الثلاثاء، 28 يونيو 2011

إسرائيل والإسلاميون العرب.. قلق لا ينتهي


بعد هبات رياح التغيير العربي
إسرائيل والإسلاميون العرب.. قلق لا ينتهي
أمل خيري
إسلام أون لاين – القاهرة
في الوقت الذي اجتهدت فيه الأنظمة العربية لإثارة الخوف المصطنع تجاه الإسلاميين مدى العقود السابقة لتوطيد أركان حكمها، تعيش اليوم إسرائيل قلقا حقيقياً في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، فهل يأتي ربيع التغيير العربي بالإسلاميين ليحولوا الحلم الإسرائيلي كابوسا؟.
حول هذا الموضوع صدر قبل أيام العدد الجديد من مجـــــلـــة واشنــــــــطن الفصليـــــــــــــــــــة Washington Quarterly)(The، وضم العدد دراسة لـ"دانيــــــال بايمــــــــــــان[1]Daniel Byman" تحت عنوان:" نظرة إسرائيل المتشائمة للربيع العربي"، استعرض فيها قائمة من المخاوف الإسرائيلية تجاه موجة الثورات التي تجتاح المنطقة العربية، التي رأى أن بعضها قد يكون مفهوماً ومشروعاً، لكن بعضها الآخر مبالغ فيه أو غير صحيح بإطلاق.
الأعداء.. أصدقاء
من أكبر مخاوف إسرائيل موقف الشعوب العربية من السلام معها، فعلى مدار تاريخ إسرائيل لم تكن مصر سوى العدو اللدود التي خاضت حروباً دامية معها منذ 1948 وحتى 1973، ولم يتبدل الأمر إلا بعد توقيع الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، وهنا أصبح أعداء الأمس أصدقاء بل وشركاء.
ومع ذلك تعتقد إسرائيل أن هذا السلام لم ينل رضا الشعب المصري، فلم يمض على توقيع معاهدة السلام سوى عامين حتى اغتيل السادات بيد جماعات إسلامية رفضت هذا السلام، لذا مازالت إسرائيل حتى اليوم تحرص على تكريم ذكراه.
وحينما تولى مبارك الحكم لم يحز رضا الشعب الإسرائيلي كله كما فعل السادات أو الملك حسين على سبيل المثال، لكنه لعب دوراً هاماً في الحفاظ على معاهدة السلام، وشريكاً متعاوناً في مجال مكافحة الإرهاب، وعدواً لإيران الخصم اللدود المشترك، إضافة لالتقائه مع إسرائيل في أهداف استراتيجية عدة، وأخيراً فإن نظامه كان يبدو راسخاً وثابتاً، مما بث الطمأنينة في قلوب الإسرائيليين.
ويشير المحلل الإسرائيلي "ألوف بِن Aluf Benn" إلى أن ''إسرائيل قد استبدلت ثمانية رؤساء وزراء، وخاضت العديد من الحروب، وانخرطت في محادثات السلام مع شركاء متعددين، وكان الرئيس مبارك دائماً هناك''، كل هذا الميراث التاريخي يثير مخاوف الإسرائيليين مما هو قادم في مصر، فإسرائيل لا تخشى من الثورة المصرية سوى أن تأتي بالإسلاميين متمثلين في الإخوان المسلمين، الذين ربما يكتسبون المزيد من القوة، سواء بصورة مشروعة من خلال انتخابات ديمقراطية، أو من خلال الاستيلاء على السلطة أثناء فترة الفوضى، وإسرائيل لا تنسى للإخوان المسلمين انتقادهم الدائم السادات ومن بعده مبارك، لحفاظهما على السلام مع إسرائيل، معتقدين أن هذا السلام كان أحد العوامل التي نزعت صفة الشرعية عن نظام مبارك.
الإخوان ومعاهدة السلام؟
مازال الأمر غامضاً تجاه مستقبل معاهدة السلام في مصر ما بعد مبارك، وإن كان بعضهم يرجح أن هناك توجه كبير لإلغاء المعاهدة خاصة إذا تولى الإسلاميون السلطة، فالمحللون الإسرائيليون يؤكدون ذلك باستعارة عبارة منسوبة إلى رشاد البيومي أحد قياديي الإخوان المسلمين في فبراير الماضي وقبل تخلي مبارك عن منصبه إذ قال: " بعد أن يتنحى الرئيس مبارك عن منصبه ويتم تشكيل حكومة مؤقتة، فسيكون هناك حاجة إلى إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل''.
وعلق المحلل السياسي الإسرائيلي "يوسي كلاين هاليفي Yossi Klein Halevi"، على ذلك بقوله إنه في حال نجاح الإخوان المسلمين في الانتخابات فستتولى الحكم حركة مناهضة للسامية وملتزمة بإنهاء معاهدة السلام بين مصر والدولة اليهودية، أما "باري روبين Barry Rubin," وهو محلل إسرائيلي أخر، فيحذر من عودة مصر مرة أخرى لاعتناق القومية المتطرفة وأن تجدد تحالفها مع سوريا.
وبعد أن يورد "بايمان" – كاتب الدراسة – هذه المخاوف الإسرائيلية، يرى بأن شعبية الإخوان المسلمين وإمكانيات توليهم السلطة تبدو غامضة، صحيح أن هناك مؤشرات تدل على دعم كثير من فئات الشعب المصري للإخوان، إلا أن هذه النسبة ربما لا تتعدى 20% من إجمالي المصريين، والمشكلة في نظر بايمان ليست في عدد مؤيدي الإخوان بقدر ما تتعلق بتشتت القوى العلمانية المنافسة وعدم تنظيمها.
ويؤكد بايمان أن جماعة الإخوان المسلمين قد رفضت استخدام العنف في ظل حكم مبارك - على الرغم من تشكك بعض الإسرائيليين في أن هذا التخلي عن العنف كان مدفوعاً بقوة الأمن وليس عن قناعة بالتخلي عن العنف- كما أنهم أعلنوا تمسكهم بالديمقراطية وأنهم لا يسعون إلى الانفراد بالسلطة، بل وأكدوا عدم تقديم مرشح للرئاسة من أجل تهدئة المخاوف في مصر وكذلك في الخارج حول قوة الجماعة، ومع ذلك تظل جماعة الإخوان قوة مؤثرة وعاملاً هاماً في تحديد السياسة المصرية في السنوات القادمة.
الإخوان ليسوا وحدهم

ويشير بايمان إلى أن ما يزيد من خشية إسرائيل من الثورة المصرية أنها أظهرت لها أن هناك الكثير من المصريين الذين يشاركون الإخوان في مشاعر الكراهية نحو إسرائيل، وليس أدل على ذلك من هتافات بعض الثوار في ميدان التحرير التي وصفت مبارك بالعميل الصهيوني، بل وعلق البعض دمية تمثل مبارك مشنوقة وبجوارها نجمة داوود في إشارة لعلاقته بإسرائيل، مع ترديدهم عبارة "الله أكبر".
ليس هذا فحسب بل إن بعض الناشطين المصريين المعتدلين الذين يتمتعون بدعم من واشنطن ، مثل أيمن نور أو محمد البرادعي -الحائز على جائزة نوبل- قد دعوا إلى إعادة النظر في معاهدة السلام مع إسرائيل أو عرضها على الشعب في استفتاء.
فأيمن نور أعلن أن عصر كامب ديفيد قد ولى وأنه يدعو لإعادة النظر فيها وليس لإلغائها، والإخوان أنفسهم أعلنوا أنهم ملتزمون بالمعاهدات التي وقعتها مصر، وأنهم رغم معارضتهم السلام مع إسرائيل فلن يقدموا على إلغاء المعاهدة، إلا أن كل هذه المواقف ربما تتغير في حالة وجود نظام ديمقراطي حقيقي، إذ لا يمكن للسياسيين الهرب دائماً من وعود حملاتهم الانتخابية.
وتظل المشاعر المعادية لإسرائيل قوية في مصر، ففي استطلاع أجراه "منتدى بيو" بعد سقوط مبارك وجد أن 54% من المصريين يميلون لإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، وعلى الرغم من ذلك يشير بايمان إلى أنه من المستبعد أن تُقدم الحكومة المصرية على إلغاء معاهدة السلام على المدى القريب، في ظل وهن الاقتصاد المصري الذي يعتمد على أكثر من مليار دولار معونة سنوية من الولايات المتحدة، بل ويعتمد اقتصادها كثيراً على السياحة والاستثمار الأجنبي، وبالتالي لا يمكن تصور إقدام مصر على خوض حرب تدمر اقتصادها.
ومن أجل هذه العوامل يعترف كثير من النخب المصرية بأهمية السلام وضرورته، رغم معارضتها السياسات الإسرائيلية، ورغم رفض أغلبيتها شرعية الدولة اليهودية، وهناك الكثير من النخب التي قبلت السلام على مضض مدى أكثر من ثلاثين عاماً، لعلمها أن الحرب ستكون كارثية على مصر، وهناك من يتعامل مع إسرائيل على أنها أمر واقع.
خسارة الحليف الأكبر
ويعود بايمان ليؤكد ترجيحه باستمرار معاهدة السلام، ومع ذلك تظل بقية المخاوف الإسرائيلية، فمبارك الذي كان صديقاً لإسرائيل لم يقم بزيارتها مدى ثلاثين عاماً سوى مرة واحدة لحضور جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين وأعلن حينها أنه لم يأت للزيارة، ومع ذلك قدم الكثير لإسرائيل كالتعاون الاستخباراتي والضغط على دول عربية أخرى لتبني مبادرات السلام، كما أنه ساعد إسرائيل كثيراً على احتواء حماس، وأظهر عداءه لإيران، إلا أنه بمجرد خروجه من السلطة تجددت المخاوف لدى الجانب الإسرائيلي من استعادة العلاقات المصرية الإيرانية، كما صرح بذلك نبيل العربي وزير الخارجية المصري السابق.
لكن القلق الإسرائيلي أيضاً يأتي من جانب الحلفاء الآخرين الذين وقعوا أيضاً معاهدات سلام مع إسرائيل، مثل الأردن التي تتعاون أيضا بشكل وثيق في مجال الاستخبارات، وكثيراً ما قدمت العون إلى الجانب الإسرائيلي من خلال وقف عمليات التسلل إلى الضفة الغربية، أو كما يعدها الإسرائيليون شريكاً في مكافحة الإرهاب، والملك عبد الله، الذي سار على درب والده يُعد صديقاً وحليفاً هاماً لإسرائيل، ومع ذلك يبدو أنه لا يحظى بشعبية بين أبناء شعبه، فالمظاهرات عمت أرجاء الأردن تطالب بتشكيل حكومة شعبية وهناك احتمالات لتولي الإخوان المسلمين أيضاً زمام القيادة حال تشكيل مثل هذه الحكومة، وفي هذه الحالة ربما تخسر إسرائيل حليفاً آخر، ليصبح بين عشية وضحاها عدواً لها.
استنساخ مبارك
ويقول بايمان إن إسرائيل حاولت في السنوات السابقة زيادة حلفاءها في المنطقة، سواء في الأردن أو فلسطين، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تعده إسرائيل حليفاً معتدلاً، وأقرب الشخصيات المستنسخة من مبارك، قد تخسره إسرائيل أيضاً إذا عصفت رياح الديمقراطية بالمنطقة، وبخاصة أن الجانب الفلسطيني قد تغير مشهده أعقاب الثورة المصرية كثيراً.
مع ملاحظة أن وصف عباس بالمعتدل لا ينطبق إلا على علاقته بإسرائيل فقط، إذ أنه في الداخل الفلسطيني رمز للاستبداد، وقمع الحريات، في حين أنه مستعد دوماً للسلام مع إسرائيل، بل ولعب الدور الأكبر في سحق حماس التي يميل الرأي العام الفلسطيني إليها، ومن ثم فإن أكثر ما تخشاه إسرائيل أن يدوم اتفاق المصالحة بين فتح وحماس، الأمر الذي دعا نيتنياهو إلى تخيير عباس بين الصلح مع حماس أو السلام مع إسرائيل.
حلفاء الباطن
ويرى بايمان أن الجانب الأكثر غموضاً يتمثل في التغيير في سوريا، فالمعلن أمام لرأي العام أن نظام الأسد من أشد أعداء إسرائيل، لعدة أسباب من أهمها دعمه حماس، وعلاقته القوية بإيران وحزب الله، ومع ذلك تخشى إسرائيل التغيير في سوريا بسبب حقيقة يغفل عنها الكثيرون، وهي حقيقة وجود قواعد خفية في العلاقات الإسرائيلية السورية تختلف تماماً عن الموقف المعلن، ففي الوقت الذي تدعم فيه سوريا حماس فإنها تقيد من أنشطة الجماعة الإسلامية، وفي لبنان تدعم سوريا حزب الله لكنها ما تلبث أن تحبط بعض نشاطاته حين تتهدد مصالح دمشق.
والخوف أن تأتي حكومة جديدة لا تعرف شيئاً عن هذه القواعد الخفية فتتصاعد موجات الكراهية لإسرائيل، بل حتى لو بقي الأسد في السلطة، فربما يحاول أن يلعب على وتر تصعيد مشاعر العداء مع إسرائيل لكسب تعاطف السوريين وصرف أنظارهم عن قمعه واستبداده.
إسرائيل والشعوب
يرى بايمان أن إسرائيل استخدمت في الماضي ذريعة انعدام الديمقراطية في العالم العربي لتبرير تحالفها مع الولايات المتحدة وعزلتها في المنطقة، حين صورت نفسها على أنها الجزيرة الديمقراطية الوحيدة في محيط من الاستبداد، وبعد تولي حماس السلطة عبر انتخابات نزيهة بدأت مخاوفها، واليوم تصاعدت المخاوف إلى القمة مع رياح التغيير الديمقراطي التي تجتاح المنطقة إذاً إسرائيل تخاف الشعوب، ففي استطلاع أجرته جامعة ميريلاند عام 2010 تبين أن 90% من العرب يعدون إسرائيل الخطر الأكبر، والحقيقة المرة التي ينبغي على إسرائيل الاعتراف بها هي أن وجود حكام ديكتاتوريين هو الضمان الأفضل لمصالحها والحفاظ على معاهدات السلام، لأن الديكتاتور يكون منعزلاً عن الشعب ولا يمثله، والخوف كل الخوف من صوت الشعوب التي لا ترى في إسرائيل سوى الشيطان الأكبر.
ويقول بايمان، دعونا نكن أكثر وضوحاً حين نؤكد على أن أخطر ما يشغل إسرائيل ويثير مخاوفها مما تشهده المنطقة العربية من تغييرات ينحصر في أمرين لا ثالث لهما، وهما المواجهة مع حكومة حماس في قطاع غزة، والخوف على عملية السلام.
الأزمة القادمة في غزة

فمنذ سيطرة حماس على قطاع غزة في عام 2007 ، سعت إسرائيل إلى احتواء وتقويض النظام الإسلامي بمزيج من ضغوط العزلة الدبلوماسية والاقتصادية، وتوجيه ضربات عسكرية في بعض الأحيان، وصلت إلى قتل ما يزيد عن 1000 فلسطيني خلال حربها الأخيرة على غزة (2008-2009)، ومع ذلك عززت حماس من سلطتها، بل وأصبح لديها الآن صواريخ يمكن أن تصل إلى أبعد من البلدات الإسرائيلية القريبة، حيث يمكنها ضرب المدن الكبرى مثل عسقلان وأشدود وبئر السبع، وربما حتى تل أبيب.

في الوقت نفسه، ومنذ عملية الرصاص المصبوب ، التزمت حماس إلى حد كبير بوقف إطلاق النار، و أحياناً تقوم مجموعات مثل الجهاد الإسلامي وغيرها من الجماعات ذات الايديولوجية الأقرب إلى أسامة بن لادن بضرب إسرائيل، لكن حماس لا تشارك في ذلك لأن حماس تعي تماماً الآن أنها تحكم غزة، بالتالي فإنها لا تركز فقط على محاربة إسرائيل، ولكن أيضا على الازدهار في قطاع غزة، لمنع الوضع الاقتصادي الكارثي في ​​القطاع من أن يزداد سوءاً، دعماً لموقفها السياسي.

وتحت حكم مبارك، ساعدت مصر إسرائيل ضد حماس بهدوء، الأمر الذي آثار غضب حماس كثيراً، فمن جانب أبقت مصر على معبر رفح مغلقاً أغلب الوقت، كما قامت بمساعدة إسرائيل في تقييد تدفق السلع والأشخاص إلى غزة وخارجها، وفي الأشهر الأخيرة من حكم مبارك ، استجابت مصر لدعوة إسرائيل لبناء جدار يمتد في أعماق الأرض على الحدود لعرقلة إقامة الأنفاق.
ومع الثورة المصرية زاد التعاطف الشعبي مع سكان غزة، وشبه البعض مصر بالسجان الذي حبس الفلسطينيين نيابة عن إسرائيل وواشنطن، وعدَّ بعضهم ذلك إهانة كبيرة، مما اضطر الحكومة المصرية المؤقتة بعد الثورة إعلان عزمها فتح معبر رفح بشكل دائم، ومن المتوقع أن يكون هناك ضغط شعبي أكبر لمساعدة غزة وحماس مباشرة، وليس فقط في إنهاء الحصار، ومن هنا يأتي الخوف مرة أخرى من الإخوان المسلمين الذين سيرون في حماس حليفاً مستقبلياً بعد أن فقدت إسرائيل مصر الحليف القديم، وهذا ما يجعل إسرائيل ترتعد فرائصها كلما أطلقت حماس صاروخاً عليها أو أرسلت أحد فدائييها للقيام بمهمات انتحارية.
تقويض السلام
أما التهديد الثاني المحتمل للثورات العربية فيتمثل في السلام والاستقرار الإسرائيلي، فإذا كان مبارك قد رحل فمن الممكن أيضاً أن يرحل الأسد وعباس وغيرهما، وإذا لم يرحلا فسيخضعان لمزيد من الضغوط الشعبية، كل هذا دعا الإسرائيليين إلى مطالبة المجتمع الدولي بعدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ربط بعضهم الاعتراف بها بشرط أن تكون منزوعة السلاح.
ويؤكد بايمان أن على إسرائيل أن تفيق من سباتها وتعترف بحقيقة أن مبارك رحل، وأنه لن يعود، وأن الحكومات الموالية للغرب تزعزعت أركانها من البحرين إلى المغرب، والأمل الوحيد لدى إسرائيل أن تفشل الديمقراطية في مصر وبالتالي في بقية الدول العربية، وأن تستطيع إسرائيل إقناع العالم أن النموذج الغربي للديمقراطية لا يصلح للعرب، وأن التهديد الفعلي لأمن إسرائيل يكمن في أن تتحول مصر دولة ديمقراطية بحيث تصبح الزعيم المحتمل للمعسكر الديمقراطي العربي، وهنا على إسرائيل الاستعداد لاحتمالات عودة الصراع، لذا فمن الأفضل لها أن تغتنم فرص السلام وأن تكون أقل ميلاً للانخراط في تصعيدات مع الجيران قد تودي بها إلى كارثة محققة في ظل رفض الشعوب لها.

[1]دانيال بايمان هو أستاذ في برنامج الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون، ومدير البحوث في مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينجز، وهو أيضاً مؤلف " انتصارات وإخفاقات مكافحة الإرهاب الإسرائيلي"، الصادر عن جامعة أكسفورد، وكاتب في العديد من الصحف والمجلات،وعضو هيئة التحرير لمجلة واشنطن الفصلية.

الاثنين، 27 يونيو 2011

هل بدأت ديمقراطية الشجرة في العودة؟


أمل خيري

ماذا تعني كلمة ديمقراطية؟

تعني حكم الشعب نفسه بنفسه.

ما المقصود بديمقراطية الشجرة؟

هي أول صورة تطبيقية لمفهوم الديمقراطية في اليونان القديمة. حيث يجتمع رجال وشباب القبيلة تحت الشجرة بزعامة رئيس القبيلة ليقرروا كيفية إدارة شئون القبيلة، في كل شيء حتى في الدخول في الحروب أو عقد صلح أو معاهدات مع القبائل الأخرى.......وفي نهاية كل اجتماع يتم التصويت على القرارات، ليؤخذ برأي الأغلبية.

وما الجديد إذن؟ أليست هذه هي الديمقراطية في كل الدول؟

الإجابة لا

لأن الديمقراطية الحقيقية يجب أن تنتهي بإقرار رأي الأغلبية، وتلتزم الأقلية بهذا الرأي. أما ديمقراطية الشجرة فكانت تنتهي نهاية غريبة.

فالأقلية التي رفضت القرار تحمل على ظهرها متاعها وتخرج من القرية، لتبحث عن قرية أخرى لأنها لا تستطيع البقاء في مكان لم يأخذ برأيها ولا تستطيع تنفيذ قرار لا توافق عليه.

ببساطة كأنهم يقولون: نحن مقتنعون برأينا وهو الأفضل، لكن طالما جاءت الأغلبية مع رأي آخر فلن نلتزم به وسنذهب لمكان آخر نفرض نحن فيه رأينا، وندع الأغلبية تتصرف بناء على ما اتخذته من قرارات لكن بعيدا عنا.

لم يكن الأمر ينتهي عند هذا الحد، فبعد أن يُكَوِّن الراحلون عن القبيلة قبيلتهم الخاصة أو ينضمون لقبيلة أخرى، ويجتمعون لاتخاذ القرارات فإنهم يحملون متاعهم معهم في كل اجتماع تحسبا أن يوافق الأغلبية على قرار هم معترضون عليه أو أن يعترضوا على اقتراح لهم.

وهكذا تمضي ديمقراطية الشجرة على هذا المنوال:

كلما اعترضت على قرار اتخذته القبيلة بناء على رأي الأغلبية أسجل اعتراضي بأن أجمع حاجاتي وأرحل عنها، لأنضم لقبيلة أخرى، أو أنشئ قبيلة جديدة مع بعض الراحلين مثلي لالتقائنا في الرأي.

وتمضي بي الحياة في رحلة طويلة لا أستقر فيها على هدى لأني لا أريد أن أحترم قواعد اللعبة الديمقراطية.

وفي النهاية فشل هذا النظام عبر التاريخ، وظهرت الصورة الأقرب للواقع بأن يختار الشعب ممثليه الذين يتخذون قراراتهم بالأغلبية ويلتزم الأقلية بهذا الرأي رغم ما قد يعتقدونه بخطأ الأغلبية أو فساد رأيهم أو جهلهم، ورغم عدم اقتناعهم به.

أشعر أن مصر اليوم تعود لتمارس ديمقراطية الشجرة، وكأننا لا نريد أن نتعلم من التاريخ. هذا حزب أو تلك جماعة (القبيلة) تأخذ قراراتها بالأغلبية، فماذا أفعل كأقلية رفضت هذا القرار؟

  • إما أن أحترم إرادة الأغلبية، وأبقى داخل القبيلة و أنفذ ما اتفق عليه الأغلبية.
  • أو آخذ متاعي وأرحل وأنفصل عن الجماعة أو الحزب، لأنضم لحزب آخر أو أنشئ حزب جديد، وأعلن كفري بهذه الديمقراطية وعدم التزامي بها... وتمضي بي الحياة من قبيلة إلى قبيلة حتى أجد القبيلة التي حين تجتمع يكون رأيي فيها هو رأي الأغلبية. وقتها فقط أصفق للديمقراطية وأنحني لها وأعلن التزامي بقواعدها.


الثلاثاء، 14 يونيو 2011

الحركات الجهادية العابرة للحدود في القرن الإفريقي


قراءة في المشهد الحركي الإسلامي في القرن الإفريقي
الحركات الجهادية العابرة للحدود في القرن الإفريقي
أمل خيري
إسلام أون لاين
ما زال الاهتمام الغربي بدول القرن الإفريقي مستمراً، خاصة فيما يتعلق بالحركات الإسلامية، في ظل الخصوصية التي تتميز بها دول المنطقة، وفي ظل الصراعات المستمرة التي تشهدها على مدار السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار قدم معهد شمال إفريقيا السويدي (Nordiska Afrikainstitutet) [1] تقريراً بعنوان "الحركات الجهادية الإسلامية العابرة للحدود، والصراعات بين الدول في القرن الإفريقي" Transnational Islamist (Jihadist) Movements and Inter-State Conflicts in the Horn of Africa، وكاتبه هو الدكتور محمد صالح أستاذ سياسات التنمية بمعهد الدراسات الاجتماعية في جامعة ليدن بهولندا وهو من أصول إفريقية. وصدر في أبريل 2011م، والذي حاول رسم خريطة للحركات الجهادية الإسلامية في المنطقة ودورها في تأجيج الصراعات بين الدول.
منتدى الجماعات الإسلامية
يبدأ التقرير من حقيقة أن الغالبية العظمى من سكان القرن الإفريقي، هم من المسلمين، وعلى الرغم من ذلك تشهد الحركات الإسلامية تنوعا ما بين التشدد والوسطية من جهة، كما تشهد تعايشا ملحوظا مع كافة المعتقدات الأخرى سواء من المسيحية أو اليهودية، فضلا عن الديانات التقليدية المحلية؛ فعلى سبيل المثال، في السودان كانت جماعة الإخوان المسلمين عابرة للحدود منذ إنشائها عام 1954 تحت تأثير جماعة الإخوان المسلمين المصرية وتعاليم قادتها، حسن البنا وسيد قطب. فبعد عودته من دراسته في لندن وباريس عام 1964، أنشأ حسن الترابي وهو شخصية بارزة في المعارضة ضد الحكومة العسكرية بقيادة إبراهيم عبود ميثاق الجبهة الإسلامية في أكتوبر 1964، وأصبح الترابي أمينا عاما لها.
وفي عام 1985، تحولت إلى الجبهة الإسلامية القومية التي حازت نجاحا انتخابيا نسبياً من خلال الفوز بحوالي 10% من الأصوات في انتخابات 1985 البرلمانية السودانية، وهي نسبة كافية لقيادة تشكيل أي حكومة ائتلافية.
وبعد تولي حكومة الإنقاذ البلاد عام 1989 توسعت سلطات الجبهة الإسلامية القومية إقليميا وعالميا، فقد اتبعت الجبهة سياسة إيواء حركات التحرر الإسلامية والعربية والجهاديين، وهي السياسة التي سمحت لأسامة بن لادن أن يقيم في الخرطوم، وسهلت هجرة أعداد كبيرة من الجهاديين من أفغانستان وباكستان، والصومال ومصر وإريتريا لدعم الجهود المبذولة لمكافحة الجيش الشعبي لتحرير جنوب السودان.
وفي عام 1991، أسس الترابي المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي تحت رعاية الجبهة الإسلامية كمنتدى للجماعات الإسلامية، بما في ذلك المنظمات التي توصف بأنها متشددة مثل منظمة الجهاد المصرية، والجهاد الإسلامي الجزائرية، وحركة الجهاد الإسلامي الإريتري، والجهاد الإسلامية الصومالية وحماس وحزب الله. ونتيجة لذلك، اعتبرت الولايات المتحدة السودان دولة راعية للإرهاب في 1993. ومع الإطاحة به من زعامة حزب المؤتمر الوطني في أعقاب محاولته للحد من صلاحيات الرئيس عمر البشير ومنع إعادة انتخابه رئيسا للبلاد في 1999، خسر الترابي منصبه كمراقب عام لجماعة الإخوان المسلمين السودانية.
حركة الجهاد الإسلامي الإريتري
ينتقل التقرير لاستعراض دور حركة الجهاد الإسلامي الإريتري، والتي برزت عام 1975 كامتداد لجبهة التحرير الإريترية، ولكنها لم تعلن نفسها رسمياً كمنظمة مستقلة إلا في أواخر الثمانينيات، حيث جذبت بعض أتباعها من إريتريا، والبعض الآخر من المسلمين في القرن الإفريقي، بما في ذلك مسلمو الصومال وشعب أورومو.
وأثناء الحرب بالوكالة التي جرت بين النظام العسكري الماركسي في إثيوبيا بزعامة منجستو هيلا ماريام ونظام الاتحاد الاشتراكي في السودان بزعامة الرئيس الراحل جعفر نميري في أواخر الثمانينيات كثفت الحركات الجهادية الإسلامية نشاطها، فقد تأسست حركة الجهاد الإسلامي الإريتري، والحركات الراديكالية السلفية في السودان كجبهة التحرير القومية الإسلامية، ومنظمة الرواد المسلمين الإريترية والانتفاضة الإسلامية. وعلى الرغم من دعوات حركة الجهاد الإسلامي الإريتري لاجتذاب المنظمات الإسلامية المماثلة في التفكير للتعاون معها أو الانضمام إليها، فقد شهدت أواخر التسعينيات العديد من الانشقاقات عن الحركة مثل حركة الإصلاح الإسلامي الإريتري، ومنظمة أبو سهيل، وحركة الخلاص الإسلامي الإريترية والحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية، وقد استخدمت المنظمات الإسلامية الراديكالية الإريترية الإسلام كأيديولوجية للتحرر الوطني.
الاتحاد الإسلامي الصومالي
وفي الصومال يستعرض التقرير عدة حركات إسلامية كحركة الاتحاد الإسلامي التي نشأت خلال أوائل الثمانينيات من تحالف بين وحدة الشباب الإسلامي والجماعة الإسلامية، ومن ثم تحولت من جماعة دعوية سلمية معارضة لنظام سياد بري إلى منظمة مسلحة مشتركة في النزاع المسلح بعد انهيار الدولة الصومالية في التسعينيات.
وانتشرت أنشطة الاتحاد الإسلامي إلى منطقة الأوجادين في إثيوبيا، كما أقامت علاقات مع جماعات إسلامية متشددة، كأعضاء في تنظيم القاعدة المتمركزة في أفغانستان والسودان. ويصف التقرير زعماء الاتحاد أنهم خريجو المدرسة السلفية الإسلامية العربية السعودية التي تجمع بين تعاليم الإخوان المسلمين والتشدد الوهابي، والتي صممت على إقامة إمارة إسلامية في الصومال، وتوسيعها لتشمل بقية أنحاء القرن الإفريقي فيما أسماه التقرير انتصارا للوهم.
وأدت أنشطة الاتحاد في الأوجادين إلى مواجهة مع الحكومة الإثيوبية. التي ادعت أن الاتحاد يرعى معسكرات لتدريب المقاتلين الإسلاميين من الصومال وإثيوبيا وإريتريا وكينيا وأوغندا على مجموعة متنوعة من الأنشطة، بما في ذلك استخدام الأسلحة الصغيرة، وحرب العصابات والتفجيرات الانتحارية واستخدام الألغام والمتفجرات، والتجسس والنقل والإمداد، وكان الرد السريع من قبل الحكومة الإثيوبية في عام 1997 بطرد الاتحاد من إثيوبيا وتدمير قواعده في الصومال. وعلى الرغم من تفكيك الاتحاد عاد قادته إلى مقديشو، حيث كونوا حركة جديدة أكثر تشددا وذات صلات بالمنظمات الجهادية العالمية.
اتحاد المحاكم الإسلامية
وينتقل التقرير من الاتحاد الإسلامي الصومالي إلى اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال والذي تزامن ظهوره مع انهيار نظام سياد بري وتفكيك الدولة الصومالية وتناحر الحركات العشائرية والميليشيات التي فشلت في تسوية الخلافات وعودة البلاد إلى حكم المحاكم الإسلامية بقيادة شيخ شريف أحمد وبتأييد محمد سياد، أحد أمراء الحرب الصوماليين الذين كانوا يسيطرون على شابيل الجنوبية.
فقد عرضت المحاكم الإسلامية نظاما بديلا لنظام الشرطة وأعلنت أنها قادرة على إنهاء الفوضى التي ضربت مقديشو منذ سنوات، وبالتالي سد العجز الشديد في الحكم الذي نتج عن انهيار الدولة، كما ساهمت في الخدمات العامة التي كانت تعتبر فيما مضى اختصاص الدولة أو المنظمات غير الحكومية كالصحة والتعليم.
وبحلول عام 1999، أصبحت المحاكم الإسلامية المصدر الوحيد للأمن وشملت التدابير التي اتخذتها إنشاء محكمة الاتحاد الإسلامي وتنظيم الميليشيات، وتوسيع أنشطتها لتشمل السيطرة على أسواق مقديشو والطرق الرئيسية التي تربط العاصمة بالطرق التجارية المهمة في جميع أنحاء الصومال. وأعقب ذلك خطوات صارمة نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، واستطاع تحالف شريف ومحمد سياد السيطرة على معظم جنوب الصومال، بما في ذلك كيسمايو.
ردا على ذلك، قام أمراء الحرب الصوماليين، وبدعم من إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، للمرة الأولى بالاتحاد معا لمقاومة هيمنة وحدة المحاكم الإسلامية، إلا أن الاتحاد فشل في تحقيق أي انتصار على المحاكم الإسلامية، مما أدى في نهاية الأمر لغزو إثيوبيا للصومال في ديسمبر 2006 وتوجيه ضربات موجعة للمحاكم الإسلامية في غضون أسابيع.
حركة الشباب
يشير التقرير إلى أن حركة الشباب نشأت عام 2004 تحت لواء المحاكم الإسلامية ولكنها استقلت عنها في أعقاب هزيمة الأخيرة أمام القوات الإثيوبية، وظلت حركة الشباب تقاوم الاحتلال الإثيوبي حتى نجحت في إجباره على الانسحاب في ديسمبر 2008. وقاد حركة الشباب مختار علي روبو المعروف أيضا باسم أبي منصور، والذي كان نائبا لوزير الدفاع في حكومة المحاكم الإسلامية، ثم تلاه آدم حاشي عيرو الذي تلقى تدريبا في المعسكرات الأفغانية ويؤكد التقرير أن هذا ربما يفسر زعم البعض بوجود صلات بين حركة الشباب وتنظيم القاعدة ويفسر أيضا وضع حركة الشباب على القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية.
وبحسب التقرير يمكن فهم الروابط بين المحاكم الإسلامية والشباب، من خلال دراسة أصول قيادتها؛ فآدم حاشي عيرو قام باختياره حسن طاهر أويس، أحد مؤسسي المحاكم الإسلامية. وتمثل حركة الشباب البديل الأكثر تشددا من المحاكم الإسلامية فهي جماعة جهادية تسعى لإنشاء الدولة الإسلامية الصومالية وتتبنى الجهاد ضد الغرب وأعداء الإسلام، وكذلك تسعى لفرض تطبيق الشريعة في جميع أنحاء الصومال، كما لديها ما بين 3000 إلى 7000 مقاتل من ذوي الخبرات القتالية العالية، واستطاعت حركة الشباب السيطرة على أجزاء كبيرة من أحياء مقديشو، وأقامت قواعد عسكرية في أجزاء كبيرة من جنوب الصومال.
الصراعات في القرن الإفريقي
يعود التقرير في ختام استعراضه لخريطة الحركات الجهادية الإسلامية في دول القرن الإفريقي لدور الجبهة الإسلامية في السودان في تأجيج الصراعات بين دول المنطقة، فمنذ صعودها إلى السلطة في الدولة عام 1989، واصلت الجبهة القومية الإسلامية في السودان، بدافع العقيدة الإسلامية والحضارة الإسلامية ، مشروعها السياسي التوسعي، وترتكز هذه السياسات التوسعية على جمع مختلف الحركات الجهادية في السودان تحت لواء الجبهة القومية الإسلامية، فقد سعت الجبهة إلى توحيد جهود الحركات الجهادية العابرة للحدود، مما ساهم في إذكاء الصراعات بين الدول في القرن الإفريقي حسبما يشير التقرير. حيث بدأت هذه الحركات الجهادية تصدير الثورة الإسلامية إلى الدول المجاورة.
على سبيل المثال اتسمت العلاقات بين إريتريا والسودان بالصعوبة منذ بداية استقلال إريتريا بسبب دعم الجبهة القومية الإسلامية للجهاديين الإريتريين مثل حركة الجهاد الإسلامي الإريتري بقيادة خليل محمد عامر، ونائبه أبو البراء سلمان حسن، وكلاهما معروفان بأفكارهما الجهادية المتطرفة وعلاقاتهما مع تنظيم القاعدة، كما يذكر التقرير.
كما قامت الجماعات الإسلامية الراديكالية بدور ضاغط على الحكومات الإريترية للانضمام لما سمي بائتلاف دول خط المواجهة (إثيوبيا وإريتريا وأوغندا) ضد السودان. فأيدت إريتريا صراحة المعارضة السودانية، مما أدى إلى إجراءات انتقامية متبادلة بين إريتريا والسودان. وقدمت الجبهة الإسلامية السودانية الملاذ الآمن والدعم للمنظمات الإسلامية الإريترية ردا على دعم الحكومة الإريترية واستضافتها للتحالف الوطني الديمقراطي.
وانضمت إثيوبيا أيضا إلى الائتلاف ضد السودان بسبب قيام الجبهة الإسلامية بدعم جماعات المعارضة الإثيوبية، مثل جبهة تحرير أورومو وجبهة تحرير الأوجادين الوطنية، كما دعمت الجبهة القومية الإسلامية الاتحاد الصومالي الجهادي مما أدى لتوترات بين السودان وإثيوبيا.
في نفس الوقت ساعد الفشل في تنفيذ حكم لجنة الحدود بين إثيوبيا وإريتريا -والذي أنتج حالة من اللاحرب واللاسلم- على دفع إثيوبيا وإريتريا إلى تحويل المعركة من أجل الصومال، فانتهى الأمر بدعم إريتريا الحركات الجهادية في الصومال، بينما دعمت إثيوبيا أمراء الحرب، وتزايدت حدة التوترات بين إثيوبيا وإريتريا بتشكيل قادة المعارضة الإسلامية التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال المعارض في إريتريا. ويؤكد التقرير في ختامه أن الولايات المتحدة تشعر بالقلق أيضا أن إريتريا قد تكون مأوى للمجموعات الإرهابية تضر المصالح الإقليمية للولايات المتحدة.
خريطة الإسلاميين في القرن الإفريقي
وإذا كان هذا التقرير يسلط الضوء على دور الحركات الجهادية في تأجيج الصراع بين الدول في القرن الإفريقي، فقد سبقه تقرير آخر صدر عن معهد قانون الدولي والسياسة النرويجي بعنوان "الإسلاميون في القرن الإفريقي: تقييم الأفكار والجهات الفاعلة والأهداف"، والذي حاول رسم خريطة للإسلاميين في القرن الإفريقي حيث يميز بين الإسلام السياسي، والحركات الإصلاحية الإسلامية، والحركات الجهادية الإسلامية.
وحاول التقرير استكشاف أهم الجهات الإسلامية الفاعلة في القرن الإفريقي، فأكد أنه باستثناء جيبوتي فإن الجماعات الإسلامية تنشط في جميع أنحاء القرن الإفريقي؛ ففي إريتريا ظهرت أول جماعة إسلامية باسم حركة الجهاد الإسلامي الإريتري، التي أنشئت عام 1980، واكتسبت المزيد من القوة حين اندمجت مع جماعات أخرى في عام 1988، وفي وقت لاحق تم تغيير اسمها لحركة الإصلاح الإسلامي الإريتري.
ويوجد في إريتريا أيضا حركة الإنقاذ الإريترية الإسلامية وحزب العدالة والتنمية الإريتري، وكذلك المؤتمر الإسلامي الإريتري الذي أنشئ مؤخرا، وتعمل هذه المجموعات معا في إطار التحالف الديمقراطي الإريتري.
وفي الصومال يوجد العديد من الحركات الإسلامية الفاعلة كاتحاد المحاكم الإسلامية الذي تصاعد بقوة عام 2004 إلا أن قوته الفعلية انتهت مع اجتياح القوات الإثيوبية مقديشو في ديسمبر 2006، وهناك أيضا حركة الشباب الإسلامي المنشقة عن اتحاد المحاكم الإسلامية واكتسبت المزيد من القوة بعد مواجهتها الغزو الإثيوبي، كما ينشط حزب الإسلام الذي أنشأه حسن طاهر أويس في أبريل 2009، وهو ائتلاف من بعض الحركات الإسلامية، ويواجه كل من حزب الإسلام وحركة الشباب كثيراً من المشاكل الداخلية نتيجة المزيد من الاختلافات والانشقاقات.
إثيوبيا والسودان
أما في إثيوبيا فيشير التقرير إلى أن التحول السياسي الذي شهدته البلاد عام 1991 بسقوط منجستو هيلا ماريام -الذي كان يطلق على فترة حكمه (الدرج) DERG- قد هيأ المناخ المواتي لتزايد النشاط الديني، مما أدى لانتشار الجماعات الإسلامية ومن بينها الحركة السلفية وجماعة التبليغ والحركة العقلانية.
بدأت الحركة السلفية في إثيوبيا في أواخر الأربعينيات وعادت إلى الظهور بقوة مجددا في فترة ما بعد حكم الدرج. ومنذ ذلك الحين، واجهت الحركة السلفية العديد من الانقسامات الداخلية، مما أدى لظهور جماعة أهل السنة، وهي فصيل دعوي أكثر تشددا من السلفيين، ثم بدأت جماعة التكفير والهجرة تفرض نفسها بقوة منذ منتصف التسعينيات.
وبالنسبة لجماعة التبليغ فتعتبر أكبر حركة إسلامية من حيث العدد في إثيوبيا، وتكرس نشاطها الدعوي بين المسلمين خاصة في منطقة كوراج في أديس أبابا، وبالنظر لانعزالها في مساجدها ومركزها الرئيسي فلا تتوافر معلومات كثيرة عن جماعة التبليغ. وأخيرا هناك الحركة العقلانية وهي جماعة غير رسمية وخالية من أي هيكل تنظيمي، نشأت داخل جامعة أديس أبابا وأتباعها من الطلاب والمثقفين من الشباب في المناطق الحضرية.
وفي السودان رابع بلاد القرن الإفريقي ظهرت الحركة الإسلامية واتسع نطاقها في بيئة محافظة وتحت غطاء سياسي شرعي، فكان حزب الجبهة الإسلامية أول حزب معارض أسسه حسن الترابي في 1964 وينتسب الحزب أيديولوجيا إلى جماعة الإخوان المسلمين المصرية. ومنذ عام 1985، نظم الإسلاميون أنفسهم في الجبهة القومية الإسلامية، والتي تولت السلطة في 1989 وبدأت أولى خطوات إنشاء الدولة الإسلامية.

[1] يعد معهد شمال إفريقيا السويدي مركزا للتوثيق والبحث والمعلومات بشأن إفريقيا الحديثة، ومقره السويد، ويعنى بإجراء البحوث حول إفريقيا، ويسعى لتعزيز التعاون بين الباحثين الأفارقة والباحثين في بلدان الشمال الأوروبي. وتقوم الدول الإسكندينافية (الدانمرك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد) بتمويل المعهد.

الاثنين، 6 يونيو 2011

كيف يرى الغرب حركة شباب المجاهدين الصومالية؟



قراءة في المشهد الإسلامي في القرن الأفريقي
كيف يرى الغرب حركة شباب المجاهدين الصومالية؟
أمل خيري
إسلام اون لاين
منذ بداية الحرب الأهلية في الصومال قبل نحو عشرين عاما وأبطال المشهد الصومالي في صراع متواصل، والساحة لا تخلو من لاعبين أساسيين يتغيرون باستمرار ليتصدر بعضهم المشهد السياسي حينا ثم يتوارى عن الأنظار حينا آخر.
وفي ظل هذه الحرب ارتفعت أصوات السلاح وتصاعدت الفصائل المسلحة، التي تم تصنيف بعضها في قائمة الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بعد أن لعب بعضها دورا جهاديا تاريخيا، ومن بين هذه الجماعات حركة الشباب التي يطلق عليها بعضهم: شباب المجاهدين وبعض آخر يكتفي بتسميتها حركة الشباب التي ارتبطت بمقاومة الغزو الإثيوبي.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: كيف يرى الغرب حركة شباب المجاهدين في الصومال؟ جماعة جهادية أم حركة تمرد ضد السلطة؟، يمكننا أن نجد الإجابة في الدراسة التي قدمها ماثيو جوليلمو[1] Matteo Guglielmo بعنوان " كشف التمرد الإسلامي في الصومال: حالة حركة الشباب المجاهدين الإسلامية"[2] الذي نشرت مؤخرا (ابريل 2011م) في أحد التقارير الصادرة عن معهد الدراسات الأمنية بجنوب إفريقيا[3]، ويشتمل التقرير على عدة دراسات إضافة إلى دراسة جوليلمو، وكلها تدور حول "الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة"[4].
صدر التقرير بتمويل من الحكومة الألمانية وبرامج المساعدة الإنسانية من حكومات النرويج والسويد والدنمارك والولايات المتحدة. ويهدف التقرير إلى الكشف عن أبرزالقضايا الأمنية التي تواجه القرن الأفريقي،ويقدم تحليلا معمقا للأسباب الجذرية للصراعاتبينالدولفي العديد من الدول الواقعة في القرن الإفريقي كما يُقَوِّم أيضاأداءالهيئات الحكومية في التنمية وتحقيق الأمن القومي.
تمرد أم جهاد؟
يستهل جوليلمو دراسته بوصف جماعات الجهاد الإسلامي في الصومال بحركات التمرد، التي أرجع بداية ظهورها إلى الفترة بين يونيو وديسمبر 2006 ، إذ سيطر اتحاد المحاكم الإسلامية في مقديشو ، وما أعقبه من تدخل إثيوبي لدعم الحكومة الاتحادية الانتقالية التي يقودها الرئيس عبد الله يوسف ورئيس الوزراء محمد علي غيدي، ومنذ ذلك الحين تصدر الإسلاميون المشهد الصومالي، وساعدهم في ذلك ضعف قوات الأمن والحكومة الانتقالية من جهة ثم انسحاب القوات الإثيوبية في يناير 2009 من جهة أخرى، لينتهي المشهد بسيطرة الإسلاميين على جزء كبير من المنطقة الجنوبية الوسطى من الأراضي الصومالية.
وبحسب ما ذكره جوليلمو فإن عددا من الدراسات أشارت إلى أن نشأة المحاكم الإسلامية جاءت على يد بعض من جماعات المصالح في العاصمة مقديشو تحت دعوى الالتزام بإعادة الأمن، أكثر من كونها حركة شعبية، وأن نجاحها يعود إلى ما قامت به قيادات الحركة من حشد تأييد العشائر الكبيرة في العاصمة، وتجنيد الشباب، إضافة إلى الدعم الاستراتيجي من رجال الأعمال الذين يهمهم استتباب الأمن حفاظا على مصالحهم الاقتصادية. وبالفعل نجحت الحركة في استقطاب عشيرتي أبغال وهابر غدير، وكلاهما من قبيلة الهوية التي تشكل غالبية سكان العاصمة منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1991.
وبالرغم من ذلك فإن المحاكم الإسلامية لم تحقق أي تقدم في سبيل إضفاء الطابع المؤسسي على الحركة في نظر جوليلمو، بل ظلت منقسمة إلى الجناح المعتدل بقيادة شيخ شريف وهو من عشيرة أبغال، والجناح المتشدد بقيادة شيخ حسن طاهر عويس العقيد السابق بالجيش وهو من عشيرة هابر غدير.
ويؤكد جوليلمو أن صعود نجم المحاكم الإسلامية في جنوب ووسط الصومال جاء في لحظة دقيقة في المستوى المحلي والدولي؛ حيث شهدت مقديشو سلسلة من عمليات القتل والاختطاف غير المسبوقة التي استهدفت بعض رجال النخبة الإسلامية والسياسيين البارزين، التي نفذتها ميليشيات ما سمي بالتحالف من أجل استعادة السلام ومكافحة الإرهاب الذي ظهر أواخر عام 2006 المدعوم من قبل الولايات المتحدة وفقا لاستراتيجية الحرب على الإرهاب التي أعلنتها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وبعد عدة معارك نجحت المحاكم الإسلامية في هزيمة هذه الميليشيات، وترتب على ذلك توسعها في مناطق جنوب ووسط الصومال، بل قام رجال الميليشيات بتسليم أسلحتهم للمحاكم الإسلامية والاستسلام الطوعي.
من المقاومة إلى الهروب
يؤكد جوليلمو أن هذا التوسع للمحاكم الإسلامية ما لبث أن أثار حفيظة كل من الحكومة الاتحادية الانتقالية والحكومة الإثيوبية التي تدعمها، ومن ثم قامت إثيوبيا بالتدخل العسكري، وواجهت مقاومة عديد من الجماعات – التي سماها جوليلمو جماعات متمردة - وقاد هذه الجماعات ما سمي بحركة المقاومة التي ضمت عديدا من القوى المعارضة التدخل الإثيوبي في البلاد. إلا أن القوات الإثيوبية مدعومة بضربات جوية أمريكية وجهت هزائم ساحقة لرجال المحاكم الإسلامية الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد متوجهين إلى اليمن ثم إلى العاصمة الإرتيرية أسمرا حيث قاموا بتشكيل الجناح السياسي لجبهة مناهضة إثيوبيا تحت اسم التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال في سبتمبر 2007.
ومع تصاعد تحركات الجيش الإثيوبي في العاصمة والمدن الرئيسة جنوب ووسط الصومال شهدت البلاد أزمة إنسانية ونال المئاتِ من المدنيين القتلُ والجرح والتشريد. كل ذلك في الوقت الذي بدت فيه جبهة مناهضة إثيوبيا فضفاضة وغير متجانسة.
وهنا برزت حركة الشباب المجاهدين الإسلامية التي قادت معظم الهجمات ضد القوات الإثيوبية والميليشيات الموالية الحكومة الانتقالية. وتولى زعامتها آدم حاشي فرح عيرو حتى وفاته في مايو 2008، الذي بدأ حياته السياسية تحت جناح حسن طاهر عويس، وكان عيرو أحد زعماء حركة الشباب الذين سافروا إلى أفغانستان أواخر التسعينات، إلا أن العلاقات بينه وبين طاهر عويس تدهورت بعد انضمام الأخير إلى تحالف إعادة تحرير الصومال الذي رآه عيرو تحالفا مع العلمانيين وتنازلا عن الجهاد المسلح ضد الاحتلال.
ومنذ أواخر عام 2008 ، ازداد الموقف الراديكالي لحركة الشباب سياسيا وإيديولوجيا وبخاصة بعد قيام الولايات المتحدة بوضع اسم الحركة على القائمة الدولية السوداء للإرهاب، وربطها بين المعونة المشروطة للحكومة الانتقالية وبين قضائها على هذه الحركة، بل لقد نفذت الولايات المتحدة عدة غارات جوية بين عامي 2007 و 2008، قتل في إحداها عيرو، وتفجر بنتيجتها رد فعل أعنف من شباب الحركة الذين قاوموا الوجود الإثيوبي والضربات الأمريكية بشدة واستمروا في عمليات المقاومة.
حركة الشباب.. التاريخ والأيديولوجيا
يتتبع جوليلمو في دراسته تاريخ نشأة حركة الشباب، الذي جرى ربطه أحياناً كثيرة بتنظيم القاعدة في إطار الحرب الدولية على الإرهاب، إلا أنه لا يتفق مع النظر إلى حركة الشباب على أنها مجرد انعكاس للمواجهة الدولية واستبعاد السياق المحلي الذي نشأت فيه، صحيح أن الاستراتيجيات السياسية الدولية كان لها تأثير واضح في تنامي قوة الحركة إلا أن التوجه المحلي للحركة أكسبها بعدا يجعلها تختلف عن قوى الإسلام السياسي الأخرى كحركة الإصلاح المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين التي اتسمت بالعالمية.
فالدولة الصومالية في عهد سياد بري كانت ذات اتصال محدود بالعالم الخارجي باستثناء التأثير الوهابي القادم من شبه الجزيرة العربية، الذي أدى في نظر جوليلمو إلى تصاعد التيارات السلفية والصوفية وجماعات التبليغ في الصومال. ويركز خطاب حركة الشباب على مناهضة التغريب والعولمة مما جعلها تفرط في المحلية، إضافة إلى تبنيها المفهوم الجهادي المسلح الذي سمح لها بتعبئة كثير من الشباب الراغب في مقاومة الاحتلال الإثيوبي ومواجهة الهجمات الأمريكية، من منطلق حشد مشاعر الاستياء من الغرب.
وبالرغم من تأكيد وسائل الإعلام الدولية تلقي حركة الشباب التدريبات الموسعة في أفغانستان في النصف الثاني من التسعينيات، فإنه لا يوجد حتى الآن دليل قاطع على وجود أي اتصال مباشر بين مقاتلي حركة الشباب وزعماء القاعدة في كابول.
وفي حين تربى عدد من قادة حركة الشباب في منظمات إسلامية أخرى في الصومال كالاتحاد الإسلامي و جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة فإن وجود الجيوش الأجنبية المكثف في مقديشو ومناطق جنوب ووسط البلاد ساعد في تضخم صفوف الحركة، وإعطائها مزيد من العمق السياسي، وتوسيع نطاق الدعم الجماهيري، حيث أصبح ينظر إلى الحركة على أنها المدافع الوحيد عن البلاد، وطبعا سمحت الطبيعة العشائرية للمجتمع بتغلغل حركة الشباب في هذه العشائر وتلقي الدعم القوي منها.
القيادة والتنظيم
يذكر جوليلمو في دراسته نماذج أهم قادة حركة الشباب ومن بينهم الشيخ محمد مختار عبد الرحمن المُكَنَى بأبي زبير، والشيخ مختار روبو، وفؤاد محمد خلف شونجول، وحسن عبد الله التركي. وبالرغم من عدم وجود معلومات مفصلة عن جهازها ، فإن حركة الشباب بحسب ما ذكره جوليلمو بدأت تنظيم نفسها بشكل واضح في أعقاب انسحاب القوات الإثيوبية في يناير 2009. مع التأكيد على أن حركة الشباب في البداية لم تكن تنوي إدارة شؤون البلاد مباشرة بل بدلامن ذلك سعت إلى تعيين الشخصيات المحلية في هذه المهمة.
أما بالنسبة إلى بنية حركة الشباب التنظيمية فهناك كثير من الاختلافات في الرؤى حول طبيعتها، ومع ذلك هناك شبه اتفاق – في نظر جوليلمو- على وجود أربعة أجنحة أساسية للحركة أولها مجلس الشورى وهو شبيه إلى حد كبير من حيث الوظيفة والمسؤولية بطبيعة عمل اتحاد المحاكم الإسلامية عندما كان يحكم مقديشو. ورئيس مجلس الشورى هو أمير الحركة ، الشيخ محمد أبو زبير، ويبدو أن مجلس الشورى ليس لديه السيطرة الكاملة على حركة الشباب؛ إذ تنحصر مهمته في اتخاذ القرارات الجماعية.
أما الجناحالثاني فهو الجناح الدعوي الذي يهتم بنشر الإسلام أو على حد تعبير جوليلمو "مهمته تجنيد ميليشيات جديدة"، بينما يتمثل الجناح الثالث للحركة في ما يسمي بالحسبة وهو نوع من الشرطة الدينية التي يتمثل دورها في مراقبة وصيانة احترام الأحكام والأعراف الإسلامية.
ويذكر جوليلمو أن جهاز الحسبة ربما يكون مسئؤولا عن عمليات تدمير الأضرحة الصوفية في منطقة جنوب وسط البلاد، ويأتي رابعا الجهاز العسكري هو الجناح الأخير لحركة الشباب، ويجري تدريب الشباب عسكريا في عدة مخيمات للتدريب في قرى منتشرة وكان لهذه الميليشيات الدور الأكبر في دحر القوات الإثيوبية.
صراع المحلية والانتماء إلى القاعدة
من أجل التوصل إلى فهم كامل للسياق الذي أدى إلى سيطرة حركة الشباب على الأراضي لا بد من الإشارة إلى لحظة دقيقة في تاريخ الأزمة الصومالية. فتحول حركة الشباب من حركة مسلحة إلى حركة معارضة للحكومة يعكس درجة معينة من تغلغل القوى الإقليمية والدولية داخل الأزمة الصومالية نفسها.
ويعود جوليلمو إلى تحليل الادعاء بانتماء حركة شباب المجاهدين إلى تنظيم القاعدة، وبخاصة مع إعلان الحركة مسؤوليتها عن الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من يوليو 2010 في العاصمة الاوغندية كمبالا، التي راح ضحيتها عشرات الجرحى والقتلى أثناء مشاهدتهم بطولة كأس العالم، حيث سارعت وسائل الإعلام بلصق هذا العمل الإرهابي بتنظيم القاعدة من خلال شريكتها في الصومال حركة شباب المجاهدين.
وبالرغم من ذلك يرى جوليلمو أن كثيرا من مواقف حركة شباب المجاهدين تتسم بالتعقيد المحلي أكثر منه تنفيذا لأوامر القاعدة؛ إذ ربما تنظر إلى مشجعي كرة القدم على أنهم أحد مظاهر التدخل الأجنبي وعمليات التغريب في الصومال، إلا أن الأمر أيضا لا يخلو من شواهد على الارتباط بتنظيم القاعدة وبخاصة مع إعلان الحركة ولاءها لأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في فبراير 2010 ، ثم تهديدها بالانتقام لمقتله وتأكيدها أن دماءه لن تذهب هدرا، ومع ذلك فإن الدعم المالي الذي كانت تتلقاه الحركة أثناء صراعها مع القوات الإثيوبية لم يكن يأتي من تنظيم القاعدة بل من اريتريا على حد قول جوليلمو.
علاوة على ما سبق يأتي اعتماد الحركة ماليا على الصوماليين في الشتات خاصة في دول الغرب الأوروبي، ويوضح جوليلمو أنه بالرغم من صعوبة التحقق من مصادر تمويل الحركة فإنه من الممكن التأكيد على الدور الذي يلعبه صوماليو الشتات في هذا التمويل لسببين رئيسيين، الأول أن حركة شباب المجاهدين حظيت ببعض الشعبية لقاء نشاطها في منع تداول السلع المنتهية الصلاحية أو المضرة بالصحة على سبيل المثال، أو جهودها في إزالة نقاط التفتيش غير القانونية بغرض تمكين الصوماليين من حرية التنقل.
أما السبب الثاني في نظر جوليلمو لدعم الصوماليين في الخارج للحركة فيعود إلى أجندة الحركة السياسية التي تجعلها تختلف عن بقية الجماعات المسلحة حتى في المستوى الوطني. فحركة الشباب أبدت كثيرا من الاهتمام بأوضاع الصوماليين في الخارج وبخاصة الشباب منهم. ويعتبر جوليلمو أن تبرعات الصوماليين للحركة لا يجب النظر إليها في ضوء دعمهم الجهاد العالمي بل في إطار الطبيعة العشائرية والقبلية التي يتسم بها المجتمع الصومالي
مستقبل الحركة
في نظر جوليلمو فإن الحركة في طريقها إلى الضعف في ظل الهجمات التي تخوضها القوات الحكومية ضدها مدعومةً من قوات الاتحاد الأفريقي في الصومال، إضافة إلى تشرذم أفرادها، وتزيد صعوبة قراءة مستقبل الحركة في ظل أنها مازالت تضع نفسها في مواجهة المجتمع الدولي بكامله، الأمر الذي يجعلها تميل إلى الصدام مع جميع الطوائف والقوى داخليا وخارجيا، ومع ذلك يوصي جوليلمو بعدم فصل الحركة عن سياقها المجتمعي أو محاولة تصويرها على أنها مجرد فرع تابع لتنظيم القاعدة إذ تعتمد شعبيتها إلى حد كبير على ضعف الكيانات الأخرى وعلى النزاعات العشائرية وعلى ما أسدته من خدمات إلى المجتمع وليس لأنها تنفذ تعليمات زعماء القاعدة فحسب.
من بين الملاحظات التي يمكن أن نوردها على الدراسة التي قدمها جوليلمو وصفه حركات الجهاد الإسلامي في الصومال بالمتمردين، ويأتي هذا الوصف اتساقا مع رؤية الولايات المتحدة والحكومة الاتحادية الانتقالية والقوات الإثيوبية الذين اعتبروا كلاً من حركة شباب المجاهدين واتحاد المحاكم الإسلامية مجرد متمردين وجماعات إرهابية مسلحة في حينٍ أدوا دورا تاريخيا في مقاومة الغزو الإثيوبي وأمراء الحرب من قطاع الطرق.
كما يذكر لحركة شباب المجاهدين دورها في إجهاض المخطط الأمريكي الذي استدرج القوات الإثيوبية في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل ثم فوجئت بقواتها تسحل يوميا في شوارع العاصمة على يد شباب المجاهدين بعد أن عاثوا في الأرض فسادا وانتهكوا الأعراض ودمروا المساجد فكانت فرحة الشعب لا توصف حين يتم اغتيال أحد أفراد هذه الميليشيات الإثيوبية وترتفع هتافات التكبير.
إنكار السياق الشعبي
أما ثاني الملاحظات فيدور حول ترويج جوليلمو لمقولة أن اتحاد المحاكم الإسلامية نشأ فقط بدعم من رجال الأعمال الصوماليين مما يوحي بافتقارها إلى الشعبية، وهذا يخالف الحقيقة جدا. فالواقع أن نشأة المحاكم كانت سابقة على دعم رجال الأعمال الذي لم تحظ به إلا بعد أن رأى هؤلاء ما لها من نفوذ وما قدمته على أرض الواقع من تحقيق الأمن والاستقرار في المناطق التي سيطرت عليها، بعد أن عانوا سنوات الإتاوات التي كان يفرضها عليهم أمراء الحرب قبل أن تنجح المحاكم الإسلامية في القضاء على هذه العصابات، ومن ثم يدين رجال الأعمال والمستثمرون للمحاكم الإسلامية بازدهار الوضع الاقتصادي .
بالإضافة لما سبق اكتسبت المحاكم الإسلامية شعبية واسعة بعدما تبين للصوماليين أن الولايات المتحدة تدعم أمراء الحرب الذين عانى الشعب من طغيانهم بعد ما نشروا الفوضى في أرجاء البلاد، وبخاصة بعد أن ذاقوا ويلات الحرب أثناء وجود القوات الأمريكية حتى عام 2004. وأخيرا نسي الكاتب أن الشعب الصومالي يدين جميعه بالإسلام وأن الحس الديني لديه مرتفع جدا وأن الأغلبية رحبت بتطبيق الشريعة الإسلامية التي نعموا في ظلها بالاستقرار والأمن وازدهار الأحوال الاقتصادية.
أما الملاحظة الأخيرة فتنصب على ما ذكره جوليلمو عن المحاكم الإسلامية من أن الحركة فشلت في التوجه نحو المؤسسية ولم تسع إلى ذلك، بينما واقع الحال أن الحركة كان لها تنظيم قوي ذو أجهزة قضائية وتنفيذية وعسكرية، إلا أنه أثناء حربها ضد أمراء الحرب نجح زعيم الحرب علي مهدي محمد بدعم من الحكومة الإثيوبية في تفكيك أجهزة المحاكم الرئيسة المنتشرة في البلاد مما حصرها في النطاق المحلي ومع ذلك ظلت أجهزتها تمارس عملها داخل القبائل وبين العشائر حتى بعد تفكيكها.

[1] ماتيو جوليلمو باحث مرشح للدكتوراه في الدراسات الأفريقية في جامعة نابولي الشرقية. وموضوع بحثه هو "البعد الإقليمي للأزمة الصومالية. وله العديد من المؤلفات الخاصة بمنطقة القرن الإفريقي.
[2] "Unravelling the Islamist insurgency in Somalia: The case of Harakat al-Shabaab Mujahideen".
[3] Institute for Security Studies، انظر الموقع الالكتروني للمعهد http://www.iss.co.za/
[4]يمكن تحميل التقرير كاملا من على هذا الرابط: http://www.issafrica.org/uploads/Monograph178.pdf
رابط النشر

الثلاثاء، 17 مايو 2011

الإخوان في الغرب.. قراءة في تقرير استخباراتي



مؤسسة راند..اهتمام بقضايا الحركات الإسلامية
أمل خيري
إسلام أون لاين ـ القاهرة

حركة الإخوان المسلمين حركة عالمية تحظى بكثير من اهتمام الباحثين والكتاب، وحاليا يوجد اهتمام غربي بمنظمات الإخوان المسلمين في الغرب، وتتبع نشأتها، وتقييم دورها في المجتمعات الغربية. ومؤخرا قدم لورينزو فيدينو(i( Lorenzo Vidino تقريرا بعنوان "الإخوان المسلمون في الغرب: الخصائص والأهداف واعتبارات السياسة العامة"[ii]، والتقرير عبارة عن شهادة قدمت أمام لجنة مجلس النواب الدائمة للاستخبارات ومكافحة التجسس والإرهاب في الولايات المتحدة، وبتمويل من مؤسسة راند البحثية غير الربحية.

حول التقرير

يبدأ التقرير بملاحظة حول الأحداث الأخيرة التي شهدتها مصر خلال الأشهر القليلة الماضية التي مهدت لتصاعد تيار الإخوان المسلمين وتصدره المشهد السياسي، لذا أراد كاتب التقرير أن ينطلق من حقيقة نشأة الجماعة على الأرض المصرية ليوسع مجال البحث والتحليل ويرصد حضور تلك الحركة الإسلامية عالميا، وهي التي تعد من أقدم التيارات الإسلامية وأوسعها انتشارها وأكثرها تأثيرا.
انقسم التقرير إلى ثلاثة أجزاء، تناول الجزء الأول خصائص جماعة الإخوان المسلمين العالمية مع التركيز على فروع الجماعة في أوروبا وأمريكا الشمالية وعلاقتها بالجماعة الأم، ويقوم الجزء الثاني باستعراض الأهداف الرئيسة لمنظمات الإخوان المسلمين في الدول الغربية، ودورها في الحفاظ على الهوية الإسلامية وسعيها لتصبح ممثلة ومتحدثة باسم المسلمين في الغرب، أما الجزء الثالث الأخير فيقدم للحكومة الأمريكية توصيات بشأن السياسات التي يجب اتباعها تجاه منظمات الإخوان في الغرب.

حركة عالمية


يستعرض فيدينو نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ عام 1928 ، التي سرعان ما انتشرت أفكارها في أنحاء العالم العربي وخارجهجميعا وبحسب فيدينو فإن هناك منظمات إسلامية في أكثر من 80 دولة تنتمي في جذورها الفكرية إلى جماعة الإخوان المسلمين، ولكنها تتخذ أشكالا مختلفة وتتبع تكتيكات متباينة وفقا للبيئة التي تعمل فيها. لذا ، فإن مصطلح " الإخوان المسلمون " يجمع كل هذه التنظيمات على تباينها وتنوعها من حيث هي فكرة عالمية، وبخاصة أن بعض هذه التنظيمات تعلن صراحة أنها فروع من الجماعة الأم في مصر. ويلفت فيدينو النظر أيضا إلى عالمية الجماعة من حيث الفكر والتنظيم؛ فهي تمتلك شبكة جِدُّ متطورة من العلاقات الشخصية والمالية والتنظيمية والإيديولوجية، بين أفرادها في المستوى العالمي. ويستشهد فيدينو بمقولة لمهدي عاكف المرشد العام السابق للإخوان المسلمين حين وصف الإخوان بأنها "حركة عالمية يتعاون أعضاؤها معا في أنحاء العالم جميعا ، على أساس النظرة الدينية العالمية نفسها: نشر الإسلام حتى يسود العالم". قيادات أخرى وصفت الجماعة بأنها "طريقة شائعة في التفكير" و "مدرسة فكرية عالمية". أما في نظر فيدينو فإن الجماعة عبارة عن هيئة تنسيق دولية قائمة ولكنها ذات دور هامشي إذ أن الكيانات التابعة اسما للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين كلها تعمل في جو من الاستقلالية، صحيح أن هناك مشاورات واتصالات مستمرة بين هذه الكيانات والجماعة الأم، إلا أن كل كيان منها له الحرية في اختيار إجراءاته ووسائله لتحقيق أهدافه بما يراه مناسبا.
ومع ذلك فإن ما يربط كل هذه الكيانات معا هو الاعتقاد العميق بالإسلام بوصفه طريقة شاملة للحياة ولكن بأساليب مختلفة. ويتتبع فيدينو تطور الظهور الإخواني في الغرب، الذي يعود إلى الستينيات من القرن الماضي حين تشكلت مجموعات صغيرة من الإخوان الفارين من الاضطهاد في مصر على يد جمال عبد الناصر، وهذه المجموعات انتشرت في معظم الدول الأوروبية، وكذلك في الولايات المتحدة الأمريكية. وسرعان ما بدأت في التوسع والتفاعل مع الطبقات الوسطى المتعلمة والطلاب من المسلمين الذين أتوا الغرب لاستكمال دراستهم في الجامعات المحلية. وهؤلاء الطلاب أبدوا حماسا شديدا لأفكار هذه الجماعة، حتى أن أول رابطة للطلاب المسلمين تأسست في الولايات المتحدة في حرم جامعة إلينوي عام 1963 على يد ناشطي الإخوان وبعض المنظمات الغربية.
وكان هذا النشاط بمثابة متنفس قوي لأعضاء الجماعة الذين سُمح لهم في الغرب بممارسة أنشطتهم في جو من الحرية والانفتاح.

مؤامرة الأسلمة!


يؤكد فيدينو أن وصول الموجات الأولى من الإخوان إلى أوروبا وأميركا الشمالية كان المرحلة الأولى من مؤامرة موجهة من الإخوان لأسلمة الغرب، وهذه الخطة كانت تنفذ بشكل عشوائي وعفوي وبجهود فردية وسرعان ما تطورت هذه التنظيمات بفضل مزيج من المرونة الأيديولوجية وتنويع الأنشطة والتمويل الضخم، وسوء تنظيم الحركات الإسلامية المنافسة، لتكتسب نفوذا كبيرا.
ومع مزيد من الحماسة سعت هذه المجموعات إلى نشر المجلات، وتنظيم المحاضرات، وغيرها من الأنشطة التي تساهم في نشر فكرتهم، وقد اجتذب هذا النشاط أعدادا كبيرة من الطلاب المسلمين وأعدادا أخرى صغيرة من المهاجرين المسلمين الذين لم يسبق لهم الاتصال بالإخوان في بلدانهم الأصلية. ويضيف فيدينو: حتى ولو ظلت أعداد الإخوان في الغرب قليلة نسبيا، إلا أنها أظهرت قدرة هائلة على احتكار الخطاب الإسلامي، ووضع بصماتها على كل قضية إيديولوجية ذات صلة بالإسلام سواء كانت دينية بحتة أم سياسية.
ويعتبر أن الكثير من الذين تم استيعابهم داخل الإخوان هم من المسلمين الغربيين الذين يفتقدون الوعي في الغالب. وإن كان فيدينو يرى أن نجاح الإخوان في الغرب وتصدرهم المشهد الإسلامي يعود في أهم أسبابه إلى ما أسماهم بالأغلبية الصامتة، إضافة إلى ضعف التيارات الأخرى.
ينتقل فيدينو في الجزء الثاني من تقريره إلى تطور حركة الإخوان في الغرب وأهدافها، ويعتقد أن الحديث عن إخوان الغرب على أنهم مجرد فرع من فروع الجماعة الأم في مصر أمر مخالف للواقع؛ فكل مجموعة من الإخوان تختلف أهدافها وتكتيكاتها حسب المجتمع الذي تعيش فيه، مع الاحتفاظ بالعلاقات التاريخية والمالية والتنظيمية والشخصية والإيديولوجية مع الجماعة الأم. ويمكن القول أن المرونة والتطور المستمر هما السِّمَتان الرئيستان لدى الإخوان في الغرب، ومن أهم نقاط قوتهم.

المرونة والبراجماتية


ويستعرض فيدينو رأي النقاد في الإخوان في الغرب، الذين يعتبرون أن الهدف الرئيس لمنظمات الإخوان الغربية هو السعي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في الغرب.
ويستدل على ذلك بمقولة منسوبة للشيخ يوسف القرضاوي -الذي اعتبره الزعيم الروحي للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين-، حيث قال "إننا سوف نقهر أوروبا وأمريكا من خلال الدعوة لا السيف"، وأن هذه المقولة لاقت صداها في جهود المنظمات الرامية لإدخال جوانب محدودة من الشريعة الإسلامية في النظم القانونية الغربية مثل مجلس الإفتاء الأوروبي أو المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية.
ومع ذلك يختلف فيدينو مع هذه الفكرة ويرى أن هدف تطبيق الشريعة ليس من أولويات الإخوان في الغرب حاليا، فمنظمات الإخوان في الغرب تتسم بالبراجماتية وتدرك تماما ما الذي يمكن القيام به وتدرك أولويات كل مرحلة، ويعتقد فيدينو أن أهداف الإخوان في الغرب تتمثل في الحفاظ على الهوية الإسلامية بين المسلمين في الغرب مع الاندماج في المجتمع المحلي في الوقت نفسه، وهو ما لخصه في مقولة للشيخ القرضاوي " المحافظة دون العزلة ، والانفتاح دون الذوبان"، ومن ثم فإن الإخوان يحثون المسلمين في الغرب على الانخراط في أنشطة المجتمع بقدر ما يستطيعون التأثير في هذه الأنشطة دون طمس هويتهم الإسلامية. أما الهدف الثاني المشترك لدى جميع منظمات الإخوان الغربية في نظر فيدينو فهو السعي إلى أن يكونوا ممثلين عن المسلمين في المجتمع الذي يعيشون فيه، وهو ما يمكن اعتباره بحكم الأمر الواقع في ظل ضعف باقي التنظيمات الإسلامية الأخرى وفي ظل استعانة بعض الحكومات الغربية بالفعل بمنظمات الإخوان في توصيل وجهات نظرها إلى لمسلمين.

ذئاب أم حملان؟


ويرى فيدينو أن المحللين الغربيين ينقسمون تجاه الإخوان في الغرب ما بين متفائلين ومتشائمين؛ فالمتفائلون يرون في منظمات الإخوان في الغرب مجرد قوة دينية محافظة، تشجع على التكامل بين المسلمين ومجتمعاتهم المحلية، وتقدم أنموذجا في العيش يستطيع فيه المسلمون الاندماج في المجتمع مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، بل ويرى هؤلاء المتفائلون أنه ينبغي على الحكومات الغربية التعاون مع الإخوان بشأن القضايا المشتركة ، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والتطرف.
على النقيض من ذلك لا يرى المتشائمون في إخوان الغرب إلا الجانب الشرير، وأنهم ذئاب في ثياب الحملان، ويعتبرون أنه بفضل التمويل المنظم للإخوان، إضافة لسذاجة معظم الغربيين، فإن الإخوان يشاركون في برنامج للهندسة الاجتماعية ببطء لكن بثبات، بهدف أسلمة المجتمعات الغربية، وفي نهاية المطاف الدخول في منافسة مباشرة مع الحكومات الغربية، وبذلك يعتبر هؤلاء المتشائمون الإخوان بمثابة حصان طروادة في العصر الحديث حيث يشاركون في تخريب المجتمع الغربي وإضعافه من الداخل تمهيدا لتأسيس النظام الإسلامي، صحيح أن الإخوان في الغرب لا يستخدمون العنف لكنهم فهموا كيفية التسلل إلى النظام بدلا من مواجهته وجها لوجه، وهو الأسلوب الذي ثبت فشله بالنسبة لتنظيم القاعدة مثلا فالمواجهة لا تؤدي إلى شيء مفيد. ويلفت فيدينو النظر إلى تضارب سياسات مكتب التحقيقات الفيدرالي فيما يخص المنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة؛ ففي وقت من الأوقات اعتبر مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) على سبيل المثال شريكا متعاونا في مواجهة التطرف والإرهاب، وفي وقت لاحق اعتبره من المنظمات الإرهابية، وفي ظل حقيقة أن الغالبية العظمى من المسلمين الأمريكيين لا ينتمون إلى أي تنظيم ديني، فإن المجموعات الوحيدة التي لديها قدرة على التنظيم ولها العديد من الفروع في جميع أنحاء الولايات المتحدة هم الإخوان المسلمون، لذا رأى مكتب التحقيقات الفيدرالية أخيرا أنه من مصلحة الولايات المتحدة الوصول إلى هذه المنظمات واعتباره جزءا مهما من إستراتيجيته لمكافحة الإرهاب.
توصيات تجاه الإخوان


وفي الجزء الثالث والأخير من تقريره يقدم فيدينو توصياته للحكومات الغربية فيما يخص التعامل مع الإخوان المسلمين، ويعود مرة أخرى إلى المتشائمين والمتفائلين من المحللين، فالمتشائمون يتبنون الدعوة لاستبعاد الإخوان المسلمين التام في الغرب لأنهم يسعون لتقويض الحريات التي سمحت لهم بالازدهار والانتشار، إلا أن فيدينو يرى أن هذه الدعوة ليست صحيحة وبخاصة أن الإخوان يمارسون معظم أنشطتهم بشكل واضح وفي حدود القانون، وهذا واقع لا يمكن تجاهله، ومن ثم ينبغي لهم المشاركة، إضافة إلى سبب آخر أكثر عملية وهو أن تهميش الإخوان في الغرب قد يؤدي إلى تطرفهم.
في المقابل يرى المتفائلون في إخوان الغرب شركاء موثوق بهم وأنه يجب على السلطات تشجيع مشاركتهم لصالح التكامل المجتمعي ومواجهة التطرف والإرهاب، وينتقد فيدينو أيضا هذا النهج ويقول أن هناك من الأدلة الوفيرة على أن أهداف الإخوان الحقيقية في الغرب لا تتوافق بالضرورة مع تلك الأهداف التي صرحوا بها علنا ​​في الحوارات مع المؤسسات الغربية، وليس من الحكمة تمكين هؤلاء من ممارسة تأثير في المجتمع أو أن ينالوا دعما من الحكومة يساهم في تهميش القوى الإسلامية الأخرى التي لا تتخذ السياسة نهجا لها. وأخيرا هناك نهج ثالث يدعو إليه فيدينو ويعتبره أكثر دقة في التعامل مع الإخوان في الغرب، فلا ينبغي عزلهم وتهميشهم حتى لا يؤدي ذلك بهم إلى التطرف، وحتى لا يصبحوا شهداء في نظر المجتمع المسلم، ولكن يجب السماح لهم بالمشاركة على أساس فهم تاريخهم وخصائصهم وطبيعة اتصالاتهم وأهدافهم ووسائلهم لتكون مشاركتهم بناءة وواقعية. وينهي فيدينو تقريره بأنه لابد لصانعي القرار من التفرقة الجيدة بين المشاركة والتمكين، فلا مانع من إجراء حوار مع الإخوان بين الحين والآخر أو إقامة بعض الشراكات المحدودة لتحقيق نتائج إيجابية عدة، سيما في مجال الأمن، لكن دون منحهم صلاحيات لا مبرر لها. والتوازن الصحيح بين المشاركة والتمكين ليس سهلا ، لكنه ضروري لتجنب منح هذه المنظمات الشرعية والتأثير.

تقرير فيدينو هذا ليس الأول من نوعه فقد قدم سابقا تقريرا مفصلا عن الإخوان المسلمين في هولندا، ذكر فيه أن جماعة الإخوان المسلمين أقدم الجماعات الإسلامية المتشددة وأكثرها نفوذا، مؤكدا أنه بالرغم مما يتردد عن اتجاه الإخوان نحو الاعتدال، فإنهم ما يزالون يحملون الأجندة المتطرفة نفسها التي تبنونها خلال الثمانين عاماً الماضية. وأن المرونة والخداع صفتان لازمتان للإخوان في الغرب تجعلهم يستبدلون العنف والمواجهة بالقوة الناعمة والاختراق البطيء. وهو نفسه ما أكده في كتابه الأخير "الإخوان المسلمون في الغرب". كما سبق لفيدينو أن كتب دراسة في مجلة الشرق الأوسط الفصلية عام 2005 بعنوان "غزو الإخوان المسلمين أوروبا"، حذر فيها خطورةَ التواجد الإخواني في أوروبا و خطورة السماح لهم بممارسة أنشطتهم التي تهدف إلى أسلمة أوروبا. مع الإشارة إلى أن فيدينو عمل نائب مدير مشروع Investigative Project وهو عبارة عن معهد أبحاث لمناهضة الإرهاب ويقع في واشنطن.

ملاحظات وتعقيبات


هناك أمران نود لفت الانتباه إليهما بخصوص تقرير فيدينو، الأمر الأول أنه تجدر الإشارة إلى أن تقرير فيدينو كان أحد التقارير الخمسة التي قدمها خبراء ومحللون بوصفها شهادات أدلوا بها أمام لجنة الاستخبارات ومكافحة التجسس والإرهاب في الولايات المتحدة الشهر الماضي، عقد إثرها الكونجرس الأمريكي جلسة استماع للتناقش حول دور الإخوان المسلمين في مستقبل مصر بعد مبارك.
وكانت الشهادة الأولى التي أدلى بها الصهيوني روبرت ساتلوف بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، التي حذر فيها خطورة وصول الإخوان السلطة في مصر، مقررا أن تخلي الإخوان المؤقت عن العنف كان نتيجة ضغط وإكراه وأنهم لن يلبثوا أن يعودوا إلى العنف فور تمكنهم من تولي السلطة ،الذي سيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل وعلى النفوذ الأمريكي في المنطقة.
أما الشهادة الثانية فكانت من جانب الدكتور أحمد منصور، رئيس جماعة القرآنيين، الذي أكد على أن الإخوان في مصر لديهم أجندة للاستيلاء على الحكم وأن المنظمات السلفية والإرهابية قد خرجت من تحت عباءتها. ثم جاءت شهادة فيدينو المشار إليها سابقا لتحذر أيضا من تمكين الإخوان.
في المقابل جاءت شهادتان فقط تدافعان عن الإخوان في هذه الجلسة حيث أدلى ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن بشهادته رافضا محاولات تخويف الناس الإخوان ومقررا أن رفضهم العنف هو توجه حقيقي وعن قناعة راسخة، مبررا ما تمارسه حماس من مقاومة مشروعة في مواجهة الاحتلال الصهيوني ونافيا أن يكون ذلك نوع من ممارسة العنف الذي تنتهجه جماعة الإخوان، وأخيرا كانت شهادة طارق مسعود، أستاذ السياسات الشرقية بجامعة هارفارد التي نفى فيها أن يكون الإخوان في موضع يشكل تهديدا لمصر أو للولايات المتحدة.

الأمر الآخر الذي تجب الإشارة إليه يتمثل في صدور تقرير فيدينو بتمويل من مؤسسة راند البحثية، وهي مؤسسة أمريكية بحثية ذات صلة مباشرة بالمحافل الماسونية، ومن أهم مؤسسات الفكر الأمريكية ذات التأثير في دوائر صنع القرار في الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بشئون الشرق الأوسط الكبير. لذا كان لابد من إلقاء الضوء على طبيعة عمل هذه المؤسسة ودورها في تحريك الإدارة الأمريكية.

"راند" من الجيش
إلى السياسة


تعود نشأة مؤسسة راند إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتحديدا عام 1946، حيث تأسست بإشراف سلاح الجو الأمريكي تحت اسم معهد راند " RAND Institute"على غرار بيت الخبرة البريطاني "Think Tank"، وظل سلاح الجو الأمريكي يرعى المعهد الذي ساهم في حل كثير من المشكلات التي تعترض صناع القرار في القوات الجوية. وبعد النجاح الذي أدى به المعهد دوره في خدمة صناع القرار في سلاح الجو الأمريكي ارتأت الإدارة الأمريكية توسيع نشاطه ليشمل فروع القوات المسلحة كافة ومن ثم أجهزة الدولة كلها فتحول ليحمل اسم مؤسسة راند " RAND Corporation" منظمةً بحثية غير ربحية تهدف إلى تطوير السياسات وآليات صنع القرار، وما زالت المؤسسة تتلقى دعمها المالي من الحكومة والتبرعات، وذات تأثير نافذ في السياسات الأمريكية، وتقدم خدماتها لكل من القطاعين العام والخاص.

ويعود اهتمام راند بالإسلام وما أسمته بالخطر الإسلامي إلى عام 1999 أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بنحو عامين ، حين أصدرت كتابا بعنوان " مواجهة الإرهاب الجديد" وقد أعدته مجموعة من الخبراء الأمريكيين، وحذر الكتاب أن خطر الإرهاب الجديد سيتركز في منطقة الشرق الأوسط ومن ثم سيشكل تهديدا للأمن القومي الإسرائيلي والمصالح العليا للولايات المتحدة في المنطقة. ثم جاء تقرير راند عام 2004 بعنوان "العالم الإسلامي بعد الحادي عشر من سبتمبر" " The Muslim World After 9/11"[iii]، وقد مثل خطة محكمة لتوجيه الإدارة الأمريكية نحو لتعامل مع العالم الإسلامي، ويُعَدُّ التقرير خارطة طريق واضحة يتعين على الساسة الأمريكيين إتباعها في كل منطقة من مناطق العالم الإسلامي. حيث تم تقسيم العالم الإسلامي تقسيما جائرا؛ فهناك منطقة سلفية وأخرى معتدلة وثالثة راديكالية، ووجه التقرير صناع القرار الأمريكي إلى ضرورة احتواء شيعة العراق لصد المد الشيعي الإيراني.

تشكيل السياسة الأمريكية



ثم جاء تقرير "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات" "Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies"[iv] عام 2005 الذي عَدَّ الإسلام حائطا منيعا أمام محاولات التغيير، وقام بتصنيف المسلمين إلى أربع فئات:
أصوليين ، تقليديين، حداثيين، علمانيين.
ووجه التقرير الإدارة الأمريكية إلى كيفية التعامل مع كل فئة؛ فالأصوليين يجب استئصال شأفتهم، والتقليديين يجب دعمهم ليشككوا بمبادئ الأصوليين، ومن ثم يجب دعم الشيعة والصوفية، كما يجب دعم ما أسمتهم بالمسلمين الحداثيين والعلمانيين.

أما التقرير الأخطر الذي قدمته مؤسسة راند فكان بعنوان " بناء شبكات مسلمة معتدلة" " Building Moderate Muslim Networks "[v]، الصادر عام 2007 وأثار ضجة حينها وكان يهدف إلى رسم خطة متكاملة للسياسة الأمريكية في العالم أجمع وخاصة منطقة الشرق الأوسط، وقد قدم تعريفا أمريكيا خالصا لمفهوم الاعتدال، فالمسلم المعتدل هو من يرفض الشريعة، ويؤمن بالعلمانية!

وفي عام 2008 صدر كتاب لراند بعنوان "صعود الإسلام السياسي في تركيا" "The Rise of Political Islam in Turkey"[vi] ، ويصف الكتاب المشهد السياسي والديني في تركيا، والعلاقة بين الدين والدولة، وكيف تقيم الدولة التوازن بين القوى العلمانية والدينية ،وبين النخب الكمالية والفئات الاجتماعية الجديدة الناشئة . ويقدم أيضا تعريفا بالتحديات والفرص الجديدة للسياسة الأمريكية في تغيير البيئة السياسية التركية، ويحدد الإجراءات التي ينبغي على الولايات المتحدة اتخاذها للحفاظ على تركيا مستقرة وديمقراطية، وصديقة.

وفي السياق نفسه قدمت راند عام 2009 كتابا بعنوان "الإسلام الراديكالي في شرق أفريقيا" " Radical Islam in East Africa". والخطورة في تقارير راند أنها تشكل المرجع الأساسي في توجيه صناع القرار الأمريكي، خاصة مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية، فيكفي الإشارة إلى أن بول بريمر الحاكم الأميركي المدني السابق في العراق قد ذكر صراحة في مذكراته عن غزو العراق[vii] أنه ما إن وطئت قدماه أرض العراق وبدأ يسأل عن كيفية إدارة هذه الدولة، كان تقرير مؤسسة راند الاستراتيجي عن أفضل السبل لتسيير الوضع في العراق أول ما وضعه جيم دوبنز Jim Dobbinsبين يديه، ومن المعروف أن دوبنز شغل سابقا منصبا دبلوماسيا وهو محلل سياسي بمؤسسة راند ذو خبرة طويلة[viii] . بل يتهم بعض المراقبين راند بعلاقاتها القوية مع شركات تصنيع الأسلحة وأجهزة الاستخبارات والتي جعلتها تضطلع بمهمة تحفيز القادة الأمريكيين لما أسمته بالحروب الاستباقية التي شهدناها في أفغانستان والعراق، وراجت على إثرها مبيعات الأسلحة وأجهزة الاستخبارات، مما أثار تساؤلات عديدة حول دور المؤسسة في الدفع بالإدارة الأمريكية لخوض حروب لا مبرر لها.

والأمر نفسه يتكرر في السيناريوهات التي تشهدها المنطقة العربية جميعا ، خاصة مصر أعقاب الإطاحة بالنظام السابق، فما تشهده مصر من صدامات مفتعلة مع التيارات الإسلامية كافة ، مقابل دعم التيارات الليبرالية والعلمانية ما هو إلا تنفيذ عملي لتوصيات مؤسسة راند ومثيلاتها من المؤسسات الفكرية التي تضطلع بدورها في رسم ملامح السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي تنفذها النخب العلمانية بدقة ودونما تأخير.

---------------------

[i] لورينزو فيدينو هو محلل سياسي وخبير بمركز جيبسن للأبحاث التابع لجامعة "تافت"، وهو حاليا زميل زائر في مؤسسة راند في واشنطن العاصمة، ومؤلف كتاب "الإخوان المسلمون في الغرب" الصادر عن جامعة كولومبيا عام 2010. [ii] The Muslim Brotherhoodin the West : Characteristics, Aims and PolicyConsiderations , http://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/testimonies/2011/RAND_CT358.pdf [iii] يمكن تحميل التقرير كاملا من هذا الرابط:http://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/monographs/2004/RAND_MG246.pdf [iv] يمكن تحميل التقرير كاملا من هذا الرابط:http://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/monograph_reports/2005/MR1716.pdf [v] يمكن تحميل التقرير كاملا من هذا الرابط:http://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/monographs/2007/RAND_MG574.pdf [vi] الكتاب موجود على هذا الرابط: http://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/monographs/2008/RAND_MG726.pdf [vii] جاءت مذكرات بول بريمر بعنوان "عامي في العراق: صراع لأجل مستقبل مشرق"My year in Iraq: the struggle to build a future of hope [viii] انظر مذكرات بول بريمر: L. Paul BREMER, My year in Iraq: the struggle to build a future of hope,Simon and Schuster, New York, 2006, p.p.9,10.