الأربعاء، 16 أبريل 2008

مصطفى الزرقا.. فقيه العصر

أمل خيري

مصطفى الزرقايمثل العلامة مصطفى الزرقا نموذجا فريدا في الجرأة والتجديد والاجتهاد، فقد نذر حياته لوضع الأسس العلمية للفقه المعاصر الذي يراعي مستجدات العصر، وشارك في تأسيس العديد من المجامع الفقهية، وفي الموسوعة الفقهية الكويتية، واختير لجائزة الملك فيصل العالمية تقديرا لجهوده الفقهية وإسهاماته في المؤتمرات الفقهية والقانونية، واعتبرته كثير من الدول العربية مرجعا فقهيا وقانونيا نظرا لإسهاماته الجليلة في صياغة وشرح القوانين الوضعية ومقارنتها بالشريعة الإسلامية. وتأتي سلسلته الفقهية الرائعة "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد" على رأس مؤلفاته التي نال بها شهرته ومكانته في حقل الدراسات الفقهية في العالم الإسلامي.

النشأة والتكوين

ولد مصطفى بن أحمد بن محمد الزرقا، في مدينة حلب بسورية 1322هـ/ 1904م، لأسرة علمية أطلق عليها العلامة الشيخ علي الطنطاوي "سلسلة الذهب"؛ فوالده الشيخ الفقيه أحمد الزرقا مؤلف (شرح القواعد الفقهية)، وجده علامة حلب الفقيه العمدة المحقق الشيخ محمد الزرقا المتوفى 1343هـ/ 1924م، وكلاهما من كبار علماء مذهب الأحناف، في حلب الشهباء.

نشأ مصطفى الزرقا في هذه البيئة العلمية التي كان لها أكبر الأثر في حفزه على طلب العلم وبدت عليه أمارات النجابة منذ طفولته الباكرة فحفظ القرآن الكريم في الكتاب على يد الشيخ محمد الحجار ثم التحق بالمدرسة الابتدائية فالثانوية الخسروية الشرعية فدرس علومه الدينية على شيوخ بلده، كما درس العلوم العصرية واللغة الفرنسية دراسة خاصة، حيث ألحقه والده بمدرسة ألفرير الفرنسية ونال الشهادتين الرسميتين الشرعية والثانوية، حيث نال شهادة البكالوريا في شعبة العلوم والآداب وكان ترتيبه الأول على سورية ثم انتقل لدمشق فنال شهادة البكالوريا مرة أخرى في شعبة الرياضيات والفلسفة وحصل على الترتيب الأول أيضا؛ ما أهله للالتحاق بكليتي الحقوق والآداب بالجامعة السورية في الوقت نفسه عام 1349هـ/ 1930م ونال شهادتيهما بتفوق بعد ثلاث سنوات وأيضا كان ترتيبه الأول على الدفعتين، وكان أول من جمع بين الفقه والقانون والأدب في سورية.

بعد تخرجه عمل بالمحاماة أمام المحاكم المختلطة والوطنية بحلب لعشر سنوات لم يتوقف فيها عن استكمال دراسته العليا حيث حصل على دبلوم الشريعة الإســلامية من كليـة الحقوق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) عام1367هـ/ 1947م.

الفقيه الموسوعي

تولى مصطفى الزرقا التدريس في وقت مبكر مكان والده في المدرسة الخسروية والشعبانية وأيضا في الجامع الأموي بحلب وجامع الخير، وفي عام 1364هـ/ 1944م انتقل لكلية الحقوق بدمشق حيث أصبح أستاذا للشريعة والحقوق المدنية ورئيسا للقسم حتى أحيل للتقاعد عام 1386هـ/ 1966م وشارك في التدريس بكلية الشريعة بدمشق لمادة الحديث النبوي وقام بالتدريس في معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية، كما قام بالتدريس في كلية الشريعة بجامعة الأردن.

وعلى صعيد المناصب الحكومية تولى الزرقا وزارة العدل والأوقاف مرتين، كما انتخب عضوا في مجلس النواب السوري في دورتين تشريعيتين عامي 1374هـ/ 1954م، و1384هـ/ 1964م نائبا عن مدينة حلب، وشكل مع إخوانه النواب الكتلة الإسلامية برئاسة د.مصطفى السباعي.

أما على المستوى الموسوعي فقد شارك في مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي بباريس سنة 1371هـ/ 1951م والذي كان من توصياته العمل على إنشاء موسوعة فقهية، فاشترك الزرقا مع بعض زملائه من سوريا ومصر - مثل الدكتور مصطفى السباعي ومعروف الدواليبي والشيخ محمد أبو زهرة - في مشروع الموسوعة الفقهية بكلية الشريعة بدمشق، إلا أن العمل تعطل بها بعد انفصال سورية عن مصر عام 1381هـ/ 1961م، فتبنت الكويت هذه الموسوعة حيث اختارت وزارة الأوقاف في الكويت مصطفى الزرقا خبيرا في الموسوعة الفقهية وأمينا عاما لها سنة 1386هـ/ 1966م، وعلى مدى خمس سنوات ساهم خلالها في إنجاز الموسوعة الفقهية حيث أنجز 51 موضوعا موسوعيا على المذاهب الفقهية الثمانية بالإضافة لمعجم للفقه الحنبلي.

جوائز ومؤتمرات

وتقديرا لجهوده المميزة في مجال الفقه والشريعة الإسلامية منح مصطفى الزرقا جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية في مجال الدراسات الفقهية وذلك عام 1404هـ/ 1983م عن كتابه "المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي" وهو الجزء الثالث من سلسلة الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد.

ونتيجة لإتقان الزرقا العديد من اللغات الأجنبية مثل الفرنسية والإنجليزية والألمانية بالإضافة إلى تفوقه العلمي فقد شارك الزرقا في العديد من المؤتمرات الدولية مثل مؤتمر الحقوق المقارنة الذي عقد بلاهاي عام 1356هـ/ 1937م، ومؤتمر المحامين الدولي بباريس عام 1409هـ/ 1948م، كما شارك في وضع العديد من مشروعات القوانين في الدول العربية وفي تنقيح بعض منها مثل قانون الأحوال الشخصية السوري عام 1372هـ/ 1952م، والقانون المدني الأردني، ورأس لجنة مشروع القانون الموحد للأحوال الشخصية لمصر وسوريا أثناء وحدتهما من 1378-1381هـ/ 1958-1961م، واختارته إدارة التشريع والبحوث في الأمانة العامة بجامعة الدول العربية عضوا خبيرا بين لجنة الخبراء الذين اختارتهم لوضع مشروع قانون مدني موحد للبلاد العربية، يستمد من الفقه الإسلامي ويفي بالحاجات الزمنية الحديثة، وذلك منذ عام 1398هـ/1978م، ولا تزال اللجنة تواصل عملها. واختير الزرقا عضوا في مجلس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن، وشارك الزرقا في تأسيس وتطوير مناهج عدد من الجامعات، وفي عام 1398هـ/ 1978م اختارته رابطة العالم الإسلامي عضوا في المجمع الفقهي حيث ساهم بتقديم العديد من الدراسات الفقهية المعاصرة.

ومنذ عام 1410هـ عمل الزرقا مستشارا فقهيا في شركة الراجحي وظل يعمل بها حتى وافته المنية أثناء أداء عمله بمدينة الرياض يوم السبت 19 من ربيع الأول 1420هـ/ 3-7-1999م عن عمر يناهز 95 عاما قضاها في الدعوة إلى الله وخدمة العلم الشرعي والفقهي وإثراء المكتبة الفقهية بالعديد من المؤلفات.

منهجه الفقهي

ساهم مصطفى الزرقا في إرساء منهج فقهي جديد يعتمد على المنهج التجديدي والذي تتمثل أهم ملامحه في إدراكه لأهمية المعرفة القانونية من مصادرها وانتقال طريق عرض الفقه الإسلامي من الشكل الفروعي إلى الشكل الموضوعي. إنه لم يقتف آثار من سبقوه من شراح مجلة الأحكام الشرعية الذين جعلوا الفقه فتاوى وقضايا وجزئيات بل اتبع منهج تدريس القانون المدني في فرنسا وطبقه في دراسة الفقه الإسلامي بتصنيفه موضوعيا.

وقام بالمقارنة بين قوانين كثير من الدول العربية وبين الفقه الإسلامي وأثبت رجحان الفقه الإسلامي والأحكام الفقهية بالأدلة العلمية. وكان الزرقا من أكبر الدعاة إلى توجيه البنوك الإسلامية واستحداث أنظمة إدارية لها مستقاة من الشريعة الإسلامية.

كما دعا للاجتهاد الجماعي جنبا إلى جنب مع الاجتهاد الفردي، فكان من أوائل من دعا لتأسيس المجامع الفقهية وشارك في العديد منها وشدد على أهميتها في تداول المشورة والخبرات بين الفقهاء، إلا أن هذا الاجتهاد الجماعي لا يلغي دور الاجتهاد الفردي لكل فقيه على حدة.

ومن ملامح تجديده الفقهي رفضه لقياس مستحدثات العصر على اجتهادات الفقهاء السابقين؛ لذا كان يدعو للاجتهاد في الأمور المستجدة والانطلاق من فقه الواقع، مع ملاحظة ظروف النصوص التي استندت إليها الأحكام وكذلك ظروف اجتهادات الفقهاء ومعطيات عصرهم.

ويشدد الزرقا على دور العقل في فهم النصوص؛ ولذا لا تكاد تخلو فتاواه من بيان المقاصد الشرعية التي استند إليها في رأيه مع تحذيره للتعصب الأعمى للحكم دون نظر.

تراثه الفكري

كتب الزرقا الكثير من المقالات في عديد من المجلات الإسلامية مثل الشهاب والأمة القطرية والمسلمون وغيرها، وشارك بالعديد من الأبحاث والدراسات في المؤتمرات التي شارك بها، كما ترك ثروة نفيسة من الكتب في عدة مجالات يأتي الفقه والقانون على رأسها جميعا.

وتعود مساهمة الزرقا في التأليف والتحقيق إلى سني عمره المبكرة حيث نشر أول كتابين له وهو في الثالثة والعشرين من عمره، كان الأول تحقيقا لكتاب "المذكر والمؤنث" للفراء، والآخر تحقيق كتاب "مختصر الوجوه في اللغة" للخوارزمي.

أما في مجال الفقه والقانون فقد أبدع وأخرج النفائس الفقهية والشروح القانونية؛ فقد أخرج السلسلة الفقهية بعنوان "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد" في أربع مجلدات من بينها "المدخل الفقهي العام"، و"المدخل إلى نظرية الالتزام"، و"العقود المسماة في الفقه الإسلامي"، وكتب سلسلة أخرى في "شرح القانون المدني السوري". وتميزت السلسلة الفقهية بالمقارنات المهمة بالقانون، كما تميزت السلسلة القانونية بالمقارنات بالفقه، وكل هذه المقارنات في السلسلتين تبرز بوضوح مزايا الفقه الإسلامي وشموله ومنطقيته، واتسمت السلسلة الفقهية بكتابتها بأسلوب منسق يفهمه الطالب والفقيه والقانوني على حد سواء.

وفي كتابه "المدخل لدراسة القانون" قام الزرقا بدراسة مجلة الأحكام العدلية وقد أوضح فيه عظمة الفقه الإسلامي، وقام بتأليف كتابه على الأسلوب الحديث، وتناول في كتاب "المدخل إلى نظرية الالتزام" فهما عاما لنظرية العقود أتبعه بكتاب عن "البيع" فصل فيه أحكام البيع في الإسلام. أما كتاب "الفقه الإسلامي ومذاهبه" فيتوجه به الزرقا إلى المثقف الأجنبي الذي ليس لديه أي خلفية سابقة عن الإسلام فيقدم له فكرة علمية صحيحة عن الفقه الإسلامي واختلاف المذاهب الفقهية وأسبابه الواقعية، وهذا الكتاب في أصله كان بحثا قدمه الزرقا لمنظمة اليونسكو بناء على طلبها لذا فقد تحرى فيه بساطة الأسلوب.

وتعرض الزرقا للجوانب القانونية والاقتصادية لنظام التأمين في كتابه "نظام التأمين" وكان في أصله بحثا قدمه لمؤتمر الاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة عام 1396هـ/ 1976م، كما كتب "الفعل الضار والضمان فيه"، وقدم لكتاب "مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد"، وقدم لكتاب والده النفيس "شرح القواعد الفقهية"، وكتب "الاجتهاد ودور الفقه في حل المشكلات".

وفي مجال فقه الأسرة كتب "أحكام المرأة في الفقه الإسلامي"، و"مشكلات أسرية وعلاجها على ضوء الشريعة الإسلامية والقانون"، كما كتب "الأحوال الشخصية".

وكان الزرقا مصدرا هاما للفتوى في العالم الإسلامي، فقد أصدر العديد من الفتاوى ذات الطابع الاجتهادي، وكان منهجه في الفتوى إصدارها كتابة لا مشافهة حتى لا ينسب إليه أحد فتوى لم يقل بها. وقد قام تلميذه "مجد مكي" بجمع هذه الفتاوى في كتاب "فتاوى مصطفى الزرقا" جمع فيه فتاواه في الدوريات المختلفة، وقدم للكتاب الشيخ يوسف القرضاوي، ولقيت هذه الفتاوى استحسانا من أهل العلم.

ولم تقتصر مؤلفات مصطفى الزرقا على الجوانب الفقهية والقانونية، بل امتدت لمجالات أدبية ولغوية، وكان للزرقا مواهبه الأدبية منذ صغره، وقد جمع كثير من شعره في ديوان أسماه "قوس قزح"، إلا أن اهتمامه الفقهي والقانوني طغى على سائر الجوانب فكانت مدرسته الفقهية وما تزال علامة فارقة في تاريخ الفقه المعاصر.

المصادر:

  1. المستشار عبدالله العقيل: العلامة مصطفى الزرقاء.. الفقيه المجدد، مجلة المجتمع، العدد: 1694، 25 من صفر 1427هـ/ 25-3-2006م.
  2. عبد الرحمن حللي: منطلقات التجديد في فقه الشيخ مصطفى الزرقا، بحث مقدم لندوة جهود علماء حلب في العلوم الإسلامية، حلب: معهد التراث العلمي، صفر 1428هـ/ فبراير 2007م.
  3. مجد مكي: شخصيات وأفكار: مصطفى الزرقا، علي الطنطاوي، عبد العزيز بن باز وآخرون، جدة: دار الراية للتنمية الفكرية، 1425هـ/2004م.
  4. محمد خير رمضان يوسف: معجم المؤلفين المعاصرين، الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، السلسلة الثالثة، 1425هـ/ 2004م، الجزء الثاني، ص 771.

الاثنين، 7 أبريل 2008

الرأسمالية.. حين تحاول أن تكون خيرية


بقلم - أمل خيري

Image
تزايدت في الآونة الأخيرة أعداد وأحجام المؤسسات الخيرية التي ترعاها مؤسسات رأسمالية كبرى، سواء على المستوى الدولي أو على المستوى القومي العربي أو على المستوى القطري في هذا البلد أو ذاك، وإذا كانت مساهمات الأغنياء في التخفيف من معاناة الفقراء ليست بالأمر الجديد، إلا أن الجديد هو سعي تلك المؤسسات لإدارة تلك الأعمال الخيرية بمنطق وأسلوب المؤسسات الاستثمارية، سواء في شكل إقامة مشروعات ربحية تدر دخلا على الفقراء، أو بمنطق وأسلوب الرأسمالية في أكثر صورها فجاجة، وهو ربما ما دعا البعض إلى الكتابة لدعم هذا الاتجاه واصطك له من المصطلحات ما يناسبه حيث أطلق عليه ماثيو بيشوب Matthew Bishop المحرر الاقتصادي في مجلة الإيكونوميست على سبيل المثال مصطلح Philanthrocapitalism أو الرأسمالية الخيرية؛ وهو ما أثار إلى تصاعد الجدل حول موارد المال ومصارفه وطريقة إدارته وفق النموذج الرأسمالي، وزحف ذلك النموذج على العمل الخيري وتأثيراته، وهو النقاش الذي نرى ضرورة متابعته، حيث لم تعد بلادنا بمنأى عن هذا النموذج سواء من ناحية الفكر أو الممارسة.
الرأسمالية الخيرية
تعني الرأسمالية الخيرية تطبيق المبادئ التي تحكم عمل المؤسسات الرأسمالية وآليات السوق على مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والتطوعية بما يتضمن تسخير قوة آليات السوق والاستثمار وفق مبادئ الربح والخسارة لتحقيق أهداف الحراك الاجتماعي، وهذا الاتجاه ربما له ما يعززه، على سبيل المثال إذا نظرنا للاستثمارات الضخمة التي وجهتها مؤسسات ربحية استثمارية نحو تقديم الدعم للفقراء وتوسيع فرص الحصول على قروض صغيرة كمؤسسة بيل وميليندا جيتس ومبادرة بيل كلينتون العالمية وغيرها، مما يؤكد مدى قدرة الرأسمالية الخيرية على توسيع فرص الحصول على السلع والخدمات الهامة وإمكانية اضطلاعها بدور إيجابي في تعزيز قدرات وإمكانات المجتمع المدني.
وهذا ما دفع مايكل إدواردز لتأليف كتابه الأخير "مجرد إمبراطور آخر: الحقائق والأساطير حول الرأسمالية الخيرية" لمناقشة التحديات التي تواجه تطبيق المبادئ الرأسمالية في العمل الخيري، حيث يعرض للاتجاه الذي ينظر للرأسمالية الخيرية على أنها وعد جديد بتحقيق التغيير الاجتماعي عن طريق حل مشاكل المجتمع المستعصية، ولكنه يتساءل عن مدى صحة هذا الاتجاه، أي هل تعتبر الرأسمالية الخيرية نعمة أم نقمة أم أنها في مكان ما بينهما؟
غلاف كتاب "just another emperor?"
وهو ما أعاد تأكيده في مقاله الأخير في موقع الديمقراطية المفتوحة "open Democracy"تحت عنوان: "Philanthrocapitalism: after the goldrush"، والذي نشره مؤخرا في 19 مارس 2008.
مرونة المصطلح
يؤكد مايكل إدواردز أن مصطلح الرأسمالية الخيرية من المصطلحات المرنة، حيث يتشابه مع مفاهيم أخرى مثل الشراكة الاجتماعية أو العمل الخيري الاستثماري أو المشروعات الاجتماعية أو المسئولية الاجتماعية المشتركة إلا أنه يتمايز عن هذه المفاهيم جميعا في ثلاث عناصر أساسية:
  1. الموارد: حيث يجرى توجيه مبالغ ضخمة جدا لعمل الخير من الأرباح الهائلة التي جناها عدد قليل من الأفراد في قطاع تكنولوجيا المعلومات في العقد الأخير.
  2. الوسائل: حيث يبرز الادعاء بأن الأساليب المستمدة من القطاع الرأسمالي لديها القدرة على حل المشكلات الاجتماعية بل إنها تتفوق على الأساليب المستخدمة حاليا في مؤسسات المجتمع المدني.
  3. الإنجازات: وهنا يأتي الادعاء بأن هذه المبادئ الرأسمالية يمكنها أن تحقق الحراك الاجتماعي علاوة على زيادة فرص الحصول على السلع والخدمات.
وبتفنيد هذه الادعاءات يمكننا أن نرى بوضوح من خلال التجارب قدرة الاستثمارات الخيرية على توفير فرص متساوية للحصول على السلع والخدمات إلا أنها في نفس الوقت ضعيفة الأثر في تحقيق الحراك الاجتماعي؛ لأن التغيير المنهجي يجب أن يشمل أيضا الحركات الاجتماعية والسياسية ودور الدولة وهي كلها أمور تتجاهلها هذه التجارب.
الكاتب مايكل ادواردز
وإذا نظرنا على نطاق أضيق نجد أن هناك مبادرات ناجحة عادت بالنفع على المجتمع مثل مبادرة جوجل Google بمشروع حاسوب محمول لكل طفل اعتمادا على تصنيع حواسيب رخيصة تستخدم البرمجيات مفتوحة المصدر، إلا أن هذه التجارب على الرغم من أهميتها لا تدلل على إمكان استمرار نجاحها، فعلى سبيل المثال أجري مسح لخمس وعشرين من المشاريع المشتركة في الولايات المتحدة، وقد أظهرت النتائج أن 22 من هذه الشركات قد أظهرت انحرافا عن رسالتها الاجتماعية الخيرية مقابل توسيع أنشطتها الربحية.
في المقابل هناك العديد من الجمعيات الخيرية التي لم تطبق آليات السوق قد نجحت في حفز الموظفين والمتطوعين للوصول إلى أعلى مستويات الأداء.
التأثير على المجتمع المدني
ويتساءل مايكل إدواردز إن كان ثمة دليل على أن المجتمع المدني ككل قد تضرر من جراء هذه الاتجاهات الرأسمالية؟
والواقع يؤكد أن ثمة مجموعة من الإشارات التي ربما تثير القلق من بينها:
  1. الدفع في اتجاه المنافسة والحوافز المادية كدوافع لعمل الخير مقابل الحد من الدوافع الاجتماعية فعلى سبيل المثال دفع أجور للمتطوعين في المؤسسات الخيرية حوّل العمل التطوعي إلى وظيفة تجارية.
  2. إهدار الطاقات والموارد بعيدا عن التغير الهيكلي وبناء المؤسسات والإصلاح لصالح التركيز على الخدمات الاجتماعية والبيئية.
  3. فقدان استقلال المجتمع المدني من جراء اعتماده على الحكومة أو على أصحاب رؤوس الأموال.
  4. تزايد الفجوة داخل المجتمع المدني بين مؤسسات ذات موارد مرتفعة وأخرى ضعيفة الموارد.
  5. تغير العلاقة بين المواطنين والمؤسسات، حيث يحل تقديم المال عن بعد بدلا من المشاركة النشطة من قبل مقدمي الإحسان في هذه المؤسسات.
  6. كنتيجة لما سبق يزداد تآكل المجتمع المدني في عملية التحول الاجتماعي بعد تحوله إلى شيء أشبه بالخصخصة.
وبذلك قد يكون هناك تزايد في عدد وحجم مؤسسات المجتمع المدني، ولكن على حساب ضعف تأثيرها وفاعليتها في إحداث تغييرات حقيقية في المجتمع.
اتجاهات عكسية
وهنا يدور التساؤل لماذا يؤدي إدماج المبادئ الرأسمالية في العمل الخيري لهذه النتائج؟
وتكمن الإجابة على حد قول مايكل إدواردز في أن كلا من الأعمال التجارية والعمل الخيري ليسا متباينين فقط بل إنهما يسيران في مسارين عكسيين من حيث المبادئ، ففي العمل التجاري تأتي المنافسة مقابل التعاون في العمل الخيري، وكذلك الفردية مقابل العمل الجماعي فضلا عن أن العملاء في المؤسسات الرأسمالية ينظر إليهم على أنهم زبائن أو مستهلكون بينما المستفيدون من الجمعيات الخيرية هم مواطنون وبالطبع هناك اختلافات شاسعة بين المستهلك والمواطن.
وهناك مؤسسات الآن أصبحت تضطلع بمهمة تقييم الجمعيات الخيرية وترشيحها للراغبين في الإحسان وعمل الخير بحيث لا يتعين على هؤلاء أن يتصلوا اتصالا مباشرا بهذه الجمعيات أو أن يشغلوا أنفسهم بالمشاركة في أنشطتها كل ما عليهم فقط أن يستثمروا أموالهم في الجمعيات التي تحقق أعلى ربح حسب توصيات مؤسسات التقييم؛ وبالطبع هذه الأموال الموجهة للاستثمار في الجمعيات الخيرية تخصم من الضرائب المستحقة.
إلا أنه مع تدفق الكتب والدراسات والتقارير التي تدعم بقصص نجاح عن الرأسمالية الخيرية لا نجد سوى الاهتمام بالتمويل والأسواق والاستثمار والربح والخسارة، ولكن نادرا ما نجد ذكرا للسلطة والسياسة والعلاقات الاجتماعية وهي الأشياء التي تدفع حقا في اتجاه الحراك الاجتماعي، وبرغم أن هذا المشهد بدأ يتغير قليلا نتيجة الخبرة المتراكمة في مجال الرأسمالية الخيرية خاصة النجاح الذي تشهده مؤسسة بيل جيتس، فإن الغالبية العظمى من المشروعات الاجتماعية تدعم الحلول التقنية وتدفع في اتجاه تحقيق معادلة النجاح التي تساوي في نظرهم (العلم + التكنولوجيا+ السوق).
وفي جميع الأحوال فإن قياس حجم الأعمال والأرباح أسهل بكثير من مسألة قياس الحراك الاجتماعي، كما أنه مع الوقت من المعتاد أن يطغى أحد الأهداف على الآخر، فإذا كان هدف المؤسسة تحقيق الربح وفي نفس الوقت لديها رسالة اجتماعية فإن الكثير من التجارب أثبتت أنه كلما رسخت قدم هذه المؤسسات في السوق أكثر كلما ابتعدت عن تحقيق رسالتها الاجتماعية، وحتى هذه المؤسسات التي انتشرت على شبكة الإنترنت لتقدم النصح للراغبين في التبرع وتوفر قاعدة بيانات للجمعيات مصنفة حسب نوعيتها وحسب درجة ربحيتها ومصداقيتها إلا أنها نادرا ما تقيس التقدم المحرز تجاه تحقيق الحراك الاجتماعي.
تنافس أم تعاون؟
التنافسية أيضا أصبحت محل نقاش داخل هذه المدرسة الفكرية فإذا طبقنا مبادئ السوق على الجمعيات الخيرية فهل ستتنافس فيما بينها على الموارد وعلى جذب المستهلكين؟
هل مثلا ستتنافس الجمعيات التطوعية الخيرية في استضافة الحفلات الخيرية؟ وهل سيتزايد التنافس بين المجموعات التي تتناول قضايا مختلفة مثل فيروس نقص المناعة البشرية أو دعم التعليم؟ ومن الذي من شأنه حقا أن يستفيد؟
الحقيقة تؤكد أن مجال التنافس لا يصلح في العمل الخيري الذي يفترض أن يقوم على التعاون.
وهذا ما دفع مايكل إدواردز إلى تبني فكرة أن التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني المستقلة أفضل من تحقيق المزج بينها أو جعلها تتنافس فيما بينها، وهذا التعاون من شأنه أن يحافظ على استقلالية هذه المؤسسات بما يمكنها من إحداث تغيير حقيقي في الأسواق وليس فقط بتوسيع فرص الحصول على المعونات الخيرية، كما أنه يؤدي لدعم عملية التحول إلى أساليب تحدث أعمق التأثيرات مثل النماذج التجارية الجديدة التي تقوم على فكرة الملكية الجماعية كالبرامج المفتوحة المصدر مما يمكن المواطن من السيطرة على إنتاج وتوزيع الفائض الاقتصادي.
تابع أم قائد؟
تكمن المشكلة في أن هذه المناهج جميعها ليست في قائمة أولويات الرأسماليين الخيرين ربما لرغبتهم في تحويل النظام الاقتصادي كلية وتبني أساليب راديكالية مختلفة تماما في توزيع الأرباح والنفقات، والتغيير المنهجي من شأنه أن يثير التساؤل عن كيفية امتلاك الثروة والتحكم فيها وعن كيفية توزيع الموارد والفرص داخل المجتمع.
وفي نهاية القرن الماضي قامت الحركات الاجتماعية بأدوار هامة لدفع المجتمع للحراك الاجتماعي وبالتأكيد سيمتد نفس هذا الوضع في المستقبل فحركات الحقوق المدنية أو حقوق المرأة أو الجماعات البيئية كلها قامت بفضل جهود المجتمع المدني وتم دعم نفوذ هذه الحركات الاجتماعية باعتبارها قوة لتحقيق الصالح العام، صحيح أن الأعمال التجارية والأسواق لعبت دورا حيويا في تحقيق هذا التقدم، ولكن كتابع وليس كقائد في هذا التغيير.
وإذا كان نجاح العمل الخيري يقاس بتحقيق نواتج ملموسة مثل توفير الوظائف أو الرعاية الصحية أو المأوى، فإن التأثير الأهم يكمن في التغييرات التي يحدثها العمل الخيري في عمليات التحول الاجتماعية والسياسية مما يمكن المجتمعات من المشاركة في جني ثمار النجاح، وسر هذا النجاح يكمن في السيطرة على علاقات القوة وملكية الأصول الثابتة ووضع الفقراء وغيرهم من الفئات المهمشة في مكان الصدارة، وهذا لم يأت مصادفة بل إنه يؤكد الدور الحيوي الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في عملية التحول الاجتماعي ويؤكد مدى احتياج العالم لمزيد من تأثير المجتمع المدني على قطاع الأعمال التجارية، وليس العكس فيحتاج مزيدا من التعاون لا المنافسة، مزيدا من العمل الجمعي لا الفردي، ورغبة متزايدة للعمل معا لتغيير البنى الأساسية التي تبقي معظم الناس فقراء وبهذا يمكننا جميعا أن نحيا حياة أفضل.
الأعراض والعلاج
وفي ختام مقاله يوجز مايكل إدواردز الحقائق المستخلصة حول الجدل الدائر بخصوص الرأسمالية الخيرية فيما يلي:
  1. حان الوقت للتواضع بشأن مدى ما حققته الرأسمالية الخيرية من نجاح فما زلنا لم نلمس نتائج حقيقية.
  2. حان الوقت لمزيد من المحاسبة والمساءلة؛ لأن التركيز المتزايد للثروة والنفوذ بين الرأسماليين الخيريين لا يوفر مناخا صحيا للديمقراطية.
  3. حان الوقت للفصل والتمييز بين الرأسمالية والعمل الخيري؛ لأن استخدام التفكير الرأسمالي يمكن أن يضر بالمجتمع المدني والذي هو عماد السياسة الديمقراطية والتحول الاجتماعي.
  4. الرأسمالية الخيرية هي أحد أعراض عدم التكافؤ والمساواة في المجتمع ولم تثبت حتى الآن قدرتها على تقديم العلاج.
لذا يظل السؤال هل سنستخدم هذه الموارد الهائلة لتحقيق التحول الاجتماعي أم سنبددها في الإنفاق على أعراض المشكلة؟
ولأن المخاطر عالية جدا لذا فإن مايكل إدواردز يدعو جميع المهتمين في ختام مقاله لإجراء نقاش عالمي لتفنيد ادعاءات كل من الرأسماليين الخيريين ومعارضيهم على حد سواء.


المقال منشور بموقع إسلام أون لاين

محمد عابد الجابري .. والمشروع الفكري النهضوي

أمل خيري

يعد محمد عابد الجابري أحد رواد الفكر العربي المعاصرين، فقد أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والدراسات التي تبغي إعادة قراءة التراث العربي كخطوة تمهيدية لازمة للمضي قدما في المشروع النهضوي الذي حمله الجابري على عاتقه على مدى نصف قرن من الزمان.

النشأة والتكوين

ولد محمد الجابري غرة شوال 1354هـ بمدينة فجيج الواقعة في الجنوب الشرقي من المغرب على خط الحدود الذي أقامه الفرنسيون بين المغرب والجزائر، وتتألف فجيج من سبعة قصور - أي تجمعات سكنية - من بينها قلعة زناكة التي ولد فيها الجابري بعد أن انفصلت والدته عن والده، فنشأ نشأته الأولى عند أخواله وكان يلقى عناية فائقة من أهله سواء من جهة أبيه أو أمه. وكان جده لأمه يحرص على تلقينه بعض السور القصيرة من القرآن وبعض الأدعية، وما لبث أن ألحقه بالكتاب فتعلم القراءة والكتابة وحفظ ما يقرب من ثلث القرآن، وما إن أتم السابعة حتى انتقل لكتاب آخر، وتزوجت أمه من شيخ الكتاب فتلقى الجابري تعليمه على يد زوج والدته لفترة قصيرة، ثم ألحقه عمه بالمدرسة الفرنسية فقضى عامين بالمستوى الأول يدرس بالفرنسية.

بدت أمارات التفوق على الجابري حين برع في الحساب كما كان يجيد القراءة في كتاب التلاوة الفرنسية، وكان الانتساب للمدرسة الفرنسية ينطوي على نوع من العقوق للوطن والدين فكان الآباء يخفون أبناءهم ولا يسمحون بتسجيلهم في هذه المدرسة إلا تحت ضغط السلطات الفرنسية.

أتيحت للجابري فرصة الالتقاء بالحاج محمد فرج وهو من رجال السلفية النهضوية بالمغرب الذين جمعوا بين الإصلاح الديني والكفاح الوطني والتحديث الاجتماعي والثقافي، وكان محمد فرج إماما بمسجد زناكة الجامع، فكان الجابري وهو لا يتجاوز العاشرة يواظب على حضور دروسه بعد صلاة العصر، وفي هذه الأثناء راودت شيخه فكرة إنشاء مدرسة وطنية حرة بفجيج، وبالفعل حصل على رخصة من وزارة المعارف لإنشاء مدرسة "النهضة المحمدية" كمدرسة وطنية لا تخضع للسلطات الفرنسية ولا تطبق برامجها، بل يشرف عليها رجال الحركة الوطنية حيث جعلوا منها مدارس عصرية معربة لتصبح بديلا للتعليم الفرنسي بالمغرب، فالتحق الجابري بالمدرسة وتخرج فيها عام 1368هـ/ 1949م بعد أن حصل على الابتدائية. ولم يكن العمل الفكري معزولا عن العمل اليدوي في ذلك الوقت بالنسبة للأطفال حيث كانوا يمارسون الأعمال اليدوية التطبيقية جنبا إلى جنب مع الدراسة.

لبنات الصرح الثقافي

أولع الجابري بالكتابة منذ طفولته فكان يكتب موضوعات في الإنشاء ويكتب مذكرات ومقالات، ويحاول قرض الشعر مستعينا بقاموس المنجد للحصول على القافية المطلوبة، كما كان مولعا بالقراءة. ويذكر أن أول كتاب اشتراه كان كتاب الأخلاق لأحمد أمين والذي ما زال يحتفظ به في مكتبته، وأثناء زيارة والده بمنطقة وجدة أتيحت له فرصة زيارة مكتبة الدرفوفي، وهو ممثل حزب الاستقلال آنذاك بوجدة وأحد الشخصيات الوطنية المرموقة، فأقرضه كتابا من مكتبته العامرة ووعده بالمزيد فور حصوله على الشهادة الابتدائية.

وافتتح الحاج محمد فرج فيما بعد قسما تكميليا للتلاميذ الذين نجحوا في الشهادة الابتدائية، فالتحق الجابري بهذا القسم الذي لم تكن الدراسة فيه منتظمة لعدم وجود مدرسين متفرغين، فكان الحاج محمد وبعض مساعديه من معلمي الابتدائية يتولون تدريس بعض المواد التراثية، الفقهية واللغوية والأدبية، إضافة إلى دروس في التاريخ القديم وحصص في الفرنسية والحساب. ويعد الجابري هذه السنة التكميلية بالنسبة له السنة التأسيسية في حياته الثقافية، فكانت بمثابة اللبنة الأولى في صرحه الثقافي وخاصة على مستوى التعامل مع النصوص التراثية إضافة إلى تنمية ملكة الكتابة لديه.

وفي عام 1369هـ/1950م التحق الجابري بالقسم الإعدادي بمدرسة التهذيب العربية وهي إحدى المدارس الوطنية الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية بوجدة كبديل للتعليم الفرنسي، وقضى الجابري في هذه المدرسة عاما واحدا أتاح له الانفتاح على الدرس المنظم والمعارف العصرية والمنهجية الحديثة.

التحق بعدها بمدرسة عبد الكريم الحلو الثانوية بالدار البيضاء وكان التدريس فيها باللغة العربية مع عناية بالفرنسية كلغة أجنبية أولى وتتلمذ الجابري فيها على العديد من الأساتذة الأكفاء وعلى رأسهم السي بوشتي الجامعي الذي كان من أكثر القادة الوطنيين اهتماما بالتعليم الوطني الحر، ولكن طالته حملة الاعتقالات من قبل المستعمر الفرنسي في صيف 1372هـ/1953م فتوقفت الدراسة في المدرسة، وقد طبعت في ذاكرة الجابري هذه الأزمة السياسية حيث كان قد بلغ الثامنة عشرة وتميزت هذه المرحلة بالقمع المنهجي الشامل الذي مارسته السلطة الفرنسية على الحركة الوطنية والتي توجت بخلع ونفي السلطان محمد الخامس، كما تمثل نصيب الجابري من الأحداث في فرض نظام الإقامة الجبرية على والده، وتوقف الجابري عن الدراسة وعمل مع عمه في دكان للخياطة.

في سلك التدريس

وفي صفر 1373هـ/ أكتوبر 1953م التحق الجابري بالمدرسة المحمدية بالدار البيضاء معلما في القسم التحضيري ثم في أقسام الشهادة الابتدائية، واستطاع عام 1376هـ/ 1956م الحصول على الشهادة الثانوية وشهادة الكفاءة في التعليم الابتدائي، فالتحق كمعلم رسمي بوزارة التربية الوطنية، وفي نفس العام حصل على الشهادة الأولى للترجمة، وفي العام التالي حصل على شهادة البكالوريا ثم التحق بالجامعة في دمشق وحصل على شهادة الثقافة العامة بعدها عاد للرباط فالتحق بكلية الآداب قسم الفلسفة، وفي عام 1378هـ/ 1958م التحق بمعهد ليرميطاج بالدار البيضاء قائما بأعمال المدير ثم مديرا للمعهد، وفي ذي الحجة 1380هـ/ يونيو 1961م حصل على الإجازة في الفلسفة.

وسار الجابري في مسار استكمال دراسته جنبا إلى جنب مع مهمة التدريس إضافة إلى التأليف، ففي هذه الفترة ألف مع بعض زملائه كتابي "دروس الفلسفة"، و"الفكر الإسلامي ودراسة المؤلفات" اللذين أقرتهما وزارة التعليم وقررتهما على طلاب الثانوية، وما إن حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة حتى التحق بكلية الآداب بالرباط أستاذا مساعدا ثم أستاذا، كما أسند إليه مهمة مفتش الفلسفة في التعليم الثانوي المعرب بالمغرب كله، وفي عام 1390هـ/ 1970م حصل على دكتوراة الدولة في الفلسفة، وبناء على هذه الدكتوراة عين أستاذا للتعليم العالي، وفي عام 1422هـ/ 2002م أحيل للتقاعد بعد أن أمضى في سلك التعليم خمسة وأربعين سنة.

الصحافة والوطنية

التحق الجابري بجريدة "العلم" من عام 1376هـ/ 1957م ثم التحق بجريدة "التحرير" سكرتير تحرير متطوعا، حيث واظب على كتابة ركن يومي بعنوان "صباح النور"، وساهم في إصدار مجلة أقلام، وتطوع للعمل بجريدة المحرر، وواظب كذلك على كتابة ركن يومي فيها بعنوان "بصراحة".

كما ساعد في إصدار جريدة فلسطين الأسبوعية، وفي جمادى الأولى 1418هـ/ سبتمبر 1997م أصدر مع محمد إبراهيم بوعلو وعبد السلام بن عبد العالي مجلة "فكر ونقد" حيث يتولى فيها حتى الآن مهمة رئيس التحرير.

وقد تضافر عمل الجابري في الصحافة مع نضاله الوطني، فقد ساهم في انتفاضة 16 من رجب 1378هـ/ 25-1-1959م، كما انتخب عضوا في المجلس الوطني للإتحاد الوطني للقوات الشعبية، واعتقل عام 1382هـ/ 1963م في مؤامرة لتصفية الإتحاد ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى في ذي القعدة 1384هـ/ مارس 1965م.

وما إن خرج من معتقله حتى ساهم في تأسيس النقابة الوطنية للتعليم واستعادة التضامن الجامعي المغربي، كما ساهم في الإعداد للمؤتمر الاستثنائي للإتحاد ثم انتخب عضوا في المكتب السياسي، وفي عام 1401هـ/ 1981م قدم الجابري استقالته النهائية من المكتب السياسي وتفرغ للعمل الثقافي.

التراث والنهضة

قدم محمد الجابري للفكر العربي ثروة من المؤلفات في شتى مجالات الفكر، ففي عام 1391هـ/ 1971م صدر أول كتاب له بعنوان "العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي" وكان أطروحته للدكتوراة، وكان يهدف منه لتقديم آراء ابن خلدون كما هي انطلاقا من نظرة شمولية باعتبارها امتدادا وتطورا للفكر العربي السياسي والاجتماعي على وجه الخصوص.

أما الإشكالية التي شغلت ذهن الجابري طيلة ما يقرب من نصف قرن فهي: هل بإمكاننا بناء نهضة بدون عقل ناهض؟ ولماذا لم تتطور أدوات المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية خلال نهضتها في القرون الوسطى لتمتد حتى يومنا الحاضر؟.

وللإجابة عن هذه التساؤلات كتب الجابري عدة دراسات من أهمها "نحن والتراث" وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات عن شخصيات فلسفية قدم لها برؤيته عن الإطار العام الذي ينتظم التراث الفكري للأمة.

كما كتب "الخطاب العربي المعاصر" الذي أكد فيه على فقدان الذاتية العربية الراهنة لاستقلالها نتيجة تنازع المرجعية العربية الإسلامية مع المرجعية الغربية، ثم كان كتابه الأكثر أهمية "نقد العقل العربي" الذي صدر في ثلاثة أجزاء: "تكوين العقل العربي"، و"بنية العقل العربي"، و"العقل السياسي". ويعد هذا الكتاب من أهم ما قدمه الجابري في مشروعه النهضوي حيث هدف من قراءته للتراث فهم الحاضر كجزء أساسي من مشروع النهضة.

وقد بدأ المشروع الفكري النهضوي للجابري عام 1400هـ/ 1980م وأدى صدور كتبه المتعاقبة في هذا المجال إلى إثراء مجال الدراسات النهضوية. وقد انتشرت أفكار الجابري في أنحاء الوطن العربي في الوقت نفسه الذي لاقت أفكاره انتقادات ودارت حولها المناقشات في عديد من الندوات والمحافل الفكرية.

أما كتابه "حوار المشرق والمغرب" فهو عبارة عن حوارات مطولة بينه وبين المفكر المصري حسن حنفي، تطرقت لقضايا سياسية واجتماعية هامة، وقد أثارت هذه الحوارات ردود فعل واسعة في الأوساط الفكرية والسياسية حتى أطلق عليها "حوار الثمانينيات".

وباعتبار القرآن الكريم النص المرجعي للحضارة الإسلامية أصدر الجابري كتابه "مدخل إلى القرآن الكريم" وكباقي كتابات الجابري فقد أثار جدلا موسعا بين المفكرين والفقهاء، وفي التفسير كتب الجابري "فهم القرآن الكريم".

كما كتب "من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية"، و"المشروع النهضوي العربي".

وفي مجال التعليم كتب "أضواء على مشكلة التعليم" وكان في أصله مجموعة مقالات كتبها في مجلة "أقلام" وكتب أيضا "السياسات التعليمية في المغرب العربي".

وفي مجال الفلسفة كتب "مدخل إلى فلسفة العلوم" ويتكون من جزأين الأول بعنوان: "تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة"، والآخر بعنوان "المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي"، إضافة إلى دراسته الهامة عن ابن رشد.

كما كتب محمد عابد الجابري العديد من المقالات والتي ما زال يثري بها الفكر العربي في عدة مجلات مثل "فكر ونقد" ومجلة "الإتحاد" إضافة إلى سلسلة مواقف وهي عبارة عن كتيبات في حجم الجيب تضم نصوصا بالغة الأهمية تتعلق بمسار الجابري السياسي والفكري في المدة ما بين عامي 1378هـ/ 1959م، و1422هـ/2002م والتي أجمل بعضها في كتاب "حفريات في الذاكرة من بعيد" الذي سجل فيه سيرته الذاتية منذ طفولته المبكرة.

جوائز وأوسمة

حصل الجابري على العديد من الجوائز من بينها "جائزة بغداد للثقافة العربية" التي تمنحها اليونسكو، عام 1418هـ/ 1988م، و"الجائزة المغاربية للثقافة" عام 1419هـ/ 1999م، و"جائزة الدراسات الفكرية في العالم العربي" التي تمنحها فاونديشن إم بي آي تحت رعاية اليونسكو عام 1425هـ/ 2005م، وفي العام نفسه حصل على "جائزة الرواد" من مؤسسة الفكر العربي ببيروت، ونال ميدالية ابن سينا من اليونسكو في حفل تكريم شاركت فيه الحكومة المغربية بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة عام 1426هـ/ 2006م، ومؤخرا فاز بالجائزة الأولى للترجمة التي تمنحها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الإسيسكو) بالاشتراك مع المنظمة الدولية للفرانكفونية في 9 من ربيع الأول 1429هـ/ 16-3-2008م.

كما اعتذر الجابري عن العديد من الجوائز الأخرى مثل جائزة صدام حسين في الثمانينيات، وجائزة المغرب، وجائزة الشارقة التي تمنحها اليونسكو عام 1421هـ/ 2001م، كما اعتذر عام 1422هـ/ 2002م عن جائزة العقيد القذافي لحقوق الإنسان.

وتعددت الدراسات التي تناولت مؤلفات الجابري تحليلا ونقدا ونقاشا، وما زالت أفكاره تثير جدلا في أوساط المفكرين وتغري الباحثين بالكتابة حولها.

المصادر:

1. الدكتور محمد عابد الجابري، حفريات في الذاكرة من بعيد، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1417هـ/ 1997م.

2. عبد العزيز الوهيبي، قراءة في فكر الدكتور محمد عابد الجابري، مجلة البيان، العدد 71.

3. موقع منبر الدكتور محمد عابد الجابري http://www.aljabriabed.net/
http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=5&ID=59&UICollectionID=20

الاثنين، 31 مارس 2008

محمد كرد علي.. أبو المجامع اللغوية العربية

أمل خيري

محمد كرد علييعد محمد كرد علي من أبرز رواد النهضة العربية الإسلامية الحديثة ومن أبرز المجددين المدافعين عن الإسلام، جاهد بقلمه ولسانه ودعا للإصلاح الاجتماعي والسياسي متخذا الصحافة مهنته، ومؤسسا للمجمع العلمي العربي بدمشق. وقد ساهم محمد في إنشاء غيره من المجامع حتى أطلق عليه لقب أبو المجامع العربية، وكانت حياته تلخيصا لكتاب النهضة العربية في مطلع القرن العشرين، مواصلا رسالة الإمام محمد عبده الإصلاحية.

النشأة والتكوين

ولد محمد عبد الرازق كرد علي في دمشق أواخر صفر 1293هـ/ مارس 1876م، من أم شركسية وأب كردي من السليمانية، تنتسب أسرته إلى الأكراد الأيوبية حيث جاء جده إلى دمشق في التجارة وكان من أهل اليسار فاستقر بها، وما لبث أن سافر للحجاز في تجارة، وبسبب انتقاده لأحد أعمال محافظ الحج الذي كان ظالما جبارا أمر بمصادرة أمواله، فعاد لدمشق وتوفي بعد قليل، وخلف ابنه عبد الرازق يتيما فقيرا، فاشتغل أول أمره في صناعة الخياطة ثم بالتجارة، وفي آخر الأمر اشترى مزرعة صغيرة في غوطة دمشق.

وتزوج عبد الرازق وأنجب من أبنائه محمدا الذي ما إن بلغ السادسة من العمر حتى بدأ في تلقي القراءة والكتابة ومبادئ العلوم الإسلامية والحساب والطبيعيات في مدرسة كافل سيباي الأميرية ونال شهادتها من الدرجة الأولى، ثم التحق بالمكتب الرشدي العسكري فدرس مبادئ التركية، وأتى له والده بمعلم للغة الفرنسية ليدرس له بالبيت فأخذ عنه قواعد الفرنسية التي ظل يدرسها مدة ثلاث سنوات، وكان ذلك السبب في براعته في الترجمة من وإلى اللغة الفرنسية، إلا أنه لم يحصل سوى على درجة متوسطة في شهادة المدرسة الرشدية نظرا لضعفه في الرياضيات لإصابته بضعف البصر ما جعله لا يتبين ما يرسمه الأستاذ على لوحة الدرس.

وبعد تخرجه عين موظفا بقلم الأمور الأجنبية وظل في عمله هذا ست سنوات متصلة أتقن فيها آداب التركية، ثم شرع في دراسة الأدب الفرنسي بمدرسة اللعازاريين فدرس العلوم الطبيعية والكيمياء بالفرنسية ليزيد من تمكنه منها، كما درس في الفترة نفسها الآداب العربية والعلوم الإسلامية واللغة الفارسية، وكان لوالده الفضل في الإنفاق عن سعة على تعليمه حيث ظل يدر الرواتب على أساتذته مدة عامين بعد أن ابتاع له خزنة كتب.

عوامل التأثير الثقافي

لم يتلق كرد علي الدرس الديني أو النظامي المقرر رسميا فلم يتجاوز تعليمه المستوى الثانوي، إلا أنه كان بشهادة معاصريه صاحب علم أكبر بكثير من تعليمه المدرسي بفضل اتصاله الدائم بكبار علماء دمشق، فقد أتيح له الاتصال بالشيخ طاهر الجزائري والشيخ سليم البخاري ومحمد المبارك فأخذ عنهم وعن غيرهم ما أهله للتبحر في كتب اللغة والأدب والبيان والاجتماع والتاريخ والفقه والتفسير والفلسفة.

وكان للشيخ طاهر الجزائري وحلقته الثقافية الفضل في توجيه محمد كرد علي للدعوة للإصلاح الاجتماعي والتمسك بآثار السلف، كما شجعه على التأليف والنشر، وحينما بدأ في نظم الشعر نهاه أستاذه عنه وطلب منه إتقان الإنشاء فقط حتى لا يشغله الشعر عن طلب العلم.

تأثر كرد علي بالقرآن الكريم وتمثل بلاغته وطالع كتب الحديث الشريف وحفظ المعلقات السبع وعددا من دواوين العرب، وكان يطالع في الصحف باللغتين العربية والفرنسية ما كتبه الفلاسفة وعلماء الاجتماع وكذلك بعض الصحف التركية خاصة المجلات الأدبية والتاريخية فنشأ وبه ميل عميق للأدب والصحافة وما إن بلغ السادسة عشرة حتى أخذ يكتب أخبارا ومقالات في الجرائد وانتهت به هذه البداية للغرام بالصحافة.

عاشق الصحافة

عام 1315هـ/ 1897م عهد إليه بتحرير جريدة الشام الأسبوعية التي تعد مدرسته الأولى في الصحافة، فظل يحررها ثلاث سنوات وكان ينقل من التركية ويترجم من الفرنسية، ثم دعي للكتابة في المقتطف المصرية فنشر فيها أبحاثا في التاريخ والاجتماع والأدب على مدى خمس سنين وامتدت شهرته في هذا الفن، وحينما انتقل للقاهرة عام 1319هـ/ 1901م عرض عليه صاحب جريدة الرائد المصري العمل في جريدته فقبله مكرها بسبب إعاقته عن العودة للشام، إلا أن هذه الفترة أتاحت له فرصة الالتقاء بالإمام محمد عبده وكانت ندوة الإمام أعظم واسطة لمعرفة طبقات القاهرة والبلاد العربية. ويعود الفضل في تقديمه لمفكري مصر إلى رفيق العظم ورشيد رضا.

وبعد قضاء عشرة أشهر في مصر عاد كرد علي للشام وتعرض للملاحقة من قبل الحكومة العثمانية نتيجة وشاية ألصقت به تهمة إصدار منشورات تطعن في أحد الولاة فتعرض بيته للتفتيش وظهر للحكومة عدم صحة الوشاية فاكتفت بتشريده عن داره عدة أيام.

ونتيجة لاستفاضة شهرته في الشام تعرض لمزيد من التضييق فاستعد للهجرة لمصر فأصدر جريدة الظاهر اليومية وبعد سنة عين أمين سر تحرير جريدة المؤيد، كما كان يكتب في مجلة العالم الإسلامي التي كانت تصدر في باريس بالفرنسية، وما لبث أن عاد لدمشق عام 1325هـ/ 1908م بعد الانقلاب العثماني فأصدر مع شقيقه أحمد جريدة المقتبس في 24-11-1326هـ/ 17-12-1908م وكانت يومية سياسية تتناول أحوال المسلمين وظلم الأتراك وتحولت إلى منبر للحركة القومية، لذا بادرت السلطات العثمانية بإغلاقها بعد رفع عدة دعاوى ظالمة؛ ما اضطره للسفر لفرنسا فسنحت له الفرصة للوقوف على حركتها العلمية والسياسية وكتب خمسا وثلاثين مقالة ومحاضرة في وصف باريس وجمع هذه المقالات في كتابه غرائب الغرب، وبعد مرور ثلاثة أشهر عاد للأستانة عن طريق فيينا بعد أن تمت تبرئته مما نسب إليه. عادت الوشايات مرة أخرى حيث قبض على شقيقه أحمد وكذلك على الشيخ إبراهيم الأسكوبي فأرسلا للأستانة وسجنا، وتمكن محمد كرد علي من الفرار فسافر لمصر عن طريق البر مع تجار الجمال بعد سير أربعة عشر يوما، وما لبث أن ظهرت براءته مرة أخرى فعاد لدمشق بعد ستة أشهر وأعاد إصدار المقتبس.

وفي 1331هـ/ 1913م زار إيطاليا وسويسرا وفرنسا والمجر والأستانة بغرض البحث عن أصول المخطوطات التاريخية المنقولة بالتصوير الشمسي، وكتب 33 مقالة في وصف مدنية تلك الممالك.

وتم إيقاف المقتبس قبل نشوب الحرب العالمية ببضعة أشهر لكشفه الإتحاديين في تركيا، ثم ورد الأمر بإعادة إصدارها مرة أخرى إلا أن محمد كرد علي أبى ذلك فقد زهد في صناعة الصحافة وظل رهين المراقبة لداره ومكاتباته حتى أعلنت الحكومة العثمانية النفير العام وتولى خلوصي بك ولاية الشام فنشأت بينهما صداقة، وظل الأخير يلح على كرد علي ليعيد المقتبس إلا أنه رفض رفضا تاما حتى ألح قنصل ألمانيا على الحكومة بإقناعه بإعادة إصدارها لما استشعر من تأثير أفكارها على العرب وتحول الإقناع إلى تهديد فاضطر لإعادة إصدار المقتبس ولكن تحت إدارة أخيه أحمد.

مؤسس المجمع العلمي

وبعد سقوط دمشق بأيدي الحلفاء ألح الحاكم العسكري على كرد علي بتولي رئاسة ديوان المعارف فقبل كارها وأخذ في دراسة حالة المدارس لإصلاحها بما يلائم حالة الأمة العربية، كما بدأ بإنشاء دار للآثار وجهز دار الكتب الظاهرية بجهاز حديث، ونتيجة خلاف بينه وبين الحكومة تنحى عن رئاسة ديوان المعارف، ولكن الحكومة تمسكت به فاقترح تحويل الديوان بأعضائه ورئيسه إلى مجمع علمي ذي علاقة مباشرة مع رئيس الحكومة، فقبل اقتراحه وشرع في تأسيس المجمع العلمي العربي في 10-9-1337هـ/ 8-6-1919م. وما هي إلا أشهر قلائل من افتتاح المجمع حتى صدر الأمر بصرف رئيس المجمع وأعضائه باستثناء عضوين فقط للإشراف على داري الكتب والآثار وذلك بإيعاز من بعض الأحزاب التي لم يشأ أن يسايرها. وظل كرد منعزلا في داره حتى عهدت إليه وزارة المعارف في 24-12-1338هـ/ 7-9-1920م ليسافر مع عشر طلاب ليتخصصوا في العلوم العالية بفرنسا، فزارها للمرة الثالثة كما زار عددا من الدول الأوربية الأخرى، وكتب الجزء الثاني من غرائب الغرب مسجلا رحلاته الأخيرة. ونتيجة لبعض الدسائس ونشر البعض على لسانه زورا تأييده للانتداب الفرنسي استقال من المعارف وظل في رئاسة المجمع فحصر جهده في خدمة المجمع ورفض عرضا آخر عام 1343هـ/ 1925م من حكومة الثورة لتولي وزارة المعارف مؤثرا التفرغ لإتمام كتابه خطط الشام ولكنه ما لبث أن قبل الوزارة في عهد حكومة تاج الدين الحسني عام 1346هـ/ 1928 وانتدبته سورية والمجمع العلمي لتمثيلهما في مؤتمر المستشرقين السابع عشر بمدينة أكسفورد فسنحت له الفرصة مرة أخرى لزيارة عدد من البلاد الأوربية.

استغل كرد علي فترة وزارته للمعارف فأنشأ مدرسة العلوم الأدبية العليا وجعلها أحد فروع الجامعة السورية، كما افتتح كلية الإلهيات، وفي الفترة ذاتها آثر إيقاف المقتبس في ظل الانتداب حتى لا يكون بوقا للمحتلين وذلك في صيف 1928 (1347هـ) بعد أن ظلت تخدم البلاد عشرين سنة.

وتفرغ كرد علي للمجمع العلمي الذي نشط بفضل توجيهه وبمعاونة كوكبة من أعلام الفكر العربي والإسلامي، وظل المجمع يواصل رسالته خمسة وأربعين عاما بجد ودأب فأخرج للمكتبة العربية النفائس من الكتب في مختلف صنوف المعرفة من تأليف وتعريب وجمع للمخطوطات، وسقطت وزارات وقامت حكومات والمجمع لا يتأثر إلا باللغة العربية ولا يحمل هما إلا هم الثقافة، وظل يؤدي رسالته العظيمة حتى صار أحد معالم النهضة العربية وشاهدا على مدى اندماج الثقافتين العربية والغربية الذي حققه كرد علي خلال حياته. وظلت المجلة التي يصدرها المجمع شاهدة على آثاره وأفكاره وكانت تصدر في البداية شهرية ثم أصبحت فصلية عام 1368هـ/ 1949م. وما زال المجمع يحرص في عمله على وضع المصطلحات وتنقيحها، وينشر مجلته التي يبذل فيها جهدا كبيرا في تحقيق التراث ونشره وفهرسته ونقده، وكان فاتحة لإنشاء مجامع اللغة العربية في دول أخرى، فقد كان كرد علي أحد مؤسسي مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

توفي محمد كرد علي الخميس 8 من رجب 1371هـ/ 2-4-1952م في دمشق، ودفن بجوار قبر معاوية بن أبي سفيان هناك، وأقيم مهرجان حافل احتفالا بمرور مائة عام على مولده خلال أسبوع العلم السادس عشر 23-27 من ذي القعدة 1396هـ/ 15-19 من نوفمبر 1976م، تناول فيه الكتاب والمفكرون والعلماء مآثره، وجمعت هذه المقالات في أحد أعداد مجلة المجمع عام 1386هـ/ 1967م.

الإنتاج الفكري

ترك محمد كرد علي علامة الشام تراثا فكريا ذاخرا تميز بالفصاحة وقوة البيان، ففي الصحافة طبع ثمانية مجلدات من مجلة المقتبس إضافة للعديد من المقالات والأبحاث المنشورة في المجلات والصحف وآخرها مقالاته وانتقاداته في "مجلة المجمع العلمي العربي" خلال تسع سنين.

كما كتب في الأدب العديد من الروايات والكتب القيمة فكان أول ما نشر رواية "يتيمة الزمان" سنة 1311هـ/ 1894م وتوالى تأليفه بعد ذلك فكتب "رواية المجرم البريء" و"قصة الفضيلة والرذيلة" وغيرها.

وفي أدب الرحلات كتب "غرائب الغرب" و"المذكرات" تسجيلا لسيرته الذاتية، وفي التاريخ والحضارة كتب "غابر الأندلس وحاضرها" و"تمازج الحضارتين العربية والغربية" و"القديم والحديث" و"الإسلام والحضارة العربية" وغيرها.

كما سجل عشقه لبلاده في كتاب "غوطة دمشق" و"دمشق مدينة السحر والشعر"، وترجم عن الفرنسية كتاب "تاريخ الحضارة" لسنيويوس، إضافة إلى تحقيق العديد من كتب التراث مثل "رسائل البلغاء" و"الأدب الصغير والكبير" و"البيزرة" و"تاريخ حكماء الإسلام" و"المستجاد من فعلات الأجواد" وغيرها الكثير.

أما كتابه "خطط الشام" الذي صدر في ستة أجزاء فيعد من أهم آثاره الفكرية حيث أتمه في ثلاثين سنة وطالع لأجله ما يربو على ألف مجلد بالعربية والتركية والفرنسية، كما أنفق على تأليفه ألفا وخمسمائة جنيه حينئذ، بحث فيه تاريخ الشام وجغرافيته والأجناس التي تتابعت عليه بلغاتهم المختلفة، كما عرض للنظم والحضارات التي تعاقبت عليه والحالة الأدبية والاقتصادية التي سادت عبر العصور المختلفة، وفصل القول في آثار الشام، وختم الكتاب بقصة حياته التي استكملها فيما بعد في عدة كتب أخرى.

المصادر:

1. محمد كرد علي: حياة محمد كرد علي بقلمه، من كتاب خطط الشام، الجزء السادس، دمشق: مطبعة المفيد، 1928م، ص ص 411-425.

2. علي مهنا، وعلي خريس: مشاهير الشعراء والأدباء، بيروت: دار الكتب العلمية، 1990، ص 218.

3. صلاح زكي أحمد: أعلام النهضة العربية الإسلامية في العصر الحديث، القاهرة: مركز الحضارة العربية، 2001، ص ص 125-130.

4. محمد خير رمضان يوسف: معجم المؤلفين المعاصرين، الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، السلسلة الثالثة، 1425هـ/ 2004م، الجزء الثاني، ص 639.

5. نجاح حلاس: محمد كرد علي ومواقفه في الدفاع عن اللغة العربية، سورية: مجلة العروبة، عدد 25-6-2006م.

6. محمد عيد الخربوطلي: محمد كرد علي (1876-1953م) "نظرة سريعة في حياته المليئة بالعطاء الفكري والأدبي"، جريدة الأسبوع الأدبي، العدد 1006 تاريخ 13-5-2006م.

7. جان ألكسان: محمد كرد علي علامة الشام (1876-1953م)، مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن إتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 384 نيسان 2003.

8. غسان كلاس: في ذكرى وفاة مؤسس المجمع العلمي العربي الأستاذ الرئيس محمد كرد علي: جريدة الأسبوع الأدبي، العدد 733 تاريخ 4-11-2000م.

الأحد، 30 مارس 2008

إعادة تفسير النصوص

ترجمة: أمل خيري
يواجه المسلمون اليوم مشكلتين أساسيتين: تتعلق المشكلة الأولى بالنصوص التأسيسية في حد ذاتها، أما الثانية فتتعلق بالتباين في تفسير هذه النصوص تبعًا لاختلاف المجتمعات.
وإذا كان القرآن الكريم هو كلام الله المقدس فإنه أيضا نزل منجما على مدى ثلاث وعشرين سنة في سياق تاريخي واجتماعي محدد، وهناك العديد من الآيات القرآنية لا يمكن تفسيرها إلا في ضوء هذا السياق فقط، ولذا فإن القراءة الحرفية التاريخية للنص تجعل منه نصًّا جامدا وهذا بدوره يمنعنا من إدراك غايات الوحي.
ولا يمكن تدارك ذلك إلا من خلال الدفع في اتجاه إعادة تفسير النص في ضوء ما يستجد من السياقات التاريخية والجغرافية التي تمكن المسلمين من التمسك بروح النصوص التي جاءت بها الشريعة.
إعادة قراءة السنة
ويصدق هذا بالمثل على نصوص السنة النبوية، حيث يجب أن تخضع الأحاديث النبوية الشريفة لتحليل نقدي من حيث صحة ثبوتها، ومن حيث مضمونها على حد سواء، وفي هذا الصدد قام العديد من علماء الأمة بجهود جليلة عبر القرون، وهذه الجهود يجب أن تستكمل.
وبالمناسبة فإن مبادرة جامعة أنقرة للعلوم الدينية جديرة بالثناء –دون مبالغة في تقديرها– حيث دعت لمراجعة الأحاديث النبوية الشريفة وإعادة قراءتها في سياق معطيات العصر، وبالرغم من أن هذه النتائج لم يتم تقييمها بعدُ، فإن المزية الأساسية لهذا المنهج النقدي تتمثل في إتاحة الفرصة لإعادة القراءة النقدية للنصوص في ضوء السياقات المعاصرة.
والمسلمون اليوم في أشد الحاجة لهذه القراءة النقدية التي تمكنهم من فهم جوهر النص معزولا عن سياقاته التاريخية التي نزل فيها، وتشتد هذه الحاجة لمواجهة التحديات المعاصرة، مثل التحول الديمقراطي، وحقوق الإنسان، والعدالة الاقتصادية، وبالطبع مكانة المرأة.
موروثات ثقافية لا دينية
أما التحدي الثاني فقد نشأ عن تلك القراءات والتفسيرات التي لا تزال تخضع لموروثات البيئة الثقافية والاجتماعية، فعلى سبيل المثال في الشرق الأوسط -إفريقيا وآسيا- حيث تسود الثقافات التقليدية والسلطة الأبوية يتم تفسير النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في ضوء هذا السياق القائم، وهذا بدوره يحول دون مزيد من الدراسة النقدية للنصوص من حيث أسباب نزولها والغايات التي نزلت لتحقيقها.
لذا فإن عملية إعادة قراءة النص في ضوء مستجدات العصر قد أضحت من الأهمية بمكان من أجل تمييز ما هو ديني عما هو موروث ثقافي، ومن هنا نستطيع على سبيل المثال تأكيد أن موضوعات، مثل: ختان الإناث، والزواج بالإكراه، وجرائم الشرف ليس لها أصول إسلامية، بل على النقيض هي موروثات ثقافية الإسلام منها براء.
جوهر النص لا سياقاته
ونحن اليوم في أشد الحاجة للتفسير النقدي للنصوص الإسلامية لمقاومة أشكال محددة من الاختلال الثقافي؛ لذا فنحن ندعو المسلمين للمشاركة في شهر مايو المقبل في الحملة الأوروبية لمكافحة الزواج بالإكراه ومواجهة القراءة الحرفية للنصوص والتفسير المبني على الموروثات الثقافية، ويجب أن نمضي قدمًا في مهمة الإصلاح، ونتذكر بوضوح أنه لا يمكن للمسلمين أن يظلوا مخلصين لجوهر النص ما لم يكونوا قادرين على تطوير أسلوب التفسير.
ويجب أن يتفهم المسلمون حقيقة أن التعاليم الدينية المتحجرة هي نفسها سبب في التضليل، وأنه بدون التطوير لا تصلح النية الخالصة وحدها ولا التمسك الحرفي بالنصوص في الحفاظ على التعاليم الدينية.

ترجمة أمل خيري – الأصل الإنجليزي منشور على موقع البروفيسور طارق رمضان بتاريخ 18 مارس 2008.
المقال منشور بموقع إسلام أون لاين

الأحد، 23 مارس 2008

عبد العزيز جاويش .. رائد مدرسة الصحافة الوطنية

أمل خيري

برز عبد العزيز جاويش كأحد رواد مدرسة الصحافة الوطنية وحاملي لوائها، فقد تسلم رئاسة تحرير صحيفة "اللواء" خلفا للزعيم مصطفى كامل وواصل رفع لواء الحركة الوطنية من بعده، وأصدر العديد من المجلات الوطنية، وظل يصدع بالحق الذي عرضه للمحاكمات والسجن. ومع ذلك كان في هذا الوقت مربيا جليلا ومصلحا اجتماعيا حمل على عاتقه مهمة إصلاح التعليم وكتب في نظريات التربية الحديثة.

النشأة والتكوين

ولد عبد العزيز بن خليل جاويش في الإسكندرية 12 من شوال 1293هـ/31 من أكتوبر 1876م، لأب من أصل تونسي وأم من أصل تركي، فقد هاجر والده في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى الإسكندرية واتخذ فيها متجرا للواردات الليبية، وحاول الأب محاولات شتى لترغيب ولده في العمل معه بالتجارة، ولكنه فضل العلم على التجارة.

التحق جاويش بالكتاب فحفظ كتاب الله وهو في الرابعة عشرة ثم بدأ يطلب العلم بجامع إبراهيم باشا بالإسكندرية، وكان التعليم فيه - ككل مساجد مصر الكبرى - يجري على نسق التعليم في القاهرة، وبعد إتمامه دراسته الابتدائية انتقل للقاهرة ليجاور في الأزهر الشريف وهو في السادسة عشرة، وحين سمع بأن مدرسة دار العلوم - التي أنشأها علي مبارك ناظر المعارف في عهد الخديوي إسماعيل – تجري اختبارا لطلاب الأزهر ليطلبوا العلم على نهج أكثر مواكبة لمتغيرات العصر سارع لدخول الاختبار ونجح فيه مع ستة عشر طالبا واستكمل دراسته بدار العلوم وتخرج فيها عام 1315هـ/1897م.

بعيد تخرجه عين مدرسا للغة العربية بمدرسة الزراعة، لكن عمله لم يطل، فما لبث أن وقع عليه الاختيار ليكون مبعوث وزارة المعارف إلى جامعة بروردو في لندن مع زميله عاطف بركات وكيل وزارة المعارف، وكان هذا الاختيار لا يقع إلا على أفضل الخريجين علما وخلقا، وفي بروردو - التي أعدت لتخريج رجال التربية - تلقى جاويش علوم الآداب والتربية، ولهذا فهو يعد واحدا من الأزهريين القلائل الذين طلبوا العلم في أوروبا. أتقن جاويش اللغة الأجنبية التي أعانته على الاتصال بالأدب الغربي وتذوق آثاره والتعرف على مناهجه واتجاهاته، وهو ما أثرى فكره في كثير من المجالات.

رائد التربية الحديثة

عاد جاويش إلى مصر عام 1319هـ/1901م فعين مفتشا بوزارة المعارف فجعل همه الأول إصلاح حرفة التعليم التي كانت تسير على طريقة التلقين وتحفيظ الدروس واستظهارها، وأصدر في هذه المرحلة كتابيه الشهيرين "غنية المؤدبين" و"مرشد المترجم". ويشير هذا التأليف المبكر إلى نضوج فكر جاويش الذي استمده من خبرته العملية في المجالين الذين أتقنهما من دراسته في لندن. فالكتاب الأول كتبه في أصول التربية الحديثة، والثاني في قواعد الترجمة إلى العربية، وهذان الفرعان كانا من أكثر الجوانب أهمية في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ مصر.

وقد هدف جاويش من كتابه "غنية المؤدبين" إلى كتابة مرجع لمدرسي فن التربية، وبهذا الكتاب التربوي كان جاويش أسبق من عالجوا أمراض حرفة التعليم بما وضع هنا من أساليب حديثة هي أساليب طريقة الاستنتاج بالمحاورة، فكان كتابه هذا فتحا جديدا في بابه وأغراضه، وطبع عام 1321هـ/1903م.

أما كتاب "مرشد المترجم" فقد ألفه لخريجي مدرستي المعلمين العليا والوسطى، وهم الذين يقصر عليهم تعليم الترجمة، وقد سد جاويش بهذا الكتاب فراغا كان ملحوظا في تدريس الترجمة.

عرض جاويش فكرته عن إصلاح التعليم في المؤتمر السنوي للحزب الوطني 1328هـ/1910م حيث بدأ بالحديث عن البعثات العلمية ورياض الأطفال، ثم أسس مدرسة ليلية أسماها "الإعدادية الليلية" ليتعلم فيها الأزهريون اللغة الفرنسية، كما عقد هو ومعاونوه مؤتمرا كبيرا في مدينة المنصورة عام 1329هـ/1911م وألقى خطبة جامعة في إصلاح التربية والتعليم.

ثم ما لبث أن اختارته وزارة المعارف مرة أخرى لكرسي تدريس اللغة العربية بجامعة أكسفورد، ويدل هذا الاختيار على تقدير علم جاويش وفضله.

توج جاويش مسيرته العلمية باختيار جامعة كامبردج بلندن له ليصير أستاذا للغة العربية بناء على توصية من المستشرق الكبير مرجليوث الذي تعرف عليه أثناء دراسته في لندن.

ولم تقتصر محاولاته على إصلاح التعليم في مصر وحدها بل سعى لإنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ووضع أساسها عام 1332هـ/1914م، كما أعاد إصلاح كلية صلاح الدين بالقدس الشريف وتولى إدارتها.

مدرسة الصحافة الوطنية

تمتع جاويش بموهبة أدبية ومهارة صحفية منذ نعومة أظافره، حيث بدأ يكتب في اللواء حين كان طالبا بدار العلوم، لكن الميلاد السياسي له لم يكن على أرض مصر، فقد ارتبط جاويش بالحركة الوطنية يوم أن قابله الزعيم محمد فريد في مؤتمر المستشرقين الذي عقد عام 1323هـ/1905م في تونس التي كانت تحت الاحتلال الفرنسي، وقد لفت جاويش أنظار محمد فريد حين قام بالرد على المستشرق الألماني" دلفروسي" الذي ادعى في كلمته أن القرآن الكريم كان أول كتاب عربي وضع بالعامية لعرب ما قبل الإسلام، فرد عليه الشيخ ردا قويا قائما على العلم بتاريخ اللغة وتاريخ الدين، كما بدا تمكنه من اللغات الأجنبية وغيرته على لغة قومه ودينهم، فعرض عليه محمد فريد أن يعرفه بالزعيم مصطفى كامل الذي كان في رحلة عمل بلندن فوافق جاويش وسافر على الفور وقابله، وكان هذا اللقاء فتحا جديدا في حياة عبد العزيز جاويش، وحينما توفي الزعيم مصطفى كامل لم يجد محمد فريد أكفأ من جاويش ليخلف الزعيم الراحل في رئاسة تحرير "اللواء" فبدأ بذلك مرحلة جديدة من حياته صدرها بمقال تحت عنوان "دنشواي أخرى في السودان" قدم على أثرها للمحاكمة عام 1326هـ/1908م وحكم عليه لكنه نال البراءة في الاستئناف.

لكنه أعيد للمحاكمة في العام التالي لنشره مقالا عن ذكرى دنشواي وحكم بحبسه ثلاثة أشهر، غير أن الشعب قدر له هذه الوطنية فقدم له وساما بعد الإفراج عنه.

أما المحاكمة الأكثر شهرة في التاريخ فكانت محاكمته عام 1328هـ/1910م بسبب اشتراكه مع محمد فريد في كتابة مقدمة لديوان "وطنيتي" للشاعر علي الغاياتي، وسجن ثلاثة أشهر، وبعدها بعامين أبعد إلى تركيا فأصدر عدة مجلات، كما تزعم حملة تبرعات لتهريب السلاح والقادة الأتراك إلى ليبيا لمقاومة الغزو الإيطالي.

صحافة المنفى

وفي تركيا أعاد جاويش إصدار مجلة الهداية التي كانت توقفت في مصر، ودفعه لذلك العديد من الأسباب من أهمها ما رآه من انصراف المسلمين عن دينهم وتقليدهم الأعمى للغرب فسعى لرد الشبهات ودحض الأكاذيب التي تروج حول الإسلام، كما سعى للدفاع عن اللغة العربية وحرص على بيان أن الإسلام دين الفطرة؛ لذا قام بتفسير القرآن الكريم في أعداد المجلة. وشاركت المجلة في الجدال الدائر حول المرأة وحجابها فشن حربا شعواء على دعاة التبرج والسفور، كما اهتمت المجلة باللغة العربية والأدب وإنشاء نادي دار العلوم للغة العربية، كما أولت اهتماما كبيرا بأحوال المسلمين فتحدثت عن مسلمي بلغاريا وروسيا والبوسنة والهرسك وغيرها من بلاد العالم، واهتمت بإحياء التراث الإسلامي. لكنها توقفت نهائيا عام 1332هـ/1914م.

كما أصدر جاويش أيضا في تركيا مجلتي "الهلال العثماني" و"الحق يعلو"، وتنقل جاويش ما بين ألمانيا وتركيا والشام فيما بين عامي 1333- 1336هـ/1915م- 1918م فأنشأ مجلات أخرى تصدح بالوطنية، فقد أصدر مجلة "العالم الإسلامي" في إستانبول، ومجلة Die islamische Welt’ بالألمانية، كما اشترك مع بعض رجال الحزب الوطني في إصدار مجلة Egypt بسويسرا، وشارك في مؤتمر الدفاع عن الأمم المهضومة الحقوق في استكهولم.

عاد جاويش لتركيا مرة أخرى عام 1341هـ/1922م باستدعاء من أتاتورك حيث عينه رئيسا للجنة الشئون التأليفية الإسلامية بأنقرة، إلا أنه ما لبث أن اختلف معه بسبب إجراءات إلغاء الخلافة فعاد لمصر وكتب مقالا بعنوان "تجديد العهد" فسمحت له الحكومة المصرية بالإقامة في مصر، كما عينته الحكومة مراقبا عاما للتعليم الأولي بوزارة المعارف العمومية اعترافا بمكانته التربوية.

الإصلاح الاجتماعي

تأثر جاويش بأستاذه محمد عبده، إذ كان حريصا على حضور دروسه في التفسير، فسلك طريقة أستاذه في الكتابة فكتب كتابه الشهير "الإسلام دين الفطرة" عام 1323هـ/1905م في لندن، متبعا فيه طريقة الإمام في البحث الديني، واستشهد كثيرا بآرائه. ويكشف الكتاب عن مرامي الدين الإسلامي التي يتم بها إصلاح العقيدة، وقد استخرج أهداف الإصلاح من أسرار هذا الدين. واستوحى جاويش اسم الكتاب من قول أحد طلبته الإنجليز أثناء تدريسه بلندن: "يخيل إلي يا شيخ أن هذا الدين لا ينافي الفطرة".. فسعى لتأصيل المفاهيم حول الإسلام وبيان أثر القرآن في تحرير الجنس البشري. وحين نفدت طبعته الأولى قامت جريدة "المؤيد" بنشره كاملا في نفس السنة، ثم أعيد طبعه أكثر من مرة، وترجم إلى اللغة الإنجليزية.

أما في مجال الإصلاح الاجتماعي فقد دعا جاويش إلى ترابط رؤوس الأموال الصغيرة وإنشاء مصرف وطني، وكتب في محاربة الخمر كتابه "أذى الخمر ومضاره"، وارتفع صوته بضرورة العناية بالمرأة وتعليمها وإصلاح أحوالها ورفع شأنها، وعارض زواج المصريين من الأجنبيات.

وتحت عنوان "وجوب مراعاة أحوال الزمان والمكان في تطبيق أحكام الشريعة الغراء" ألقى جاويش خطبته الجامعة بمؤتمر الإصلاح العام الذي عقدته الحكومة المصرية بمصر الجديدة، كما شارك في إنشاء جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة وانتخب وكيلا لها.

وكانت سنوات حياته الأخيرة حافلة بشتى الأعمال التي لا تنسى له؛ فقد رعى أسرتي الزعيم الراحل محمد فريد والكاتب أمين الرافعي، ولم يترك قلمه ولم يتخل عن الجهر بالحق حتى وافته المنية في 13 من شعبان 1347هـ/25 من يناير 1929م.

المراجع

1. حسن الشيخة. عبد العزيز جاويش، القاهرة: المؤسسة العربية للطباعة والنشر، سلسلة الألف كتاب – رقم 357، 1381هـ/1961م.

2. حسن الشيخة. أقلام ثائرة، القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، المكتبة الثقافية، 1383هـ/1963م.

3. محمد خير رمضان يوسف. معجم المؤلفين المعاصرين، الجزء الأول، الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، السلسلة الثالثة، 1425هـ/2004م.

4. صلاح زكي أحمد. أعلام النهضة العربية الإسلامية في العصر الحديث، القاهرة: مركز الحضارة العربية، 1422هـ/2001م.

5. عباس محمود العقاد. رجال عرفتهم، القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت.

6. خير الدين الزركلي. الأعلام، بيروت: دار العلم للملايين، 1407هـ/1986م.

7. عمر رضا كحالة. معجم المؤلفين، بيروت: دار إحياء التراث العربى، بدون تاريخ، الجزء الخامس.

8. أنور الجندي. تاريخ الصحافة الإسلامية، القاهرة: دار الأنصار، القاهرة، 1403هـ/1983م.

http://www.biblioislam.net/ar/scholar/card.aspx?CriteriaId=4&ID=30&UICollectionID=20


رشيد رضا رائد مدرسة التفسير والإصلاح

أمل خيري

محمد رشيد رضادوى صوت المفكر والمصلح الإسلامي البارز محمد رشيد رضا في مطلع القرن العشرين بخطابه الإسلامي المعتدل مؤسساً بذلك مدرسة إصلاحية رائدة تقتفي آثار الأفغاني ومحمد عبده فأصدر المنار لتهتدي بهدي العروة الوثقى وما لبثت أن أصبحت مناراً للصحافة الإسلامية ، اشتهر بتفسيره العصري للقرآن وإثرائه الفكر الإسلامي بالعديد من المؤلفات التي ما تزال هداية للمصلحين.

النشأة والتكوين

ولد محمد رشيد رضا القلموني في 27 جمادى الأولى 1282 هـ / 17 أكتوبر 1865 م في قرية القلمون على شاطئ البحر المتوسط من جبل لبنان وهي تبعد عن مدينة طرابلس الشام بثلاثة أميال.

ورشيد رضا سليل بيت عربي عريق حسيب نسيب ينحدر من نسل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما ، وقد اشتهر بيت آل الرضا بهذا النسب الكريم في قرية القلمون وتوارثوا الرئاسة في تلك القرية حتى صاروا يعرفون باسم المشايخ ، كما ضربوا أروع الأمثلة في الانقطاع للعبادة وتكريم العلماء والاعتداد بالنفس دون تملق لأصحاب السلطان.

وعندما شب رشيد عن الطوق كان والده قد آلت إليه رئاسة هذا البيت في القلمون وورث عن أسلافه المنزلة الرفيعة والهيبة وقد تأثر رشيد بوالده تأثراً عظيماً كما ورث عنه الكثير من الخصال الخلقية والعلمية مثل قوة الذاكرة وطلاقة اللسان والجرأة وتذوق الشعر والغيرة على الإسلام.

وقد لاحت علائم الذكاء على رشيد منذ أيام طفولته فقد اتضح ميله لمجالسة العلماء كما ظهرت قدرته الخارقة على الفهم السريع وحفظ المعاني ، التحق بكتاب القرية وتعلم فيه القرآن والخط وقواعد الحساب ثم انتقل للمدرسة الرشدية بطرابلس الشام وكانت مدرسة ابتدائية تعني بالنحو والصرف والحساب ومبادئ الجغرافيا والعقائد والعبادات وكانت الدروس تلقى فيها بالتركية لأنها تعد خريجيها لتولي الوظائف الحكومية إلا أن نفس رشيد أبت العمل بالحكومة فترك المدرسة الرشدية بعد سنة واحدة .

التحق بالمدرسة الوطنية الإسلامية بطرابلس 1882 وهو في الثامنة عشر من عمره وكان التعليم فيها بالعربية واهتمت بالعلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية وقد أنشأها الشيخ حسن الجسر وهو الأستاذ الأول لرشيد رضا وصاحب الفضل في توجيهه إلى كثير من المعارف والعلوم فقد أتاح له فرصة الكتابة في صحف طرابلس وما لبث رشيد أن اشتهر في هذا الميدان وصار ما يكتبه في الصحف موضع اهتمام القراء وعنايتهم كما اشتهر رشيد بنظم الشعر بما اشتمل عليه من معاني جزلة وبلغت بعض قصائده في جودتها خير ما نظمه كبار الشعراء وعلى الرغم من إغلاق المدرسة وتفرق طلابها إلا أن رشيد رضا ظل محتفظا بعلاقته مع الشيخ الجسر ناهلا من علمه حتى نال على يديه الإجازة في العلوم العربية والشرعية كما نال إجازة الحديث على يد الشيخ محمود نشابة ، كما درس على الشيخ عبد الغني الرافعي ومحمد القاوجي وغيرهم من شيوخ الشام.

مدارك الإصلاح

حبب إلى رشيد الخلوة فكان يختلي بنفسه في غرفة بمسجد الأسرة ليقرأ كما كان يلتقي فيها زوار القلمون من المشايخ كما اتجه نحو التصوف فقرأ للغزالي وتأثر به وكان يعتبره مثله الأعلى إلا أنه ما لبث أن تحول عن الصوفية إلى السلفية وآثر التعمق في العلوم التي تؤهله لإصلاح المجتمع والأخذ بيد أبنائه نحو مدارج الكمال وقد خص أهل قريته بنصيب كبير من نشاطه الإصلاحي فكان يقرأ الدروس للرجال في المسجد ويلقي الخطب كما دأب على الذهاب إلى المقهى ليعظ روادها ويبسط لهم قواعد الفقه والعقائد كما نجح في حث الناس على التخلي عن التوسل بأصحاب القبور وحاول إزالة أسباب البدع والضلال ولم يكتف بتوجيه دعوته للرجال بل حرص على توجيه النساء فعقد لهن درساً خاصاً بدار الأسرة ليعلمهن شئون دينهن فكان سبباً في تمسك النساء بتعاليم الإسلام والابتعاد عن الجهل والبدع .

وفي الوقت الذي دخل فيه رشيد رضا ميدان الإصلاح في قريته كانت أنظار العالم الإسلامي تتجه إلى مصر حيث ظهرت حركة إصلاحية تولى زعامتها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده فتلقى رشيد على يد هذين الأستاذين دراساته العليا في الإصلاح في المعهد الذي أنشأه الأفغاني لتخريج القادة وزعماء الإصلاح فشب على منهج أستاذيه ليتم الرسالة التي وضعا حجر الأساس لها ليشاركهما شرف الجهاد في رفع قواعد الإسلام كما أفاد من جريدة العروة الوثقى ومن منهجها الذي رسمته في الإصلاح ففتحت أمامه آفاقا واسعة .

وسنحت له الفرصة بالتقاء محمد عبده بسوريا وتعلقت نفس رشيد بأستاذه تعلقاً كبيراً فتاقت نفسه للاتصال بالأفغاني الذي كان قد وصل الآستانة فأرسل إليه خطابا عبر له فيه عن مشاعره وإعجابه بمنهجه في الإصلاح وما لبث الأفغاني أن توفي دون أن ينجح رشيد في مقابلته فعقد العزم على شد الرحال إلى مصر ليعمل مع محمد عبده في طريق الإصلاح خاصة بعد أن أنهى رشيد كتابه " الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية " والذي تصدى فيه لمحاولات أبي الهدي الصيادي بتشجيع من البلاط العثماني على نشر البدع وتشجيع الطرق الصوفية وما تستتبعه من حلقات ذكر وأشكال غريبة من العبادة لكونها تؤدي للتعمية والجهل وتلهي الناس بأمور لا علاقة لها بالدنيا فتصدى رشيد لهذه الظواهر في كتابه ، وشعر أن الشام أصبحت مسرحا للدسائس والجواسيس فتطلع للرحلة إلى مصر.

منار الإصلاح

وفي مصر وجد رشيد البلاد تموج بالروح الوطنية كما حفل ميدان الأدب بطائفة من كبار الشعراء الوطنيين إضافة إلى حركة فكرية قادتها الصحافة الوطنية وبعد أن التقى محمد عبده فاتحه باستقرار عزمه على إنشاء صحيفة إصلاحية يستمد فيها من حكمة الإمام ما يكتب فأعجب بفكرته وساعده في إنشاء الصحيفة وقدم له كل الدعم .

وقد بدأ رشيد رضا جهاده في ميدان الإصلاح العام عملاقا حيث أنشأ جريدة المنار وصدر العدد الأول منها في الثاني والعشرين من شوال 1315 هـ / 17 مارس 1898 م ، إلا أن الدولة العثمانية ما لبثت أن صادرت العدد الثاني للمجلة في الشام وأحرقت النسخ كلها وجرت العديد من المراسلات بين رشيد وبين أبي الهدي الصيادي ممثل الدولة العثمانية لمحاولة ردعه عن استمرار المنار إلا انه لم يأبه بالتحذيرات التي تحولت إلى اعتداءات فعلية على أسرته في القلمون وعلى دار المنار في القاهرة دون أن يحول ذلك واستمرار صدورها، وبعد السنة الثالثة تحول المنار إلى إصدارة شهرية علمية أكثر عمقا وضم في تحريره كبار المصلحين والكتاب مثل الكواكبي حيث نشر له كتابه أم القرى كما بدأ الإمام محمد عبده تفسير القرآن واهتم رشيد بجانب العقيدة والفقه والرد على الفتاوى.

وتدعيما للخط العلمي اتفق رشيد مع الإمام على أن يقوم الإمام بشرح الآيات شرحا مختصرا ويدون رشيد الدرس كتابة ويضيف إليه ما يعن له من الآراء ثم يعرض على الإمام ونشرت حلقات التفسير في المنار ثم جمع بعد ذلك في المجلدات التي صدر بها وامتاز التفسير بالبعد عن الحشو والجدل الفلسفي مع الالتزام بالتعبير السهل السلس مراعاة لمختلف مستويات أفهام القراء.

ريادة المنار

كانت المنار رائدة الصحف الإسلامية لعنايتها بدراسة العقيدة الإسلامية ودراسة أحوال المسلمين في العالم الإسلامي ومتابعة أنشطة الجمعيات الإسلامية ودراسة المجتمع الإسلامي وأحوال المرأة وإصلاح المحاكم الشرعية كما عنيت بالتربية الإسلامية وإصلاح التعليم والجامع الأزهر، كما نشطت في مواجهة التحديات والأخطار المنبعثة من الدعوات الهدامة كالبهائية والقاديانية وتصدت للرد على كتابات الغربيين من خصوم الإسلام وبدت عنايتها بالمؤلفات الإسلامية والتراث المجدد واللغة العربية ولم تكن المنار بمعزل عما يدور في الصحف الأخرى بل كانت تعرض وجهة نظر الصحافة الإسلامية من المجلات والصحف اليومية وخاصة ما يتصل بصحف الحزب الوطني.

وفي سنة 1905 أي بعد ثمانية سنوات من صدور المنار صار أسلوبه في الكتابة نموذجا يحتذي به الكُتاب والصحف ووصل المنار أوج قمته في السنة الثانية عشر حيث تنافس الناس في اقتناء الأعداد القديمة والجديدة وأعيدت طباعة الأعداد الأولى للمرة الثانية .

واشتهر اسم رشيد رضا صاحب المنار ليس في مصر وحدها بل في العالم الإسلامي كله وحتى في أوروبا فجاءه العلماء من شعوب مختلفة يستزيدون من علمه كما أشاد المستشرقون بالمنار واختير رشيد رضا عضو شرف في جمعية العلوم الروحية والأبحاث النفسية برومانيا وفي مدة وجيزة أصبحت المنار المجلة الشرعية الأولى في العالم الإسلامي .

مدرسة الدعوة

لم تستنفد تلك الجهود كلها طاقة هذا المصلح فشرع في المجاهدة في ميدان آخر حيث وضع أسس مشروع إنشاء مدرسة رفيعة المستوى تضاهي وتضاد مدارس الإرساليات التبشيرية لتخرج دعاة من طراز خاص مزودين بالعلم الشرعي والعصري وكانت فكرة إنشاء مدرسة الدعوة والإرشاد التي أنشأها بعد تسعة أعوام من إصدار المنار .

وكان أهم ما دفعه لإخراج فكرته إلى حيز التنفيذ المكاتبات التي وردت إليه من شتى البلاد الإسلامية تستنجد به ضد نشاط المبشرين الاستعماريين الذين انبثوا بين أبناء الشعوب الإسلامية محاولين الطعن في القرآن وفي الرسول عن طريق الخطب العامة والتعليم في المدارس الخاصة والوعظ في الملاجئ والمستشفيات واعتمدت مدرسة الدعوة على الجهود الذاتية من الأهالي ومن ذوي اليسار ودخل المشروع حيز التنفيذ عام 1912 م حيث افتتحت رسمياً في جزيرة الروضة وكان الطالب يحصل على شهادة مرشد إذا قضى فيها ثلاث سنوات وكانت هذه الشهادة تؤهله للعمل في مدارس الجمعية ولكن إذا أراد الطالب مواصلة الدراسة ثلاث أعوام أخرى فإن ذلك يؤهله ليصبح داعية من الدعاة يجوب العالم الإسلامي .

وعلى الرغم من ريادة فكرة المدرسة إلا أنها لم تحقق ما كان مرجواً منها لذا فقد اتجه رشيد نحو فكرة أخرى وهي أن يقوم بنفسه بالرحلات إلى بعض البلدان الإسلامية ليطلع على أحوالها ويخاطب أبنائها ويطالب بوحدة إسلامية في وجه الخطر فكانت رحلاته لسوريا والقسطنطينية والهند والحجاز وأوروبا فقدم لنا نوعا من أدب الرحلة يمزج فيه بين هدف الإصلاح ومتعة السياحة فكان كتابه "رحلات رشيد رضا" والذي أوضح فيه أسلوبه في التفاعل مع الأشخاص والأحداث وكانت مرجعا لجانب هام من سيرته الذاتية التي لم يعن بتدوينها رغم مطالبة الكثيرون.

وقام رشيد رضا بتفصيل رحلتيه إلى سوريا على وجه الخصوص في كتابه " رحلتان" ، وفي مجال الإصلاح كتب " الأزهر والمنار" شرح فيه آراءه في ضرورة إصلاح الأزهر وهاجم جمود أساتذته ، كما كتب " الوحي المحمدي" كنوع من التفسير المبسط ، وعرفاناً منه بجهود أستاذه محمد عبده كتب عن تاريخه في " تاريخ الأستاذ الإمام" كما كتب عن حقوق المرأة "نداء للجنس اللطيف" وكتب أيضا " الخلافة أو الإمامة العظمى" ، " الوهابيون والحجازيون " ، " السنة والشيعة" وغيرها الكثير من المؤلفات القيمة وبعد حياة حافلة بخدمة الفكر الإسلامي انتقل رشيد رضا إلى الملأ الأعلى في23 جمادى الأولى 1354هـ= / 22 أغسطس 1935م مخلفاً تراثاً فكرياً ينير الطريق للمصلحين من بعده.

المراجع:

1. إبراهيم العدوي ، رشيد رضا الإمام المجاهد ، القاهرة : الدار المصرية للتأليف والترجمة ، سلسلة أعلام العرب ، 1964.

2. سمير أبو حمدان ، الشيخ رشيد رضا والخطاب الإسلامي المعتدل، بيروت : الشركة العالمية للكتاب، سلسلة: موسوعة عصر النهضة، 1992.

3. د.سامي عبد العزيز الكومي، صحيفة المنار في ذكرى مئة عام على صدورها ، الوعي الإسلامي، السنة 34 ، العدد 389 ، مايو 1998.

4. محمد خير رمضان يوسف ، معجم المؤلفين المعاصرين، الجزء الثاني، الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية ، السلسلة الثالثة ، 1425 هـ / 2004 م.

5. صلاح زكي أحمد ، أعلام النهضة العربية الإسلامية في العصر الحديث ، القاهرة : مركز الحضارة العربية ، 2001

6. عباس محمود العقاد ، رجال عرفتهم ، القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ، د.ت.

7. أنور الجندي ، موسوعة تاريخ الصحافة الإسلامية ،الجزء الأول " المنار – محمد رشيد رضا "، القاهرة: دار الأنصار ، 1983.