وتفعيل دورها في المجتمع، وحمل على محاولات تهميشها واتخاذها سلعة، فكتب "مكانة المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية".

كما أوضح الحقائق الغائبة في الخلاف بين الشيعة والسنة موضحا أن الحوار من أجل التقريب بين المذهبين لا يمكن أن يتم إلا بإيضاح هذه الحقائق التي يختلف فيها الفريقان، فكتب "الحقائق الغائبة بين الشيعة وأهل السنة" وأوضح فيه أهم الاختلافات بين المذهبين والضوابط والأحكام التي تشمل دعوة التقريب بين السنة والشيعة.

ولإيمانه أن الخلاف سنة من سنن الله في خلقه كتب "أدب الحوار والخلاف" ليسلط الضوء على آداب الحوار وآداب الخلاف في الإسلام عارضا لنماذج من الخلاف والحوارات في القرآن الكريم ليبين أسلوب الحوار كما ينبغي وكما بينه القرآن.

أما كتابه "الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديمقراطية" فقدم فيه دراسة عن الخلفاء الراشدين وأهم أعمالهم مع تمحيص الخلافات المروية عنهم في كتب التاريخ، موضحا مكانة الخلافة في الإسلام ومفرقا بين الخلافة والحكومة الدينية كما عرفتها أوروبا، ومبينا أهم الفوارق بين مفهوم سيادة الأمة في كل من الفكر الإسلامي والغربي.

وناقش قضية السلام مع إسرائيل من وجهة نظر كل من الصهاينة والعرب في كتابه "السلام الصهيوني والعجز العربي"، كما كتب عن حرية الرأي وحقوق الإنسان سواء في كتبه أو في مقالاته العديدة التي نشرت في الكثير من الصحف والمجلات العربية والعالمية مثل: المجتمع، والوعي الإسلامي، والدعوة، والأنباء، ولواء الإسلام.

مفكر الوسطية

اشتهر البهنساوي كفقيه وعالم قانون كما تميز بفكره الوسطي الذي يعبر عن وسطية الإسلام وشموليته. نذر نفسه لنشر الفكرة الإسلامية ومناهضة الأفكار المناهضة للإسلام مثل الشيوعية، كما ناقش دعاة التكفير والفكر التكفيري في السجن الحربي وقام بتفنيد مزاعمهم وشارك مع المستشار حسن الهضيبي في تأليف كتاب "دعاة لا قضاة" الذي قدماه للرد على جماعة شكري مصطفي الذي دعا إلى تكفير كل من لا ينتمي للفكرة الإسلامية، ثم كتب البهنساوي كتاب "الحكم وقضية تكفير المسلم" وفند فيه كل ادعاءات التكفيريين ورد عليها بالكتاب والسنة والإجماع، وبذلك ساهم في كشف زيف هذا المنهج التكفيري. وكان هذا الكتاب في أصله مجموعة من المذكرات كتبها وهو في السجن الحربي ثم ما لبث الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق أن طلب منه أن يخرج هذه المذكرات في كتاب لحماية الشباب من الوقوع في هذا الفكر التكفيري، لذا يعد هذا الكتاب المرجع الأول في كشف التكفير ودعاواه الزائفة.

وواجه البهنساوي الفكر الشيوعي وأسلوبه ونهجه في مكافحة التطرف والفكر التكفيري، وذلك في مقاله "العلاج الشيوعي للتطرف الديني.. مساوئ ومهالك". كما ساهم في تأصيل وضبط فكر الشهيد سيد قطب، فكتب "فكر سيد قطب في الميزان"، كما كتب مقاله "رؤية لتباين الآراء حول فكر سيد قطب". كما ألقى الضوء على كتاب "معالم في الطريق" لقطب وأوضح جوانب الحق فيه وذلك في كتابه "أضواء على معالم في الطريق".

وعلى نفس النهج ألقى البهنساوي الضوء على تفسير "في ظلال القرآن"، كما كتب "سيد قطب بين العاطفية والموضوعية" فأوضح الحقائق حول الشهيد ودافع عنه وعن عقيدته.

وفي مجال الذب عن الشريعة الإسلامية كتب "الشريعة الإسلامية المفترى عليها" وكذلك "السنة النبوية المفترى عليها"، وناهض الشبهات التي أثيرت حول الفكر الإسلامي في كتابه "شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر".

واهتم البهنساوي ببيان موقف الإسلام من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي فكتب "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي" الذي صدر بالعربية وترجم للإنجليزية والفرنسية.

وفضح البهنساوي كذلك العلمانية والتهافت العلماني في صحافة الأمة التي تساهم بقدر كبير في توجيه الشعوب فكتب "تهافت العلمانية في الصحافة العربية".

وفي خطوة رائدة نظمت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ندوة تكريمية للمستشار البهنساوي، وأنجزت إدارة العلاقات العامة والإعلام بالهيئة كتيبا وقرصا ممغنطا عنه مشتملا على تعريف بسيرته واستعراض لتراثه الفكري وجهوده في مناهضة الفكر التغريبي والتكفيري ودوره في مجال الفقه القانوني تحت عنوان "المستشار البهنساوي رائد من رواد الوسطية". وما زال المجال مفتوحا للباحثين للكتابة حول التراث الفكري للبهنساوي، وما زالت هناك حاجة ماسة لتجميع هذا التراث والاستفادة منه بما يلائم مكانة المستشار الرائدة في الفكر الإسلامي.

المراجع

1. يوسف عبد الرحمن. البهنساوي.. مفكر واسع الأفق ومؤرخ بارع، مجلة العالمية - ربيع الأول - 1427 هجرية – إبريل 2006م - العدد (192) - السنة الثامنة عشرة.

2. توفيق الواعي. سالم البهنساوي الفارس الذي ترجل، مجلة العالمية - ربيع الأول - 1427 هجرية – إبريل 2006م - العدد (192) - السنة الثامنة عشرة.

3. السيد محمد نوح: مفكر الوسطية، مجلة العالمية - ربيع الأول - 1427 هجرية – إبريل 2006م - العدد (192) - السنة الثامنة عشرة.

4. أسامة الشاهين. المستشار البهنساوي وشؤون القصَّر، دار ناشري للنشر الإلكتروني، 5 من ربيع الآخر 1427هـ/ 3-5-2006م.

5. وفاءً للمستشار الراحل سالم البهنساوي، مجلة المجتمع، عدد 1752، 3 من جمادى الأولى 1428هـ/ 15 من مايو 2007م.

6. حسين الجرادي. رحيل المفكر الإسلامي الكبير المستشار البهنساوي بعد أكثر من نصف قرن وهو يدافع عن وسطية الإسلام، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 493، 3 من ذي الحجة 1427هـ/ 2006-12-23م.

7. عصام العريان. المستشار سالم البهنساوي المفكر والفقيه الذي فقدناه، مجلة المجتمع، عدد 1693، 18 من صفر 1427هـ/ 18 من مارس 2006م.

http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=4&ID=32&UICollectionID=20


الأربعاء، 16 أبريل 2008

مصطفى الزرقا.. فقيه العصر

أمل خيري

مصطفى الزرقايمثل العلامة مصطفى الزرقا نموذجا فريدا في الجرأة والتجديد والاجتهاد، فقد نذر حياته لوضع الأسس العلمية للفقه المعاصر الذي يراعي مستجدات العصر، وشارك في تأسيس العديد من المجامع الفقهية، وفي الموسوعة الفقهية الكويتية، واختير لجائزة الملك فيصل العالمية تقديرا لجهوده الفقهية وإسهاماته في المؤتمرات الفقهية والقانونية، واعتبرته كثير من الدول العربية مرجعا فقهيا وقانونيا نظرا لإسهاماته الجليلة في صياغة وشرح القوانين الوضعية ومقارنتها بالشريعة الإسلامية. وتأتي سلسلته الفقهية الرائعة "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد" على رأس مؤلفاته التي نال بها شهرته ومكانته في حقل الدراسات الفقهية في العالم الإسلامي.

النشأة والتكوين

ولد مصطفى بن أحمد بن محمد الزرقا، في مدينة حلب بسورية 1322هـ/ 1904م، لأسرة علمية أطلق عليها العلامة الشيخ علي الطنطاوي "سلسلة الذهب"؛ فوالده الشيخ الفقيه أحمد الزرقا مؤلف (شرح القواعد الفقهية)، وجده علامة حلب الفقيه العمدة المحقق الشيخ محمد الزرقا المتوفى 1343هـ/ 1924م، وكلاهما من كبار علماء مذهب الأحناف، في حلب الشهباء.

نشأ مصطفى الزرقا في هذه البيئة العلمية التي كان لها أكبر الأثر في حفزه على طلب العلم وبدت عليه أمارات النجابة منذ طفولته الباكرة فحفظ القرآن الكريم في الكتاب على يد الشيخ محمد الحجار ثم التحق بالمدرسة الابتدائية فالثانوية الخسروية الشرعية فدرس علومه الدينية على شيوخ بلده، كما درس العلوم العصرية واللغة الفرنسية دراسة خاصة، حيث ألحقه والده بمدرسة ألفرير الفرنسية ونال الشهادتين الرسميتين الشرعية والثانوية، حيث نال شهادة البكالوريا في شعبة العلوم والآداب وكان ترتيبه الأول على سورية ثم انتقل لدمشق فنال شهادة البكالوريا مرة أخرى في شعبة الرياضيات والفلسفة وحصل على الترتيب الأول أيضا؛ ما أهله للالتحاق بكليتي الحقوق والآداب بالجامعة السورية في الوقت نفسه عام 1349هـ/ 1930م ونال شهادتيهما بتفوق بعد ثلاث سنوات وأيضا كان ترتيبه الأول على الدفعتين، وكان أول من جمع بين الفقه والقانون والأدب في سورية.

بعد تخرجه عمل بالمحاماة أمام المحاكم المختلطة والوطنية بحلب لعشر سنوات لم يتوقف فيها عن استكمال دراسته العليا حيث حصل على دبلوم الشريعة الإســلامية من كليـة الحقوق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) عام1367هـ/ 1947م.

الفقيه الموسوعي

تولى مصطفى الزرقا التدريس في وقت مبكر مكان والده في المدرسة الخسروية والشعبانية وأيضا في الجامع الأموي بحلب وجامع الخير، وفي عام 1364هـ/ 1944م انتقل لكلية الحقوق بدمشق حيث أصبح أستاذا للشريعة والحقوق المدنية ورئيسا للقسم حتى أحيل للتقاعد عام 1386هـ/ 1966م وشارك في التدريس بكلية الشريعة بدمشق لمادة الحديث النبوي وقام بالتدريس في معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية، كما قام بالتدريس في كلية الشريعة بجامعة الأردن.

وعلى صعيد المناصب الحكومية تولى الزرقا وزارة العدل والأوقاف مرتين، كما انتخب عضوا في مجلس النواب السوري في دورتين تشريعيتين عامي 1374هـ/ 1954م، و1384هـ/ 1964م نائبا عن مدينة حلب، وشكل مع إخوانه النواب الكتلة الإسلامية برئاسة د.مصطفى السباعي.

أما على المستوى الموسوعي فقد شارك في مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي بباريس سنة 1371هـ/ 1951م والذي كان من توصياته العمل على إنشاء موسوعة فقهية، فاشترك الزرقا مع بعض زملائه من سوريا ومصر - مثل الدكتور مصطفى السباعي ومعروف الدواليبي والشيخ محمد أبو زهرة - في مشروع الموسوعة الفقهية بكلية الشريعة بدمشق، إلا أن العمل تعطل بها بعد انفصال سورية عن مصر عام 1381هـ/ 1961م، فتبنت الكويت هذه الموسوعة حيث اختارت وزارة الأوقاف في الكويت مصطفى الزرقا خبيرا في الموسوعة الفقهية وأمينا عاما لها سنة 1386هـ/ 1966م، وعلى مدى خمس سنوات ساهم خلالها في إنجاز الموسوعة الفقهية حيث أنجز 51 موضوعا موسوعيا على المذاهب الفقهية الثمانية بالإضافة لمعجم للفقه الحنبلي.

جوائز ومؤتمرات

وتقديرا لجهوده المميزة في مجال الفقه والشريعة الإسلامية منح مصطفى الزرقا جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية في مجال الدراسات الفقهية وذلك عام 1404هـ/ 1983م عن كتابه "المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي" وهو الجزء الثالث من سلسلة الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد.

ونتيجة لإتقان الزرقا العديد من اللغات الأجنبية مثل الفرنسية والإنجليزية والألمانية بالإضافة إلى تفوقه العلمي فقد شارك الزرقا في العديد من المؤتمرات الدولية مثل مؤتمر الحقوق المقارنة الذي عقد بلاهاي عام 1356هـ/ 1937م، ومؤتمر المحامين الدولي بباريس عام 1409هـ/ 1948م، كما شارك في وضع العديد من مشروعات القوانين في الدول العربية وفي تنقيح بعض منها مثل قانون الأحوال الشخصية السوري عام 1372هـ/ 1952م، والقانون المدني الأردني، ورأس لجنة مشروع القانون الموحد للأحوال الشخصية لمصر وسوريا أثناء وحدتهما من 1378-1381هـ/ 1958-1961م، واختارته إدارة التشريع والبحوث في الأمانة العامة بجامعة الدول العربية عضوا خبيرا بين لجنة الخبراء الذين اختارتهم لوضع مشروع قانون مدني موحد للبلاد العربية، يستمد من الفقه الإسلامي ويفي بالحاجات الزمنية الحديثة، وذلك منذ عام 1398هـ/1978م، ولا تزال اللجنة تواصل عملها. واختير الزرقا عضوا في مجلس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن، وشارك الزرقا في تأسيس وتطوير مناهج عدد من الجامعات، وفي عام 1398هـ/ 1978م اختارته رابطة العالم الإسلامي عضوا في المجمع الفقهي حيث ساهم بتقديم العديد من الدراسات الفقهية المعاصرة.

ومنذ عام 1410هـ عمل الزرقا مستشارا فقهيا في شركة الراجحي وظل يعمل بها حتى وافته المنية أثناء أداء عمله بمدينة الرياض يوم السبت 19 من ربيع الأول 1420هـ/ 3-7-1999م عن عمر يناهز 95 عاما قضاها في الدعوة إلى الله وخدمة العلم الشرعي والفقهي وإثراء المكتبة الفقهية بالعديد من المؤلفات.

منهجه الفقهي

ساهم مصطفى الزرقا في إرساء منهج فقهي جديد يعتمد على المنهج التجديدي والذي تتمثل أهم ملامحه في إدراكه لأهمية المعرفة القانونية من مصادرها وانتقال طريق عرض الفقه الإسلامي من الشكل الفروعي إلى الشكل الموضوعي. إنه لم يقتف آثار من سبقوه من شراح مجلة الأحكام الشرعية الذين جعلوا الفقه فتاوى وقضايا وجزئيات بل اتبع منهج تدريس القانون المدني في فرنسا وطبقه في دراسة الفقه الإسلامي بتصنيفه موضوعيا.

وقام بالمقارنة بين قوانين كثير من الدول العربية وبين الفقه الإسلامي وأثبت رجحان الفقه الإسلامي والأحكام الفقهية بالأدلة العلمية. وكان الزرقا من أكبر الدعاة إلى توجيه البنوك الإسلامية واستحداث أنظمة إدارية لها مستقاة من الشريعة الإسلامية.

كما دعا للاجتهاد الجماعي جنبا إلى جنب مع الاجتهاد الفردي، فكان من أوائل من دعا لتأسيس المجامع الفقهية وشارك في العديد منها وشدد على أهميتها في تداول المشورة والخبرات بين الفقهاء، إلا أن هذا الاجتهاد الجماعي لا يلغي دور الاجتهاد الفردي لكل فقيه على حدة.

ومن ملامح تجديده الفقهي رفضه لقياس مستحدثات العصر على اجتهادات الفقهاء السابقين؛ لذا كان يدعو للاجتهاد في الأمور المستجدة والانطلاق من فقه الواقع، مع ملاحظة ظروف النصوص التي استندت إليها الأحكام وكذلك ظروف اجتهادات الفقهاء ومعطيات عصرهم.

ويشدد الزرقا على دور العقل في فهم النصوص؛ ولذا لا تكاد تخلو فتاواه من بيان المقاصد الشرعية التي استند إليها في رأيه مع تحذيره للتعصب الأعمى للحكم دون نظر.

تراثه الفكري

كتب الزرقا الكثير من المقالات في عديد من المجلات الإسلامية مثل الشهاب والأمة القطرية والمسلمون وغيرها، وشارك بالعديد من الأبحاث والدراسات في المؤتمرات التي شارك بها، كما ترك ثروة نفيسة من الكتب في عدة مجالات يأتي الفقه والقانون على رأسها جميعا.

وتعود مساهمة الزرقا في التأليف والتحقيق إلى سني عمره المبكرة حيث نشر أول كتابين له وهو في الثالثة والعشرين من عمره، كان الأول تحقيقا لكتاب "المذكر والمؤنث" للفراء، والآخر تحقيق كتاب "مختصر الوجوه في اللغة" للخوارزمي.

أما في مجال الفقه والقانون فقد أبدع وأخرج النفائس الفقهية والشروح القانونية؛ فقد أخرج السلسلة الفقهية بعنوان "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد" في أربع مجلدات من بينها "المدخل الفقهي العام"، و"المدخل إلى نظرية الالتزام"، و"العقود المسماة في الفقه الإسلامي"، وكتب سلسلة أخرى في "شرح القانون المدني السوري". وتميزت السلسلة الفقهية بالمقارنات المهمة بالقانون، كما تميزت السلسلة القانونية بالمقارنات بالفقه، وكل هذه المقارنات في السلسلتين تبرز بوضوح مزايا الفقه الإسلامي وشموله ومنطقيته، واتسمت السلسلة الفقهية بكتابتها بأسلوب منسق يفهمه الطالب والفقيه والقانوني على حد سواء.

وفي كتابه "المدخل لدراسة القانون" قام الزرقا بدراسة مجلة الأحكام العدلية وقد أوضح فيه عظمة الفقه الإسلامي، وقام بتأليف كتابه على الأسلوب الحديث، وتناول في كتاب "المدخل إلى نظرية الالتزام" فهما عاما لنظرية العقود أتبعه بكتاب عن "البيع" فصل فيه أحكام البيع في الإسلام. أما كتاب "الفقه الإسلامي ومذاهبه" فيتوجه به الزرقا إلى المثقف الأجنبي الذي ليس لديه أي خلفية سابقة عن الإسلام فيقدم له فكرة علمية صحيحة عن الفقه الإسلامي واختلاف المذاهب الفقهية وأسبابه الواقعية، وهذا الكتاب في أصله كان بحثا قدمه الزرقا لمنظمة اليونسكو بناء على طلبها لذا فقد تحرى فيه بساطة الأسلوب.

وتعرض الزرقا للجوانب القانونية والاقتصادية لنظام التأمين في كتابه "نظام التأمين" وكان في أصله بحثا قدمه لمؤتمر الاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة عام 1396هـ/ 1976م، كما كتب "الفعل الضار والضمان فيه"، وقدم لكتاب "مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد"، وقدم لكتاب والده النفيس "شرح القواعد الفقهية"، وكتب "الاجتهاد ودور الفقه في حل المشكلات".

وفي مجال فقه الأسرة كتب "أحكام المرأة في الفقه الإسلامي"، و"مشكلات أسرية وعلاجها على ضوء الشريعة الإسلامية والقانون"، كما كتب "الأحوال الشخصية".

وكان الزرقا مصدرا هاما للفتوى في العالم الإسلامي، فقد أصدر العديد من الفتاوى ذات الطابع الاجتهادي، وكان منهجه في الفتوى إصدارها كتابة لا مشافهة حتى لا ينسب إليه أحد فتوى لم يقل بها. وقد قام تلميذه "مجد مكي" بجمع هذه الفتاوى في كتاب "فتاوى مصطفى الزرقا" جمع فيه فتاواه في الدوريات المختلفة، وقدم للكتاب الشيخ يوسف القرضاوي، ولقيت هذه الفتاوى استحسانا من أهل العلم.

ولم تقتصر مؤلفات مصطفى الزرقا على الجوانب الفقهية والقانونية، بل امتدت لمجالات أدبية ولغوية، وكان للزرقا مواهبه الأدبية منذ صغره، وقد جمع كثير من شعره في ديوان أسماه "قوس قزح"، إلا أن اهتمامه الفقهي والقانوني طغى على سائر الجوانب فكانت مدرسته الفقهية وما تزال علامة فارقة في تاريخ الفقه المعاصر.

المصادر:

  1. المستشار عبدالله العقيل: العلامة مصطفى الزرقاء.. الفقيه المجدد، مجلة المجتمع، العدد: 1694، 25 من صفر 1427هـ/ 25-3-2006م.
  2. عبد الرحمن حللي: منطلقات التجديد في فقه الشيخ مصطفى الزرقا، بحث مقدم لندوة جهود علماء حلب في العلوم الإسلامية، حلب: معهد التراث العلمي، صفر 1428هـ/ فبراير 2007م.
  3. مجد مكي: شخصيات وأفكار: مصطفى الزرقا، علي الطنطاوي، عبد العزيز بن باز وآخرون، جدة: دار الراية للتنمية الفكرية، 1425هـ/2004م.
  4. محمد خير رمضان يوسف: معجم المؤلفين المعاصرين، الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، السلسلة الثالثة، 1425هـ/ 2004م، الجزء الثاني، ص 771.

الاثنين، 7 أبريل 2008

الرأسمالية.. حين تحاول أن تكون خيرية


بقلم - أمل خيري

Image
تزايدت في الآونة الأخيرة أعداد وأحجام المؤسسات الخيرية التي ترعاها مؤسسات رأسمالية كبرى، سواء على المستوى الدولي أو على المستوى القومي العربي أو على المستوى القطري في هذا البلد أو ذاك، وإذا كانت مساهمات الأغنياء في التخفيف من معاناة الفقراء ليست بالأمر الجديد، إلا أن الجديد هو سعي تلك المؤسسات لإدارة تلك الأعمال الخيرية بمنطق وأسلوب المؤسسات الاستثمارية، سواء في شكل إقامة مشروعات ربحية تدر دخلا على الفقراء، أو بمنطق وأسلوب الرأسمالية في أكثر صورها فجاجة، وهو ربما ما دعا البعض إلى الكتابة لدعم هذا الاتجاه واصطك له من المصطلحات ما يناسبه حيث أطلق عليه ماثيو بيشوب Matthew Bishop المحرر الاقتصادي في مجلة الإيكونوميست على سبيل المثال مصطلح Philanthrocapitalism أو الرأسمالية الخيرية؛ وهو ما أثار إلى تصاعد الجدل حول موارد المال ومصارفه وطريقة إدارته وفق النموذج الرأسمالي، وزحف ذلك النموذج على العمل الخيري وتأثيراته، وهو النقاش الذي نرى ضرورة متابعته، حيث لم تعد بلادنا بمنأى عن هذا النموذج سواء من ناحية الفكر أو الممارسة.
الرأسمالية الخيرية
تعني الرأسمالية الخيرية تطبيق المبادئ التي تحكم عمل المؤسسات الرأسمالية وآليات السوق على مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والتطوعية بما يتضمن تسخير قوة آليات السوق والاستثمار وفق مبادئ الربح والخسارة لتحقيق أهداف الحراك الاجتماعي، وهذا الاتجاه ربما له ما يعززه، على سبيل المثال إذا نظرنا للاستثمارات الضخمة التي وجهتها مؤسسات ربحية استثمارية نحو تقديم الدعم للفقراء وتوسيع فرص الحصول على قروض صغيرة كمؤسسة بيل وميليندا جيتس ومبادرة بيل كلينتون العالمية وغيرها، مما يؤكد مدى قدرة الرأسمالية الخيرية على توسيع فرص الحصول على السلع والخدمات الهامة وإمكانية اضطلاعها بدور إيجابي في تعزيز قدرات وإمكانات المجتمع المدني.
وهذا ما دفع مايكل إدواردز لتأليف كتابه الأخير "مجرد إمبراطور آخر: الحقائق والأساطير حول الرأسمالية الخيرية" لمناقشة التحديات التي تواجه تطبيق المبادئ الرأسمالية في العمل الخيري، حيث يعرض للاتجاه الذي ينظر للرأسمالية الخيرية على أنها وعد جديد بتحقيق التغيير الاجتماعي عن طريق حل مشاكل المجتمع المستعصية، ولكنه يتساءل عن مدى صحة هذا الاتجاه، أي هل تعتبر الرأسمالية الخيرية نعمة أم نقمة أم أنها في مكان ما بينهما؟
غلاف كتاب "just another emperor?"
وهو ما أعاد تأكيده في مقاله الأخير في موقع الديمقراطية المفتوحة "open Democracy"تحت عنوان: "Philanthrocapitalism: after the goldrush"، والذي نشره مؤخرا في 19 مارس 2008.
مرونة المصطلح
يؤكد مايكل إدواردز أن مصطلح الرأسمالية الخيرية من المصطلحات المرنة، حيث يتشابه مع مفاهيم أخرى مثل الشراكة الاجتماعية أو العمل الخيري الاستثماري أو المشروعات الاجتماعية أو المسئولية الاجتماعية المشتركة إلا أنه يتمايز عن هذه المفاهيم جميعا في ثلاث عناصر أساسية:
  1. الموارد: حيث يجرى توجيه مبالغ ضخمة جدا لعمل الخير من الأرباح الهائلة التي جناها عدد قليل من الأفراد في قطاع تكنولوجيا المعلومات في العقد الأخير.
  2. الوسائل: حيث يبرز الادعاء بأن الأساليب المستمدة من القطاع الرأسمالي لديها القدرة على حل المشكلات الاجتماعية بل إنها تتفوق على الأساليب المستخدمة حاليا في مؤسسات المجتمع المدني.
  3. الإنجازات: وهنا يأتي الادعاء بأن هذه المبادئ الرأسمالية يمكنها أن تحقق الحراك الاجتماعي علاوة على زيادة فرص الحصول على السلع والخدمات.
وبتفنيد هذه الادعاءات يمكننا أن نرى بوضوح من خلال التجارب قدرة الاستثمارات الخيرية على توفير فرص متساوية للحصول على السلع والخدمات إلا أنها في نفس الوقت ضعيفة الأثر في تحقيق الحراك الاجتماعي؛ لأن التغيير المنهجي يجب أن يشمل أيضا الحركات الاجتماعية والسياسية ودور الدولة وهي كلها أمور تتجاهلها هذه التجارب.
الكاتب مايكل ادواردز
وإذا نظرنا على نطاق أضيق نجد أن هناك مبادرات ناجحة عادت بالنفع على المجتمع مثل مبادرة جوجل Google بمشروع حاسوب محمول لكل طفل اعتمادا على تصنيع حواسيب رخيصة تستخدم البرمجيات مفتوحة المصدر، إلا أن هذه التجارب على الرغم من أهميتها لا تدلل على إمكان استمرار نجاحها، فعلى سبيل المثال أجري مسح لخمس وعشرين من المشاريع المشتركة في الولايات المتحدة، وقد أظهرت النتائج أن 22 من هذه الشركات قد أظهرت انحرافا عن رسالتها الاجتماعية الخيرية مقابل توسيع أنشطتها الربحية.
في المقابل هناك العديد من الجمعيات الخيرية التي لم تطبق آليات السوق قد نجحت في حفز الموظفين والمتطوعين للوصول إلى أعلى مستويات الأداء.
التأثير على المجتمع المدني
ويتساءل مايكل إدواردز إن كان ثمة دليل على أن المجتمع المدني ككل قد تضرر من جراء هذه الاتجاهات الرأسمالية؟
والواقع يؤكد أن ثمة مجموعة من الإشارات التي ربما تثير القلق من بينها:
  1. الدفع في اتجاه المنافسة والحوافز المادية كدوافع لعمل الخير مقابل الحد من الدوافع الاجتماعية فعلى سبيل المثال دفع أجور للمتطوعين في المؤسسات الخيرية حوّل العمل التطوعي إلى وظيفة تجارية.
  2. إهدار الطاقات والموارد بعيدا عن التغير الهيكلي وبناء المؤسسات والإصلاح لصالح التركيز على الخدمات الاجتماعية والبيئية.
  3. فقدان استقلال المجتمع المدني من جراء اعتماده على الحكومة أو على أصحاب رؤوس الأموال.
  4. تزايد الفجوة داخل المجتمع المدني بين مؤسسات ذات موارد مرتفعة وأخرى ضعيفة الموارد.
  5. تغير العلاقة بين المواطنين والمؤسسات، حيث يحل تقديم المال عن بعد بدلا من المشاركة النشطة من قبل مقدمي الإحسان في هذه المؤسسات.
  6. كنتيجة لما سبق يزداد تآكل المجتمع المدني في عملية التحول الاجتماعي بعد تحوله إلى شيء أشبه بالخصخصة.
وبذلك قد يكون هناك تزايد في عدد وحجم مؤسسات المجتمع المدني، ولكن على حساب ضعف تأثيرها وفاعليتها في إحداث تغييرات حقيقية في المجتمع.
اتجاهات عكسية
وهنا يدور التساؤل لماذا يؤدي إدماج المبادئ الرأسمالية في العمل الخيري لهذه النتائج؟
وتكمن الإجابة على حد قول مايكل إدواردز في أن كلا من الأعمال التجارية والعمل الخيري ليسا متباينين فقط بل إنهما يسيران في مسارين عكسيين من حيث المبادئ، ففي العمل التجاري تأتي المنافسة مقابل التعاون في العمل الخيري، وكذلك الفردية مقابل العمل الجماعي فضلا عن أن العملاء في المؤسسات الرأسمالية ينظر إليهم على أنهم زبائن أو مستهلكون بينما المستفيدون من الجمعيات الخيرية هم مواطنون وبالطبع هناك اختلافات شاسعة بين المستهلك والمواطن.
وهناك مؤسسات الآن أصبحت تضطلع بمهمة تقييم الجمعيات الخيرية وترشيحها للراغبين في الإحسان وعمل الخير بحيث لا يتعين على هؤلاء أن يتصلوا اتصالا مباشرا بهذه الجمعيات أو أن يشغلوا أنفسهم بالمشاركة في أنشطتها كل ما عليهم فقط أن يستثمروا أموالهم في الجمعيات التي تحقق أعلى ربح حسب توصيات مؤسسات التقييم؛ وبالطبع هذه الأموال الموجهة للاستثمار في الجمعيات الخيرية تخصم من الضرائب المستحقة.
إلا أنه مع تدفق الكتب والدراسات والتقارير التي تدعم بقصص نجاح عن الرأسمالية الخيرية لا نجد سوى الاهتمام بالتمويل والأسواق والاستثمار والربح والخسارة، ولكن نادرا ما نجد ذكرا للسلطة والسياسة والعلاقات الاجتماعية وهي الأشياء التي تدفع حقا في اتجاه الحراك الاجتماعي، وبرغم أن هذا المشهد بدأ يتغير قليلا نتيجة الخبرة المتراكمة في مجال الرأسمالية الخيرية خاصة النجاح الذي تشهده مؤسسة بيل جيتس، فإن الغالبية العظمى من المشروعات الاجتماعية تدعم الحلول التقنية وتدفع في اتجاه تحقيق معادلة النجاح التي تساوي في نظرهم (العلم + التكنولوجيا+ السوق).
وفي جميع الأحوال فإن قياس حجم الأعمال والأرباح أسهل بكثير من مسألة قياس الحراك الاجتماعي، كما أنه مع الوقت من المعتاد أن يطغى أحد الأهداف على الآخر، فإذا كان هدف المؤسسة تحقيق الربح وفي نفس الوقت لديها رسالة اجتماعية فإن الكثير من التجارب أثبتت أنه كلما رسخت قدم هذه المؤسسات في السوق أكثر كلما ابتعدت عن تحقيق رسالتها الاجتماعية، وحتى هذه المؤسسات التي انتشرت على شبكة الإنترنت لتقدم النصح للراغبين في التبرع وتوفر قاعدة بيانات للجمعيات مصنفة حسب نوعيتها وحسب درجة ربحيتها ومصداقيتها إلا أنها نادرا ما تقيس التقدم المحرز تجاه تحقيق الحراك الاجتماعي.
تنافس أم تعاون؟
التنافسية أيضا أصبحت محل نقاش داخل هذه المدرسة الفكرية فإذا طبقنا مبادئ السوق على الجمعيات الخيرية فهل ستتنافس فيما بينها على الموارد وعلى جذب المستهلكين؟
هل مثلا ستتنافس الجمعيات التطوعية الخيرية في استضافة الحفلات الخيرية؟ وهل سيتزايد التنافس بين المجموعات التي تتناول قضايا مختلفة مثل فيروس نقص المناعة البشرية أو دعم التعليم؟ ومن الذي من شأنه حقا أن يستفيد؟
الحقيقة تؤكد أن مجال التنافس لا يصلح في العمل الخيري الذي يفترض أن يقوم على التعاون.
وهذا ما دفع مايكل إدواردز إلى تبني فكرة أن التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني المستقلة أفضل من تحقيق المزج بينها أو جعلها تتنافس فيما بينها، وهذا التعاون من شأنه أن يحافظ على استقلالية هذه المؤسسات بما يمكنها من إحداث تغيير حقيقي في الأسواق وليس فقط بتوسيع فرص الحصول على المعونات الخيرية، كما أنه يؤدي لدعم عملية التحول إلى أساليب تحدث أعمق التأثيرات مثل النماذج التجارية الجديدة التي تقوم على فكرة الملكية الجماعية كالبرامج المفتوحة المصدر مما يمكن المواطن من السيطرة على إنتاج وتوزيع الفائض الاقتصادي.
تابع أم قائد؟
تكمن المشكلة في أن هذه المناهج جميعها ليست في قائمة أولويات الرأسماليين الخيرين ربما لرغبتهم في تحويل النظام الاقتصادي كلية وتبني أساليب راديكالية مختلفة تماما في توزيع الأرباح والنفقات، والتغيير المنهجي من شأنه أن يثير التساؤل عن كيفية امتلاك الثروة والتحكم فيها وعن كيفية توزيع الموارد والفرص داخل المجتمع.
وفي نهاية القرن الماضي قامت الحركات الاجتماعية بأدوار هامة لدفع المجتمع للحراك الاجتماعي وبالتأكيد سيمتد نفس هذا الوضع في المستقبل فحركات الحقوق المدنية أو حقوق المرأة أو الجماعات البيئية كلها قامت بفضل جهود المجتمع المدني وتم دعم نفوذ هذه الحركات الاجتماعية باعتبارها قوة لتحقيق الصالح العام، صحيح أن الأعمال التجارية والأسواق لعبت دورا حيويا في تحقيق هذا التقدم، ولكن كتابع وليس كقائد في هذا التغيير.
وإذا كان نجاح العمل الخيري يقاس بتحقيق نواتج ملموسة مثل توفير الوظائف أو الرعاية الصحية أو المأوى، فإن التأثير الأهم يكمن في التغييرات التي يحدثها العمل الخيري في عمليات التحول الاجتماعية والسياسية مما يمكن المجتمعات من المشاركة في جني ثمار النجاح، وسر هذا النجاح يكمن في السيطرة على علاقات القوة وملكية الأصول الثابتة ووضع الفقراء وغيرهم من الفئات المهمشة في مكان الصدارة، وهذا لم يأت مصادفة بل إنه يؤكد الدور الحيوي الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في عملية التحول الاجتماعي ويؤكد مدى احتياج العالم لمزيد من تأثير المجتمع المدني على قطاع الأعمال التجارية، وليس العكس فيحتاج مزيدا من التعاون لا المنافسة، مزيدا من العمل الجمعي لا الفردي، ورغبة متزايدة للعمل معا لتغيير البنى الأساسية التي تبقي معظم الناس فقراء وبهذا يمكننا جميعا أن نحيا حياة أفضل.
الأعراض والعلاج
وفي ختام مقاله يوجز مايكل إدواردز الحقائق المستخلصة حول الجدل الدائر بخصوص الرأسمالية الخيرية فيما يلي:
  1. حان الوقت للتواضع بشأن مدى ما حققته الرأسمالية الخيرية من نجاح فما زلنا لم نلمس نتائج حقيقية.
  2. حان الوقت لمزيد من المحاسبة والمساءلة؛ لأن التركيز المتزايد للثروة والنفوذ بين الرأسماليين الخيريين لا يوفر مناخا صحيا للديمقراطية.
  3. حان الوقت للفصل والتمييز بين الرأسمالية والعمل الخيري؛ لأن استخدام التفكير الرأسمالي يمكن أن يضر بالمجتمع المدني والذي هو عماد السياسة الديمقراطية والتحول الاجتماعي.
  4. الرأسمالية الخيرية هي أحد أعراض عدم التكافؤ والمساواة في المجتمع ولم تثبت حتى الآن قدرتها على تقديم العلاج.
لذا يظل السؤال هل سنستخدم هذه الموارد الهائلة لتحقيق التحول الاجتماعي أم سنبددها في الإنفاق على أعراض المشكلة؟
ولأن المخاطر عالية جدا لذا فإن مايكل إدواردز يدعو جميع المهتمين في ختام مقاله لإجراء نقاش عالمي لتفنيد ادعاءات كل من الرأسماليين الخيريين ومعارضيهم على حد سواء.


المقال منشور بموقع إسلام أون لاين

محمد عابد الجابري .. والمشروع الفكري النهضوي

أمل خيري

يعد محمد عابد الجابري أحد رواد الفكر العربي المعاصرين، فقد أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والدراسات التي تبغي إعادة قراءة التراث العربي كخطوة تمهيدية لازمة للمضي قدما في المشروع النهضوي الذي حمله الجابري على عاتقه على مدى نصف قرن من الزمان.

النشأة والتكوين

ولد محمد الجابري غرة شوال 1354هـ بمدينة فجيج الواقعة في الجنوب الشرقي من المغرب على خط الحدود الذي أقامه الفرنسيون بين المغرب والجزائر، وتتألف فجيج من سبعة قصور - أي تجمعات سكنية - من بينها قلعة زناكة التي ولد فيها الجابري بعد أن انفصلت والدته عن والده، فنشأ نشأته الأولى عند أخواله وكان يلقى عناية فائقة من أهله سواء من جهة أبيه أو أمه. وكان جده لأمه يحرص على تلقينه بعض السور القصيرة من القرآن وبعض الأدعية، وما لبث أن ألحقه بالكتاب فتعلم القراءة والكتابة وحفظ ما يقرب من ثلث القرآن، وما إن أتم السابعة حتى انتقل لكتاب آخر، وتزوجت أمه من شيخ الكتاب فتلقى الجابري تعليمه على يد زوج والدته لفترة قصيرة، ثم ألحقه عمه بالمدرسة الفرنسية فقضى عامين بالمستوى الأول يدرس بالفرنسية.

بدت أمارات التفوق على الجابري حين برع في الحساب كما كان يجيد القراءة في كتاب التلاوة الفرنسية، وكان الانتساب للمدرسة الفرنسية ينطوي على نوع من العقوق للوطن والدين فكان الآباء يخفون أبناءهم ولا يسمحون بتسجيلهم في هذه المدرسة إلا تحت ضغط السلطات الفرنسية.

أتيحت للجابري فرصة الالتقاء بالحاج محمد فرج وهو من رجال السلفية النهضوية بالمغرب الذين جمعوا بين الإصلاح الديني والكفاح الوطني والتحديث الاجتماعي والثقافي، وكان محمد فرج إماما بمسجد زناكة الجامع، فكان الجابري وهو لا يتجاوز العاشرة يواظب على حضور دروسه بعد صلاة العصر، وفي هذه الأثناء راودت شيخه فكرة إنشاء مدرسة وطنية حرة بفجيج، وبالفعل حصل على رخصة من وزارة المعارف لإنشاء مدرسة "النهضة المحمدية" كمدرسة وطنية لا تخضع للسلطات الفرنسية ولا تطبق برامجها، بل يشرف عليها رجال الحركة الوطنية حيث جعلوا منها مدارس عصرية معربة لتصبح بديلا للتعليم الفرنسي بالمغرب، فالتحق الجابري بالمدرسة وتخرج فيها عام 1368هـ/ 1949م بعد أن حصل على الابتدائية. ولم يكن العمل الفكري معزولا عن العمل اليدوي في ذلك الوقت بالنسبة للأطفال حيث كانوا يمارسون الأعمال اليدوية التطبيقية جنبا إلى جنب مع الدراسة.

لبنات الصرح الثقافي

أولع الجابري بالكتابة منذ طفولته فكان يكتب موضوعات في الإنشاء ويكتب مذكرات ومقالات، ويحاول قرض الشعر مستعينا بقاموس المنجد للحصول على القافية المطلوبة، كما كان مولعا بالقراءة. ويذكر أن أول كتاب اشتراه كان كتاب الأخلاق لأحمد أمين والذي ما زال يحتفظ به في مكتبته، وأثناء زيارة والده بمنطقة وجدة أتيحت له فرصة زيارة مكتبة الدرفوفي، وهو ممثل حزب الاستقلال آنذاك بوجدة وأحد الشخصيات الوطنية المرموقة، فأقرضه كتابا من مكتبته العامرة ووعده بالمزيد فور حصوله على الشهادة الابتدائية.

وافتتح الحاج محمد فرج فيما بعد قسما تكميليا للتلاميذ الذين نجحوا في الشهادة الابتدائية، فالتحق الجابري بهذا القسم الذي لم تكن الدراسة فيه منتظمة لعدم وجود مدرسين متفرغين، فكان الحاج محمد وبعض مساعديه من معلمي الابتدائية يتولون تدريس بعض المواد التراثية، الفقهية واللغوية والأدبية، إضافة إلى دروس في التاريخ القديم وحصص في الفرنسية والحساب. ويعد الجابري هذه السنة التكميلية بالنسبة له السنة التأسيسية في حياته الثقافية، فكانت بمثابة اللبنة الأولى في صرحه الثقافي وخاصة على مستوى التعامل مع النصوص التراثية إضافة إلى تنمية ملكة الكتابة لديه.

وفي عام 1369هـ/1950م التحق الجابري بالقسم الإعدادي بمدرسة التهذيب العربية وهي إحدى المدارس الوطنية الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية بوجدة كبديل للتعليم الفرنسي، وقضى الجابري في هذه المدرسة عاما واحدا أتاح له الانفتاح على الدرس المنظم والمعارف العصرية والمنهجية الحديثة.

التحق بعدها بمدرسة عبد الكريم الحلو الثانوية بالدار البيضاء وكان التدريس فيها باللغة العربية مع عناية بالفرنسية كلغة أجنبية أولى وتتلمذ الجابري فيها على العديد من الأساتذة الأكفاء وعلى رأسهم السي بوشتي الجامعي الذي كان من أكثر القادة الوطنيين اهتماما بالتعليم الوطني الحر، ولكن طالته حملة الاعتقالات من قبل المستعمر الفرنسي في صيف 1372هـ/1953م فتوقفت الدراسة في المدرسة، وقد طبعت في ذاكرة الجابري هذه الأزمة السياسية حيث كان قد بلغ الثامنة عشرة وتميزت هذه المرحلة بالقمع المنهجي الشامل الذي مارسته السلطة الفرنسية على الحركة الوطنية والتي توجت بخلع ونفي السلطان محمد الخامس، كما تمثل نصيب الجابري من الأحداث في فرض نظام الإقامة الجبرية على والده، وتوقف الجابري عن الدراسة وعمل مع عمه في دكان للخياطة.

في سلك التدريس

وفي صفر 1373هـ/ أكتوبر 1953م التحق الجابري بالمدرسة المحمدية بالدار البيضاء معلما في القسم التحضيري ثم في أقسام الشهادة الابتدائية، واستطاع عام 1376هـ/ 1956م الحصول على الشهادة الثانوية وشهادة الكفاءة في التعليم الابتدائي، فالتحق كمعلم رسمي بوزارة التربية الوطنية، وفي نفس العام حصل على الشهادة الأولى للترجمة، وفي العام التالي حصل على شهادة البكالوريا ثم التحق بالجامعة في دمشق وحصل على شهادة الثقافة العامة بعدها عاد للرباط فالتحق بكلية الآداب قسم الفلسفة، وفي عام 1378هـ/ 1958م التحق بمعهد ليرميطاج بالدار البيضاء قائما بأعمال المدير ثم مديرا للمعهد، وفي ذي الحجة 1380هـ/ يونيو 1961م حصل على الإجازة في الفلسفة.

وسار الجابري في مسار استكمال دراسته جنبا إلى جنب مع مهمة التدريس إضافة إلى التأليف، ففي هذه الفترة ألف مع بعض زملائه كتابي "دروس الفلسفة"، و"الفكر الإسلامي ودراسة المؤلفات" اللذين أقرتهما وزارة التعليم وقررتهما على طلاب الثانوية، وما إن حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة حتى التحق بكلية الآداب بالرباط أستاذا مساعدا ثم أستاذا، كما أسند إليه مهمة مفتش الفلسفة في التعليم الثانوي المعرب بالمغرب كله، وفي عام 1390هـ/ 1970م حصل على دكتوراة الدولة في الفلسفة، وبناء على هذه الدكتوراة عين أستاذا للتعليم العالي، وفي عام 1422هـ/ 2002م أحيل للتقاعد بعد أن أمضى في سلك التعليم خمسة وأربعين سنة.

الصحافة والوطنية

التحق الجابري بجريدة "العلم" من عام 1376هـ/ 1957م ثم التحق بجريدة "التحرير" سكرتير تحرير متطوعا، حيث واظب على كتابة ركن يومي بعنوان "صباح النور"، وساهم في إصدار مجلة أقلام، وتطوع للعمل بجريدة المحرر، وواظب كذلك على كتابة ركن يومي فيها بعنوان "بصراحة".

كما ساعد في إصدار جريدة فلسطين الأسبوعية، وفي جمادى الأولى 1418هـ/ سبتمبر 1997م أصدر مع محمد إبراهيم بوعلو وعبد السلام بن عبد العالي مجلة "فكر ونقد" حيث يتولى فيها حتى الآن مهمة رئيس التحرير.

وقد تضافر عمل الجابري في الصحافة مع نضاله الوطني، فقد ساهم في انتفاضة 16 من رجب 1378هـ/ 25-1-1959م، كما انتخب عضوا في المجلس الوطني للإتحاد الوطني للقوات الشعبية، واعتقل عام 1382هـ/ 1963م في مؤامرة لتصفية الإتحاد ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى في ذي القعدة 1384هـ/ مارس 1965م.

وما إن خرج من معتقله حتى ساهم في تأسيس النقابة الوطنية للتعليم واستعادة التضامن الجامعي المغربي، كما ساهم في الإعداد للمؤتمر الاستثنائي للإتحاد ثم انتخب عضوا في المكتب السياسي، وفي عام 1401هـ/ 1981م قدم الجابري استقالته النهائية من المكتب السياسي وتفرغ للعمل الثقافي.

التراث والنهضة

قدم محمد الجابري للفكر العربي ثروة من المؤلفات في شتى مجالات الفكر، ففي عام 1391هـ/ 1971م صدر أول كتاب له بعنوان "العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي" وكان أطروحته للدكتوراة، وكان يهدف منه لتقديم آراء ابن خلدون كما هي انطلاقا من نظرة شمولية باعتبارها امتدادا وتطورا للفكر العربي السياسي والاجتماعي على وجه الخصوص.

أما الإشكالية التي شغلت ذهن الجابري طيلة ما يقرب من نصف قرن فهي: هل بإمكاننا بناء نهضة بدون عقل ناهض؟ ولماذا لم تتطور أدوات المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية خلال نهضتها في القرون الوسطى لتمتد حتى يومنا الحاضر؟.

وللإجابة عن هذه التساؤلات كتب الجابري عدة دراسات من أهمها "نحن والتراث" وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات عن شخصيات فلسفية قدم لها برؤيته عن الإطار العام الذي ينتظم التراث الفكري للأمة.

كما كتب "الخطاب العربي المعاصر" الذي أكد فيه على فقدان الذاتية العربية الراهنة لاستقلالها نتيجة تنازع المرجعية العربية الإسلامية مع المرجعية الغربية، ثم كان كتابه الأكثر أهمية "نقد العقل العربي" الذي صدر في ثلاثة أجزاء: "تكوين العقل العربي"، و"بنية العقل العربي"، و"العقل السياسي". ويعد هذا الكتاب من أهم ما قدمه الجابري في مشروعه النهضوي حيث هدف من قراءته للتراث فهم الحاضر كجزء أساسي من مشروع النهضة.

وقد بدأ المشروع الفكري النهضوي للجابري عام 1400هـ/ 1980م وأدى صدور كتبه المتعاقبة في هذا المجال إلى إثراء مجال الدراسات النهضوية. وقد انتشرت أفكار الجابري في أنحاء الوطن العربي في الوقت نفسه الذي لاقت أفكاره انتقادات ودارت حولها المناقشات في عديد من الندوات والمحافل الفكرية.

أما كتابه "حوار المشرق والمغرب" فهو عبارة عن حوارات مطولة بينه وبين المفكر المصري حسن حنفي، تطرقت لقضايا سياسية واجتماعية هامة، وقد أثارت هذه الحوارات ردود فعل واسعة في الأوساط الفكرية والسياسية حتى أطلق عليها "حوار الثمانينيات".

وباعتبار القرآن الكريم النص المرجعي للحضارة الإسلامية أصدر الجابري كتابه "مدخل إلى القرآن الكريم" وكباقي كتابات الجابري فقد أثار جدلا موسعا بين المفكرين والفقهاء، وفي التفسير كتب الجابري "فهم القرآن الكريم".

كما كتب "من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية"، و"المشروع النهضوي العربي".

وفي مجال التعليم كتب "أضواء على مشكلة التعليم" وكان في أصله مجموعة مقالات كتبها في مجلة "أقلام" وكتب أيضا "السياسات التعليمية في المغرب العربي".

وفي مجال الفلسفة كتب "مدخل إلى فلسفة العلوم" ويتكون من جزأين الأول بعنوان: "تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة"، والآخر بعنوان "المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي"، إضافة إلى دراسته الهامة عن ابن رشد.

كما كتب محمد عابد الجابري العديد من المقالات والتي ما زال يثري بها الفكر العربي في عدة مجلات مثل "فكر ونقد" ومجلة "الإتحاد" إضافة إلى سلسلة مواقف وهي عبارة عن كتيبات في حجم الجيب تضم نصوصا بالغة الأهمية تتعلق بمسار الجابري السياسي والفكري في المدة ما بين عامي 1378هـ/ 1959م، و1422هـ/2002م والتي أجمل بعضها في كتاب "حفريات في الذاكرة من بعيد" الذي سجل فيه سيرته الذاتية منذ طفولته المبكرة.

جوائز وأوسمة

حصل الجابري على العديد من الجوائز من بينها "جائزة بغداد للثقافة العربية" التي تمنحها اليونسكو، عام 1418هـ/ 1988م، و"الجائزة المغاربية للثقافة" عام 1419هـ/ 1999م، و"جائزة الدراسات الفكرية في العالم العربي" التي تمنحها فاونديشن إم بي آي تحت رعاية اليونسكو عام 1425هـ/ 2005م، وفي العام نفسه حصل على "جائزة الرواد" من مؤسسة الفكر العربي ببيروت، ونال ميدالية ابن سينا من اليونسكو في حفل تكريم شاركت فيه الحكومة المغربية بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة عام 1426هـ/ 2006م، ومؤخرا فاز بالجائزة الأولى للترجمة التي تمنحها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الإسيسكو) بالاشتراك مع المنظمة الدولية للفرانكفونية في 9 من ربيع الأول 1429هـ/ 16-3-2008م.

كما اعتذر الجابري عن العديد من الجوائز الأخرى مثل جائزة صدام حسين في الثمانينيات، وجائزة المغرب، وجائزة الشارقة التي تمنحها اليونسكو عام 1421هـ/ 2001م، كما اعتذر عام 1422هـ/ 2002م عن جائزة العقيد القذافي لحقوق الإنسان.

وتعددت الدراسات التي تناولت مؤلفات الجابري تحليلا ونقدا ونقاشا، وما زالت أفكاره تثير جدلا في أوساط المفكرين وتغري الباحثين بالكتابة حولها.

المصادر:

1. الدكتور محمد عابد الجابري، حفريات في الذاكرة من بعيد، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1417هـ/ 1997م.

2. عبد العزيز الوهيبي، قراءة في فكر الدكتور محمد عابد الجابري، مجلة البيان، العدد 71.

3. موقع منبر الدكتور محمد عابد الجابري http://www.aljabriabed.net/
http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=5&ID=59&UICollectionID=20