الثلاثاء، 27 يناير 2009

الوقود الحيوي.. المخاطر والفرص

أمل خيري



Image

لعب إنتاج الوقود الحيوي ضمن عوامل ومتغيرات أخرى على المستوى الدولي دورا في ارتفاع أسعار الأغذية إلى أعلى مستوياتها منذ سبعينيات القرن العشرين وتسبب ذلك في انعكاسات كبيرة على الأمن الغذائي لفقراء العالم، جاء ذلك فيما رصده تقرير حالة الأغذية والزراعة الصادر تحت عنوان "الوقود الحيوي: الآفاق والمخاطر والفرص". عن منظمة الفاو نهايات عام 2008.

يؤكد التقرير أن حالة الأغذية والزراعة في العالم لهذا العام لا تبشر بالخير حيث تواجه العديد من التحديات ومن أهمها ارتفاع أسعار الأغذية بشكل حاد نتج عنه العديد من أعمال الشغب في كثير من الدول خلال عام 2008 حيث قدرت الزيادة بالأسعار بـ 64% عن عام 2002 مما دفع حكومات أربعين دولة لفرض تدابير طارئة مثل فرض ضوابط على أسعار الأغذية أو فرض قيود على تصدير الأغذية، كما انخفض حجم المعونات الغذائية إلى أدنى مستوى لها منذ أربعين عاما.

ويشير التقرير إلى بعض العوامل المتسببة في ارتفاع الأسعار ومن بينها ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب ارتفاع أسعار البترول وتناقص الإنتاج بسبب بعض العوامل المناخية وتزايد الطلب على المواد الوسيطة المنتجة للوقود الحيوي، تزامن ذلك مع انخفاض المخزون العالمي من الحبوب الغذائية؛ كل هذه العوامل أدت للارتفاع الجنوني لأسعار الأغذية مما أدى لزيادة زعزعة الأسواق العالمية.

ويشكل إنتاج الوقود الحيوي السائل مصدرا رئيسيا للطلب على المنتجات الزراعية حيث تتراوح تقديرات الطلب من 3% - 30%، وتشير التوقعات إلى زيادة الطلب على الوقود الحيوي خلال العقد المقبل والذي من المرجح أن يدفع أسعار السلع الزراعية للارتفاع بنسبة تتراوح بين 12 – 15%.

فقد ارتفعت أسعار الزيوت النباتية إلى الضعف منذ عام 2000 كما ارتفعت أسعار السلع الغذائية الأساسية ارتفاعا كبيرا بالنسبة للدخل منذ عام 2005 فالقمح ارتفع بنسبة قدرها 61% والذرة بنسبة 32% والأرز بنسبة 29%، وترتب على ذلك انخفاض القوة الشرائية وبالطبع فإن المستهلكين ذوي الدخل المنخفض هم الأكثر تأثرا.

الوقود الحيوي والزراعة

ما زالت المنتجات الحيوية التقليدية بما في ذلك خشب الوقود والفحم النباتي وروث الماشية توفر مصادر هامة للطاقة في كثير من أنحاء العالم، والطاقة الحيوية هي مصدر الطاقة المهيمن بالنسبة لمعظم السكان شديدي الفقر، حيث يتم استخدامها أساسا في الطهي إلا أن تكنولوجيات التحويل الأكثر تقدما وكفاءة تتيح حاليا استخراج الوقود الحيوي السائل من تلك المنتجات.

والوقود الحيوي يمكن أن يستخرج من مخلفات تصنيع الأغذية والألياف والأخشاب والمحاصيل قصيرة الدورة الزراعية ومخلفات الغابات ويعتبر الوقود الحيوي من مصادر الطاقة المتجددة باعتباره شكلا من أشكال الطاقة الشمسية المتحولة. ويمكن تصنيف الوقود الحيوي عدة تصنيفات فهو إما سائل أو صلب أو غازي ويمكن تصنيفه إلى وقود حيوي أولي (غير مصنع) وآخر ثانوي مصنع ويستخدم عادة في النقل.

وأبرز أنواع الوقود الحيوي الإيثانول الذي يشتق من أي مادة وسيطة تحتوي على كميات كبيرة من السكر، وزيت الديزل الحيوي الذي ينتج بمزج الزيت النباتي أو الدهون الحيوانية بالكحول، والزيت النباتي المباشر الذي ينتج من المحاصيل الزيتية أو زيوت الطهي بعد استعمالها في المطاعم، وكل هذه الأنواع يشار إليها على اعتبار أنها الجيل الأول من الوقود الحيوي.

وفي المقابل ظهر الجيل الثاني من الوقود الحيوي، والذي يستخدم مخلفات الزراعة كالقش والعيدان والأوراق والغابات وتفل قصب السكر ونشارة الخشب التي تقاوم التحلل أكثر من النشا والجلوكوز والزيوت ونظرا لتوافر هذه المواد الوسيطة فإن إنتاج الجيل الثاني يمكن أن يؤدي لحدوث زيادة كبيرة في حجم وتنوع المواد الوسيطة المستخدمة كما يمكن أن يقلل من انبعاث غازات الاحتباس الحراري مقارنة بالوقود النفطي أو الجيل الأول من الوقود الحيوي.

الوقود الحيوي وحرب الموارد

لن يؤدي بالضرورة إنتاج الوقود الحيوي من محاصيل غير غذائية للقضاء على المنافسة بين الغذاء والوقود، حيث تتنافس المواد الخام للوقود الحيوي مع المحاصيل الزراعية الأخرى على موارد الإنتاج، فقطعة أرض زراعية يمكن أن تستخدم في زراعة الذرة لإنتاج الإيثانول أو زراعة القمح لإنتاج الخبز، والمُزارع لا يهمه سوى الحصول على الأرباح الأعلى لذا فإن أسعار الطاقة ستؤثر في الغالب على أسعار جميع السلع الزراعية الأساسية التي تعتمد على نفس الموارد.

وباستثناء الإيثانول الذي ينتج في البرازيل من قصب السكر لا يستطيع الوقود الحيوي بشكل عام منافسة أنواع الوقود الأخرى بدون الحصول على إعانات ودعم حكومي لذا تشجع حكومات منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي إنتاج الوقود الحيوي من خلال سلسلة من التدابير والسياسات ومن أهمها تقديم الإعانات والتعريفات الجمركية والحوافز الضريبية والاستثمار في أعمال البحث والتطوير للحد من التكلفة، كما بدأت بعض الدول النامية في العمل على تشجيع إنتاج الوقود الحيوي.

ويشير التقرير إلى أن أهداف الحكومات في اتباع هذه السياسات كانت الحد من التعرض للتأثر بتقلبات الأسعار أو انقطاع إمدادات الوقود، وتزايد القلق بشأن تغير المناخ، والرغبة في دعم قطاع الزراعة وزيادة الطلب على المنتجات الزراعية ولكن في معظم الحالات كانت هذه السياسات باهظة التكاليف وأضافت اختلالات جديدة في الأسواق الزراعية على المستوى المحلي والعالمي.

أسواق الوقود الحيوي

سيظل الوقود الحيوي يمارس ضغطا على أسعار السلع الغذائية لفترة مقبلة رغم كونه عاملا واحدا من عوامل عديدة تقف وراء الزيادة بأسعار السلع الزراعية، حيث من المتوقع أن يستمر التزايد السريع في طلب وعرض الوقود الحيوي رغم استمرار محدودية حصته في إمدادات وقود النقل بوجه عام.

ويتوقع التقرير أن تظل البرازيل ودول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية أكبر منتجي الوقود الحيوي السائل نظرا لما تقدمه من دعم وتمويل، ولكنها في المقابل تفرض أعباء كبيرة على دافعي الضرائب والمستهلكين كما أن السياسات التجارية الخاصة بالوقود الحيوي تتحيز غالبا ضد الدول النامية المنتجة للمواد الوسيطة وتعوق نشوء قطاعات تصنيع وتصدير الوقود الحيوي في هذه الدول لذا يلزم وضع ضوابط للسياسة الدولية فيما يتعلق بالوقود الحيوي منعا لتكرار فشل السياسة العالمية القائمة حاليا في القطاع الزراعي.

الاحتباس الحراري

دائما ما يثور الجدل بشأن التأثيرات البيئية للوقود الحيوي سلبا وإيجابا فالوقود الحيوي وإن كان يساهم في خفض انبعاث غازات الاحتباس الحراري إلا أن هناك وسائل أخرى أكثر فعالية وأقل تكلفة لخفض هذه الانبعاثات مثل استخدام أشكال الطاقة المتجددة أو الاقتصاد في استهلاك الطاقة أو التوقف عن إزالة الغابات وتدهور الأراضي الذي يساهم بشكل كبير في زيادة انبعاث غازات الاحتباس الحراري.

لذا ينبغي البحث عن المواد الخام الأقل تكلفة بيئيا واجتماعيا لإنتاج الوقود الحيوي كالاستعاضة عن المحاصيل السنوية بمواد وسيطة معمرة مثل زيت النخيل أو الجاتروفا أو الأعشاب المعمرة، كما أننا في حاجة لاتباع ممارسات زراعية جيدة لتقليل الآثار السلبية لإنتاج الوقود الحيوي مع الاستعانة بالحوار الدولي للكشف عن العواقب الدولية السلبية والإيجابية لتنمية قطاع الوقود الحيوي.

الفقر والأمن الغذائي

ويرصد التقرير تأثيرات الوقود الحيوي على الفقر والأمن الغذائي حيث يشير إلى أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية سيكون له انعكاساته على ازدياد معدلات الفقر في البلدان النامية خاصة الدول المستوردة الصافية للأغذية حيث سيجهد ارتفاع الأسعار فواتيرها الخاصة بالواردات الغذائية كما سيكون له تأثير سلبي على الأسر الفقيرة خاصة في الريف لذا فإنه يجب إقامة إجراءات مناسبة لضمان حصول الفقراء على الغذاء.

ومن ناحية أخرى فقد يتيح إنتاج المواد الخام للوقود الحيوي فرصا لإدرار الدخل للمزارعين ويتطلب هذا دعما حكوميا من خلال التمويل الريفي، وستضمن مشاركة القطاع الخاص إقامة مزارع كبيرة يمكنها أن تستفيد من مشاركة أصحاب الحيازات الصغيرة المنتجين للمواد الخام ويتوقف ذلك على توفير البيئة السياسية والقانونية الملائمة، ويجب على الحكومات وضع المعايير الواضحة وتطبيق السياسات الفعالة لحماية المجتمعات المحلية الضعيفة.

ويستعرض التقرير تحليلا لسيناريوهين بديلين بخصوص إنتاج الوقود الحيوي وتأثيره على الأمن الغذائي وهما:

1.حدوث زيادة في الطلب على الحبوب الخشنة والسكر والزيوت النباتية من أجل إنتاج الوقود الحيوي بنسبة 30% بحلول عام 2010 وفي هذه الحالة يتوقع ارتفاع سعر السكر بنسبة 26% والذرة بنسبة 11% والزيوت النباتية بنسبة 6% وستكون التأثيرات أقل حدة بالنسبة للأرز والقمح.

2.حدوث انخفاض في الطلب على هذه السلع الأساسية من جانب الوقود الحيوي بنسبة 15% بحلول عام 2010 وفي هذه الحالة ستقل أسعار الذرة بنسبة 5% والزيوت النباتية بنسبة 3% والسكر بنسبة 10% .

ويؤكد التقرير في نهايته أن الوقود الحيوي وإن كان سيحل محل نسبة متواضعة من استخدام الطاقة الأحفورية (البترول والغاز والفحم) على مدى العقد المقبل فإن تأثيراته على الزراعة والأمن الغذائي ربما تمثل تهديدا للأمن الغذائي للفقراء إن لم تتضافر الجهود الدولية في معالجة التحديات والفرص التي يمثلها الوقود الحيوي.

الأربعاء، 14 يناير 2009

في محنة غزة..أفكار إيجابية للمرأة العربية


أمل خيري


Image
إن القلم ليعجز عن الإعراب عن مكنونات القلب ويذوب خجلا أمام الصمود الفلسطيني لشعب أعزل أحكم حوله الحصار والقتل والتشريد في ظل صمت عربي ودولي مريب ونتساءل عن المرأة العربية التي هي نصف المجتمع وتقوم على تنشئة النصف الآخر كيف وقفت أمام هذه المجازر التي يسقط فيها العشرات ثم المئات ثم الآلاف ما بين قتلى وجرحى ولا يحرك العالم ساكنا؟

صرخة ألم

النساء في العالم العربي والإسلامي أعربن عن مشاركتهن مشاعر الأسى والحزن على الفجيعة اليومية لأطفال ونساء وشيوخ غزة، نسمع أصوات النساء في الفضائيات يصرخن ويبكين ويندبن المجزرة -بل المحرقة- في غزة وينادين أين العرب؟ أين المسلمون؟ أين الرجال؟

خرجت الكثيرات في مظاهرات ومسيرات تنديدا بالعدوان والصمت الدولي والكثيرات صرخن في الرجال وعبرن عن رغبتهن في حمل السلاح ومشاركة أهل غزة الجهاد والنصرة بدلا من رجال تخاذلوا عن نصرة الحق وغضوا أبصارهم عما يجري من ظلم وعدوان.

ولكن الكثيرات قبعن في بيوتهن واكتفين بمتابعة صور المجازر والبكاء، أعرف الكثيرات منذ بدء العدوان الغاشم على غزة لا يرقأ لهن دمع ولا تغمض لهن عين بل البعض عزفن عن الطعام ولا يجدن في حلوقهن إلا غصة ومرارة تحرق قلوبهن وتمزق أكبادهن.

مشاهد الدم والقتل، مشاهد جثث الأطفال الممزقة، أشلاء متهرئة من تحت الأنقاض أصبحت برنامجا يوميا مفروضا على كل بيت عربي ومسلم عبر الفضائيات ومواقع الإنترنت.

تنظر الأم إلى أطفال غزة القتلى فتضم أطفالها إلى صدرها وتبكي وهي تنفض عن عقلها مجرد تصور أن ما حدث لهؤلاء الأطفال يمكن أن يحدث لأطفالها وأمام عينها.

ولكن هل يكفي البكاء؟ هل يكفي الأرق؟ هل يكفي الامتناع عن الطعام؟ هل هذا هو الدور المطلوب من المرأة العربية المسلمة في أنحاء المعمورة؟ هل يرجع البكاء حقا سليبا؟ وهل يحقن الدمع الدم المسفوح؟ هل أجدبت قريحتنا وفرغت همتنا فلم يعد لنا إلا البكاء والنواح؟

كوني أكثر ايجابية

لا أدعي أني سأضع برنامجا متكاملا لدور المرأة العربية والمسلمة في نصرة غزة، ولكنها أفكار متفرقة ربما تساهم في إنارة الظلام الدامس لكل النساء والأمهات اللاتي نفد صبرهن وأصابهن الإحباط واليأس ليمسحن دموعهن ويبدأن في خطوات أكثر عملية وتحرك أشد إيجابية نحو نصرة إخوانهن في غزة.

فأنت إما فتاة تطلب العلم، أو امرأة عاملة، أو ربة بيت، أو زوجة، أو أم، وكل لها دورها المنوط بها في نصرة غزة، ولكن هناك أدوار مشتركة من الجميع.. مع النفس قبل أن تكون مع الغير.

الجهاد الاقتصادي

تضطلع المرأة في معظم الأسر بالدور الاقتصادي والمالي من إدارة ميزانية الأسرة وشراء الاحتياجات والادخار، وعليها أن تستغل هذه الفرصة في دعم غزة وأهلها وأهم خطوة القيام بالمشاركة في الجهاد بالمال والتبرع لشعب غزة وحث الأطفال على الادخار من مصروفهم اليومي في حصالة مخصصة لدعم غزة، ثم التوجه بهذه الأموال للجهات المعنية بجمع التبرعات وإيصالها للمحاصرين والضحايا.

يجب على الأم أن توصل لأطفالها رسالة أن أطفال غزة هم إخوة لنا، ويجب مشاركتهم معاناتهم بقليل من التقشف والاقتصاد في الاستهلاك تضامنا معهم.

على المرأة أن تعيد إحياء فكرة مقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية حين تسوقها فتعمد لشراء السلع البديلة، وتوضح ذلك للأطفال ليشاركوا في الامتناع عن شراء الأطعمة والحلوى والألعاب التي تدخل ضمن قائمة السلع المقاطعة مع توضيح أن الاستمرار في شراء هذه السلع يعني المشاركة في قتل الأطفال في غزة.

الجهاد بالكلمة

قد تقابلين زميلات لك في العمل أو جارات أو قريبات أو صديقات ضللهن الإعلام الغربي أو المحلي، ولا يتفهمن الصورة أو حقيقة الوضع في غزة؛ بل ستجدين من تؤكد أن ما لدينا من مشاكل وأزمات يغنينا عن التفكير في غيرنا؛ بل ستجدين أطفالا يرددون هذا الكلام؛ فمثلا فوجئت بابنتي تخبرني بأن مدرستهم أقامت صلاة الغائب على أرواح شهداء غزة فامتنع بعض الأولاد عن الصلاة بحجة أن هؤلاء ليسوا أقارب لنا فلِمَ الاهتمام بهم؟

ودورك هنا من أبلغ الأدوار لتفهمي أبناءك حقيقة الأمر، قصي عليهم قصة الثيران الثلاثة مع الأسد، حين قال الثور الأحمر في نهاية المطاف "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض"، وعلميهم الدروس المستفادة من القصة، وكيف أن الرسول الكريم يقول: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".

وَضِّحي لكل من تقابلينه عاقبة تخاذلنا عن نصرة إخواننا، أفهميهم حقيقة العدو الصهيوني الذي لا يرقب فينا إلاًّ ولا ذمة والذي اسودت صحائفه بالمجازر الوحشية التي لم تقتصر على الشعب الفلسطيني وحده، ذكريهم بأن ضحايا مذبحة مدارس الأونروا بغزة ما هي إلا نسخة أخرى من مذبحة مدرسة بحر البقر في مصر عام 1970، واستعيني في الرد على الشبهات بالقراءة والاطلاع على حقيقة الأوضاع واقرئي التاريخ في المصادر الصحيحة والصادقة.

يمكنك أن ترسلي رسائل بالمحمول لإخوتك في غزة تدعمين صمودهم ورسائل أخرى لمعارفك لتذكيرهم بالدعاء والمقاطعة نصرة لإخوانهم.

الجهاد الإلكتروني

تستطيعين دون أن تغادري بيتك أن تطلقي صرخة للعالم المتمدن بفضح الجرائم الصهيونية ضد الشعب الأعزل، من خلال القيام بدورك المطلوب من خلال التطوع الإلكتروني عبر المشاركة في المنتديات وعبر البريد الإلكتروني والشات والمواقع الإلكترونية العربية والأجنبية والمدونات وغيرها من خدمات الإنترنت، وأهم الموضوعات التي يجب التركيز عليها:

* التعريف بجذور القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني.

* الرد على الشبهات والأكاذيب المثارة حول القضية، مثل بيع الفلسطينيين لأراضيهم وتخاذلهم عن قضيتهم وغيرها من الأكاذيب التي يروجها البعض ويصدقها الكثير.

* التعريف بتاريخ النضال الفلسطيني، وكشف فضائح الجرائم الصهيونية المستمرة والمجازر التي ارتكبها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني عبر التاريخ دون تفرقة بين فصائل سياسية أو مدنيين، وما اقترفه عبر التاريخ من مذابح ضد الأطفال والنساء والمدنيين.

* دعم أهلنا في غزة الصامدة ومشاركتهم الأحزان والهموم وأدوارنا وأفكارنا العملية لنصرة أهل غزة.

* بث الثقة في النفوس وبشائر النصر والأمل بنصر الله "ألا إن نصر الله قريب" وذلك عبر قصص عن أبطال المقاومة وصمود المجاهدين بل والمدنيين.

والوسائل في تنفيذ ذلك متعددة ما بين تصميم تواقيع وبنرات متحركة في المنتديات والمدونات والبريد الإلكتروني، المشاركة في حملات إلكترونية لدعم الصمود الفلسطيني وفك الحصار ووقف المذابح الصهيونية، كتابة عرائض والتماسات بجميع اللغات وإرسالها عبر البريد الإلكتروني والمجموعات البريدية للمسئولين في الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

*إنشاء المدونات الإلكترونية لدعم غزة والمشاركة في المدونات المميزة بالتعليقات والنشر.

*نشر صور ومقاطع فيديو تكشف جرائم الصهاينة بحق المدنيين خاصة الأطفال.

وإذا كنت تتقنين إحدى اللغات الأجنبية يمكنك ترجمة الأخبار وإرسالها للمجموعات الإلكترونية الأجنبية وعبر البريد الإلكتروني للمساهمة في إلغاء التعتيم الإعلامي بل والتضليل الذي يمارسه الإعلام الصهيوني والغربي على شعوبه بخصوص المذابح التي ترتكب يوميا.

التربية الإيمانية

نحتاج جميعا الاستفادة من دروس هذه المحنة بالعودة إلى الله وطلب العون منه تعالى وحسن الصلة بالله وحسن الخلق والتوجه إلى الله بالدعاء قال الله تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين"، وقال سبحانه وتعالى "وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون".

كثيرات لا يلجأن للدعاء ويعتبرنه عجزًا وضعفًا وموقفًا سلبيًّا، ولكنه في المقابل قوة واعتصام بحبل الله المتين، وقد وصف الله تعالى أنبياءه بقوله: "إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ في ٱلْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خاشعين"، فكان الدعاء أحد أسباب نصرهم وتمكينهم وحدّث عبد الله بن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم" (البخاري: 2716).

وكلما كان الدعاء من قلب خاشع صادق، كانت الإجابة أقرب، والتوجه إلى الله بصلاة الحاجة والاستعانة بقيام الليل ولنتذكر قول الإمام البنا (وسنستعدي على الباغين سهام القدر، ودعاء السحر).

وتأكدي أنه ستأتي بعدنا أجيال تتعجب من وقوفنا صامتين إزاء ما جرى وتعتبرنا مشاركين بموقفنا السلبي وصمتنا أمام هذه المذبحة التي سيضيفها التاريخ للسجل الإجرامي الصهيوني المشين وستساعدك هذه الخطوات الإيجابية في أن تقدمي عذرك إلى الله وعذرك إلى الأجيال القادمة.


باحثة بشبكة اسلام أون لاين.نت.

الأحد، 23 نوفمبر 2008

الآبار الضحلة.. المياه بتكنولوجيا بسيطة

أمل خيري

في ظل الأحوال المناخية السيئة في القارة الإفريقية تتزايد حدة الجفاف كلما اقتربنا من الدائرة الاستوائية؛ مما يؤدي إلى تصاعد حدة القحط والجدب، وتناقص موارد المياه العذبة والتي تتسبب في العديد من الصراعات الدموية التي تشهدها دول القارة ومن بينها كينيا ومنطقة الحدود السودانية الصومالية الأوغندية.

وتعد منطقة شمال غرب كينيا من أشد المناطق فقرا وجدبا؛ حيث تنتشر قبائل "توركانا" التي تعد ثالث أكبر القبائل الكينية وثاني أكبر مجموعات الرعاة الرحل، ويتراوح عدد سكانها بين 250.000 إلى 340.000 نسمة، ويتحدث أفرادها اللغة النيلية.

ويتسم مناخ "توركانا" بصفة عامة بالقحط والجفاف معظم شهور السنة، إضافة إلى تعرض المنطقة للفيضانات، لذا فإن النشاط الأساسي للسكان يعتمد على رعي الأبقار التي يتم جلب المياه لها من بعض الآبار الواقعة على مرتفعات شيرانجاي والتي تبعد عن منطقة توركانا بأكثر من 200 كم، وهذه الآبار تتغذى على بعض الأنهار الموسمية على طول الحدود مع أوغندا.

صراع من أجل المياه

وبنظرة للقبائل المنتشرة على حدود جنوب السودان وشمال أوغندا وشمال غرب كينيا نجد تشاركا بين هذه القبائل في الظروف القاحلة، وفي النشاط الاقتصادي، وفي التنافس على مياه الآبار المحدودة؛ مما أشعل حدة الصراعات بين هذه القبائل على الموارد المائية المتاحة، وأخذت هذه الصراعات شكل السرقة المسلحة للماشية، والغارات المنظمة على القبائل المجاورة، وإطلاق النار على الرعاة بالقرب من الآبار.

ونظرا لتوافر الأسلحة في أيدي الرعاة والمنافسة على الموارد المحدودة فقد عانت هذه المنطقة من الصراعات الدامية التي نجم عنها تشريد ما لا يقل عن 42.000 نسمة يمثل النساء والأطفال منهم نسبة 70%، إضافة إلى تزايد حدة ترمل النساء، وتعرضهن للاغتصاب، وكذلك انتشار عمالة الأطفال الذين فقدوا ذويهم، كما ازدادت معدلات الإصابة بسوء التغذية والأمراض زيادة ملحوظة بين النساء والأمهات المرضعات وصغار الأطفال، وحسب تقرير اليونيسيف فإن "معدل الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في هذه المنطقة قد ارتفع، كما يبلغ معدل الإصابة بسوء التغذية الحاد 20%، وهو ما يتجاوز المعدل الحرج الذي حددته منظمة الصحة العالمية، وهو 15 %".

ونظرا لتعرض منطقة توركانا للجفاف المستمر على مدى السنوات الثلاث الماضية فقد أدى الضغط على الموارد إلى زيادة حدة الصراعات والقتل والتشريد؛ ومن ثم فقد تبنت منظمة practical action"" حملة لدعم سكان المنطقة بهدف العمل على إنقاذ أرواح الآلاف من خلال مشروع أطلقته لحفر المزيد من الآبار الضحلة في المنطقة بتقنيات رخيصة وبسيطة يمكنها أن تحدث فرقا هائلا لهؤلاء السكان.

حلول أكثر بساطة

ففي حين يدعو البعض لحلول معقدة لمشكلات أكثر تعقيدا فإن تقنية حفر الآبار الضحلة "Shallow Wells" تعد حلا بسيطا لإنقاذ الأرواح خاصة من النساء اللاتي يضطرهن الجفاف إلى الذهاب في رحلة طويلة وشاقة لجلب المياه للشرب وللماشية قد لا تقل عن 15 كيلومترا تقطعها المرأة وحدها تاركة أطفالها مع زوجها الذي يضطر هو أيضا للبقاء لحماية الماشية من الغارات المسلحة، فتقع المرأة بين نارين إما أن تستمر في رحلتها التي تعلم أنها قد تتعرض فيها للقتل، أو تبقى مع الأطفال والماشية ويذهب زوجها لجلب الماء فتتعرض للهجمات المسلحة التي قد تنتهي بقتلها وأطفالها وسرقة الماشية.

وفي كلتا الحالتين لا ينتج سوى المزيد من القتل والتشريد، لذا فإن اعتماد تقنية حفر الآبار الضحلة داخل حدود المنطقة تحقق العديد من المزايا من أهمها:

1. تحقيق الأمن للسكان، والحفاظ على الأرواح وتجنيب النساء مشقة الرحلة الدموية اليومية لجلب المياه.

2. زيادة كميات المياه اللازمة للشرب والغسل والطبخ ورعي الماشية مما يعني القضاء على الجوع والفقر.

3. توافر المياه النظيفة والخالية من التلوث التي تعني الوقاية من الأمراض.

استخراج المياه الجوفية

والمياه الجوفية هي المياه الموجودة تحت سطح الأرض والمخزونة في مسام الصخور المختلفة، وتوجد عادة في صخور ذات مسامية ونفاذية عالية، وتعرف باسم "الصخور الخازنة" التي تحتوي على كمية محدودة من المياه في منطقة معينة تسمى "خزان المياه الأرضية"، وصفة "المسامية" Porosity من الصفات المميزة لبعض الصخور، وتتمثل في حجم الفراغات الموجودة في الكتلة الصخرية منسوبا للحجم الفعلي للكتلة الصخرية، أما صفة "النفاذية" Permeability فتعني قابلية الصخر لإمرار الماء بين حبيباته، ويعرف السطح العلوي للماء المتخلل في الصخور باسم مستوى المياه الجوفي Water table.

وتعد الآبار Wells من أكثر الطرق شيوعا في الحصول على المياه الجوفية، وتنقسم الآبار حسب عمقها إلى آبار ضحلة وآبار عميقة.

"فالآبار الضحلة" Shallow Wells هي الآبار التي لا يزيد عمقها عن 30 مترا ولا تحتاج إلى تقنيات هائلة لحفرها واستخراج المياه منها، وتبطن جوانبها غالبا بالحصى والخرسانة، إلا أن من عيوب هذا النوع من الآبار أن كمية المياه التي تستخرج منها قليلة لا تكفي إلا للاستخدام المحلي في الشرب والرعي، ولكنها لا تصلح للزراعة، كما أنها أكثر عرضة للتلوث.

أما "الآبار العميقة" Deep Wells فهي آبار يزداد عمقها ليصل في بعض الأحيان إلى بضع مئات من الأمتار، ونظرا لهذا العمق فهي أكثر نقاء وأقل عرضة للتلوث، وكميات المياه المستخرجة منها أكبر بكثير ولكنها مكلفة في حفرها واستخراج المياه منها، وتحتاج لآلات حفر باهظة الثمن.

وتعتمد مبادرة ""practical action على حفر المزيد من الآبار الضحلة قليلة التكلفة لمساعدة السكان المحليين على توفير مصادر مياه نقية من خلال تغييرات بسيطة في تصميم وحفر الآبار التقليدية؛ مما يجعلها أكثر أمنا ونقاء حيث إن الآبار التقليدية التي تحفر يدويا تتعرض للجفاف المستمر، كما تتعرض للتلوث إما من المخلفات الحيوانية أو البشرية، لذا فإن حفر الآبار الجديدة يعد حلا أكثر دواما وأمنا صحيا.

الآبار الضحلة

وتتمثل خطوة البداية في حفر بئر بآلات يدوية بسيطة، وإحاطة البئر بجدار من الخرسانة المسلحة، ثم تغطية فتحة البئر بغطاء معدني لمنع تسرب الملوثات للمياه، ويساعد حفر العديد من الآبار المتجاورة داخل القرى على الحد من الصراعات على المياه، وتجنيب النساء مشقة رحلة اللاعودة من أجل جلب المياه، وتعتمد طريقة استخراج المياه على الوسائل البدائية كالدلو والحبل والصفائح المعدنية المصنوعة من الحديد المجلفن، ويبلغ عمر البئر الافتراضي 15 عاما.

ومع ذلك يرى البعض أن الآبار الضحلة قد تؤدي لإصابة البشر بالتسمم نتيجة انتشار البكتيريا والميكروبات المسببة للعديد من الأمراض مثل الكوليرا والتيفود والتهاب الكبد الوبائي والإسهال وغيرها من الأمراض نتيجة قرب طبقات المياه الجوفية في هذه الآبار من سطح الأرض مما يعرضها للملوثات الحيوانية والكيميائية، كما أن هطول الأمطار بالقرب من هذه الآبار يمكن أن ينقل المياه السطحية الملوثة إلى البئر، لذا يجب الحرص على تصميم البئر الضحلة بمواصفات صحية وآمنة، وأهم هذه المواصفات تتمثل في:

1. اختيار مكان لحفر البئر يبعد عن مصادر التلوث بما لا يقل عن100 قدم من جميع الاتجاهات، مع وجود انحدار من جهة فتحة البئر لمنع تسرب مياه الأمطار إليها.

2. التأكد من نفاذية الصخور في التربة المختارة للحفر لضمان تنقية المياه وترشيحها أثناء مرورها خلال الصخور إلى البئر.

3. ضمان ارتفاع مستوى الماء الجوفي في البئر المحفورة عن مستوى الماء الجوفي في الأماكن المحتوية على مياه ملوثة.

4. تغطية البئر بشبكة محكمة من الصلب أو الفولاذ متصلة بأنبوب للصرف في قمة الغطاء.

5. إحاطة البئر من الداخل بجدار مدعوم بطبقة من الأسمنت أو الخرسانة المسلحة بسمك لا يقل عن 2 بوصة ولعمق لا يقل عن 18 قدما.

6. توفير حماية من قبل زعماء العشائر والقبائل للبئر لمنع السكان المحليين من إلقاء المخلفات في البئر.

7. قيام الجهات الصحية بعمليات تطهير مستمرة للبئر، وإضافة الكلور بنسب صحيحة، وغسل جدران البئر دوريا.

8. أخذ عينات من مياه البئر وتحليلها كل فترة للتأكد من خلوها من التلوث.

وعند الأخذ بكل هذه الاحتياطات يمكن توفير المزيد من المياه الصحية والآمنة لسكان القرى، وإنقاذ أرواح الآلاف من البشر والماشية، والمساهمة في القضاء على الفقر والجوع والمرض والتشريد والقتل وهي تجربة جديرة بالدراسة والدعم.

وهذه المبادرة ليست الأولى من نوعها؛ فقد قدمت مؤسسة Life water مبادرة سابقة لمساعدة السكان المحليين في العديد من مناطق الجفاف على حفر الآبار الضحلة بمشاركة المجتمع المحلي، كما قامت المؤسسة الدولية للتنمية والإغاثة IDRF بمشروع حفر الآبار الضحلة في الصومال، وتكررت التجارب في زامبيا ومالاوي وغيرها من الدول الإفريقية والتي ساعدت على إنقاذ حياة الآلاف من العطش بجهود السكان المحليين أنفسهم.

____________
هوامش ومصادر:

موقع practical action وهو مؤسسة خيرية تنموية تهدف للمساعدة في القضاء على الفقر في البلدان النامية من خلال تطوير واستخدام التكنولوجيا البسيطة ،وحث الفقراء على مساعدة أنفسهم بأنفسهم.
موقع منظمة اليونيسيف
تقرير السودان الصادر عن مشروع التقييم الأساسي للأمن البشري HSBA ، العدد 8 ، سبتمبر 2007
تقرير "Conflict in Northern Kenya" الصادر عن : Intermediate Technology Development Group (ITDG) ، أكتوبر 2003


http://www.onislam.net/arabic/health-a-science/environment/110619-2008-11-23%2009-31-49.html

الأحد، 9 نوفمبر 2008

البيزنس الاجتماعي .. هل يجمل وجه الرأسمالية؟

أمل خيري

ينطلق عديد من المفكرين الاقتصاديين الرأسماليين من مُسلَّمة أن رجل الأعمال لا علاقة له بالمجتمع بل يسعى للربح الفردي فقط، ولا تشغله قضايا تنمية المجتمع، باعتبار أن ما يحققه من ربح يعود بالخير على المجتمع ككل، بينما يرى بعض المحللين المعاصرين أن رجل الأعمال أو المستثمر يجب النظر إليه على أنه شخص يدور في منظومة اجتماعية؛ فهو ليس منفصلا عن واقع مجتمعه الاقتصادي والتنموي، لذا فقد برز مصطلح "رواد البيزنس الاجتماعي" بدلا من "رجال الأعمال"؛ باعتبار أن هؤلاء لديهم الحل لمعضلات النظام الرأسمالي.

يشير مصطلح رواد البيزنس الاجتماعي "Social Business Entrepreneurs" إلى أشخاص مبدعين يملكون المال، وفي الوقت نفسه يتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلاقة في مجال التغيير الاجتماعي؛ فهم مستثمرون ورجال أعمال لم يشغلهم المال والربح والمشروعات عن الاهتمام بالمجتمع وتنميته، ولديهم القدرة على المبادرة وتقديم الحلول الإبداعية لمشاكل المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

ويلخص "ديفيد بورنشتاين"[1] خصائص رائد البيزنس الاجتماعي في كتابه "كيف تغير العالم؟ الرواد الاجتماعيون وسلطة الابتكار الاجتماعي" حيث يذكر أن الرائد الاجتماعي الناجح يتمتع بست خصال أساسية، وهي:

1. لديه الشجاعة لمواجهة الوضع القائم بأخطائه.

2. لديه الاستعداد للمشاركة الجماعية في تحقيق الأهداف.

3. لديه القدرة على التحرر من الأنماط المؤسسية والبيروقراطية.

4. يتمتع بسمات أخلاقية متميزة.

5. مستعد للعمل في صمت وهدوء.

6. يتجاوز حدود التخصصات، ولديه رؤية مبتكرة للحلول.

وقد برز العديد من رواد البيزنس الاجتماعي على مستوى العالم، وساهموا بحل العديد من مشكلات مجتمعاتهم، ومن أكثر هؤلاء شهرة الاقتصادي محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006، ولعل شهرته تعود إلى أنه جمع بين النظرية والتطبيق من خلال تجربة "بنك الفقراء" التي نجحت في بنجلاديش في مساعدة الآلاف على الخروج من مظلة الفقر، وفي الورقة التي قدمها محمد يونس في المنتدى العالمي للعمل الاجتماعي الحر الذي عقدته مؤسسة "سكول" بجامعة أكسفورد وشارك فيه 750 عضوا من 35 دولة، أكد يونس على دور رجال الأعمال الاجتماعية؛ حيث حملت الورقة عنوان: "رواد البيزنس الاجتماعي هم الحل"[2].

النظرة الأحادية لرجال الأعمال

وينطلق محمد يونس من مقولة إن نظرتنا للرأسمالية ما زالت ضيقة ومحدودة فقد تم عزل الاقتصادي الرأسمالي عن باقي مقومات الحياة كالدين والمشاعر والسياسة؛ فالرجل الرأسمالي هو من يكرس نفسه لهدف واحد فقط وهو العمل لتعظيم الربح، ويشاركه في ذلك مجموعات من رجال الأعمال الذين يكرسون أنفسهم لنفس الغاية وهذه هي الآلية التي يعمل بها نظام السوق؛ فالنظرية الاقتصادية تفترض أنك حينما تعمل على تعظيم ربحك فإن ذلك يعظم أرباح الآخرين أيضا.

ويؤكد يونس على أن هذه النظرة الأحادية لرجل الأعمال نظرة فاشلة، وأنه لا يمكن تحقيق النجاح والخروج من الأزمة إلا بشراكة رجال الأعمال الاجتماعيين وهم أكثر الناس استمتاعا بمساعدة الآخرين، ولا شك أن هؤلاء يجب أن تمنحهم الحكومات تخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي.

وهذه الفئة من رجال الأعمال تتنوع ما بين من يساهمون بالمال فقط في تنمية مجتمعاتهم، ومنهم من يمضي لأبعد من ذلك حيث يكرس بعضا من وقته وجهده وماله لمشروعات اجتماعية ريادية من شأنها تحسين وضع الفقراء وتنمية المجتمع، والبعض منهم ينتظر العائد الربحي على ما يقدمه من خدمات، بينما البعض الآخر لا ينتظر أي عائد، بل يحتسب ما أنفقه ولا يشغله.

وهذا من شأنه أن يحول العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية؛ مما يعمل على زيادة حدة الإثارة والمنافسة داخل الأسواق، وتأتي الإثارة من تواجد نوعين من رجال الأعمال: هؤلاء الأحاديون الذي يركزون على الربح فقط، وأولئك الاجتماعيون الذين يربحون ويخدمون مجتمعاتهم في نفس الوقت، وتأتي المنافسة من تنامي أعداد رجال البيزنس الاجتماعي الذي يتسابقون على أوجه الخير وهؤلاء يمكنهم أن يصبحوا لاعبين أساسيين في الاقتصاد العالمي.

إلا أننا لو جمعنا أصول هذه الشريحة من رجال الأعمال لا نجدها تمثل سوى نسبة ضئيلة جدا من الاقتصاد العالمي ليس بسبب افتقارهم لمقومات النمو بل لأن نظرتنا نحن ما زالت ضيقة، فالاقتصاد العالمي لم يعترف بعد بوجودهم وبالتالي فليس لهم تمثيل في الغرف التجارية ولا يوليهم المحللون الانتباه؛ نظرا لما يغشى عيونهم من نظريات درسوها في الجامعات عن الربح والمال والسوق.

ويؤكد محمد يونس أنه متى أرسينا لهؤلاء وجودهم في السوق من مؤسسات داعمة وسياسات وقواعد ولوائح فإننا نساعد على أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع بين رجال الأعمال، ففي ظل اقتصاديات السوق لم تلعب السوق أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن السوق نفسهما ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية والتي يقع على عاتق الدولة حلها؛ حيث تحولت السوق إلى حلبة صراع بين رجال الأعمال للتنافس على الربح مع إهمال متعمد للصالح العام؛ مما ترتب عليه مضاعفة الأرباح للأغنياء والذي يهدد بالقضاء على الاقتصاديات الفقيرة وزيادة الفقراء في العالم، ولذا فقد حان الوقت لتغيير هذه النظرة الضيقة للرأسمالية من خلال تشجيع فئة رجال الأعمال الاجتماعيين على إنجاز أهدافهم وتوجيه جزء من أرباحهم للعمل على تنمية المجتمع والصالح العام.

سوق الأسهم المالية الاجتماعية

ويضع محمد يونس الخطوات العملية لتشجيع رجال البيزنس الاجتماعي على تبوء المكانة المطلوبة في الاقتصاد العالمي، فيرى أن الخطوة الأولى تتمثل في الاعتراف برجال الأعمال الاجتماعيين في دراساتنا النظرية، فيجب على الطلاب أن يتعلموا وجود فئتين من رجال الأعمال في النظام الرأسمالي: فئة الساعين للربح، وفئة الراغبين في العطاء، وعليهم أن يختاروا إلى أي فئة يريدون أن ينضموا فيما بعد، وبالتالي فنحن نوسع من مجالات اختيارهم.

وتتمثل الخطوة الثانية في وضع هذه الفئة من رجال الأعمال في الصورة؛ بحيث يصبحون مرئيين ومعترف بوجودهم ما داموا يتبعون نفس نظم السوق وما داموا هم مقيدون بمعايير التجارة والاقتصاد، مع وضع مجموعة من اللوائح والمعايير الخاصة بهم لتيسير عملهم وهو ما أطلق عليه يونس مصطلح: "سوق الأسهم المالية الاجتماعية" والذي يؤكد على أنه سيجذب كلا من فئتي رجال الأعمال ما دام توافر فيه الربح الشخصي، إضافة إلى الهدف الاجتماعي.

وتحقيق الربح لن ينتقص من الهدف الاجتماعي بل على العكس يجب أن تقرر اللوائح والمعايير المحددة لتمكين شركة ما من دخول سوق الأسهم المالية الاجتماعية أو خروجها، ويجب أن يشعر المستثمرون بحق أن الشركات التي أدرجت في هذا السوق لديها مشروعات اجتماعية حقيقية.

وبالتالي فنحن نحتاج مع إقامة هذه السوق أيضا إلى مؤسسات متخصصة في التقييم تمتلك أدوات التقييم المؤثرة ومؤشرات محددة للتعرف على الشركات الاجتماعية الأكثر تأثيرا؛ مما يساعد المستثمرين الاجتماعيين في اتخاذ قراراتهم بشأن شراء الأسهم في هذه الشركة أو تلك، وهذه الصناعة الجديدة بالتأكيد ستحتاج لصحف مثل "وول ستريت" و"فايننشيال تايمز" ولكن في صورتها الاجتماعية التي تركز على إظهار نجاحات رجال الأعمال الاجتماعيين، وتقدم الأخبار والتحليلات اللازمة لتيسير عمل المستثمرين ورجال الأعمال الاجتماعيين.

ويمكن البدء بتدريس "ماجستير إدارة الأعمال"MBA المتخصص في مجال الاستثمار الاجتماعي في جامعاتنا ومعاهدنا لتهيئة الشباب على الاضطلاع بهذا الدور بعد تخرجهم، وهذا من شأنه أن يشعل حماس هؤلاء الشباب للتحول بجدية إلى الاستثمار الاجتماعي وبالطبع يتطلب ذلك توفير نوع من التمويل لهؤلاء قد يتمثل في إنشاء مصرف جديد متخصّص في تمويل الأعمال التجارية الاجتماعية، كما يجب تشجيع المستثمرين المغامرين على الانضمام لعالم رجال البيزنس الاجتماعي.

المنافسة خطوة البداية

يطرح محمد يونس فكرة البدء في إطلاق مبادرة لمسابقة تنافسية في مجال المشاريع التجارية الاجتماعية قد تكون منافسة محلية أو إقليمية أو حتى عالمية، وتخصص جوائزها في شكل تمويل للمشاريع الفائزة أو منحها شراكة في التنفيذ، كما يجب أن تنشر كل اقتراحات المشروعات التجارية الاجتماعية المقدمة لكي يستفيد منها الآخرون أو على الأقل تقدم للراغبين في العمل الاجتماعي أفكارا لمشروعات تجارية اجتماعية أخرى.

سوق الأسهم المالية نفسها يمكن أن تبدأ بمبادرة من بعض رجال البيزنس الاجتماعي كمشروع تجاري اجتماعي، ويمكن لمدرسة اقتصادية واحدة أو عدة مدارس المشاركة في بدء تنفيذ الخطوات العملية لهذه السوق.

وهذه السوق بالطبع لن تبدأ عملاقة منذ ولادتها، بل إن الخطوة الأولى في النجاح حتما ستؤدي للخطوات التالية، ويدلل محمد يونس على ذلك بتجربته الشخصية في "بنك جرامين" حيث بدأ بخطوة صغيرة تدرجت لتحقيق الحلم، فقد بدأ يونس بتقديم قروض صغيرة لبضعة أفراد بدون ضمانات أو فوائد، وحينما أدرك النجاح الذي حققه كان لابد من الحصول على المزيد من المال فتحول لأحد المصارف للاقتراض منها لهؤلاء الفقراء كضامن لهم، ثم تلتها الخطوة الحاسمة بإنشائه مصرفا خاصا رسميا بدأ بالاقتراض من البنك المركزي ولكن هذه النجاحات المستمرة أغرت المزيد من المتطوعين والممولين على مستوى العالم لتقديم تبرعات لهذا المصرف الوليد، وهذا من دوره أدى للخطوة التالية وهي الرغبة في الاعتماد الذاتي من خلال إيجاد موارد ذاتية، والآن أصبح لدى بنك جرامين من الإيداعات أكثر مما يقدمه المتبرعون؛ حيث وصلت نسبة الإقراض إلى نصف بليون دولار في العام الواحد، تصل قيمة القرض الواحد لأقل من 200 دولار، ويبلغ نسبة المقترضين اليوم 7.56 مليون شخص تبلغ النساء منهم نسبة 97% يقترضون بدون فوائد، كما يسجل البنك نسبة تسديد تبلغ 99%.

ويقدم البنك العديد من البرامج التمويلية في شكل قروض سكنية وقروض للتعليم وصناديق التقاعد والقروض لشراء الهواتف الجوالة لنساء القرى وقروض للمتسولين ليتحولوا إلى بائعين.

وفي ختام ورقته، يؤكد محمد يونس أن خلق البيئة الصحيحة لرجال الأعمال الاجتماعيين يساهم في إفساح المجال للفرص الإبداعية والفعالة في السوق، وعندما تزال العوائق أمام المستثمرين الاجتماعيين فهذا من شأنه أن يرسم ابتسامة أمل في هذا العالم الكئيب.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-Namah%2FNMALayout&cid=1225697967172

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2008

الدين والعلمانية وازدواجية الأخوة الإنسانية


أمل خيري

شغلت قضية الدين والعلمانية فكر العديد من المفكرين الغربيين ما بين مؤيد لفصل الدين عن الدولة، وما بين رافض للمنطق العلماني بمفهومه الغربي؛ باعتبار أن الدين لا يمكن استبعاده من الحياة العامة، ومن هؤلاء جيمس مينش أستاذ الفلسفة بجامعة القديس فرانسيز زفير بكندا ومؤلف كتاب "المعرفة والوجود.. معضلة ما بعد الحداثة".
جيمس مينش
ينطلق مينش من فرضية أن الأديان السماوية الثلاثة أو ما اصطلح على تسميته بـ"أديان الكتب السماوية" لديها قاسم مشترك بينها يجب أن تعمل على تعزيزه؛ فجميعهم يؤمن بوجود الخالق، وجميعهم يستند لكتاب سماوي، وفي الوقت نفسه فإن العلمانية بوجهها الغربي قد فشلت في احتواء الجميع والحفاظ على هويتها بسبب استبعادها للدين من المجال العام.
ويحاول مينش في مقالته المنشورة بموقع أوبن ديموكراسي بعنوان: "الأخ في النفس"[i] أن يجيب عن السؤال الأزلي: ما هي الأخوة الإنسانية، ومن هو أخي في الإنسانية؟ ويسوق قصة رمزية وردت في إنجيل لوقا حيث يروي حوارا بين المسيح عليه السلام وأحد حوارييه حين سأله: ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال «أحب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك وكل فكرك، وأحب "أخاك" كنفسك». فسأله الحواري: ومن هو "أخي؟" فحدثه المسيح عن قصة رجل كان نازلا من أورشليم إلى أريحا فوقع بين لصوص فهاجموه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حي وميت، وصادف أن نزل كاهن في تلك الطريق فرآه ثم تركه ورحل، وكذلك أحد اللاويين مر به ورآه ثم رحل، حتى أتى سامري فلما رآه -وكان مسافرا- أخذته به الشفقة فتقدم وضمد جراحاته وصب عليها زيتا، وأركبه على دابته وأتى به إلى فندق واعتنى به، وفي الغد أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له اعتن به، ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك.
ثم سأل المسيح حواريه: أي هؤلاء الثلاثة هو "أخ" لهذا الرجل؟ فأجابه الحواري: إنه الذي عامله بالرحمة، فقال له المسيح "اذهب أنت أيضا واصنع هكذا".
ازدواجية المحبة والعداء
وتدل هذه القصة الرمزية على أن "الأخ" هو الذي يعامل أخاه برحمة، سواء كان على دينه أو دين آخر؛ فجميع الأديان ترسي مبادئ الرحمة والحب بين البشر جميعا مهما اختلفت عقائدهم، إلا أن هذه الأديان وقعت في ازدواجية عجيبة؛ ففي الوقت الذي يؤكد فيه أتباع كل دين أن دينهم يدعو للمحبة والتسامح فإن تاريخ هذه الأديان قد أظهر أشكالا من التعصب الديني وعلاقات العداء، ويتساءل مينش عن السبب في هذه الازدواجية وكيف استطاعت الأديان أن تروج لكل من الحب والعنف في نفس الوقت؟!
فالتاريخ يظهر لنا الجوانب العدائية بين جميع الأديان التي انتهكت فيها تعاليم الأديان في الحروب الدينية وفي مواجهة الأقليات، وهذه الحقيقة عبر عنها الفيلسوف الفرنسي جاكوب دريدا حين ذكر أن الدين ما هو إلا ضحية لرد فعل "المناعة الذاتية"، وهذا المصطلح في العلوم البيولوجية يشير إلى ما يقوم به جسم الكائن الحي من تحويل ردود أفعاله المناعية على نفسه فتنتج أمراض المناعة الذاتية، في حين أن أجهزة الجسم مصممة بحيث تحمي نفسها من الهجمات البيولوجية بدون أن تحدث خللا في بناء الأجهزة نفسها.
وكما لاحظ دريدا فإن الدين يمكن أن يعاني من هذا المصير أثناء محاولته حماية نفسه أيضا، وفي أثناء ذلك قد يفقد هويته الذاتية، فكما يهاجم الجسم نفسه فينظر لأجزاء منه على أنها دخيلة رغم أنها جزء منه.
ويرى مينش أن كل الأديان تؤكد على هذه الظاهرة، فردود الأفعال دوما في الحقيقة مقياس للآخر الذي يستبعدون وجوده على الرغم من أنه جزء من هويتهم الذاتية، وهكذا فإن اليهود ينظر إليهم المسيحيون نظرة عداء، ونفس الأمر ينطبق على المسيحيين؛ حيث ينظر إليهم المسلمون على أنهم كفار، وهي نفس نظرة الكاثوليك للبروتستانت، أيضا رد الفعل اليهودي العدائي للأديان التي سبقتها في كنعان يمكن أن يضاف لهذه القائمة العدائية.
ففي كل حالة تبدو لنا كما لو كانت تعبر عن ظهور مذهب "جاك لاكان" الذي يؤكد أن العقل الباطن الذي يعبر عن نفسي ولا يمكنني أن أتعرف عليه هو الفصل المنبوذ من تاريخ حياتي، وهذا النبذ لا يؤدي فقط لقمع الآخرين بل الأكثر من ذلك -وبما أن الآخرين هم جزء من هويتي الذاتية- فإنه يؤدي لتشويه المعرفة الذاتية وبتعبير لاكان "هذه المعرفة الذاتية قد أفسدتها هذه التشويهات التي استلزمها الربط بين هذا الفصل الزائف والفصول الأخرى التي تحيط بها".
القاسم المشترك بين الأديان
ويؤكد مينش أن الاحتمالية الإيجابية الوحيدة في هذه الازدواجية تنبع من حقيقة أن الأديان السماوية الثلاثة جميعها تعتقد في وجود خالق عظيم، وأن هذا الإله موجود قبل نشأة الخلائق وهذا يعني ليس فقط أنه متعال فوق الخلائق بل إنه أيضا يسمو على كل المفاهيم المأخوذة من المصطلحات البشرية.
وبما أن هذا الإله ليس من هذا العالم فلا يمكن تعريفه به، كما أن الأديان الثلاثة تنظر للجنس البشري كما لو كان تصويرا لصفات الله، وكلٌّ يعترف بطريقته الخاصة بسمو الخالق عن مشابهة الخلق، وهذا يعني أن البشر لا يمكن أن يتم نمذجتهم بشكل كامل، ونتيجة لذلك تدعو الأديان إلى الانفتاح الجذري على من يطلق عليهم إخوة في الإنسانية، وهذا بسبب أنه لا يمكن صياغة كل البشر في قالب واحد؛ فالفرد لا يمكنه على سبيل المثال القول إن النساء، والأطفال، والعبيد، والبشر من كافة الألوان والأجناس يحملون صورة واحدة، ففي العالم القديم نتيجة أن هذه الرؤية تمثلت في نوع من التضامن أدى إلى حظر وأد الأطفال، وحافز مماثل أدى إلى الثورة الدينية ضد العبودية في القرن التاسع عشر في بريطانيا والولايات المتحدة.
وسمو هذا الخالق هو الجذر المشترك بين القوة الكامنة المزدوجة لهذه الأديان محل النقاش، فالذاتية الدينية من جانب اتصالها الرباني يتعذر تعريفها، فهذا الانفتاح الذي أدى إليها هو الشيء نفسه الذي جعل هذه الأديان عرضة لرد فعل المناعة الذاتية، وهذا بسبب أن الهوية الذاتية التي لا يمكن أن نضيق الخناق عليها يمكن أن تشعر بنوع من الخوف والتهديد، فالقلق الذي تثيره هو إغراء مستديم للنظر للآخرين بشكل سلبي، وهذا ظهر في موقف أتباع الأديان السماوية من أسلافهم بل ومن خلفائهم حيث يطلق عليهم لفظ "الآخر".
ازدواجية العلمانية الحديثة
ويرى مينش أن هذه الازدواجية تنسحب أيضا إلى الدول العلمانية الحديثة التي خلفتها في الغرب ونحن لا حاجة لنا في ترديد مقولة هيجل: "إن الدولة قامت على الدين" لنرى أن مفهومنا الحديث عن الحقوق المدنية له أسبقيات تاريخية تعود لماضينا الديني، وكما ناقش العديد من العلماء أنه خلف حدود قوة الدولة التي تتجسد في مثل هذه الحقوق يكمن الاعتقاد أن الطبيعة البشرية تتضمن تفوقا محددا، فحرمة النفس بالنسبة لقوة الدولة هي دلالة على السمو المتضمن في علاقتها بالدين.
وبالمثل الانفتاح على الآخرين الذي يميز النقاش السياسي الحقيقي يعود إلى الانفتاح الجذري للدين على من يسمو بالأخوة في الإنسانية.
ويؤكد مينش أن عدم رغبة الدول في الاعتراف بهذه الحقائق يمكن إرجاعه إلى كفاحها لإظهار نفسها كمجتمع علماني حديث، والدافع المبكر لصياغة هذا المنظور العلماني أتى من الصراعات الدينية التي اتسمت بها حركة الإصلاح، والاضطرابات الناتجة من حروب الثلاثين عاما، والصراعات الشبيهة أدت إلى صدور "مراسيم التسامح" المتعددة، وكان هدفها الأساسي حرية ممارسة الشعائر الدينية للأديان المختلفة المعترف بها، وعلى أي حال وبشكل غير مباشر فقد أدت في الوقت نفسه إلى استبعاد الدين من الحياة الدنيوية وهو ما عرف إجرائيا بالعلمانية.
إلا أن التعدد النامي للممارسات الدينية أدى إلى اعتقاد أنه لا يوجد شيء يمكن أن يتحكم في الحقل الرسمي العام، وبهذا أتى الحافز لاعتبار هذا الحقل العام كمجال منفصل، فالشخص له الحرية في اعتقاده الديني ولكن بعيدا عن المجال العام.
إن المنظور العلماني الذي تنامى على هذا النحو يتضمن تراجعا للوعي الديني واقتصاره على الحالة الفردية الخاصة، وبشكل مماثل الدولة فقد وضعت نفسها في مقابل الدين وذلك تأسيسا على فكرة أن الدين والسياسة لا يمكن أن يجتمعا، وأي محاولة لإقحام الدين في السياسة ينظر إليها في أحسن الأحوال على أنها تضليل، وفي الأسوأ كانت تعتبر كتقويض لمؤسسات الدولة العلمانية الحديثة، وهذا التقويض من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى نزاعات دينية مثل التي صاحبت مرحلة ما قبل ميلاد الدولة العلمانية.
ويستطرد مينش في تحليله للمنظور العلماني بأن قصور هذا المنظور لا يظهر نفسه فقط في مجال محدد مثل النقاشات المستمرة الواضحة المتعذر حلها حول كيف يجب على أوروبا أن تتعامل مع الأقليات المسلمة، أو تلك المسائل المتعلقة بعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، بل إنه أيضا يتضمن الإدراك غير الكامل للدولة الحديثة لهويتها الخاصة كمجتمع مفتوح يحترم الحقوق المدنية.
وعدم قابليتها لرؤية المكون الديني بشموليته يتضمن نفس النوع من خداع النفس الذي تتسم به الأديان حينما تحاول أن تميز نفسها بشكل سلبي عما هو "آخر"، إنها تستطيع بطريقتها الخاصة أن تؤدي إلى رد فعل ذاتي المناعة يمكن أن يؤدي إلى إنكار أو على الأقل إرجاء أكثر قيمه الأصيلة.
الاعتراف بالآخر داخل النفس
ويرى مينش أن العلاج المطلوب هنا غير استثنائي ولكنه صعب، إنه يتضمن الاعتراف بالآخر داخل النفس، وبنمط مؤسسي فإنه يعني الصدق والأمانة بخصوص علاقة الفرد بالآخرين سواء الأديان السابقة أو اللاحقة، والدولة العلمانية الحديثة لابد أن تكافح لتأسيس هويتها الناجحة، التي هي أيضا جزء من هوياتهم، والمثل هنا شبيه بالوالدين بالنسبة للطفل في مرحلة نموه فهم ليسوا فقط يضفون عليه من هوياتهم الذاتية، بل إن ما يقدمونه له يترسب في طبقات مشكلا هوية الطفل فيما بعد.
وحينما نرى مثل هؤلاء "الآخرين" بمثل هذا الانفتاح فإن هذا هو المظهر الإيجابي للسمو الإلهي؛ حيث يمكننا التخلص من تعريف أنفسنا بشكل سلبي تمايزا عن "الآخرين"، هنا الانفتاح على الآخر هو انفتاح على الآخر داخل النفس، فيجب أن نعترف أن هذا الآخر هو أخونا في الإنسانية، مثل القصة الرمزية التي سقناها في البداية عن السامري الطيب الذي ربما يكون غريبا ومن أتباع دين آخر ولكنه أخذته الرحمة والشفقة بأخ له في الإنسانية.



[i] James R Mensch, The neighbor in the self, open democracy.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1224089097098&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2008

إدارة الخلافات الزوجية.. فن له أصول


أمل خيري

شرع الله تعالى الزواج ليحقق السكن والمودة "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [الروم : 21].
إلا أن العلاقة الزوجية أحيانا يشوبها شوائب تنحرف بالزواج عن هذه الغاية الأصيلة فتنشأ الخلافات بين الزوجين وترتب آثارا سيئة عليهما وعلى أبنائهما وعلى المجتمع، ومن أجل ذلك اهتمت شبكة إسلام أون لاين في جانبها الاستشاري والإعلامي والتدريبي باستقرار الأسرة والحرص على حسن إدارة الخلافات الزوجية.
ألف باء زواج
حرصت شبكة إسلام أون لاين.نت على التأكيد على مفاهيم أساسية في العلاقات الزوجية والتي من أهمها:
- الحياة الزوجية ليس فيها زوج ناجح، وزوجة فاشلة أو العكس، ولكن هناك أسرة ناجحة وأسرة فاشلة، ونجاح أي منهما هو نجاح للآخر.
- القوامة تكليف للرجل من الله عز وجل والإسلام حدد طبيعة سلطة الرجل في أسرته فجعله "قواما" على هذه الأسرة، أي أن الرجل هو القائم على شئون هذه الأسرة، وأنه المسئول عن توفير احتياجات أسرته (زوجته وأبنائه) المادية والمعنوية، وتوفير الحماية والرعاية وتحقيق مبدأ العدل.
- أمر الإسلام بالشورى حتى في فطام الطفل مع انفصال الزوجين، فجعل للمطلقة حقا في الشورى والتفاهم للاتفاق على ما فيه مصلحة الطفل؛ فمن باب أولى أن هذا الحق مكفول للزوجة القائمة على البيت وعلى رعايته، لكن القليل منا من يدرك هذا والنسبة الأقل هي التي تطبقه بحقه.
- الأسرار الخاصة والمشاكل الزوجية لابد أن تكون بين الزوجين في طي الكتمان، وإذا أشيعت فاللوم لا يقع إلا على الزوجين، وإن كان ولابد من طرف ثالث ليحتوي المشكلة بين الزوجين ويحلها، فلابد أن يكون شخصا كتوما، مشهودا له بالتقوى والصلاح، حتى لا تتعقد الأمور وتتطور المشكلة.
- كما لا يحق للزوجة أن تجعل أسرار حياتها الزوجية حديث المجالس بين النساء؛ فذلك السلوك يولد الخلافات بين الزوجين، وقد تصل لحد الطلاق.
- أي شراكة تحدث بها مشكلة؛ فلا يوجد طرف مخطئ أو جانٍ وطرف محق ومجني عليه، بل إن الطرفين مسئولان مسئولية مشتركة عما يعترى هذه الشركة؛ وهذا أولى في الكيان الزوجي، فإن حدث تصدع في هذا الكيان فالطرفان مسئولان عن تصدعه أولا، ثم عن إعادة ترميمه ثانيا.
- الاختلاف في وجهات النظر وارد، ولا ينفي طاعة الزوج، كما أنه لا ينفي احترام الزوج بدوره رأي الزوجة وعدم تسفيهه، حتى وإن جرى العمل في النهاية على غير ما ذهبت له، طاعة منها، ولطفا منه.
الخلافات الزوجية.. لماذا؟
أوضحت الاستشارات التي وردت لشبكة إسلام أون لاين.نت العديد من الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث الخلافات بين الزوجين، ومن أهمها غياب التواصل السوي بين الزوجين، خصوصا في السنوات الأولى للزواج، كما أن التوقعات المسبقة غير الواقعية حول شريك الحياة، إضافة إلى عدم فهم طبيعة العلاقة الزوجية والصورة الذهنية الخاطئة المرسومة عن الزواج وسوء اختيار شريك الحياة، سواء بالتسرع وعدم التأكد من صحة الاختيار، أو عدم وضوح معايير الاختيار كل هذا يساهم في حدوث الخلافات، والتي يعززها غياب النضج، وعدم فهم معنى الزواج، وفقد القدرة على إدارة الخلاف، وعدم التدرب على تحمل المسئوليات، وغياب النضج والخبرة.
أما بعد الزواج فإن تنازع السلطة واختلالها داخل المنزل والخلل في إدارة الحياة الزوجية، مع التركيز على عيوب الشريك، إضافة إلى التأثير السلبي لتجارب الغير يزيد من معدلات الخلافات.
ومن أسباب الخلافات أيضا اعتقاد كلا الطرفين أنه مطلوب تغيير الطرف الثاني فيعتمد على الاحتقار والازدراء واللوم المستمر، والإدعاء أن هذا يتم من أجل مصلحة شريك الحياة وبغرض تغييره للأفضل.
أيضا انشغال الزوج بعمله وكثرة تغيبه عن البيت أو الغربة بعيدا عن الوطن والأهل والشعور بالوحدة.
وفي بعض الأحيان قد تشعر الزوجة بتميزها على الزوج، أو قد تهمل زينتها في بيتها، وقد يهمل الزوج زوجته في مرضها، ومع تراكمات الماضي من الذكريات الأليمة والمشكلات تزداد حدة الخلافات، والبعض قد لا يراعي مشاعر الطرف الثاني ولا يشاركه همومه واهتماماته، بل أحيانا يرغب كل طرف في امتلاك الطرف الآخر، وتلعب التدخلات الخارجية غير الرشيدة دورا في تصاعد حدة الخلافات.
كيف نختلف؟
ركز خطاب إسلام أون لاين على عدة نقاط يجب أن يضعها الزوجان في الحسبان أثناء الخلافات حتى يستطيعا أن يديرا هذا الخلاف بنجاح يمكن اعتبارها بمثابة بروتوكولات يتفق عليها الزوجان، ويدركان أبعادها جيدا وأهم هذه الأمور:
- أن الحياة الزوجية لا تعني التطابق فهذا أمر مستحيل، ولكن تعني أن يدرك كل طرف أن الطرف الثاني مختلف.
- أن طرفي الزواج مطلوب منهما معا أن يتغيرا ويتكيفا، فمن يتصور أنه سيحتفظ بكل صفاته ولن يتغير، أو أنه سيغير الطرف الآخر فهو يسير في طريق الصدام.
- القبول بتوزيع الأدوار لتحقيق التكامل والتنوع لتستمر الحياة.
- الحوار المتبادل والتواصل المستمر في كل تفاصيل الحياة.
- الخصام الشريف، فلا داعي لاستدعاء الماضي وإثارته عند كل خلاف ومن الأفضل عند تصاعد الخلاف انسحاب الطرفين من أمام بعضهما لعدة ساعات، وألا يعاودا الحوار إلا بعد أن تهدأ نفوسهما.
- من الأمور المهمة: ألا ندخل الآخرين في خلافاتنا؛ لأن تدخل الآخرين الذين لا يدركون أبعاد العلاقة بين الزوجين وما يقربهما يؤدي إلى تفاقم الأمور.
- لابد من وجود رصيد عاطفي في بنك الحياة الزوجية يسحب منه الزوجان عند حدوث الخلاف؛ لذا يجب أن يحرص كل منهما على زيادة رصيده لدى الآخر.
- لا يكون هم الزوجين عند حدوث الخلاف هو البحث عن المسئول عنه، أو التنصل من المسئولية، فهذا فضلا على أنه يزيد من تفاقم الخلافات ويضيع اللغة المشتركة بين الطرفين، فإنه أيضا لا يؤدي إلى أي نتيجة إيجابية، وبالتالي يكون تحديد أسباب الخلاف ليس من أجل إدانة الطرف الآخر، ولكن من أجل إيجاد الحلول المشتركة.
- التغافل والتغاضي هام جدا فليتغافل كل منهما عن الآخر وليعتذر كل منهما للآخر، وليبادر كل منهما للاعتذار؛ لأن الاعتذار هو دلالة القوة والمسئولية، وليس الضعف والمهانة.
- أن على طرفي الزواج أن يهتما بالبحث عن عيوب الشريك قبل الزواج، وفي أثناء الخطبة أما بعد الزواج فيكون التركيز على إيجابيات ومحاسن الطرف الثاني مع التعايش مع العيوب، وذلك حتى يسعدا بزواجهما.
حتى لا ينزعج الصغار
حذر خطاب إسلام أون لاين من تصاعد حدة الخلافات الزوجية أمام الأبناء لما لها من تأثير سلبي على نفسية الأطفال؛ لذا فقد قدمت إسلام أون لاين مجموعة من الضوابط التي يجب مراعاتها أثناء إدارة الخلافات الزوجية أمام الأطفال، ومن أهمها تجنب الإهانات تماما باللفظ أو القول أو الحركة؛ لأن هذه الإهانات تصيب الطرف المهان في كرامته، وتحدث فيها شروخا يصعب إصلاحها.
لذا يجب السيطرة على الانفعالات في موقف الغضب، مع تأجيل المناقشة في الأمور التي يجب ألا يسمعها الأطفال لوقت لاحق، مع إفهام الطفل أن الخلاف مسألة عرضية وطبيعية وتذوب بسرعة، والأصل هو الحب والعلاقة القوية بين الأبوين، وأنهما يحبان بعضهما، ويحترم كل منهما الآخر ويخشى عليه كل سوء ولذا يفضل المبادرة بتغيير جو الخلاف باقتراح تغيير الحالة، كالخروج في نزهة أو ممارسة لعبة لتهدئة وتلطيف الأجواء، مع اقتراح آليات لإرجاء المناقشة حال هدوء كل الأطراف، ومحاولة الطرف الهادئ تطييب خاطر الطرف الغاضب.
كما أنه لا داعي أن يلعب أحد الوالدين دور الشهيد المغلوب على أمره ليستقطب مشاعر أطفاله نحوه حتى لا يسبب ضيقا له من الطرف الثاني كما لا يجب أن يتحول الآباء لمفسرين لسلوكهم باستمرار، ويتحول الأبناء إلى قضاة بل يفضل تقليل الخلافات قدر المستطاع.
وأخيرا فإن المرونة مطلوبة لحياة أكثر إشراقا، وصاحب مبادرة الحل وعلاج الخلاف ليس الطرف الخاسر بأي حال، بل هو صاحب الفضل.

*الأصل دراسة قدمتها الباحثة بعنوان: "رؤية إسلام اون لاين في إدارة الخلافات الزوجية".

الخميس، 18 سبتمبر 2008

موسوعة تحرير المرأة في عصر الرسالة..إبحار ضد التيار

أمل خيري

تعد موسوعة تحرير المرأة في عصر الرسالة لعبد الحليم أبو شقة من أهم الموسوعات المعاصرة التي اشتملت على توثيق دقيق لجهود النبي صلى الله عليه وسلم في تحرير المرأة المسلمة في عصر النبوة من خلال القراءة الصحيحة للكتاب والسنة ، وقد أثارت الموسوعة جدلا واسعا في مختلف الأوساط الفكرية والثقافية واحتلت مكانة بارزة في المكتبة الإسلامية المعاصرة.
مؤلف الموسوعة

صاحب الموسوعة هو الشيخ عبد الحليم أبو شقة وهو من أبرز علماء الأزهر الشريف ، ولد بحي الجمالية بالقاهرة في 28 محرم 1343هـ /28 أغسطس 1924 في أسرة مصرية محافظة ، بدأ حياته الدراسية في القاهرة وتدرج في مراحل التعليم المختلفة حتى حصل على الشهادة الابتدائية عام 1357هـ/ 1938م ، ثم حصل على الثانوية من مدرسة التوفيقية، والتحق بعدها بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً) وتخرج من كلية الآداب قسم التاريخ.

تأثرت نشأة أبو شقة الأولى بانضمامه لإحدى الجمعيات الخيرية التي اهتمت بتربية الفرد المسلم ، كما تتلمذ على الشيخ الخضر حسين وتعرف على القاضي أحمد شاكر ومحي الدين الخطيب صاحب مجلة "الفتح" وهي مجلة سياسية وطنية دينية منفتحة ، وسرعان ما انضم أبو شقة إلى جماعة الإخوان المسلمين وكان يحاور الشيخ حسن البنا كثيرا حول ضرورة اهتمام الجماعة بالتربية والتقليل من النشاط السياسي الذي استنزف معظم جهود الحركة، وكانت حواراته تدل على خبرة تربوية وحركية مميزة، وفي أواخر الأربعينات اتجه أبو شقة للاهتمام بقضايا الفكر والتربية ووقف متصديا لتيارات الغلو والتشدد منبها الشباب لخطورة الانشغال بالعمل السياسي على حساب الفكر والتربية ، وتتويجا لأفكاره فقد أنشأ مع بعض أصدقائه مكتبة باسم "مكتبة لجنة الشباب المسلم" لتقوم بنشر بعض الكتب والرسائل للتوعية بهذا الدور، ولكن سرعان ما أغلقت المكتبة وصودرت محتوياتها في منتصف الخمسينات ، واعتقل أبو شقة في 372هـ / 1953 م ثم اعتقل عدة شهور في صيف 1385هـ / 1965م وكان وقتها مديرا للمدرسة الثانوية بقطر ولم يفرج عنه إلا بعد جهود حثيثة من حكومة قطر التي كان يعمل لديها ، ثم أسس أبو شقة دار القلم في الكويت التي كانت في السابق الدار الكويتية ومكث نحو 12 عاما بالكويت.

ويعدد الشيخ يوسف القرضاوي السمات التي اتسم بها أبو شقة والتي من أبرزها أنه رجل الحلم والأناة فقد تفرغ لإعداد الموسوعة القيمة مدة عشرين عاما استقال خلالها من عمله ليواصل جهوده الحثيثة في إصدارها ، وهو رجل التسامح فقد كان متسامحا مع الفئة المتحجرة التي رفضت كتابه دون أن تقرأه بعناية فدعاهم للقاء والمناقشة فأبوا ذلك ، وهو رجل الحوار فلم يكن مؤمنا بحتمية الصراع بين الثقافات والحضارات بل تبنى فكرة إمكان التعايش بينها وأعلن عن فكره هذا في افتتاحية مجلة المسلم المعاصر التي كان هو صاحب فكرتها وكان يردد مقولة " نتعاون في المتفق عليه، ونتحاور في المختلف فيه " ، ومن أهم مؤلفاته "نقد العقل المسلم: الأزمة والمخرج" ، كما نشر عدة مقالات في مجلة المسلم المعاصر وعدة روايات أخرى أهمها مقالة "أزمة العقل المسلم" و"أزمة الخلق المسلم".

فكرة الموسوعة

كان أبو شقة عازما على عمل دراسة متعمقة في السيرة النبوية تعتمد على كتب السنة وقد دفعه لهذا التوجه تتلمذه على يد الشيخ ناصر الدين الألباني فبدأ بدراسة صحيح مسلم مع شرح الإمام النووي ، ولكنه أثناء استعراض الأحاديث وتصنيفها فوجئ بأحاديث عملية تطبيقية تتصل بالمرأة وبأسلوب التعامل بين الرجال والنساء في مجالات الحياة المختلفة حيث وجدها تخالف ما كان يفهمه ويطبقه بل وما تطبقه الجماعات الدينية المنتشرة في وقته ، فشدته هذه الأحاديث لتصحيح تصوراتنا عن شخصية المرأة المسلمة ومدى مشاركتها في عصر الرسالة المحمدية.

وبذلك فقد شده الأمر شدا قويا حتى انصرف عن مشروع كتابة السيرة إلى مشروع جديد وهو عمل دراسة عن المرأة المسلمة في العهد النبوي تلقي الضوء على ما حظيت به المرأة في عصر الرسالة كما شجعه على المضي في المشروع شيوع مفاهيم وتصورات تخالف ما جاء به الشرع الحنيف من تحرير بالغ للمرأة لذا فقد رأى أن إحقاق الحق في موضوع المرأة يعد انتصارا لشرع الله فالمرأة هي الأكثر تعرضا لافتراس جاهليتين :جاهلية الغلو والتشدد وجاهلية العري والإباحية وكلتاهما خروج وافتئات على شرع الله .

وتعتبر الموسوعة دراسة اجتماعية فقهية عن المرأة في عصر الرسالة ، يهدف من خلالها إلى الإسهام في إعادة تحرير المرأة المسلمة المعاصرة محتذيا خطى التحرير الأولى ومقتديا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

منهج الموسوعة

اعتمد أبو شقة منهج "استقراء النصوص" في إعداد هذه الموسوعة فبدأ باستقراء نصوص القرآن الكريم ثم كتب السنة وأولها صحيح البخاري ثم صحيح مسلم، والمنهج العام للموسوعة هو عرض جميع النصوص ذات الدلالة مع ذكر بعض أقوال الفقهاء المنتقاة من شرح الحافظ بن حجر لصحيح البخاري ، وكان من ثمرات هذا المنهج تحقيق نوع من التصنيف الموضوعي للنصوص المتعلقة بالمرأة في القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم.

وتقع الموسوعة في ستة أجزاء ويبلغ عدد صفحاتها ما يقارب 1900 صفحة من الحجم العادي) وتحمل الموسوعة عنوان " تحرير المرأة في عصر الرسالة / دراسة جامعة لنصوص القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم".

ويتناول الجزء الأول من الموسوعة معالم شخصية المرأة المسلمة أما الجزء الثاني فيتناول مسألة مشاركة المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية ، ويتناول في الجزء الثالث حوارات مع المعارضين لمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية ويستعرض لباس المرأة المسلمة وزينتها في الجزء الرابع ثم ينتقل للحديث عن مكانة المرأة المسلمة في الأسرة في الجزء الخامس ، أما الجزء الأخير من الموسوعة فقد أفرده للحديث عن الثقافة الجنسية للزوجين.

وأهم المنطلقات الفكرية والمنهاجية للموسوعة تتمثل فيما يلي:

1. مبدأ التجديد بكل صفائه وأصالته.

2. استقراء وفهم الأصول والنصوص الصحيحة.

3. مبدأ الشمول و الإحاطة.

4. مبدأ التخصص المدعوم بأخلاق وصفات العلماء.

5. مبدأ الاستقلال والجرأة في الحق .

6. اعتماد الدراسة منهجية ربط الخاص بالعام في الشأن الثقافي والفكري وهو ما تمثل في ربط أبو شقة بين قضية تحرير المرأة وقضية تحرير العقل المسلم المعاصر.

وقد مر إخراج هذه الدراسة بأطوار كثيرة بدأت بوريقات قليلة صارت تزداد مع الحذف والإضافة وعرضها المؤلف على أصحاب الرأي ومن بينهم الشيخ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي والدكتور عز الدين إبراهيم ومحي الدين عطية وكمال أبو المجد والمستشار طارق البشري وكثير غيرهم ، وقد بذل هؤلاء الأستاذة جهدا كبيرا ساعد على تصحيح بعض وجهات النظر ، كما شاركته زوجته الأستاذة ملكة زين الدين في إعداد الموسوعة حيث قامت بجمع روايات البخاري للحديث الواحد واستخراج معاني الكلمات الغربية وتبييض المسودات، حتى صدر الكتاب في ستة أجزاء.

رسائل تحملها الموسوعة

وتحمل الموسوعة العديد من الرسائل ومن أهمها :

(1) رسالة التحرير:

حيث تؤكد الموسوعة على أن المرأة لم يحررها قاسم أمين أو غيره من دعاة تحرير المرأة بل حررها نبي الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان ، ويسعى أبو شقة من خلال ذلك لضرورة تحرير المرأة المسلمة في العصر الحديث سواء من دعاة الجمود أو دعاة الإباحية .

(2) رسالة التيسير:

والتيسير من أبرز مظاهره التجديد وقد عني أبو شقة بإبراز هذه الرسالة حيث اعتبر هذه الموسوعة محاولة للتجديد الإسلامي في قضايا المرأة ويعرف أبو شقة التجديد على أنه "العودة إلى الكتاب والسنة لمعرفة هدى الله، وتنزيل هذا الهدى على الواقع، حتى يستقيم على أمر الله".

ويسير الكتاب في اتجاه التيسير ورفع الحرج والإعنات عن المرأة المسلمة الناتج عن جهل الأكثرين بالنصوص الشرعية التي تتضمن التيسير، وتقاوم التعسير أو سوء فهم النصوص بوضعها في غير موضعها، وقد حرص الكاتب على مناقشة بعض القضايا الأصولية الهامة التي لها علاقة بالموضوع، والتي اتَّكأ عليها كثيرون من العلماء في التضييق على المرأة، على خلاف ما أثبتته السنة المطردة. وذلك مثل قضية (سد الذرائع).

(3) رسالة التنوير:

ويحمل أبو شقة رسالة التنوير لكل من الرجل والمرأة على السواء فهو يؤمن أن تحرير المرأة لا يتم إلا بتحرير الرجل، وتحريرهما معا لا يأتي إلا بتحرير العقل وإزالة العوائق من طريقه ورفع القيود التي تغل حركته ومهمته في التفكير الحر.

نتائج الدراسة

أما أهم النتائج التي كشفت عنها الدراسة فتتمثل فيما يلي:

في مجال معالم شخصية المرأة:

· أن المرأة المسلمة في العهد النبوي كانت واعية لشخصيتها كما قررها الإسلام ومارست دورها في ظل هذا الوعي.

· أن الأصل هو المساواة بين الرجل والمرأة " إنما النساء شقائق الرجال"

· أن حديث " ناقصات عقل ودين " حديث صحيح أساء الكثيرون فهمه فطمسوا معالم شخصية المرأة كما رسمها الإسلام.

في مجال الزينة واللباس:

· كشف الوجه كان هو السائد في العهد النبوي .

· لم يفرض طراز محدد بشأن اللباس ولكن ما فرض هو ستر البدن.

· وهذه المواصفات ساعدت المرأة على توفير حرية الحركة ومشاركتها في الحياة الاجتماعية.

في مجال المشاركة في الحياة الاجتماعية :

ثبت أن القرار في البيت من خصوصيات نساء النبي.

· شاركت المرأة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة مع تقييد هذه المشاركة ببعض الآداب.

· شاركت المرأة في النشاط الاجتماعي والسياسي والعمل المهني.

· كان من ثمرات هذه المشاركة نمو وعي المرأة ونضجها.

في مجال الأسرة:

· تأكيد حق المرأة في اختيار زوجها.

· توزيع المسئوليات بين الزوجين مع التعاون بينهما

· تماثل حقوق الزوجين " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"

· للطلاق وتعدد الزوجات آداب وشروط.

· دور المرأة في الأسرة لا ينفي أن لها مهام أخرى في المجتمع.

في مجال الحياة الجنسية:

· ضرورة تيسير الزواج للشباب.

· أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان نموذج الإنسان الكامل والزوج الكامل.

· وضع الرسول منهجا متكاملا للتربية الجنسية السليمة التي يترتب عليها الصحة النفسية.

قالوا عن الموسوعة

قال عنها الشيخ محمد الغزالي:

"هذا الكتاب يعود بالمسلمين إلى سنة نبيهم دون تزيد أو انتقاص انه كتاب وثائق ومؤلفه عالم غيور على دينه رحب المعرفة متجرد لنصرة الحق"

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي:

"نحن في الحق أمام دراسة علمية موثقة بأصح النصوص مستمدة من أوثق المصادر توفر عليها كاتبها ،نحن أمام موسوعة حافلة تضم أهم ما يتعلق بالمرأة المسلمة من حيث شخصيتها ومكانتها ولباسها وزينتها ودورها في الأسرة والمجتمع ... في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة وفهم السلف الصالح لهما".

وكما نالت الموسوعة تقريظ الكثيرين فقد اعترض البعض عليها واعتبروا ما فيها من آراء مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة ، وقد علق على ذلك الداعية الكبير الشيخ علي الطنطاوي بقوله:" إنهم إذن يرفضون البخاري ومسلما، لأن الكتاب أساسا قائم - بعد القرآن- على أحاديث الصحيحين، فأعجب لمسلم يرفض الاحتكام إلى القرآن والصحيحين!!".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

(1) عبد الحليم أبو شقة ، تحرير المرأة في عصر الرسالة ، الكويت: دار القلم ، 2002، الجزء الأول.

(2) رضا عبد الودود ، عبد الحليم أبو شقة صاحب كتاب تحرير المرأة: نموذجا ، مؤتمر تحرير المرأة في الإسلام، 2003.

(3) ملكة زين الدين ، قصة كتاب تحرير المرأة ، مؤتمر تحرير المرأة في الإسلام، 2003 .

(4) د.وائل مرزا ، قراءة في كتاب تحرير المرأة المسلمة في عصر الرسالة للأستاذ عبد الحليم محمد أبو شقة ، مجلة الرشاد ، كندا ، العدد الخامس ، السنة الثانية شعبان 1418هـ / ديسمبر 1997 م.

(5) يوسف القرضاوي ، مع أئمة التجديد ورؤاهم في الفكر والإصلاح ، القاهرة: مركز الإعلام العربي للدراسات، د.ت.