الثلاثاء، 21 أكتوبر 2008

الدين والعلمانية وازدواجية الأخوة الإنسانية


أمل خيري

شغلت قضية الدين والعلمانية فكر العديد من المفكرين الغربيين ما بين مؤيد لفصل الدين عن الدولة، وما بين رافض للمنطق العلماني بمفهومه الغربي؛ باعتبار أن الدين لا يمكن استبعاده من الحياة العامة، ومن هؤلاء جيمس مينش أستاذ الفلسفة بجامعة القديس فرانسيز زفير بكندا ومؤلف كتاب "المعرفة والوجود.. معضلة ما بعد الحداثة".
جيمس مينش
ينطلق مينش من فرضية أن الأديان السماوية الثلاثة أو ما اصطلح على تسميته بـ"أديان الكتب السماوية" لديها قاسم مشترك بينها يجب أن تعمل على تعزيزه؛ فجميعهم يؤمن بوجود الخالق، وجميعهم يستند لكتاب سماوي، وفي الوقت نفسه فإن العلمانية بوجهها الغربي قد فشلت في احتواء الجميع والحفاظ على هويتها بسبب استبعادها للدين من المجال العام.
ويحاول مينش في مقالته المنشورة بموقع أوبن ديموكراسي بعنوان: "الأخ في النفس"[i] أن يجيب عن السؤال الأزلي: ما هي الأخوة الإنسانية، ومن هو أخي في الإنسانية؟ ويسوق قصة رمزية وردت في إنجيل لوقا حيث يروي حوارا بين المسيح عليه السلام وأحد حوارييه حين سأله: ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال «أحب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك وكل فكرك، وأحب "أخاك" كنفسك». فسأله الحواري: ومن هو "أخي؟" فحدثه المسيح عن قصة رجل كان نازلا من أورشليم إلى أريحا فوقع بين لصوص فهاجموه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حي وميت، وصادف أن نزل كاهن في تلك الطريق فرآه ثم تركه ورحل، وكذلك أحد اللاويين مر به ورآه ثم رحل، حتى أتى سامري فلما رآه -وكان مسافرا- أخذته به الشفقة فتقدم وضمد جراحاته وصب عليها زيتا، وأركبه على دابته وأتى به إلى فندق واعتنى به، وفي الغد أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له اعتن به، ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك.
ثم سأل المسيح حواريه: أي هؤلاء الثلاثة هو "أخ" لهذا الرجل؟ فأجابه الحواري: إنه الذي عامله بالرحمة، فقال له المسيح "اذهب أنت أيضا واصنع هكذا".
ازدواجية المحبة والعداء
وتدل هذه القصة الرمزية على أن "الأخ" هو الذي يعامل أخاه برحمة، سواء كان على دينه أو دين آخر؛ فجميع الأديان ترسي مبادئ الرحمة والحب بين البشر جميعا مهما اختلفت عقائدهم، إلا أن هذه الأديان وقعت في ازدواجية عجيبة؛ ففي الوقت الذي يؤكد فيه أتباع كل دين أن دينهم يدعو للمحبة والتسامح فإن تاريخ هذه الأديان قد أظهر أشكالا من التعصب الديني وعلاقات العداء، ويتساءل مينش عن السبب في هذه الازدواجية وكيف استطاعت الأديان أن تروج لكل من الحب والعنف في نفس الوقت؟!
فالتاريخ يظهر لنا الجوانب العدائية بين جميع الأديان التي انتهكت فيها تعاليم الأديان في الحروب الدينية وفي مواجهة الأقليات، وهذه الحقيقة عبر عنها الفيلسوف الفرنسي جاكوب دريدا حين ذكر أن الدين ما هو إلا ضحية لرد فعل "المناعة الذاتية"، وهذا المصطلح في العلوم البيولوجية يشير إلى ما يقوم به جسم الكائن الحي من تحويل ردود أفعاله المناعية على نفسه فتنتج أمراض المناعة الذاتية، في حين أن أجهزة الجسم مصممة بحيث تحمي نفسها من الهجمات البيولوجية بدون أن تحدث خللا في بناء الأجهزة نفسها.
وكما لاحظ دريدا فإن الدين يمكن أن يعاني من هذا المصير أثناء محاولته حماية نفسه أيضا، وفي أثناء ذلك قد يفقد هويته الذاتية، فكما يهاجم الجسم نفسه فينظر لأجزاء منه على أنها دخيلة رغم أنها جزء منه.
ويرى مينش أن كل الأديان تؤكد على هذه الظاهرة، فردود الأفعال دوما في الحقيقة مقياس للآخر الذي يستبعدون وجوده على الرغم من أنه جزء من هويتهم الذاتية، وهكذا فإن اليهود ينظر إليهم المسيحيون نظرة عداء، ونفس الأمر ينطبق على المسيحيين؛ حيث ينظر إليهم المسلمون على أنهم كفار، وهي نفس نظرة الكاثوليك للبروتستانت، أيضا رد الفعل اليهودي العدائي للأديان التي سبقتها في كنعان يمكن أن يضاف لهذه القائمة العدائية.
ففي كل حالة تبدو لنا كما لو كانت تعبر عن ظهور مذهب "جاك لاكان" الذي يؤكد أن العقل الباطن الذي يعبر عن نفسي ولا يمكنني أن أتعرف عليه هو الفصل المنبوذ من تاريخ حياتي، وهذا النبذ لا يؤدي فقط لقمع الآخرين بل الأكثر من ذلك -وبما أن الآخرين هم جزء من هويتي الذاتية- فإنه يؤدي لتشويه المعرفة الذاتية وبتعبير لاكان "هذه المعرفة الذاتية قد أفسدتها هذه التشويهات التي استلزمها الربط بين هذا الفصل الزائف والفصول الأخرى التي تحيط بها".
القاسم المشترك بين الأديان
ويؤكد مينش أن الاحتمالية الإيجابية الوحيدة في هذه الازدواجية تنبع من حقيقة أن الأديان السماوية الثلاثة جميعها تعتقد في وجود خالق عظيم، وأن هذا الإله موجود قبل نشأة الخلائق وهذا يعني ليس فقط أنه متعال فوق الخلائق بل إنه أيضا يسمو على كل المفاهيم المأخوذة من المصطلحات البشرية.
وبما أن هذا الإله ليس من هذا العالم فلا يمكن تعريفه به، كما أن الأديان الثلاثة تنظر للجنس البشري كما لو كان تصويرا لصفات الله، وكلٌّ يعترف بطريقته الخاصة بسمو الخالق عن مشابهة الخلق، وهذا يعني أن البشر لا يمكن أن يتم نمذجتهم بشكل كامل، ونتيجة لذلك تدعو الأديان إلى الانفتاح الجذري على من يطلق عليهم إخوة في الإنسانية، وهذا بسبب أنه لا يمكن صياغة كل البشر في قالب واحد؛ فالفرد لا يمكنه على سبيل المثال القول إن النساء، والأطفال، والعبيد، والبشر من كافة الألوان والأجناس يحملون صورة واحدة، ففي العالم القديم نتيجة أن هذه الرؤية تمثلت في نوع من التضامن أدى إلى حظر وأد الأطفال، وحافز مماثل أدى إلى الثورة الدينية ضد العبودية في القرن التاسع عشر في بريطانيا والولايات المتحدة.
وسمو هذا الخالق هو الجذر المشترك بين القوة الكامنة المزدوجة لهذه الأديان محل النقاش، فالذاتية الدينية من جانب اتصالها الرباني يتعذر تعريفها، فهذا الانفتاح الذي أدى إليها هو الشيء نفسه الذي جعل هذه الأديان عرضة لرد فعل المناعة الذاتية، وهذا بسبب أن الهوية الذاتية التي لا يمكن أن نضيق الخناق عليها يمكن أن تشعر بنوع من الخوف والتهديد، فالقلق الذي تثيره هو إغراء مستديم للنظر للآخرين بشكل سلبي، وهذا ظهر في موقف أتباع الأديان السماوية من أسلافهم بل ومن خلفائهم حيث يطلق عليهم لفظ "الآخر".
ازدواجية العلمانية الحديثة
ويرى مينش أن هذه الازدواجية تنسحب أيضا إلى الدول العلمانية الحديثة التي خلفتها في الغرب ونحن لا حاجة لنا في ترديد مقولة هيجل: "إن الدولة قامت على الدين" لنرى أن مفهومنا الحديث عن الحقوق المدنية له أسبقيات تاريخية تعود لماضينا الديني، وكما ناقش العديد من العلماء أنه خلف حدود قوة الدولة التي تتجسد في مثل هذه الحقوق يكمن الاعتقاد أن الطبيعة البشرية تتضمن تفوقا محددا، فحرمة النفس بالنسبة لقوة الدولة هي دلالة على السمو المتضمن في علاقتها بالدين.
وبالمثل الانفتاح على الآخرين الذي يميز النقاش السياسي الحقيقي يعود إلى الانفتاح الجذري للدين على من يسمو بالأخوة في الإنسانية.
ويؤكد مينش أن عدم رغبة الدول في الاعتراف بهذه الحقائق يمكن إرجاعه إلى كفاحها لإظهار نفسها كمجتمع علماني حديث، والدافع المبكر لصياغة هذا المنظور العلماني أتى من الصراعات الدينية التي اتسمت بها حركة الإصلاح، والاضطرابات الناتجة من حروب الثلاثين عاما، والصراعات الشبيهة أدت إلى صدور "مراسيم التسامح" المتعددة، وكان هدفها الأساسي حرية ممارسة الشعائر الدينية للأديان المختلفة المعترف بها، وعلى أي حال وبشكل غير مباشر فقد أدت في الوقت نفسه إلى استبعاد الدين من الحياة الدنيوية وهو ما عرف إجرائيا بالعلمانية.
إلا أن التعدد النامي للممارسات الدينية أدى إلى اعتقاد أنه لا يوجد شيء يمكن أن يتحكم في الحقل الرسمي العام، وبهذا أتى الحافز لاعتبار هذا الحقل العام كمجال منفصل، فالشخص له الحرية في اعتقاده الديني ولكن بعيدا عن المجال العام.
إن المنظور العلماني الذي تنامى على هذا النحو يتضمن تراجعا للوعي الديني واقتصاره على الحالة الفردية الخاصة، وبشكل مماثل الدولة فقد وضعت نفسها في مقابل الدين وذلك تأسيسا على فكرة أن الدين والسياسة لا يمكن أن يجتمعا، وأي محاولة لإقحام الدين في السياسة ينظر إليها في أحسن الأحوال على أنها تضليل، وفي الأسوأ كانت تعتبر كتقويض لمؤسسات الدولة العلمانية الحديثة، وهذا التقويض من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى نزاعات دينية مثل التي صاحبت مرحلة ما قبل ميلاد الدولة العلمانية.
ويستطرد مينش في تحليله للمنظور العلماني بأن قصور هذا المنظور لا يظهر نفسه فقط في مجال محدد مثل النقاشات المستمرة الواضحة المتعذر حلها حول كيف يجب على أوروبا أن تتعامل مع الأقليات المسلمة، أو تلك المسائل المتعلقة بعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، بل إنه أيضا يتضمن الإدراك غير الكامل للدولة الحديثة لهويتها الخاصة كمجتمع مفتوح يحترم الحقوق المدنية.
وعدم قابليتها لرؤية المكون الديني بشموليته يتضمن نفس النوع من خداع النفس الذي تتسم به الأديان حينما تحاول أن تميز نفسها بشكل سلبي عما هو "آخر"، إنها تستطيع بطريقتها الخاصة أن تؤدي إلى رد فعل ذاتي المناعة يمكن أن يؤدي إلى إنكار أو على الأقل إرجاء أكثر قيمه الأصيلة.
الاعتراف بالآخر داخل النفس
ويرى مينش أن العلاج المطلوب هنا غير استثنائي ولكنه صعب، إنه يتضمن الاعتراف بالآخر داخل النفس، وبنمط مؤسسي فإنه يعني الصدق والأمانة بخصوص علاقة الفرد بالآخرين سواء الأديان السابقة أو اللاحقة، والدولة العلمانية الحديثة لابد أن تكافح لتأسيس هويتها الناجحة، التي هي أيضا جزء من هوياتهم، والمثل هنا شبيه بالوالدين بالنسبة للطفل في مرحلة نموه فهم ليسوا فقط يضفون عليه من هوياتهم الذاتية، بل إن ما يقدمونه له يترسب في طبقات مشكلا هوية الطفل فيما بعد.
وحينما نرى مثل هؤلاء "الآخرين" بمثل هذا الانفتاح فإن هذا هو المظهر الإيجابي للسمو الإلهي؛ حيث يمكننا التخلص من تعريف أنفسنا بشكل سلبي تمايزا عن "الآخرين"، هنا الانفتاح على الآخر هو انفتاح على الآخر داخل النفس، فيجب أن نعترف أن هذا الآخر هو أخونا في الإنسانية، مثل القصة الرمزية التي سقناها في البداية عن السامري الطيب الذي ربما يكون غريبا ومن أتباع دين آخر ولكنه أخذته الرحمة والشفقة بأخ له في الإنسانية.



[i] James R Mensch, The neighbor in the self, open democracy.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1224089097098&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2008

إدارة الخلافات الزوجية.. فن له أصول


أمل خيري

شرع الله تعالى الزواج ليحقق السكن والمودة "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [الروم : 21].
إلا أن العلاقة الزوجية أحيانا يشوبها شوائب تنحرف بالزواج عن هذه الغاية الأصيلة فتنشأ الخلافات بين الزوجين وترتب آثارا سيئة عليهما وعلى أبنائهما وعلى المجتمع، ومن أجل ذلك اهتمت شبكة إسلام أون لاين في جانبها الاستشاري والإعلامي والتدريبي باستقرار الأسرة والحرص على حسن إدارة الخلافات الزوجية.
ألف باء زواج
حرصت شبكة إسلام أون لاين.نت على التأكيد على مفاهيم أساسية في العلاقات الزوجية والتي من أهمها:
- الحياة الزوجية ليس فيها زوج ناجح، وزوجة فاشلة أو العكس، ولكن هناك أسرة ناجحة وأسرة فاشلة، ونجاح أي منهما هو نجاح للآخر.
- القوامة تكليف للرجل من الله عز وجل والإسلام حدد طبيعة سلطة الرجل في أسرته فجعله "قواما" على هذه الأسرة، أي أن الرجل هو القائم على شئون هذه الأسرة، وأنه المسئول عن توفير احتياجات أسرته (زوجته وأبنائه) المادية والمعنوية، وتوفير الحماية والرعاية وتحقيق مبدأ العدل.
- أمر الإسلام بالشورى حتى في فطام الطفل مع انفصال الزوجين، فجعل للمطلقة حقا في الشورى والتفاهم للاتفاق على ما فيه مصلحة الطفل؛ فمن باب أولى أن هذا الحق مكفول للزوجة القائمة على البيت وعلى رعايته، لكن القليل منا من يدرك هذا والنسبة الأقل هي التي تطبقه بحقه.
- الأسرار الخاصة والمشاكل الزوجية لابد أن تكون بين الزوجين في طي الكتمان، وإذا أشيعت فاللوم لا يقع إلا على الزوجين، وإن كان ولابد من طرف ثالث ليحتوي المشكلة بين الزوجين ويحلها، فلابد أن يكون شخصا كتوما، مشهودا له بالتقوى والصلاح، حتى لا تتعقد الأمور وتتطور المشكلة.
- كما لا يحق للزوجة أن تجعل أسرار حياتها الزوجية حديث المجالس بين النساء؛ فذلك السلوك يولد الخلافات بين الزوجين، وقد تصل لحد الطلاق.
- أي شراكة تحدث بها مشكلة؛ فلا يوجد طرف مخطئ أو جانٍ وطرف محق ومجني عليه، بل إن الطرفين مسئولان مسئولية مشتركة عما يعترى هذه الشركة؛ وهذا أولى في الكيان الزوجي، فإن حدث تصدع في هذا الكيان فالطرفان مسئولان عن تصدعه أولا، ثم عن إعادة ترميمه ثانيا.
- الاختلاف في وجهات النظر وارد، ولا ينفي طاعة الزوج، كما أنه لا ينفي احترام الزوج بدوره رأي الزوجة وعدم تسفيهه، حتى وإن جرى العمل في النهاية على غير ما ذهبت له، طاعة منها، ولطفا منه.
الخلافات الزوجية.. لماذا؟
أوضحت الاستشارات التي وردت لشبكة إسلام أون لاين.نت العديد من الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث الخلافات بين الزوجين، ومن أهمها غياب التواصل السوي بين الزوجين، خصوصا في السنوات الأولى للزواج، كما أن التوقعات المسبقة غير الواقعية حول شريك الحياة، إضافة إلى عدم فهم طبيعة العلاقة الزوجية والصورة الذهنية الخاطئة المرسومة عن الزواج وسوء اختيار شريك الحياة، سواء بالتسرع وعدم التأكد من صحة الاختيار، أو عدم وضوح معايير الاختيار كل هذا يساهم في حدوث الخلافات، والتي يعززها غياب النضج، وعدم فهم معنى الزواج، وفقد القدرة على إدارة الخلاف، وعدم التدرب على تحمل المسئوليات، وغياب النضج والخبرة.
أما بعد الزواج فإن تنازع السلطة واختلالها داخل المنزل والخلل في إدارة الحياة الزوجية، مع التركيز على عيوب الشريك، إضافة إلى التأثير السلبي لتجارب الغير يزيد من معدلات الخلافات.
ومن أسباب الخلافات أيضا اعتقاد كلا الطرفين أنه مطلوب تغيير الطرف الثاني فيعتمد على الاحتقار والازدراء واللوم المستمر، والإدعاء أن هذا يتم من أجل مصلحة شريك الحياة وبغرض تغييره للأفضل.
أيضا انشغال الزوج بعمله وكثرة تغيبه عن البيت أو الغربة بعيدا عن الوطن والأهل والشعور بالوحدة.
وفي بعض الأحيان قد تشعر الزوجة بتميزها على الزوج، أو قد تهمل زينتها في بيتها، وقد يهمل الزوج زوجته في مرضها، ومع تراكمات الماضي من الذكريات الأليمة والمشكلات تزداد حدة الخلافات، والبعض قد لا يراعي مشاعر الطرف الثاني ولا يشاركه همومه واهتماماته، بل أحيانا يرغب كل طرف في امتلاك الطرف الآخر، وتلعب التدخلات الخارجية غير الرشيدة دورا في تصاعد حدة الخلافات.
كيف نختلف؟
ركز خطاب إسلام أون لاين على عدة نقاط يجب أن يضعها الزوجان في الحسبان أثناء الخلافات حتى يستطيعا أن يديرا هذا الخلاف بنجاح يمكن اعتبارها بمثابة بروتوكولات يتفق عليها الزوجان، ويدركان أبعادها جيدا وأهم هذه الأمور:
- أن الحياة الزوجية لا تعني التطابق فهذا أمر مستحيل، ولكن تعني أن يدرك كل طرف أن الطرف الثاني مختلف.
- أن طرفي الزواج مطلوب منهما معا أن يتغيرا ويتكيفا، فمن يتصور أنه سيحتفظ بكل صفاته ولن يتغير، أو أنه سيغير الطرف الآخر فهو يسير في طريق الصدام.
- القبول بتوزيع الأدوار لتحقيق التكامل والتنوع لتستمر الحياة.
- الحوار المتبادل والتواصل المستمر في كل تفاصيل الحياة.
- الخصام الشريف، فلا داعي لاستدعاء الماضي وإثارته عند كل خلاف ومن الأفضل عند تصاعد الخلاف انسحاب الطرفين من أمام بعضهما لعدة ساعات، وألا يعاودا الحوار إلا بعد أن تهدأ نفوسهما.
- من الأمور المهمة: ألا ندخل الآخرين في خلافاتنا؛ لأن تدخل الآخرين الذين لا يدركون أبعاد العلاقة بين الزوجين وما يقربهما يؤدي إلى تفاقم الأمور.
- لابد من وجود رصيد عاطفي في بنك الحياة الزوجية يسحب منه الزوجان عند حدوث الخلاف؛ لذا يجب أن يحرص كل منهما على زيادة رصيده لدى الآخر.
- لا يكون هم الزوجين عند حدوث الخلاف هو البحث عن المسئول عنه، أو التنصل من المسئولية، فهذا فضلا على أنه يزيد من تفاقم الخلافات ويضيع اللغة المشتركة بين الطرفين، فإنه أيضا لا يؤدي إلى أي نتيجة إيجابية، وبالتالي يكون تحديد أسباب الخلاف ليس من أجل إدانة الطرف الآخر، ولكن من أجل إيجاد الحلول المشتركة.
- التغافل والتغاضي هام جدا فليتغافل كل منهما عن الآخر وليعتذر كل منهما للآخر، وليبادر كل منهما للاعتذار؛ لأن الاعتذار هو دلالة القوة والمسئولية، وليس الضعف والمهانة.
- أن على طرفي الزواج أن يهتما بالبحث عن عيوب الشريك قبل الزواج، وفي أثناء الخطبة أما بعد الزواج فيكون التركيز على إيجابيات ومحاسن الطرف الثاني مع التعايش مع العيوب، وذلك حتى يسعدا بزواجهما.
حتى لا ينزعج الصغار
حذر خطاب إسلام أون لاين من تصاعد حدة الخلافات الزوجية أمام الأبناء لما لها من تأثير سلبي على نفسية الأطفال؛ لذا فقد قدمت إسلام أون لاين مجموعة من الضوابط التي يجب مراعاتها أثناء إدارة الخلافات الزوجية أمام الأطفال، ومن أهمها تجنب الإهانات تماما باللفظ أو القول أو الحركة؛ لأن هذه الإهانات تصيب الطرف المهان في كرامته، وتحدث فيها شروخا يصعب إصلاحها.
لذا يجب السيطرة على الانفعالات في موقف الغضب، مع تأجيل المناقشة في الأمور التي يجب ألا يسمعها الأطفال لوقت لاحق، مع إفهام الطفل أن الخلاف مسألة عرضية وطبيعية وتذوب بسرعة، والأصل هو الحب والعلاقة القوية بين الأبوين، وأنهما يحبان بعضهما، ويحترم كل منهما الآخر ويخشى عليه كل سوء ولذا يفضل المبادرة بتغيير جو الخلاف باقتراح تغيير الحالة، كالخروج في نزهة أو ممارسة لعبة لتهدئة وتلطيف الأجواء، مع اقتراح آليات لإرجاء المناقشة حال هدوء كل الأطراف، ومحاولة الطرف الهادئ تطييب خاطر الطرف الغاضب.
كما أنه لا داعي أن يلعب أحد الوالدين دور الشهيد المغلوب على أمره ليستقطب مشاعر أطفاله نحوه حتى لا يسبب ضيقا له من الطرف الثاني كما لا يجب أن يتحول الآباء لمفسرين لسلوكهم باستمرار، ويتحول الأبناء إلى قضاة بل يفضل تقليل الخلافات قدر المستطاع.
وأخيرا فإن المرونة مطلوبة لحياة أكثر إشراقا، وصاحب مبادرة الحل وعلاج الخلاف ليس الطرف الخاسر بأي حال، بل هو صاحب الفضل.

*الأصل دراسة قدمتها الباحثة بعنوان: "رؤية إسلام اون لاين في إدارة الخلافات الزوجية".

الخميس، 18 سبتمبر 2008

موسوعة تحرير المرأة في عصر الرسالة..إبحار ضد التيار

أمل خيري

تعد موسوعة تحرير المرأة في عصر الرسالة لعبد الحليم أبو شقة من أهم الموسوعات المعاصرة التي اشتملت على توثيق دقيق لجهود النبي صلى الله عليه وسلم في تحرير المرأة المسلمة في عصر النبوة من خلال القراءة الصحيحة للكتاب والسنة ، وقد أثارت الموسوعة جدلا واسعا في مختلف الأوساط الفكرية والثقافية واحتلت مكانة بارزة في المكتبة الإسلامية المعاصرة.
مؤلف الموسوعة

صاحب الموسوعة هو الشيخ عبد الحليم أبو شقة وهو من أبرز علماء الأزهر الشريف ، ولد بحي الجمالية بالقاهرة في 28 محرم 1343هـ /28 أغسطس 1924 في أسرة مصرية محافظة ، بدأ حياته الدراسية في القاهرة وتدرج في مراحل التعليم المختلفة حتى حصل على الشهادة الابتدائية عام 1357هـ/ 1938م ، ثم حصل على الثانوية من مدرسة التوفيقية، والتحق بعدها بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً) وتخرج من كلية الآداب قسم التاريخ.

تأثرت نشأة أبو شقة الأولى بانضمامه لإحدى الجمعيات الخيرية التي اهتمت بتربية الفرد المسلم ، كما تتلمذ على الشيخ الخضر حسين وتعرف على القاضي أحمد شاكر ومحي الدين الخطيب صاحب مجلة "الفتح" وهي مجلة سياسية وطنية دينية منفتحة ، وسرعان ما انضم أبو شقة إلى جماعة الإخوان المسلمين وكان يحاور الشيخ حسن البنا كثيرا حول ضرورة اهتمام الجماعة بالتربية والتقليل من النشاط السياسي الذي استنزف معظم جهود الحركة، وكانت حواراته تدل على خبرة تربوية وحركية مميزة، وفي أواخر الأربعينات اتجه أبو شقة للاهتمام بقضايا الفكر والتربية ووقف متصديا لتيارات الغلو والتشدد منبها الشباب لخطورة الانشغال بالعمل السياسي على حساب الفكر والتربية ، وتتويجا لأفكاره فقد أنشأ مع بعض أصدقائه مكتبة باسم "مكتبة لجنة الشباب المسلم" لتقوم بنشر بعض الكتب والرسائل للتوعية بهذا الدور، ولكن سرعان ما أغلقت المكتبة وصودرت محتوياتها في منتصف الخمسينات ، واعتقل أبو شقة في 372هـ / 1953 م ثم اعتقل عدة شهور في صيف 1385هـ / 1965م وكان وقتها مديرا للمدرسة الثانوية بقطر ولم يفرج عنه إلا بعد جهود حثيثة من حكومة قطر التي كان يعمل لديها ، ثم أسس أبو شقة دار القلم في الكويت التي كانت في السابق الدار الكويتية ومكث نحو 12 عاما بالكويت.

ويعدد الشيخ يوسف القرضاوي السمات التي اتسم بها أبو شقة والتي من أبرزها أنه رجل الحلم والأناة فقد تفرغ لإعداد الموسوعة القيمة مدة عشرين عاما استقال خلالها من عمله ليواصل جهوده الحثيثة في إصدارها ، وهو رجل التسامح فقد كان متسامحا مع الفئة المتحجرة التي رفضت كتابه دون أن تقرأه بعناية فدعاهم للقاء والمناقشة فأبوا ذلك ، وهو رجل الحوار فلم يكن مؤمنا بحتمية الصراع بين الثقافات والحضارات بل تبنى فكرة إمكان التعايش بينها وأعلن عن فكره هذا في افتتاحية مجلة المسلم المعاصر التي كان هو صاحب فكرتها وكان يردد مقولة " نتعاون في المتفق عليه، ونتحاور في المختلف فيه " ، ومن أهم مؤلفاته "نقد العقل المسلم: الأزمة والمخرج" ، كما نشر عدة مقالات في مجلة المسلم المعاصر وعدة روايات أخرى أهمها مقالة "أزمة العقل المسلم" و"أزمة الخلق المسلم".

فكرة الموسوعة

كان أبو شقة عازما على عمل دراسة متعمقة في السيرة النبوية تعتمد على كتب السنة وقد دفعه لهذا التوجه تتلمذه على يد الشيخ ناصر الدين الألباني فبدأ بدراسة صحيح مسلم مع شرح الإمام النووي ، ولكنه أثناء استعراض الأحاديث وتصنيفها فوجئ بأحاديث عملية تطبيقية تتصل بالمرأة وبأسلوب التعامل بين الرجال والنساء في مجالات الحياة المختلفة حيث وجدها تخالف ما كان يفهمه ويطبقه بل وما تطبقه الجماعات الدينية المنتشرة في وقته ، فشدته هذه الأحاديث لتصحيح تصوراتنا عن شخصية المرأة المسلمة ومدى مشاركتها في عصر الرسالة المحمدية.

وبذلك فقد شده الأمر شدا قويا حتى انصرف عن مشروع كتابة السيرة إلى مشروع جديد وهو عمل دراسة عن المرأة المسلمة في العهد النبوي تلقي الضوء على ما حظيت به المرأة في عصر الرسالة كما شجعه على المضي في المشروع شيوع مفاهيم وتصورات تخالف ما جاء به الشرع الحنيف من تحرير بالغ للمرأة لذا فقد رأى أن إحقاق الحق في موضوع المرأة يعد انتصارا لشرع الله فالمرأة هي الأكثر تعرضا لافتراس جاهليتين :جاهلية الغلو والتشدد وجاهلية العري والإباحية وكلتاهما خروج وافتئات على شرع الله .

وتعتبر الموسوعة دراسة اجتماعية فقهية عن المرأة في عصر الرسالة ، يهدف من خلالها إلى الإسهام في إعادة تحرير المرأة المسلمة المعاصرة محتذيا خطى التحرير الأولى ومقتديا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

منهج الموسوعة

اعتمد أبو شقة منهج "استقراء النصوص" في إعداد هذه الموسوعة فبدأ باستقراء نصوص القرآن الكريم ثم كتب السنة وأولها صحيح البخاري ثم صحيح مسلم، والمنهج العام للموسوعة هو عرض جميع النصوص ذات الدلالة مع ذكر بعض أقوال الفقهاء المنتقاة من شرح الحافظ بن حجر لصحيح البخاري ، وكان من ثمرات هذا المنهج تحقيق نوع من التصنيف الموضوعي للنصوص المتعلقة بالمرأة في القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم.

وتقع الموسوعة في ستة أجزاء ويبلغ عدد صفحاتها ما يقارب 1900 صفحة من الحجم العادي) وتحمل الموسوعة عنوان " تحرير المرأة في عصر الرسالة / دراسة جامعة لنصوص القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم".

ويتناول الجزء الأول من الموسوعة معالم شخصية المرأة المسلمة أما الجزء الثاني فيتناول مسألة مشاركة المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية ، ويتناول في الجزء الثالث حوارات مع المعارضين لمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية ويستعرض لباس المرأة المسلمة وزينتها في الجزء الرابع ثم ينتقل للحديث عن مكانة المرأة المسلمة في الأسرة في الجزء الخامس ، أما الجزء الأخير من الموسوعة فقد أفرده للحديث عن الثقافة الجنسية للزوجين.

وأهم المنطلقات الفكرية والمنهاجية للموسوعة تتمثل فيما يلي:

1. مبدأ التجديد بكل صفائه وأصالته.

2. استقراء وفهم الأصول والنصوص الصحيحة.

3. مبدأ الشمول و الإحاطة.

4. مبدأ التخصص المدعوم بأخلاق وصفات العلماء.

5. مبدأ الاستقلال والجرأة في الحق .

6. اعتماد الدراسة منهجية ربط الخاص بالعام في الشأن الثقافي والفكري وهو ما تمثل في ربط أبو شقة بين قضية تحرير المرأة وقضية تحرير العقل المسلم المعاصر.

وقد مر إخراج هذه الدراسة بأطوار كثيرة بدأت بوريقات قليلة صارت تزداد مع الحذف والإضافة وعرضها المؤلف على أصحاب الرأي ومن بينهم الشيخ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي والدكتور عز الدين إبراهيم ومحي الدين عطية وكمال أبو المجد والمستشار طارق البشري وكثير غيرهم ، وقد بذل هؤلاء الأستاذة جهدا كبيرا ساعد على تصحيح بعض وجهات النظر ، كما شاركته زوجته الأستاذة ملكة زين الدين في إعداد الموسوعة حيث قامت بجمع روايات البخاري للحديث الواحد واستخراج معاني الكلمات الغربية وتبييض المسودات، حتى صدر الكتاب في ستة أجزاء.

رسائل تحملها الموسوعة

وتحمل الموسوعة العديد من الرسائل ومن أهمها :

(1) رسالة التحرير:

حيث تؤكد الموسوعة على أن المرأة لم يحررها قاسم أمين أو غيره من دعاة تحرير المرأة بل حررها نبي الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان ، ويسعى أبو شقة من خلال ذلك لضرورة تحرير المرأة المسلمة في العصر الحديث سواء من دعاة الجمود أو دعاة الإباحية .

(2) رسالة التيسير:

والتيسير من أبرز مظاهره التجديد وقد عني أبو شقة بإبراز هذه الرسالة حيث اعتبر هذه الموسوعة محاولة للتجديد الإسلامي في قضايا المرأة ويعرف أبو شقة التجديد على أنه "العودة إلى الكتاب والسنة لمعرفة هدى الله، وتنزيل هذا الهدى على الواقع، حتى يستقيم على أمر الله".

ويسير الكتاب في اتجاه التيسير ورفع الحرج والإعنات عن المرأة المسلمة الناتج عن جهل الأكثرين بالنصوص الشرعية التي تتضمن التيسير، وتقاوم التعسير أو سوء فهم النصوص بوضعها في غير موضعها، وقد حرص الكاتب على مناقشة بعض القضايا الأصولية الهامة التي لها علاقة بالموضوع، والتي اتَّكأ عليها كثيرون من العلماء في التضييق على المرأة، على خلاف ما أثبتته السنة المطردة. وذلك مثل قضية (سد الذرائع).

(3) رسالة التنوير:

ويحمل أبو شقة رسالة التنوير لكل من الرجل والمرأة على السواء فهو يؤمن أن تحرير المرأة لا يتم إلا بتحرير الرجل، وتحريرهما معا لا يأتي إلا بتحرير العقل وإزالة العوائق من طريقه ورفع القيود التي تغل حركته ومهمته في التفكير الحر.

نتائج الدراسة

أما أهم النتائج التي كشفت عنها الدراسة فتتمثل فيما يلي:

في مجال معالم شخصية المرأة:

· أن المرأة المسلمة في العهد النبوي كانت واعية لشخصيتها كما قررها الإسلام ومارست دورها في ظل هذا الوعي.

· أن الأصل هو المساواة بين الرجل والمرأة " إنما النساء شقائق الرجال"

· أن حديث " ناقصات عقل ودين " حديث صحيح أساء الكثيرون فهمه فطمسوا معالم شخصية المرأة كما رسمها الإسلام.

في مجال الزينة واللباس:

· كشف الوجه كان هو السائد في العهد النبوي .

· لم يفرض طراز محدد بشأن اللباس ولكن ما فرض هو ستر البدن.

· وهذه المواصفات ساعدت المرأة على توفير حرية الحركة ومشاركتها في الحياة الاجتماعية.

في مجال المشاركة في الحياة الاجتماعية :

ثبت أن القرار في البيت من خصوصيات نساء النبي.

· شاركت المرأة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة مع تقييد هذه المشاركة ببعض الآداب.

· شاركت المرأة في النشاط الاجتماعي والسياسي والعمل المهني.

· كان من ثمرات هذه المشاركة نمو وعي المرأة ونضجها.

في مجال الأسرة:

· تأكيد حق المرأة في اختيار زوجها.

· توزيع المسئوليات بين الزوجين مع التعاون بينهما

· تماثل حقوق الزوجين " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"

· للطلاق وتعدد الزوجات آداب وشروط.

· دور المرأة في الأسرة لا ينفي أن لها مهام أخرى في المجتمع.

في مجال الحياة الجنسية:

· ضرورة تيسير الزواج للشباب.

· أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان نموذج الإنسان الكامل والزوج الكامل.

· وضع الرسول منهجا متكاملا للتربية الجنسية السليمة التي يترتب عليها الصحة النفسية.

قالوا عن الموسوعة

قال عنها الشيخ محمد الغزالي:

"هذا الكتاب يعود بالمسلمين إلى سنة نبيهم دون تزيد أو انتقاص انه كتاب وثائق ومؤلفه عالم غيور على دينه رحب المعرفة متجرد لنصرة الحق"

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي:

"نحن في الحق أمام دراسة علمية موثقة بأصح النصوص مستمدة من أوثق المصادر توفر عليها كاتبها ،نحن أمام موسوعة حافلة تضم أهم ما يتعلق بالمرأة المسلمة من حيث شخصيتها ومكانتها ولباسها وزينتها ودورها في الأسرة والمجتمع ... في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة وفهم السلف الصالح لهما".

وكما نالت الموسوعة تقريظ الكثيرين فقد اعترض البعض عليها واعتبروا ما فيها من آراء مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة ، وقد علق على ذلك الداعية الكبير الشيخ علي الطنطاوي بقوله:" إنهم إذن يرفضون البخاري ومسلما، لأن الكتاب أساسا قائم - بعد القرآن- على أحاديث الصحيحين، فأعجب لمسلم يرفض الاحتكام إلى القرآن والصحيحين!!".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

(1) عبد الحليم أبو شقة ، تحرير المرأة في عصر الرسالة ، الكويت: دار القلم ، 2002، الجزء الأول.

(2) رضا عبد الودود ، عبد الحليم أبو شقة صاحب كتاب تحرير المرأة: نموذجا ، مؤتمر تحرير المرأة في الإسلام، 2003.

(3) ملكة زين الدين ، قصة كتاب تحرير المرأة ، مؤتمر تحرير المرأة في الإسلام، 2003 .

(4) د.وائل مرزا ، قراءة في كتاب تحرير المرأة المسلمة في عصر الرسالة للأستاذ عبد الحليم محمد أبو شقة ، مجلة الرشاد ، كندا ، العدد الخامس ، السنة الثانية شعبان 1418هـ / ديسمبر 1997 م.

(5) يوسف القرضاوي ، مع أئمة التجديد ورؤاهم في الفكر والإصلاح ، القاهرة: مركز الإعلام العربي للدراسات، د.ت.

مكتبة الملك فهد الوطنية رائدة توثيق الفكر السعودي




أمل خيري

تحتلُّ مكتبة الملِك فهد الوطنيَّة مكانًا متميِّزًا في الممْلكة العربيَّة السعوديَّة في مجال المعلومات والنَّشر المكتبي، استطاعتْ في فتْرة قصيرة أن تحقِّق العديد من الإنجازات في مجالات التَّوثيق، وحفظ الإنتاج الفِكْري السعودي، وتقديم الخِدمات المعلوماتيَّة للمواطنين.

النشأة والأهداف:
أنشِئَت مكتبة الملك فهْد الوطنيَّة كهيْئة مستقلَّة مرتبِطة إداريًّا بديوان رئاسة مجلس الوزراء، ولها ميزانيَّة مستقلَّة، وقد تمَّ تنفيذ مشْروع بناء المكْتبة في عام 1406 هـ / 1986 م، وذلك بناءً على رغْبة أهالي مدينة الرِّياض في التَّعبير عن تقديرهِم لخادم الحرمَين الشَّريفين بمناسبة تولِّيه مقاليد الحكم، وذلك من خلال إقامة معلم تذكاري، فكان الإعلان عن مشروع المكتبة في الاحتِفال الَّذي أقيم في عام 1403هـ /1983م.

وفي عام 1410هـ /1989م صدر قرار مجلِس الوزراء بتحْويل مكتبة الملِك فهْد إلى مكتبة وطنيَّة، وتمَّ الموافقة على النِّظام الأساسي للمكتبة.

وتسْعى المكْتبة إلى اقتِناء الإنتاج الفكْري السعودي، وتنظيمه وضبْطه وتوثيقه، والتَّعريف به ونشْره.

لذا فقدْ حرصت المكتبة على تنفيذ ما يلي:
جمْع كل ما ينشر داخل المملكة، وما ينشره أبْناء المملكة خارجها، وما ينشر عن المملكة، وما يعدُّ من الموضوعات الحيوية للمملكة من إنتاج فكْري عالمي.
جمع كتُب التُّراث والمخطوطات والمصوّرات النَّادرة والمطبوعات والوثائق المنتَقاة، وبالأخصِّ ما له علاقة بالحضارة العربيَّة الإسلاميَّة.
تسْجيل ما يودع لديها وفقًا للأنظمة.
إصْدار الببليوغرافية الوطنيَّة والفهارس الموحَّدة، وغيرها من أدوات التَّوثيق.
إنشاء قواعد للمعلومات الببليوغرافيَّة.
تقديم الخدمات والدِّراسات المرجعيَّة للأجهزة والهيئات الحكوميَّة والخاصَّة.
إقامة وتنظيم معارض الكتُب والنَّدوات والمؤتمرات.
تَمثيل المملكة في اللقاءات والمؤتمرات في مجال اختصاصِها.
التعاون وتبادل المعلومات والمطبوعات مع المكتبات والهيئات والمنظمات الدولية.
قيادة وتطوير أعمال وخدمات المكتبات ومراكز المعلومات.

داخل المكتبة:
وتبلغ مساحة مكتبة الملك فهد الوطنية 58000 متر مربع، وتبلغ مسطحات مبناها الرَّئيس 27000 متر مربع، ويتكوَّن المبنى من دور أرضي تعلوه ثلاثة أدوار تغطِّيها قبَّة سماوية، وقد صمِّم المبنى بطابع معْماري حديث، مزيَّن بالزَّخارف العربيَّة والنقوش الرُّخامية، وتتوافر داخل المكتبة أماكن للاستِراحة والانتِظار، ويبلغ عدد مقتنيات المكتبة 1290922 وعاء، ويبلغ عدد الباحثين الذين استفادوا من خدمات المكتبة 136387 باحثًا، ويتردَّد عليْها سنويًّا 14466 زائرًا.

ومع الزيادة المستمرَّة في مقتنيات المكتبة، كانت الحاجة لتوْسِعة المبنى الحالي بِمبْنى جديدٍ يَحتوي على فراغات تسَع هذه المقتنيات، وتضمُّ مكتبة خاصَّة للنِّساء وقاعة للنَّدوات، وقاعات للأوعِية السَّمعيَّة والبصريَّة وغيرها؛ ليصبح المبنى مَعلمًا حضاريًّا متميِّزًا من معالم مدينة الرِّياض؛ ليتمكن من استيعاب 3,3 ملايين مادة مستقبلاً، إضافة إلى توْفير مواقف للسيارات علويَّة وسفليَّة.

وفي مجال المخطوطات تقْتني المكتبة مجموعة كبيرة ومتنوِّعة من المخطوطات الأصليَّة والمصوّرة، ونوادر المطبوعات والمسْكوكات، ومن أبرز المقتنيات مجموعة جامعة برنستون الأمريكية التي يصل مجموعها إلى خمسة وعشرين ألفًا من المخطوطات والمطبوعات النَّادرة المصوَّرة في العلوم العربيَّة والإسلاميَّة، إلى جانبِ عشرات المكتبات الخاصَّة، كما أنْجزت المكتبة حتَّى الآن مسح أكثر من 36 ألف مخطوطة أصليَّة في مشْروع حماية التُّراث الوطني المخطوط.
كما تضم المكتبة العديد من المكتبات الخاصَّة، من بينها مكتبة الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع، والشيخ عبدالله بن محمد بن خميس، والشيخ عثمان بن حمد الحقيل، والأديب محمد حسين زيدان، وفوزان بن عبدالعزيز الفوزان، ومكتبة المؤرخ سعد العبد الله الجنيدل، وعشرات غيرها من المكتبات الخاصَّة، كما تلقَّت المكتبة العديد من الإهداءات من مثقَّفين ومؤلِّفين، مثل مجموعات الشَّيخ عثمان بن عبدالعزيز الأحمد، والشيخ عبد المحسن المحيسن، والدكتور يوسف إبراهيم السلوم، وغيرها الكثير.

كما أضيف لمقتنيات المكتبة عدد من المخطوطات المصوَّرة على القرص الصلب تقدر بـ 2200 مخطوطة، معظمها من المخطوطات المحفوظة في المكتبات الخاصَّة في اليمن.

وتحوي المكتبة القاعة التركية العثمانية، والتي تهدف لتعْريف الزوَّار بالإصدارات التركية والمجلات المختلِفة، وترجمة الوثائق العثمانيَّة الخاصَّة بِتاريخ المملكة، وتعْميق التَّعاون الثَّقافي بين المكتبة ودائرة المعارف الإسلاميَّة الجديدة في تركيا.

إنجازات المكتبة:
خلال البضع والعشرين عامًا الماضية منذ إنشائها، حقَّقت مكتبة الملك فهد الوطنية العديد من الإنجازات والأهداف، ففي مجال التَّسجيل والإيداع، تمكَّنت المكتبة من تسْجيل وفهرسة أربعة آلاف عنوان سعودي، ومِئات المجلاَّت والنَّشرات والأوعية السَّمعيَّة والبصريَّة، وبلغت مقتنيات المكتبة في الموادِّ ذات العلاقة بالممْلكة ما يُقارب مائة ألف مادَّة.

وفي مجال الضَّبط الببليوغرافي الوطني، فقد أصدرت المكتبة منذ عام 1416هـ / 1996 م 18 مجلدًا من الببليوغرافية الوطنية السعودية، حيث تمَّ توثيق 34000 مادَّة ثقافيَّة ممَّا صدر في الممْلكة أو أصْدره السُّعوديُّون ما بين السَّنوات 1301 - 1418 هـ في كلِّ اللُّغات، وفي حوالي 20 دولة.

كما قامت المكْتبة بتنفيذ عديدٍ من الأنشِطة، ونشْر عددٍ من الإصْدارات المرجعيَّة ذات الصِّلة بالإنتاج الفكري السُّعودي والثَّقافة الوطنيَّة، من بينها معرِض الصُّور التاريخيَّة للممْلكة، كما أصدرت أعدادًا خاصَّة من مجلَّة المكتبة، ونشْرة أخْبار المكتبة حول المكتبات والكِتاب السعودي، إضافة إلى إصْدار مجموعة من الكتُب والمراجع حول الأدَب والإنتاج الفكْري السعودي، ودليل الدَّوريَّات السعودية والملصقات التوعويَّة والإرشاديَّة للاهتِمام بالكتاب وتشْجيع القراءة.

وفي مجال حِفْظ المقتنيات، تُشْرِف المكتبة على عمليَّات الطِّباعة والنسخ، وإنتاج المصغَّرات الفيلميَّة وأعمال التَّجليد والصيانة والتَّرميم لمقتنيات المكتبة، كما قامت المكتبة بتوْفير خدمات طباعة الكتُب والنَّشرات والتَّصوير الضوئي للمقتنيات؛ خدمةً للباحثين والهيئات الحكوميَّة.

وفي مجال التَّصنيف والفهرسة حقّقت المكتبة العديدَ من الإنجازات، من أهمها:
إنجاز الببليوغرافية السعودية ومراجعة رؤوس الموضوعات.
إنجاز الطَّبعة الثَّانية من مداخل الهيئات وتقنينها.
إنجاز الطَّبعة الثَّانية من المنهج المتكامل للتَّصنيف والفهرسة.
المشاركة في نشاطات التدريب وتقديم الخدمات الاستشارية لبعض المكتبات.

خدمات المستفيدين:
تقدِّم المكتبة خدمات المعلومات للمستفيدين، تتنوَّع ما بين الإرْشاد والإجابة عن الأسئِلة البحثيَّة، وجَمع المعلومات، إلى إصْدار التَّقارير والإحْصاءات والببليوغرافية الموضوعية وترْجمة المعلومات، كما تقدِّم المكتبة خدمات مرجعيَّة بمجموعةٍ كبيرة من مصادر المعلومات المختزَنَة على القرص المدْمج، أو المرْبوطة بالشَّبكات المحلّيَّة والخارجيَّة، حيث يبلغ عددُها 132 عنوانًا.

وتشترك المكتبة في ثلاث قواعد بيانات تغطِّي حوالي 4260 دوْريَّة أجنبية كاملة النصوص منذ 1986.

كما تُساهم المكتبة في العديد من الأنشِطة التَّعاونيَّة والثَّقافية، وتقديم الخدمات الفنّيَّة والاستشاريَّة لعدد من المكتبات والهيْئات، كما تُشارك المكْتبة في معارض الكتُب لكي تتمكَّن من:
التَّعريف بالكتاب السعودي ونشره.
نشْر إصدارات المكتبة والتَّرويج لها.
تنمية مجموعات الكتب.
التَّعريف بالمكتبة الوطنيَّة.

ربط علاقات أوْسع مع المكتبات والمؤسَّسات الثَّقافيَّة ودور النَّشر المحلّيَّة والعالميَّة.

ومكتبة الملك فهد الوطنية هي الجهة المنسِّقة للإعارة التَّعاونيَّة بين المكتبات في مدينة الرِّياض.

ويعد الفهرس الإلكتروني للمكتبة أكبر فهرس لمكتبة عربيَّة؛ إذ تقترب محتوياته من 400 ألف عنوان، كما يتصفَّح حوالي نصف مليون زائر موقع المكتبة الإلكتروني.

منشورات ومطبوعات:
تعمل المكتبة على نشر الأبحاث في مجال علوم المعلومات والببليوغرافيا، حيث أصْدرتْ أكثر من 145 مطبوعة من الأعمال الببليوغرافية والبحوث والكتُب والتَّرجمات، وفي عام 1428هـ / 2007م قامت المكتبة بإصدار كتاب يَحوي مطبوعاتها حتَّى تاريخ إصداره.

وقد توزَّعت إصدارات المكتبة على ثلاث سلاسل متخصِّصة في علوم المكتبات والمعلومات، بالإضافة إلى سلسلة رابعة حرَّة.

السلسلة الأولى: تهتمّ بنشر المؤلَّفات والدّراسات التي تتناول تطْوير المكتبات والمعلومات في الممْلكة.
السلسلة الثَّانية: تُعْنى بنشر الدراسات والبحوث في إطار علم المكتبات والمعلومات بشكْلٍ عام.
السلسلة الثَّالثة: تختصّ بنشْر الببليوجرافيات والكشَّافات والفهارس والأدلَّة، وهي أدوات حصْر للإنتاج الفكري قديمة وحديثة.
السلْسلة الحرَّة: وهي تعْنى بالدِّراسات والبحوث التي تؤرِّخ وتوثق للحياة الفكريَّة والثقافية للممْلكة قديمًا وحديثًا.

وبالإضافة للسَّلاسل السَّابقة تصْدر المكتبة أرْبع نشرات دورية تغطي كل منها أحد المجالات وهي:
مجلَّة مكتبة الملك فهد الوطنية، وهي مجلَّة نصف سنويَّة محكمة تعْنى بالدِّراسات والأبحاث، وعروض الكتُب الخاصَّة بمجال المكتبات والمعلومات.
نشْرة الإيداع السعودي، وهي تغطي الأوْعية المسجَّلة والمودعة لدى إدارة التَّسجيل والتَّرقيمات الدوليَّة في المكتبة.
نشرة المستخلصات، وهي نشرة فصليَّة لمستخلصات المقالات الأجنبيَّة.
نشرة أخبار المكْتبة، وهي إخباريَّة فصليَّة تهدف إلى تغْطية أخبار المكتبة وما يتعلَّق بها.

كما قامت المكتبة بدوْرِها الكبير في تعزيز الدِّراسات ودعْمها، وتطوير معايير تتعلَّق بالنشر والتَّنظيم والتَّخطيط، وبثّ المعلومات المهنيَّة والتَّرجمة من اللغات الأُخرى إلى العربيَّة؛ لذا فقد تبنَّت المكتبة كثيرًا من البحوث والدِّراسات، وأسْهمت في تسْهيل الدَّعم لبعْض الأعْمال المتخصِّصة.

وما زالت مكْتبة الملك فهد الوطنيَّة تضطلع بدوْرِها الرَّائد كمكتبة وطنيَّة تُساهم في الحفاظ على تراث الممْلكة العربية السعوديَّة، وتزويد الباحثين في مجال المعلومات والببليوجرافيا بالدراسات والأبحاث الهامَّة.
---------------
المراجع:
د. سالم محمد السالم، مكتبة الملك فهد الوطنية: دراسة لوظائفها ضمن بنية البناء الوطني للمعلومات في المملكة العربية السعودية، الرياض، مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، السلسلة الأولى (21)، 1417هـ /1996م.
الموقع الإلكتروني لمكتبة الملك فهد الوطنية: http://www.kfnl.gov.sa/
سريع محمد السريع، نشأة وتطوّر المكتبات وخدماتها في المملكة العربيَّة السعوديَّة، مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، مج 7، ع 1، المحرم - جمادى الآخرة 1422هـ/ إبريل - سبتمبر 2001م.
عبدالله محمد حسين العبد المحسن، الإنتاج الفكري المطبوع في مكتبة الملك فهد الوطنية قائمة ببليوجرافية، مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، مج 7، ع 1، المحرم - جمادى الآخرة 1422هـ/ إبريل - سبتمبر 2001م.
ماجد حسين بكار، مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية (1408 - 1423هـ) توثيقًا واستخلاصًا، مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، مج 9، ع 1، المحرم - جمادى الآخرة 1424هـ /مارس - أغسطس 2003م.
محمد الراشد، نظام الإيداع في مكتبة الملك فهد الوطنية دراسة حول تطبيق النِّظام خلال عام 1414هـ، مجلة مكْتبة الملك فهد الوطنيَّة، مج 1، ع 1، المحرم - جُمادى الآخرة 1416هـ /يونيو - ديسمبر1995م.
علي بن سليمان الصوينع، توثيق الإنتاج الفكري السعودي تجربة مكتبة الملك فهد الوطنية، مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، مج 6، ع 1، المحرم - جمادى الآخرة 1421هـ /يونيو - ديسمبر2000م.
مجموعة أعداد من نشْرة أخبار المكتبة.
رابط النشر:
http://www.alukah.net/Culture/0/9513/

كتاب مطبوعات مكتبة الملك فهد يمكن تحميله مباشرة من الرابط
http://www.kfnl.gov.sa/idarat/products/prodct/King%20fahad%20Library.pdf

الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

العولمة والحوار في فكر طارق رمضان


أمل خيري

يحتل البروفيسور طارق رمضان اليوم مكانا مميزا بين المفكرين الإسلاميين؛ حيث يمثل جيلا جديدا من دعاة الإصلاح السياسي، حتى إن مجلة تايم قد عدته واحدا من أهم مائة مفكر في القرن الحادي والعشرين، وأطلق عليه بعض الكتاب الغربيين اسم "مارتن لوثر المسلمين".
وهو كباحث سويسري من أصول مصرية لا ينفك يدعو المسلمين في الغرب إلى الاندماج في مجتمعاتهم بدلا من رفضها، ويدعو للحوار بين الثقافات والحضارات، ويرفض تقوقع الحركات المناهضة للعولمة على نفسها، ويدعوها للحوار مع المسلمين، ويطالب بالاحترام المتبادل بين جميع الأديان.
وطارق رمضان يحمل درجة الماجستير في الفلسفة والأدب الفرنسي، والدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة جنيف، ويعمل أستاذا للدراسات الإسلامية في عدد من الجامعات الغربية من بينها جامعة أكسفورد، وأستاذًا زائرًا بجامعة إيراسموس بهولندا، وهو حاليا زميل باحث في كلية سانت أنتوني (أكسفورد)، وجامعة دوشيشا (كيوتو، اليابان)، وهو ناشط على الصعيدين الأكاديمي والشعبي في مجال العدالة الاجتماعية والحوار بين الحضارات، ويشغل حاليا منصب رئيس الاتحاد الأوروبي للفكر "شبكة مسلمي أوروبا" (emn) في بروكسل.
عالم واحد
يرى طارق رمضان أن الأديان السماوية تنبع من مشكاة واحدة؛ لذا لا توجد دواع لإبراز أوجه الاختلافات بين هذه الأديان، بل إن العالم بأسره في حاجة إلى أن يسمو على الخلافات، والبحث عن سبل للعيش في جو من الوئام والثقة المتبادلة بين الشعوب والحضارات.
ويشدد رمضان على الحاجة للتقييم الذاتي الصادق، والتفكير النقدي، والالتزام بمبادئ عالمية واحدة، مشيرا إلى أن الأديان نفسها تدعو للاحترام المتبادل بين البشر، بغض النظر عما يعتنقونه من أديان، وهذا الحوار يتطلب فهم الشعوب الأخرى، ولكنه لا ينجح إلا بثلاثة أشياء ضرورية وهي: التعاطف الفكري، والإيمان العميق، ومزيد من العقلانية والروحانية.
وأولى الخطوات للخروج من حالة العداء الراهنة هي التواضع، والتعليم، ومعرفة الذات، كما يتطلب الحوار إزالة عدم الثقة باعتبارها نقيضا للحوار.
ويرفض طارق رمضان مبدأ صراع الحضارات والأديان، ويعتبره أبعد ما يكون عن الحقيقة، ولكن علينا إعادة النظر في المناهج الدراسية لتكون أكثر شمولا؛ بحيث نبحث عما يسمى بالتاريخ المشترك، والعمل على تنمية الانتماء، خاصة لدى المسلمين في المجتمعات الأوروبية، والتركيز على التحديات الحقيقية التي تواجه المجتمع ككل، مثل التكامل الاجتماعي، ومكافحة العنصرية، والعمل، والإسكان، وما يتصل بها من تمييز.
التنوع الثقافي
ويدعو طارق رمضان الجامعات في الغرب للتصالح مع نهج الحضارات والثقافات الأخرى لاسيما الإسلام؛ بحيث تشمل الدراسة في هذه الجامعات كافة الأديان، والتعرف عليها من خلال أصولها، هذا إذا كنا جادين بشأن احترام تنوع الحضارات فلابد من تعزيز القيم المشتركة، كما يجب التفرقة بين الإسلام والمسلمين من جهة، والإسلام السياسي والتطرف من جهة أخرى.
ويرى طارق رمضان أنه لا يزال هناك مجال لإعادة تقييم جادة وحاسمة في الكثير من الجامعات الغربية، وعلى الغرب أن يعي حقيقة أن الفكر الإسلامي كان جزءا من مكونات الثقافة الأوروبية تماما مثل الثقافة اليونانية والرومانية، وأن مساهمات المفكرين الإسلاميين عبر العصور قد أسهمت في دمج الثقافات اليونانية والرومانية والإسلامية في بوتقة واحدة شكلت الهوية الأوروبية.
وعلى مستوى المسلمين خاصة في الغرب فإن عليهم واجب الدعوة إلى الله بصورة تؤكد على صلة الأخوة بين البشر جميعا؛ باعتبارهم أبناء لآدم يجمع بينهم صلات النسب، وإن كانوا مختلفين في الدين أو الثقافة؛ لذا يدعو رمضان للإعلان عن هوية جديدة في الغرب تحت عنوان: "نحن"؛ حيث يدعو جميع الأديان للعمل معا، والتفاهم، واحترام الاختلافات في القيم بدلا من تغذية عقلية الأقلية، وأن مفهوم "نحن" يعد مقابلا لمفهوم "نحن والآخر" باعتبار أن الجميع لهم هدف واحد؛ هو تعزيز المواطنة والمستقبل المشترك، وفي ظل هذا المفهوم يجب النظر إلى الاختلافات الثقافية والحضارية والدينية على أنها مصدر للتنوع والثراء، وليست مصدرا للتهديد.
أيديولوجية الخوف
ويؤكد طارق رمضان أننا نمر حاليا بأوقات عصيبة لا تخلو من الغرابة، فربما يعتقد البعض أنه في عصر العولمة يجب أن تركز المناقشات الأيديولوجية على كيفية صنع خياراتنا الاقتصادية والسياسية، ولكنه لاح في الأفق اتجاه جديد لا مفر منه؛ فالمواجهة المباشرة بين مشجعي الحركة الرأسمالية العابرة للقارات والليبرالية الرأسمالية الجديدة وبين المدافعين عن وجود اقتصاد ذي بعد إنساني مستمد من نمط جديد للعولمة يرتكز على القيم الإنسانية والأخلاقية للاقتصاد والسياسة، هذه المواجهة لا تزال قائمة بالطبع، ولكننا اليوم نشهد ظاهرة تنامي أيديولوجية جديدة خالية من الأفكار والمثاليات، ولكنها تفرض نفسها بقوة على الساحة، وأصبحت ذات تأثير على كثير من الأحزاب السياسية، سواء اليمينية أو اليسارية، وسواء في شمال العالم أو جنوبه، بدأت من الغرب وانتشرت لباقي أنحاء العالم، وهي ما أطلق عليها طارق رمضان "أيديولوجية الخوف" والتي تذكيها الحملة الدولية ضد الإرهاب والتي عززت ثقافة الخوف وترسيخه في كل مكان في العالم، وهذا الخوف من شأنه أن يولد علاقة من عدم الثقة والصراع المحتمل مع الآخر، كما أن الخوف يمنعنا من التحليل الموضوعي العقلاني للأمور؛ حيث تطغى العواطف والانفعالات على العقل.
والمفارقة أننا نعيش حاليا في عصر الاتصالات، ولكن الخوف أصابنا بالصمم عن محاولة سماع الآخر، أو تفهم وجهة نظره، وهكذا لم ينجح عصر الاتصالات في إزالة الحواجز بين البشر، بل انتقل الخلاف بين "نحن" و"هم" من المجال الواقعي إلى المجال الافتراضي، وقد أصبحت تغذية أيديولوجية الخوف سلاحا سياسيا، خاصة في يد القوى الاقتصادية العظمى كجزء من الإستراتيجيات الانتهازية التي تسعى لتأصيل أيديولوجية الخوف؛ لما يعود عليها من مكاسب في تجارة الأسلحة بدعوى مكافحة الإرهاب، وتأمين المواطنين، والحفاظ على الأمن القومي.
في مواجهة العولمة
ويعتقد طارق رمضان أن عصر العولمة هو أحد الاضطرابات التي يشهدها العالم؛ حيث تطغى هيمنة الاقتصاد والأسواق المالية على جميع مجالات النشاط الإنساني، لكنه يعارض في الوقت نفسه الحركات المناهضة للعولمة، ويصفها بالسذاجة في التفكير، ويؤكد أنها لن تنجح إلا بالتنسيق مع العالم الإسلامي، فهذه الحركات الغربية المناهضة للعولمة والرافضة للرأسمالية الليبرالية الجديدة، وحتى تلك الرافضة للحرب الأمريكية في العراق هي نفسها تسعى لتأصيل نوع آخر من العولمة أكثر إنصافا وإنسانية وكرامة في نظرهم، معتقدين في إمكانية إيجاد عالم آخر، ولكنهم في الوقت نفسه لا يقدمون على دراسة جادة للتنوع الثقافي والديني، ولا يسعون للحوار مع الحضارات الأخرى والتي تشترك معهم في نفس الأهداف؛ مما يزيد من تعميق الفجوة بين الحضارات والأديان.
لذا يؤكد طارق رمضان أن حركة مناهضة العولمة الليبرالية الجديدة لا تستطيع أن تتجنب المكانة المركزية لتنوع الثقافات والأديان، ودورها في إطار مقاومة العولمة الليبرالية، ولا يمكنها أن تنكر المساهمة الكبيرة التي يمكن أن يقدمها هذا التنوع في مناهضة هذه العولمة الليبرالية الجديدة، لذا فإن الدعوة إلى نوع من العولمة المسلحة ليست إلا عبثا وهراء.
ويدعو طارق رمضان نقاد العولمة إلى تعميق فهمهم للإسلام، وفتح حوار مع العالم الإسلامي إن كانوا راغبين في الوصول إلى نتيجة مثمرة، وبالتالي فإن تحدي العولمة يمكننا أن نحوله إلى فرصة ليستفيد العالم من النهضة الإسلامية، ولتوثيق الحوار بين الحضارات والثقافات، وتحقيق تفاعل أفضل بين معتنقي الأديان المختلفة.
ويرفض طارق رمضان مصطلح التسامح، ويفضل مصطلح الاحترام عليه؛ حيث يرى أن التسامح قد يحمل معنى قبول الآخر؛ لعدم وجود بديل آخر، ولكن في نفس الوقت يتم تجاهل هذا الآخر وتستمر المعاناة من وجوده، وهذا الطريق لن يقدم الحل لمشاكل العالم، بل لابد من الاحترام المتبادل؛ لأن الاحترام يقوم على المعرفة، بينما التسامح يمكن أن يقوم على الجهل، فالاحترام لا يتأتى إلا بإتاحة وسائل المعرفة المتبادلة بين الثقافات والأديان حتى نستطيع القضاء على عقلية "نحن مقابل الآخر" ليحل محلها "نحن" فقط؛ باعتبارنا عالما واحدًا يواجه تحديات مشتركة، ويسعى لتحقيق أهداف مشتركة.

هوامش ومصادر:
1. Muslim-Christian dialogue can succeed only by recognizing realities : Tariq Ramadan, By TwoCircles.net staff reporter. 2. Tariq Ramadan , Da’wa in the West.
3. Barnaby Rogerson , Tariq Ramadan’s act of piety.
4. Tariq Ramadan , Studying Islam.
5. Tariq Ramadan , Islam Today: The Need to Explore Its Complexities.
6. Tariq Ramadan ,Manifesto for a new “WE”.
7. Tariq Ramadan , THE GLOBAL IDEOLOGY OF FEAR OR THE GLOBALIZATION OF THE ISRAEL SYNDROME.
8. Oscar Reyes , Living together: an interview with Tariq Ramadan
A man with a vision , by Intercultural Magazine.
Tariq Ramadan ,"Globalization Critics Are Naïve"
9. Globalization can be turned into opportunities says Professor of Islamic Studies at the University of Oxford Dr Tariq Ramadan.
10. Rosemary Bechler , A bridge across fear: an interview with Tariq Ramadan.

الاثنين، 4 أغسطس 2008

العولمة والحوار في فكر شاندرا مظفر


أمل خيري

في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات المؤيدة للعولمة سواء من داخل العالم الإسلامي أو خارجه يقف شاندرا مظفر ضد سياسات العولمة التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق هيمنتها العالمية.
وشاندرا مظفر هو أستاذ العلوم السياسية الماليزي ورئيس الحركة الدولية من أجل عالم عادل.
International Movement for a Just World" " ، وهو مفكر سياسي مهتم بالعلاقات الدولية وقضايا حقوق الإنسان، أسس حركة من أجل تعزيز الحوار بين الأديان والحضارات على أساس ما هو مشترك إنساني بين الجميع، ويرى الأمل في الصحوة الدينية لمجابهة سياسات العولمة والهيمنة.
العولمة المعاصرة
يؤكد مظفر أن الأديان السماوية كانت أول من دعا إلى وحدة البشرية، وبالتالي فإن ذلك يدفع بالبشر إلى نوع من العولمة، لكنها تختلف عن تلك العولمة التي نشهدها حاليا؛ لأن الوحدة الإنسانية في التصور الديني تقوم على وحدانية الله ومساواة البشر، بينما العولمة التي تتبناها الولايات المتحدة اليوم تستند للرؤى الرأسمالية وتستهدف مصالح اقتصادية بحتة بغرض إعادة تشكيل صورة العالم في شكل نظام عالمي واحد تكون الولايات المتحدة هي القائدة له والمهيمنة عليه.
وهذه العولمة تنطوي على تحرير السياسات الاقتصادية، وفتح الأسواق أمام الشركات المتعددة الجنسيات، وتهيئة المناخ الملائم لنمو الأعمال التجارية، ويعتقد مظفر أن العولمة بهذه الطريقة تتضمن جوانب إيجابية وسلبية معا، لكن الجوانب السلبية أكثر وضوحا وأشد تأثيرا.
فمن الجوانب الإيجابية للعولمة أن الاستثمار الأجنبي المباشر ساعد على الحد من الفقر وخلق فرص عمل وحسّن الدخل، كما أن انتشار التكنولوجيا والتقدم في وسائل الاتصال قد هيأ المناخ لنشر المعرفة في كثير من التخصصات، كما ساهم في خفض تكلفة الاتصال والتواصل بين الأفراد عبر العالم، وهذا من شأنه زيادة فرص التفاهم بين البشر، وبالتالي فإن العولمة تستطيع أن توحد مواقف البشر تجاه القضايا العالمية، مثل قضايا البيئة وحقوق الإنسان وغيرها من الاهتمامات الإنسانية المشتركة.
لكن العولمة في الوقت نفسه تنطوي على عدد من السلبيات التي لا يستهان بها، ومن أهمها التدهور البيئي بسبب قطع الأشجار من قبل الشركات التي لا تحرص إلا على تنمية أرباحها فقط، وعلى الرغم من توفير فرص العمل فإن العالم شهد اتساعا في الفوارق الاقتصادية الإقليمية، وفي الوقت نفسه فإن تدفق رءوس الأموال من بلد لآخر قد أضر بشكل واضح ببعض العملات الوطنية؛ مما أدى لانتشار البطالة في دول الجنوب خاصة مع التقدم التكنولوجي.
أيضا كان للعولمة جوانب ثقافية تتمثل في نشر ثقافة "البوب" الأمريكية وتصدير الترفيه إلى العالم النامي، فالولايات المتحدة تستغل صناعة الترفيه في تشكيل المواقف الشعبية سواء داخل الأمة أو خارجها من خلال الأفلام وأشرطة الفيديو والموسيقى والأغاني وأفلام الرسوم المتحركة، كل هذا بغرض تمحور الفرد حول ذاته وملذاته، أضف إلى ذلك أن انتشار ثقافة الاستهلاك صرفت الناس عن الاهتمامات الأساسية الإنسانية مقابل زيادة الاهتمام بتلبية الرغبات الذاتية، وفي النظم التعليمية أصبح الحرص على تعليم المهارات والتقنيات والتركيز بصورة أقل على التربية الأخلاقية، كما أدت العولمة لتدويل الجريمة ونشر الأمراض المستعصية وبذلك تصبح العولمة أحد أخطر التحديات التي تواجه الحضارة الإنسانية.
الهيمنة في ثوب العولمة
ويؤكد مظفر أنه ليس ضد الولايات المتحدة بذاتها، ولكنه ضد أسلوب الهيمنة الذي تتبعه تحت مسمى العولمة، وهذه الهيمنة هي التي جعلت الولايات المتحدة تتخذ الطريق الأحادي في السياسة الدولية، فهي ترى أن من حقها أن تفعل ما تشاء بالساحة الدولية دون أي اعتبار للرأي العام العالمي.
وهذا ما فعلته إبان غزو العراق وما فعلته أيضا في أفغانستان، بل هو ما دفعها لمد مخالبها في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية فأنشأت القواعد العسكرية وبسطت سيطرتها على النفط في بحر قزوين، وتحرص الولايات المتحدة دائما على استخدام قوتها العسكرية للإشراف على الطرق البحرية الإستراتيجية لحماية التجارة الأمريكية.
ويعتقد مظفر أن القوة العسكرية هي الشرط الأساسي لحماية واشنطن ومصالح الرأسمالية الليبرالية الجديدة، وفي الوقت نفسه تشكل الثقافة والإعلام قوة أخرى، بحيث يمكن القول إن الولايات المتحدة تسخر القوة العسكرية والقوة الناعمة في سبيل بناء إمبراطوريتها العالمية.
الحوار بين الإسلام والغرب
أما على مستوى الحوار بين الإسلام والغرب فإن شاندرا مظفر يؤمن بأهمية هذا الحوار الثقافي والحضاري في بناء جسور التفاهم المشترك، ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م عقدت المؤتمرات والحلقات الدراسية في مختلف أنحاء العالم لتعزيز الحوار بين الإسلام والغرب شارك فيها قادة الحكومات ودبلوماسيون وشخصيات دينية وأكاديميون ونشطاء المجتمع المدني، ومع هذا يرى مظفر أن الهوة بين الغرب والإسلام ما زالت تتسع أكثر فأكثر، وهذا ما تؤكده استطلاعات الرأي العام في الأعوام الأخيرة سواء على المستوى الإسلامي أو الغربي.
ويرجع مظفر السبب الرئيسي في هذه الهوة إلى عدم رغبة الأطراف الرئيسية للحوار -خاصة على الجانب الغربي- في علاج الأسباب الكامنة وراء اتساع الفجوة بين الحضارتين، بل إن جُل تركيزهم كان على محاولة إدراج ما سمي بالإرهاب الإسلامي في جدول الأعمال العالمي، وبالطبع فإن الاحتلال الأمريكي للعراق والإسرائيلي لفلسطين يشكل أهم حاجز للحوار والتفاهم بين المسلمين والغرب، بيد أن هذا الاحتلال كما يرى مظفر ما هو إلا جزء لا يتجزأ من مظاهر الهيمنة الأمريكية التي تستخدم حلفاءها لتأمين مصالحها، وهذه حقيقة يعرفها المسلمون جيدا، حيث إن الدافع الأساسي لهذا الاحتلال لا يخفى على أحد؛ وهو الرغبة في السيطرة على النفط في ثاني أكبر دولة منتجة له في العالم، وفي الوقت نفسه تعزيز قوة إسرائيل في الشرق الأوسط، لكن الكثير أيضا يجهل أن أحد أسباب سعي الولايات المتحدة للهيمنة يكمن في الحفاظ على مصالح الشركات المتعددة الجنسيات، والرأسمالية الجديدة.
ويعتقد مظفر أن زوال هذه الهيمنة الأمريكية هي السبيل لتمهيد الطريق للحوار والتفاهم الإسلامي الغربي ليحل محل الريبة والعداء.
وبطبيعة الحال فإنه حتى لو لم توجد هذه الهيمنة فإن هناك عقبات أخرى في طريق الحوار بين الحضارتين، وهي عقبات داخلية بالأساس؛ ففي داخل العالم الإسلامي هناك بعض الجماعات المتعصبة التي تفسر الدين بنظرة ضيقة وتسيء لصورة الإسلام بشكل أو بآخر، وفي الوقت نفسه فإن ازدواجية الغرب تجاه المعايير الأخلاقية والميراث الاستعماري المرير يؤصل العداء بين المسلمين والغرب، وبالتالي فإنه من الهام لكلا الطرفين أن يضطلع بدراسة نقدية ذاتية قبل الدخول في حوار مع الطرف الثاني.
دور إعلامي مشبوه
ويؤكد مظفر أن جذور الصدام الحالي بين الغرب والإسلام لا تعود للدين، بل لمصالح سياسية واقتصادية، فلا يخفى على أحد أن الاحتلال الأمريكي للعراق ليس بسبب تعاليم المسيحية، كما أن مقاومة المسلمين للاحتلال صحيح أنهم مأمورون بها، ولكن أي شعب أو أمة تتعرض للغزو أو الاحتلال بالتأكيد ستقاوم هذا الغزو أيضا، فهي قيم ودوافع إنسانية، بل إن الأديان جميعها تشترك في قواعد وتعاليم الحرب المشروعة، فلا قتل للمدنيين والأطفال والنساء والمسنين؛ ولذا فإن هناك أوجه شبه بين الإسلام والمسيحية في تعاليمها الأصلية.
لكن وسائل الإعلام خاصة الغربية تساهم أيضا في زيادة الفجوة بين الحضارتين حيث يتم التركيز على جوانب الصراع أكثر من التركيز على جوانب الاتفاق، فعلى سبيل المثال يتم تسليط الضوء على مسئول مسيحي انتقد الإسلام أو المسلمين، بينما لا يشار للمساعي المسيحية والإسلامية المشتركة في مكان ما للعمل معا على مساعدة متعاطي المخدرات في أوروبا أو أمريكا.
ويتساءل مظفر عن سبب ذلك، وإن كان يضع بعض الاحتمالات من بينها أن وسائل الإعلام الرئيسية ترى نفسها جزءا من هيكل القوة العالمي التي لا تريد تسليط الضوء على القضايا التي تتحدى هذا النظام، وأن كثيرا من هذه الوسائل الإعلامية ترى أن الدين لا ينبغي أن يعنى بقضايا الفقر والسلطة، وهو انعكاس طبيعي للهيمنة العلمانية عليها، وقد يعود ذلك أيضا لجهل وسائل الإعلام بدور الدين في عملية التحول الاجتماعي، إضافة إلى التحيز المتأصل لديها ضد الإسلام؛ مما يبعدها عن الموضوعية، كما أن دوافع الربح تجعلها تهتم بالإثارة المصطنعة الناتجة عن الخلافات والصراعات بين الإسلام والغرب على حساب إظهار أوجه الاتفاق بينهما.
ويرى مظفر أنه مهما كانت الأسباب الحقيقية فإن على وسائل الإعلام ألا تستمر في هذا الدور، بل يجب أن تساهم بفاعلية في تعزيز العلاقات الإسلامية الغربية.
الدين والعولمة
يعتبر شاندرا مظفر أن للدين تأثيره الواضح على المجتمع عبر التاريخ ولا يمكن اعتبار عصر العولمة استثناء من هذه القاعدة، فتراجع قوة الدين الاجتماعية من الساحة العامة مهد السبيل لعودة ظهور أنواع أخرى من التأثيرات الدينية دفع إليها الاغتراب الروحي الناجم عن التحضر والتحديث والمادية المفرطة الناتجة عن العولمة وهيمنة الرأسمالية والعلمانية الفاسدة، ولذا فإن الصحوة الدينية خاصة في الطبقات المتوسطة ساعدتها على إعادة اكتشاف معان وأهداف جديدة للحياة، فتدعو للبساطة والبعد عن الإسراف والبذخ؛ مما يدفع في اتجاه تحقيق توازن معيشي، وبالتالي فإن الحركات الدينية أصبحت تلتزم بالنضال من أجل العدالة والمساواة.
ومع ذلك فإن مظفر يعتبر أن الحركات الدينية لم تقم بدورها بفعالية، بل تنطوي على عدد من السلبيات، فالغالبية العظمى من النخب الدينية فضلت الصمت في وجه الإمبريالية الجديدة التي تهدد الجنس البشري بزعامة الولايات المتحدة التي تسعى للهيمنة العسكرية غير عابئة بالقيم الأخلاقية التي دعت إليها الأديان جميعا، مثل العدل والمساواة، وفي الوقت نفسه هناك جماعات دينية تدعم الإمبريالية الجديدة بشدة، وعلى رأسها الصهيونية واليمين المسيحي في الولايات المتحدة، كما أن هناك عناصر هامشية معظمها من داخل المجتمع الإسلامي تعارض هذه الإمبريالية، ولكنها قررت استخدام العنف الذي يستهدف في بعض الأحيان المدنيين مما يشوه صورة الإسلام ويلصق به تهمة الإرهاب، وما زالت بعض الجماعات الدينية تعمد لتهميش المرأة في المجتمع فتعطي الفرصة للغرب للانتقاص من شأن الإسلام.
وأخيرا فإن أهم سلبية للحركات الدينية تمثلت في التركيز المبالغ فيه على مظاهر العبادات والطقوس الدينية فأصبح الدين عبارة عن رموز وطقوس وابتعدت هذه الجماعات عن جوهر ومضمون الدين؛ مما أدى لإخفاق الدين في تلبية الحاجات الأساسية لأفراد المجتمع ورغبة كل فرد في النجاة بنفسه فقط فيفرط في مزيد من العبادات الفردية ويبتعد عن العبادات الجماعية وكل ما يربطه بالمجتمع.
وكل هذه السلبيات تعد تحديات تواجه المفكرين الإسلاميين وغيرهم من الديانات الأخرى والذين عليهم أن يضعوا سياسات أخلاقية تحكم الاقتصاد وحركة السوق بما يتفق مع الدين، ويرى مظفر أن الأمل الحقيقي الوحيد للبشرية يتمثل في تدويل القيم الأخلاقية داخل وعي الفرد والمجتمع؛ لأنه من المستحيل فرض رقابة على جميع المعلومات التي يتلقاها الفرد سواء عبر الإنترنت أو من خلال الفضائيات، فيجب أن يكون هناك تحول ديني حقيقي لتحقيق العدالة والمحبة والرحمة التي هي جزء من تعاليم كل دين سماوي، ولأول مرة في التاريخ أصبحت الفرصة متاحة لنقل رسالة الدين الحقيقية للجنس البشري كله في لحظات عبر هذه الوسائل الحديثة، وهي الفرصة لبناء مجتمع إنساني مشترك لا تستطيع العولمة مجابهته.

هوامش ومصادر:
1. Chandra Muzaffar ,Religion & Society in a Global Age.
2. Chandra Muzaffar ,The Empire: What it is and What it Means for All of Us?
3. Chandra Muzaffar ,Whither dialogue?
4. Chandra Muzaffar , It's not a clash between Christian and Islamic civilizations
5. Chandra Muzaffar , Islam and the West Dialogue: What achievements? What new effective measures?
6. Chandra Muzaffar , Globalization and Religion: Some Reflections.
7. Chandra Muzaffar , Re-affirming Our Common Humanity through Inter-Faith Dialogue.
8. Chandra Muzaffar , The Rejuvenation of Knowledge in the Islamic World.