الأحد، 19 أغسطس 2007

زواج سري أم زنا شرعي؟! رؤية إسلام أون لاين للزواج السري

زواج سري أم زنا شرعي؟! رؤية إسلام أون لاين للزواج السري


أمل خيري

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم 21.

الزواج ذلك الرباط المقدس في كل الشرائع السماوية والذي شرعه الله لعمارة الأرض وحفظ النسل ولتحقيق مقاصد أخرى عديدة اعتبره الإسلام ميثاقا غليظا حرصا منه على صلاح المجتمع ونقائه وطهره فأحل الله بهذا العقد التقاء زوجين على رضا من الله وبطمأنينة وأمان تجاه المجتمع لذا فقد اشترط لهذا العقد شروطا واضحة محددة وشدد الفقهاء عليها لما يترتب على صحة هذا العقد أو فساده من آثار لا تقتصر فقط على العاقدين بل تمتد إلى ذريتهما وإلى ذوي الرحم بل والمجتمع بأسره.

وعلى الرغم من وضوح هذه الأحكام إلا أن البعض يعمد للتحايل على الشرع وتزيين الفاحشة باسم الزواج ولذلك تعددت الصور الحديثة لعلاقات آثمة بين الرجل والمرأة وتسميتها بغير أسمائها لإضفاء صفة الشرعية على هذه العلاقات المحرمة باسم الزواج السري وللأسف انتشرت هذه الظاهرة بين الناضجين من الرجال والنساء واتخذت أشكالا كثيرة .

  • تقسيم الدراسة:

1. توصيف القضية.

2. رؤية إسلام أون لاين للقضية.

3. استراتيجيات التعامل مع القضية.

  • أولا : التعريف بالقضية:

1. تعريف زواج السر:

الزواج السِّرِّيُّ هو عقد يتولاه طرفان ( رجل وإمرأة ) دون وجود شهود،أو وجود شهود مع التوصية بكتمان الزواج سواء كان بورقة مكتوبة أو شفهيا أو بالمراسلة وبدون توثيق ، وتعددت تطبيقاته في الوقت الحالي بمسميات مختلفة مثل: الزواج العرفي وزواج الكاسيت وزواج الوشم وزواج الطوابع ....

2. أنواع زواج السر:

تنقسم أنواع الزواج السري إلى أربعة:

· عقد الزواج الذي لا يوثق لدى الجهات المختصة، مع الإشهاد عليه ومباشرة الولي له، لكن يوصى الشهود بكتمانه.

· عقد الزواج الذي يوثق لدى الجهات المختصة مع الإشهاد عليه، ومباشرة الولي له، لكن يوصي الشهود بكتمانه.

· عقد الزواج الذي لا يوثق لدى الجهات المختصة، مع مباشرة الولي له، لكنه يخلو من الإشهاد عليه.

· عقد الزواج الذي لا يوثق لدى الجهات المختصة، ويخلو عن الولي فتتولاه المرأة بنفسها، وكذلك لا إشهاد عليه.

3. حكم زواج السر:

· حكم زواج السر في الصورة الأولى:
وهو عقد الزواج الذي لا يوثق لدى الجهات المختصة، مع الإشهاد عليه ومباشرة الولي له، لكن يوصى الشهود بكتمانه.ويتضمن زواج السر في هذه الصور خلل في نقطتين:
الأولى: عدم التوثيق.

الثانية: وصية شهود العقد بكتمان الشهادة، وعدم إظهارها.

· حكم نكاح السر في الصورة الثانية:
وهو عقد الزواج الذي يوثق لدى الجهات المختصة مع الإشهاد عليه، ومباشرة الولي له، لكن يوصي الشهود بكتمانه.وهذه الصورة هي أقل خطرا من الصورة السابقة، حيث إن العقد يوثق لدى الجهات المختصة، ولكن تبقى المشكلة في كتمان الإشهاد على النكاح.
ولكن تجدر الإشارة إلى أن خطر الزواج في هذه الصورة أقل من الصورة السابقة، حيث إن معنى السرية أكثر بعدا مع توثيق النكاح لدى السلطات المختصة.

· حكم نكاح السر في الصورة الثالثة:
وهو عقد الزواج الذي لا يوثق لدى الجهات المختصة، مع مباشرة الولي له، لكنه يخلو من الإشهاد عليه.ويتضمن زواج السر في هذه الصور خلل في نقطتين:
الأولى: عدم التوثيق.

الثانية: خلوه عن الإشهاد عليه.

وعليه فيعتبر هذا العقد عقدا باطلا لا يترتب عليه أي أثر من الآثار، والعلاقة بين الرجل والمرأة فيه علاقة غير شرعية.

· حكم نكاح السر في الصورة الرابعة:
وهو عقد الزواج الذي لا يوثق لدى الجهات المختصة، ويخلو عن الولي فتتولاه المرأة بنفسها، وكذلك لا إشهاد عليه.والحكم فيه بطلان هذا العقد من كل وجه، والعلاقة بين الرجل والمرأة فيه محض زنا.

4. أسباب انتشار الزواج السري:

نستطيع تلخيص أهم الأسباب المؤدية لانتشار الزواج السري بين الناضجين إلى هذه الأسباب:

1 – الأسباب الدينية:

· محاولة إيجاد المبرر للحرام في ظل غطاء ديني حلال وهو جزء من الخداع المجتمعي الذي يرضى من الدين مظهره فقط بصرف النظر عن "الجوهر" الذي يتمثل في التطبيق والأخلاقيات.

· التعلل بأن الزواج ما هو إلا إيجاب وقبول مع التذرع بأنه في الماضي لم يكن هناك توثيق للعقود وكان هذا هو شكل الارتباط الذي دام لقرون عديدة.

· التربية البعيدة عن الإيمان، والبعد عن الدين، وضعف أو غياب الوازع الديني حيث يفتقر العديد من الشباب هذه الأيام الثقافة الدينية السليمة.

· الالتباس الفقهي الناتج عن صدور فتاوى من أشخاص غير مؤهلين للفتوى بتحليل أشكال غير سوية من العلاقات واتخاذ الشباب هذه الفتاوى ذريعة لوقوعهم في هذه العلاقات الآثمة.

· التجرؤ على الشرع سواء بإصدار هذه الفتاوى أو بالتحايل على الشرع لإضفاء الشرعية على الحرام.

2- الأسباب الاجتماعية :

· غياب دور الأسرة في الاهتمام بأولادها وتوعيتهم بخطورة الانصياع وراء أصدقاء السوء أو تقليد الغرب.

· عدم وجود حوار داخل الاسرة يساهم فى عدم فتح قنوات للاتصال بين الفتاة ووالدتها والاب والابن.

· سفر الأب للخارج لتوفير لقمة العيش وترك الأسرة للأم لتديرها بمفردها مفتقرة لحزم الأب.

· الحرية الزائدة التي تمنحها الأسرة مع توفير المال للابناء دون رقابة ومحاسبة .

· ارتفاع معدلات العنوسة أحد أسباب قبول المرأة للزواج السري، رغم إدراكها أنه غير مقبول اجتماعيا، ولكن تقبل به على أساس أنه الفرصة الوحيدة للزواج.

· اقدام بعض الأرامل أو المطلقات على إخفاء الزواج خوفا من مواجهة المجتمع أوعدم تقبل الأبناء أو تحايلا على القانون لاستمرار المعاش .

· ظهور بعض المفاهيم الخاطئة في المجتمع والتي ليس لها أصل في الشرع،مثل النظرة إلى المطلقة بأنها عنصر غير مرغوب فيه في المجتمع ليس لها حق في الزواج مرة أخرى فتضطر لقبول وضع لا تقبله غيرها.

· عدم انصاف المجتمع في النظرة إلى الزواج الثاني حيث أصبح المجتمع يقتبس نظرته للزواج الثاني للرجل من أفكار غربية وافدة مما يجعل المرأة تلغي حق الرجل الشرعي في إمكانية التعدد وكذلك بعض الحكومات تصدر تشريعات بتجريم الزواج الثاني فيضطر للجوء للزواج السري .

· ثقافة الاتاحة التي توفرها أشكال اجتماعية منقولة عن الغرب تيسر الوقوع في الحرام كالاختلاط بين الجنسين والعلاقات المباشرة بين المدير وسكرتيرته مع اهتمامه بالمحافظة على أسرته الشرعية ومظهره الاجتماعي فيلجأ لهذا الشكل من العلاقات.

3-الأسباب الاقتصادية :

  • الفقر والبطالة حيث يجد الشاب في هذا النوع من الزواج حاجته من غير مسئولية مادية ولا تكاليف فربما يتزوج من مطلقة أو أرملة ثرية سرا دون أي تكاليف أو أعباء.
  • السعي وراء أي نوع من الكسب السهل السريع أو تحقيق مصلحة فهو في النهاية زواج مصلحي سواء من الرجل أو المرأة ربما ينتهي بانتهاء تلك المصلحة وفي نفس الوقت التهرب من مواجهة التبعات.
  • غلاء المهور الذي يدفع للبحث عن أشكال أخرى من العلاقات وإن كانت محرمة.
  • رغبة الرجل من الزواج من أكثر من واحدة مع عدم قدرته المالية فيلجأ لهذه الحيلة.

3 - الأسباب الأخلاقية:

  • استغلال الرجل الناضج لفتاة انجرفت وراء عاطفتها فيوهمها بأنه يعتبرها زوجته ويوهمها بشرعية هذه العلاقة.
  • رغبة الرجل في قضاء شهوته ولو على حساب فتاة وثقت فيه لإنعدام قيمة الشرف والأمانة وفقدان الضمير أو الوازع الديني أو الخلقي.

5. الآثار المترتبة على الزواج السري :

يؤدي الزواج السري إلى مجموعة من الآثار السلبية خصوصا على المرأة والأطفال الناشئين عن هذه العلاقات السرية ثم الآثار السلبية على المجتمع ككل.

1- الآثار القانونية :

  • لا يرتب الزواج السري أي آثار قانونية تحمى الفتاة وتلزم الرجل بمسئولياته تجاهها .
  • عدم توثيق العقد بشكل قانوني لا يثبت النسب .
  • ولا يرتب لها أية مستحقات مادية من نفقة أو نصيب من الميراث.
  • لا يثبت أي حقوق مالية للطفل الناتج عن هذه العلاقة تجاه أبيه.
  • ضياع حق هذه الزوجة في إثبات زوجِيَّتِها،وبالتالي إثبات الطلاق إذا طلَّقها.

2- الآثار الاجتماعية والنفسية :

  • إن المرور بتجربة الزواج هو تجربة نفسية مريرة فالفتاه التي تقدم عليه تظل تلوم نفسها طوال العمر على ما فعلته في حقها.
  • كما أنها تصبح مرفوضة اجتماعياً وأسريا .
  • بعض الفتيات يقدمن على الانتحار عند علمهن بالحمل.
  • تكمن خطورة هذه القضية في توهم الفتاة أو المرأة أنها زوجة؛ وهو ما يعني إمكانية أن تحمل بولد هو في الحقيقة ولد عن طريق غير الزواج الشرعي، لتبدأ قضية جديدة من قضايا ثبوت النسب ولتتلقفه دور الملاجئ أو الشوارع بعدها، وذلك عند الفشل طبعا في إثبات النسب.
  • ويدفع الأطفال الناتجون عن تلك العلاقة الثمن، ومما يدلل على ذلك معظم نزلاء دور رعاية الأيتام من الأطفال مجهولي النسب الذين رفض آباؤهم الاعتراف بهم، برغم أنهم كانوا ثمرة لزيجة سرية.
  • حرمان المرأة من حقوقها في الرعاية والأمان النفسي والاجتماعي الذي يوفره لها الزواج الشرعي المعلن حيث لا تزيد في هذه الحالة عن كونها خليلة أو عشيقة ترضي شهواتها وشهوات الطرف الآخر دون أدنى مسئولية عليه تجاهها أو تجاه أبنائه منها.
  • انتشار هذه السبل في محاولة إضفاء الشرعية على العلاقات المحرمة يؤدي إلى خلخلة في المجتمع على المدى البعيد حيث تيسر تزيين الفاحشة وإلباسها ثوبا شرعيا متوهما مما يشيع الفاحشة في المجتمع.
  • لجوء كثير من الفتيات لإجراء عمليات ترقيع غشاء البكارة بعد أن عاشت علاقة آثمة ثم تقدم على الزواج الشرعي من شاب لا يدري عن ماضيها شيئا مما يترتب عليه الغش والتدليس.
  • مع تكرار هذه العمليات وانتشارها تنعدم الثقة من قبل أي شاب مقدم على الزواج فيمن يتقدم إليها ويتشكك في طهرها وعفافها.

ثانيا: رؤية إسلام أون لاين للزواج السري:

تتلخص القضية التي نحن بصددها في إقامة رجل وامرأة علاقة غير شرعية دونما عقد زواج رسمي معلن وموثق وإنما الاقتصار على أشكال وصيغ أخرى متعددة يجمعها إقامة علاقة سرية ونحن هنا نقتصر على أشكال الزواج السري التي انتشرت بين الناضجين في الدول العربية وبذلك نستبعد الحديث عن الزواج السري المنتشر بين الشباب أو المراهقين وكذلك نستبعد الزواج السري في الغرب لما له من خصوصية لا تنطبق على ما نحن بصدد دراسته ونستعرض خلاصة رؤية الموقع على المستوى الإجتماعي والشرعي.

الرؤية على المستوى الاجتماعي:

تؤكد رؤية الموقع على أنه لا يوجد زواج في السر وأن الأصل في الزواج العلن والتوثيق وأن هذا الشكل من العلاقات المسمي بالزواج السري لا يعد زواجا بل هو زنا صريح .

لذا فإن هناك مجموعة من الأشكال التي التبست على البعض من كونها زواج سري ولكنها لا تعد كذلك مثل :

  • زواج رجل بدون علم زوجته الأولى فقط مع علم أهل الزوجة الثانية ومع التوثيق لكونه زواجا شرعيا موثقا.
  • زواج البارت تايم وهو الذي تلجأ إليه إمرأة من مستويات اجتماعية مرتفعة دون تحمل مسئولية مع التوثيق.
  • زواج المقيم بدولة أجنبية من زوجة ثانية بدون أوراق رسمية أو توثيق مع اخفاء هذا الزواج عن الزوجة الأولى والسلطات.

لذلك فإن هذه الأشكال كلها مستثناة ولا تدخل تحت مسمى الزواج السري.

وتتلخص رؤية الموقع تجاه قضية الزواج السري في النقاط التالية:

  • التأكيد على أنه لا يوجد زواج في السر وأن الأصل في الزواج العلن والتوثيق.
  • التأكيد على تسمية هذه العلاقة باسم الزنا بلا لبس أو تأويل.
  • التأكيد على أن الزواج ليس مجرد علاقة عاطفية بين شخصين بل علاقة اجتماعية يجب أن يباركها المجتمع.
  • اعتبار هذه العلاقة جريمة في حق النفس والأطفال الناتجين عن هذه العلاقة وفي حق الأهل والمجتمع.
  • رفض اعتبار المرأة في هذه العلاقة ضحية بل التأكيد الحازم على مسئوليتها المتعمدة كشريكة في هذه الجريمة.
  • توضيح أن تقديم المساعدة يكون لمن يريدها حقا وبعد أن يتوب عن هذه الفاحشة ويريد أن يبدأ حياة جديدة أما الذين يرسلون بمشكلاتهم للتصديق على أفعالهم واستمرارهم فيها فلا يستحقون هذه المساعدة أو الدعم.
  • التأكيد على رفض عمليات الترقيع والتدليس على المتقدم للزواج من فتاة سبق وأقامت علاقات سرية ومواجهتها بضرورة الكف عن خداع النفس والآخرين.

الرؤية على المستوى الشرعي:

تتلخص رؤية الموقع الشرعية تجاه الزواج السري في كون هذا النوع من العلاقات ما هو إلا زنا صريح يستوجب إقامة الحد -(لو اطلع عليه)- كما تجب التوبة إلى الله تعالى منه في كل حال،لذا ينبغي على المرأة ألا تمكن رجل من نفسها وتستحل الحرام لمجرد ورقة ليس لها قيمة في ميزان الشرع بل ليس لها قيمة في أي ميزان من موازين البشر.

كما أنه إسفاف واستخفاف بعقد من أشرف العقود وأعظمها أثرا وخطرا، وحسبنا أن الله تعالى سماه ميثاقا غليظا، فبه تقوم الأسرة على أساس سليم ركين ومن ثم يقوم المجتمع -وقاعدته الأسرة- على أرض صلبة وفي جو نظيف عفيف.

أنه نوع من الخلط واللعب بالمصطلحات وتسمية الأشياء بغير مسمياتها، فالزنا والخنا والجري وراء إشباع الغرائز والشهوات ألبسناه ثوب الحب والزواج.

· وأن الحكمة من تحريم الزواج السري هي :

  • مخالفته للعرف فالزواج الذي يتم دون توثيق لا يعد زواجا عرفيا؛ لأن الناس تعارفوا في زماننا على توثيق عقد الزواج ، وكل عقد خالف عرف الناس ولم يوثق فلا يمكن اعتباره من العرف؛ بل هو مخالف مخالفة صريحة لما تعارف عليه الناس.
  • إن الزواج الذي لا يُفارق صاحبه الاضطراب القلبي ـ والرُّعب والخوْف من الأهل والأقارب والناس إذا ظهر واشتهر ـ لا يُمكن أن يكون هو الزواج الشرعي الذي امْتَنَّ الله به على عباده، وجعله سَكَنًا ومودةً ورحمةً! لا يمكن أن يكون هو الزواج الذي يُكون الأُسَرَ، ويحفظ الأنساب، ويُنشئ علاقة المُصاهرة بين الناس.
  • مَن يُقْدِم على هذا النكاح من الرجال، إما أن يَقْصُد الإضرار بزوجة سابقة أو بأولاده منها، وهو في جميع الأحوال يضر بالزوجة التي تزوَّجها سرًّا؛ لأنه ما تزوجها لتدوم العشرة بينهما، وإنما لقضاء الوَطَر، ثم يتركها إلى غيرها، وهكذا، فهذا النكاح من هذه الناحية شبيه بنكاح المُتْعة، الذي صَحَّ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ النهيُّ عنه، واتفق جمهور الفقهاء على حُرْمته.
  • وقد تُقْدِم المرأة على هذا الزواج لمصلحة واهية كالحرص على الزواج من رجل بعينه، لا يقبل الزواج بها إلا سرًّا، أو الحرص على الحصول على معاش يَستَحِق لها ما لم تتزوج، أو حرصها على استمرار حَضَانتها لصغارها من زواج سابق، هذا فضلاً عمَّا في إقدامها على هذا الزواج بُغْيةَ الحصول على المعاش السابق من التدليس، وأكل الأموال بالباطل، وفي إقدامها عليه بُغْية استمرار حضانتِها لصِغارها تدليس وإضرار بهم؛ لانشغالها بهذا الزواج عنهم، وكل ذلك مُحَرَّم.

ثالثا : منهج التعامل مع القضية:

  • استراتيجيات معالجة القضية على المستوى الإجتماعي:

فرقت استراتيجية التعامل تجاه القضية ما بين حالة أشخاص واقعين بالفعل في هذه العلاقات وأشخاص مقبلين على إقامة هذه العلاقات .

فبالنسبة للواقعين بالفعل في هذه العلاقات تمثلت استراتيجية المعالجة في علاج المشكلة على المستوى الفردي وذلك بالمواجهة والمصارحة لصاحب المشكلة في قطع هذه العلاقات والبدء في صفحة جديدة ورفض كل هذه الأشكال غير السوية أو تحويلها إلى شكل شرعي بتوثيق الزواج وإعلانه.

وبالنسبة للمقدمين على هذه العلاقات بالتأكيد الحاسم على رفض هذا الشكل وبيان التبعات والآثار المترتبة عليه ووضع كل الاحتمالات الناجمة عن اتخاذ مثل هذا القرار.

  • مراحل تنفيذ الاستراتيجية على المستوى النفسي والاجتماعي:

بالنسبة للمتزوج/ة سرا بالفعل فمراحل تنفيذ هذه الاستراتيجية كما يلي:

المرحلة الأولى مع النفس:

  • مواجهة النفس بالخطأ والندم على ما فات والتوبة من هذا الإثم أي تكون البداية بالعلاج الإيماني.
  • مراجعة طبيب نفسي لعلاج ما تولد عن هذه المشكلات من اكتئاب وليساعد في وضع علاج لضبط النفس والرغبات.

المرحلة الثانية مع المجتمع:

  • عودة الأمور إلى نصابها بالنسبة للمتزوجة سرا بإعلان هذا الزواج أمام الأهل والمجتمع وعدم قبول الاستمرار في هذا الوضع المهين.
  • عدم الاقدام على خطوة الزواج من أي رجل آخر قبل أن تشفى الفتاة من ماضيها، وتستعيد نفسها .

أما بالنسبة للذين يشرعون في الاقدام على الزواج السري فإن مراحل تنفيذ الاستراتيجية كما يلي:

المرحلة الأولى مع النفس:

  • ضرورة اعادة التفكير والتريث في اتخاذ القرارات والاقتناع بخطورة هذه العلاقة وعدم شرعيتها.

المرحلة الثانية مع المجتمع:

  • محاولة استرضاء الأهل ودخول البيوت من أبوابها.
  • الاستشارة والاستعانة بأحد المقربين لاقناع الأهل في حال رفضهم الزواج حتى تأخذ العلاقة طريقها نحو النور.
  • استراتيجيات معالجة القضية على المستوى الشرعي:

لم تختلف استراتيجية المعالجة على المستوى الشرعي عن الاجتماعي حيث كان التنبيه على أن ما سلف من هذه العلاقات ليس بزواج وبالتالي هو علاقة باطلة غير مشروعة وهي الزنا بعينه لذا يجب اقتناع السائل بذلك أولا حيث أن لا بد من تحقق التوبة بشروطها حتى تقبل وهي الإقلاع عن الذنب نهائيا، والندم على ما فات، والعزم الأكيد على عدم العودة مرة أخرى .

ثم يبدأ الطرفان في هذه العلاقة الآثمة من جديد فإذا اتفقت مشاعر الطرفين على الحب فليس من سبيل إلا أن يتوج هذا الحب بالزواج الشرعي، وهو أن يخطب الرجل من أحبها من ولي أمرها وأن يشهر هذا النكاح بين الناس وأن يوثق هذا الزواج رسميا.

  • مراحل تنفيذ الاستراتيجية على المستوى الشرعي:

التثبيت النفسي والترغيب في التوبة وعدم اليأس من روح الله من خلال مجموعة من الوسائل:

1- حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم.
2- فعل الخير والانهماك فيه لقطع الفرصة على وساوس النفس.
3- انتقاء صحبة صالحة تعين على الخير .
4- البعد عن كل شبهة.
5- عدم التفريط في العلاقة بالله والإخلاص له.
6- اليقين من قدر الله وعد اليأس من روح الله .
7- عدم الانشغال كثيرا بالتفكير في المستقبل بقدر التفكير في إرضاء الله.
8- اليقين أن باب التوبة لا يقفل أبدا وأن ما عند الله تعالى خير وأبقى.

خاتمة وتوصيات البحث

في الختام نستعرض أهم ما غاب عن رؤية موقع إسلام أون لاين تجاه القضية:

فعلى الرغم من تناول الموقع لقضية الزواج السري وتنوع طرق التناول ما بين الاستشارات والمقالات والتحقيقات والحوارات الحية إلا أن هناك بعدا هاما غاب عن التناول وهو رؤية الموقع للقضاء على هذه الظاهرة في سياقها العام حيث اقتصرت الرؤية على تقديم الحلول على المستوى الشخصي بمعاونة صاحب المشكلة على تجاوز محنته والسبل التي تعينه على اتخاذ قراره إلا أن علاج الظاهرة كقضية مجتمعية أو شرعية أو قانونية لم يحظ بالاهتمام الكافي.

لذا كان لابد من تقديم رؤية واضحة للموقع بشأن سبل علاج القضية على هذه المستويات بحيث يتم تسليط الأضواء على ما يلي:

السياق المجتمعي:

بمعنى دور المجتمع بكافة قطاعاته وشرائحه في التصدي لهذه القضية والأدوار الغائبة في التوعية بخطورة القضية وأبعادها وآثارها على المجتمع مثل دور الأسرة والمدرسة والجامعة ودور المساجد والدعاة في التوعية بحرمة مثل هذه الأشكال .

السياق الشرعي:

من حيث ضرورة تصدي العلماء والمفتون بشكل حاسم لهذه القضية وإلقاء الضوء على خطورة الفتاوى التي تبيح أشكالا جديدة من الزواج دون بيان توصيف واضح لها وضوابطها وشروطها للقضاء على أي التباس فقهي بشأن هذه القضية.

السياق القانوني:

من حيث ضرورة حشد الجهود لاستصدار قوانين وتشريعات تحظر هذه العلاقات الآثمة وتجرم هذا النوع من التحايل على الشرع ومعاقبة كل من يشترك في مثل هذه الجريمة بعقوبة رادعة.

السياق الإعلامي :

بضرورة وضع حد لنشر الفتاوى الفوضوية بهذا الشأن والحد من إثارة هذه الموضوعات بشكل يؤدي لزيادتها وانتشارها وحملات التوعية عبر الانترنت والفضائيات وضرورة تصدي الأعمال الدرامية لهذه القضية وتناولها بشكل يهدف للتوعية بأبعادها وخطورتها.

  • ما هو مطلوب من الموقع:

لذا من المتوقع أن يقوم الموقع بتبني وتنظيم حملة للقضاء على كافة أشكال الزواج السري يشارك فيها الكتاب والدعاة وعلماء النفس والتربية والاجتماع والشريعة وفقهاء القانون ورجال الإعلام وفتح آفاق الحوار الهادف البناء للخروج بمشروع متكامل للتصدي لهذه القضية الخطيرة والاتفاق على توصيف المشكلة بدقة ووضع خطة شاملة تحدد فيها أهداف المشروع المرحلية والجدول الزمني لتحقيق هذه الأهداف وسبل متابعة تنفيذ الأهداف .

الجمعة، 15 يونيو 2007

العمل الخيري في الإسلام

بقلم : أمل خيري

تلعب المؤسسات الخيرية الدينية دورا حيويا في المجتمعات العربية والإسلامية استنادا إلى المرجعية الإسلامية للعمل الخيري التي تقوم على التكافل والحض على فعل الخير كصورة من صور العدالة الاجتماعية.

وينطلق العمل الخيري في الإسلام من مفهوم الخير الذي يشير إلى مجموعة من الدلالات تعني كلها الصفات المحمودة فقد اقترنت العبادات في الإسلام بالأمر بفعل الخير كما ورد في قوله تعالى " يا أيها الذين امنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" ( الحج 77 ) كما أكد القرآن الكريم أن الدعوة لعمل الخير كانت صلب الدعوات السماوية السابقة " وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين" (الأنبياء 73) كما حفلت السنة النبوية المطهرة بالنصوص التي توضح منطلقات العمل الخيري ففي الحديث الشريف" ما نقصت صدقة من مال" وقد وعد الله تعالى فاعل الخير بالجزاء العظيم "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ( البقرة 274)
ويهدف العمل الخيري في الإسلام الى تحقيق عدة أهداف منها طاعة الله ورسوله والتضامن والتراحم لما يؤدي إليه من مرضاة الله لذلك فإن الشرع قد ترك للقادرين على فعل الخير حرية القيام به ولكن حرص على ضمان الحد الأدنى منه من خلال فريضة الزكاة إلا أن مجالات العمل الخيري واسعة بما فيها الصدقات والأوقاف .....

شروط العمل الخيري

للعمل الخيري في الإسلام شروط ثلاثة وهي التطوع والإيثار وتجنب الرياء والمن.

1. التطوع:
لا يجبر الإسلام الناس على فعل الخير بل انه يستحسنه ويحث عليه ووعد بمكافأة فاعل الخير "إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا" ( الإنسان 9) وتتعدد أشكال التطوع سواء كانت بالمال أو المجهود البدني أو الفكري أو حتى ببذل الوقت .

2. الإيثار:
حض الاسلام على الايثار ورغب فيه واعتبر قمة الايثار الجود بما يكون الانسان في حاجة شديدة اليه فقد مدح القرآن الانصار بقوله " يؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة " ( الحشر 9 ) ولأن النفس مجبولة على الشح والحرص على المال فقد جعل الله اختبار النفس بالايثار من خصائص المحسنين " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" ( الحشر 9) .

3. تجنب الرياء والمن:من المأثور في كلام العرب " المنة تهدم الصنيعة" وقد حث القرآن الكريم على تجنب المن والأذى في الصدقات ووعد من ينتهي عن المن بالثواب العظيم " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" 262 البقرة.
وفي آية أخرى بلغ التشديد منتهاه حيث أكد القرآن الكريم إن اتباع الصدقات بالمن والأذى يبطل أجرها " يا أيها الذين امنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى" 264 البقرة.

فكيف يمن الإنسان؟

قد يمن الإنسان بالاشادة بما تصدق به أو مجاهرته بالفعل أو تعيير الفقير بفقره أما إن جاهر بصدقته ليتأسى به غيره فهذا محمود إلا أن اخفائها أفضل وأحظى بالثواب عند الله تعالى لما فيه من حفظ لكرامة الفقير " من جاء بالحسنة فله خير منها" 84 القصص.
وبتحقيق هذا الشرط " تجنب المن والرياء" يستقيم العمل الخيري ويحفظ كرامة الإنسان وبتأكيد القرآن الكريم على مفهوم الأخوة " إنما المؤمنون إخوة" 10 الحجرات فهو يؤكد على رابطة التكافل والتعاون لذلك فكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أولى دعائم المجتمع الإسلامي .

الخميس، 14 يونيو 2007

الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم


أمل خيري

لو نظرنا في القرآن الكريم الكريم لوجدنا معنى الإعلام بالتعبير " البلاغ"
والبلاغ هو كل ما أمر به الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلغه للناس " هذا بلاغ للناس ولينذروا به" 52 إبراهيم.
فقد اقتصرت الدعوة الإسلامية في بداية الإسلام على مرحلة البلاغ إلا أن استمرار الإعلام والدعوة كان ضروريا لذا فقد مهد هذا البلاغ الطريق أمام رسول الله ليدعو الصفوة الصادقة من المسلمين الأوائل الذين تحملوا معه عبء الدعوة والرسالة مما مهد للخطوة الثانية وهي نشر الدعوة في شتى بقاع العالم" تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا"1 الفرقان.
وتنوعت أساليب الإعلام في القرآن الكريم ما بين اليسر والسهولة إلى الجدل والحوار.
1 - اليسر والسهولة:

" ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" 17 القمر.
من أو الوسائل الإعلامية التي اتبعها القرآن الكريم اليسر الذي مكن من فهم الدعوة ومحتوى الرسالة فدخلت في قلوب وعقول الناس سريعا لأنها خاطبت فيهم العقل والفطرة السليمة التي تستجيب لها كل النفوس.
ولذلك عاش القرآن في قلوب وصدور الملايين من الناس عبر مئات السنين حفظا وفهما وتطبيقا ففهمه الحكماء والبسطاء " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " 23 الزمر.
ولا عجب أن اعتبر كثير من أساتذة الحضارة الشرقية والغربية القرآن الكريم من أعظم الكتب تأثيرا في تاريخ الإنسانية.

2 - الجدل والحوار:

أو ما عبر عنه القرآن الكريم بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن فيقول تعالى: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" 125 النحل.
فلم ترتبط هداية الناس بشدة الجدل أو الاكراه أو الارهاب لحمل الناس عل الدين بل بالموعظة الحسنة لذا كان التأكيد على حرية الإنسان في قبول الدعوة من عدمها احتراما لإرادته وعقله " لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" 256 البقرة.
لذا كانت الدعوة إلى الأخوة والمودة والعقل بأسلوب يجمع ولا يفرق " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما الهكم إله واحد" 110 الكهف.
وبهذين الأسلوبين شق الإعلام الإسلامي طريقه إلى قلوب وعقول الناس فدخلوا في دين الله أفواجا.

الأحد، 6 مايو 2007

ما بعد النظام العالمي الجديد

جديد النظام العالمي الجديد**
ترجمة - أمل خيري
إسلام أون لاين الأحد. مايو. 6, 2007
Image
دانيال دريزنر
لا شك أن الأحادية والتفرد الأمريكي بالشئون العالمية قد أضر كثيرًا بالعلاقات الدولية، بل وأدخل العالم في أتون الحرب الكونية الثالثة التي بدأت مع احتلال كل من العراق وأفغانستان، كجزء مما عرف بالحرب الأمريكية على الإرهاب.
وقد قامت إستراتيجية الإدارة الأمريكية الحالية فيما عرف باسم "إستراتيجية بوش الكبرى" على ذلك التوسع الإمبراطوري الأمريكي في القرن الواحد والعشرين. بيد أن الفشل الأمريكي في احتواء الصراعات العالمية عبر هذه السياسة الأحادية وصعود قوى آخذة في النمو كالصين والهند قد حدا بالإدارة الأمريكية إلى ضرورة التفكير في إعادة تشكيل نمط سياستها الخارجية الأحادي النظرة، وإعادة تشكيل المؤسسات الدولية بحيث تراعي هذه القوى الجديدة.
حول هذا الموضوع كان مقال الكاتب "دانيال دريزنر" تحت عنوان "ما بعد النظام العالمي الجديد" أو "جديد النظام العالمي الجديد" The New New World Order والذي نشرته مجلة فورين آفيرز عدد مارس/ إبريل 2006، حيث يوضح أن المعطيات التي فرضها الواقع الدولي من تصاعد قوى ذات ثقل اقتصادي وسياسي متنام أصبحت محددات لا يمكن لأمريكا غض الطرف عنها. وفي سبيل بحث الولايات المتحدة عن مصالحها ربما تجد من الأفضل أن تتلاقى مصالحها مع مصالح هذه القوى المتنامية؛ لتعيد تشكيل النظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب.
على أن محتوى المقال -كما سيأتي- يبين أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تأسيس جديد لنظام متعدد الأقطاب بقدر ما تسعى إلى احتواء هذه القوى الصاعدة، وخاصة العملاقين الصيني والهندي.
من القطبية الأحادية إلى تعدد الأقطاب
لعقود طويلة على مدار القرن العشرين انحصرت قائمة الدول الكبرى في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي واليابان وشمال غرب أوروبا، إلا أن المشهد بالطبع اختلف اختلافًا جذريًّا بحلول القرن الحادي والعشرين، حيث فرضت الطفرة الاقتصادية الهائلة للعملاق الصيني والطفرة التكنولوجية للعملاق الهندي تحديًا هائلاً بالنسبة للمؤسسات والمنظمات الدولية التي ظلت لعقود طويلة ترسخ تحت الهيمنة الأمريكية.
وخلال عقد التسعينيات من القرن الماضي قدمت نهاية الحرب الباردة الفرصة للمؤسسات الدولية كي تعيد تكييف أوضاعها لتتلاءم مع هذه القوى الصاعدة. فاتفاقية "الجات" أصبحت منظمة التجارة العالمية، وحلف الناتو وسع من نطاق عضويته ليشمل أوروبا الشرقية والبلقان، إلا أن هذه الجهود وحدها لا تكفي، فالصين والهند إذا لم تجدا الترحيب المناسب في المؤسسات الدولية القائمة بالفعل، فإنهما قد تضطران للتفكير في إنشاء تحالفات خاصة بهما بعيدًا عن هذه المؤسسات.
وبحساب المعطيات الدولية الجديدة كان على الولايات المتحدة أن تتكيف مع هذه القوى الصاعدة، فحاولت واشنطن تدعيم تواجد هذه القوى الصاعدة في المنتديات والمحافل الدولية بداية من صندوق النقد الدولي، وانتهاءً بمنظمة الصحة العالمية في إطار محاولة جورج بوش الابن إعادة إحياء دعوة بوش الأب فيما أسماه "النظام العالمي الجديد"، ولكن في ثوب جديد يمكن أن نطلق عليه "ما بعد النظام العالمي الجديد".
وفي إطار جهود إدارة بوش لتعزيز الاتجاه الجديد كانت وزارة الدفاع الأمريكية أكثر الإدارات استجابةً لتغيرات ما بعد النظام العالمي الجديد. ففي أغسطس 2004 أعلن بوش عن ضرورة تخفيض 35% من القوات الأمريكية المنتشرة خارج الولايات المتحدة بحلول عام 2014 والتي تربو على 250.000 جندي.
وفي يناير 2006 أعلنت كوندوليزا رايس أن موقف واشنطن الحالي في السياسة الخارجية لا يعكس حقيقة القوى الصاعدة، فالممثلون الدبلوماسيون في دولة مثل ألمانيا ذات الـ82 مليون نسمة يتساوى في العدد مع مثيلهم في دولة مثل الهند البالغ تعداد سكانها بليون نسمة، وكبداية أعلنت رايس ضرورة انتقال 1000 مبعوث أمريكي من أوروبا إلى الهند والصين خلال عام ‏2007‏‏.
الصفقة الجديدة
وتمشيًا مع الأوضاع الجديدة اتخذت إدارة بوش سلسلة من الخطوات الرامية لتعزيز العلاقات الثنائية مع الصين والهند، فقد أعلن روبرت زوليك نائب وزير الخارجية في سبتمبر 2005 عن حاجة واشنطن لدفع الصين كي تكون شريكًا مسئولاً في النظام العالمي الجديد. وعبارة "الشريك المسئول" التي ترددت كثيرًا في تصريحات العديد من المسئولين الأمريكيين تجاه الصين أصبحت تعبيرًا واضحًا وصريحًا على سياسة إدارة الرئيس بوش الرسمية تجاه الصين.
وتلا ذلك عدة مبادرات، ففي خريف 2006 أطلقت واشنطن الحوار الإستراتيجي الاقتصادي الصيني/ الأمريكي والذي ترأسه وزير الخزانة الأمريكي هنري بولسون وتناول الحوار عددًا من القضايا المشتركة، مثل التعاون في مجال الطاقة وزيادة حجم التبادل النقدي، وامتد الحوار ليشمل قضايا دولية كالصراع في دارفور والعلاقات مع كوريا الشمالية.
أما على صعيد العلاقات مع الهند فقد أبدت واشنطن خلال التسعينيات اهتمامها بقضية الصراع الهندي - الباكستاني حول إقليم كشمير، وحاولت تهدئة أي أزمات نووية محتملة. وعلى الرغم من كون باكستان حليفًا معروفًا لواشنطن في الحرب على الإرهاب، فإن العلاقات الأمريكية مع الهند قد نشطت خلال الأعوام الخمسة الماضية. ففي نوفمبر 2006 أوفدت وزارة التجارة الأمريكية بعثة اقتصادية رفيعة المستوى إلى الهند بهدف توسيع الحوار التجاري بين الدولتين، وفي نفس العام تم عقد اتفاق ثنائي بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية وهو ما يعني الاعتراف الضمني من جانب الولايات المتحدة بالهند كقوة نووية، وهذا الاتفاق يعزز التزام الهند بمنع انتشار برنامجها النووي المدني لدول أخرى، وإن أبقى على برامج الهند العسكرية خارج دائرة عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وبالطبع قوبل هذا الاتفاق بانتقاد شديد باعتبار أنه يمثل تهديدًا لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، لكن إدارة بوش أكدت أن امتلاك الهند للسلاح النووي أصبح أمرًا واقعًا يصعب الفكاك منه، فالمارد النووي لا يمكن إيقافه ولا يوجد ثمة تهديد طالما أن الهند بلد ديمقراطي، وهذا ما أوضحته واشنطن في إستراتيجية الأمن القومي لعام 2006 التي أكدت أن "الهند الآن أصبحت متأهبة لتتحمل التزاماتها العالمية في التعاون مع الولايات المتحدة بأي طريقة مناسبة".
إعادة هندسة المنظمات الدولية
يرى بعض المراقبين أن جهود إدارة بوش في مجال إعادة تشكيل المنظمات الدولية لجعلها أكثر ملاءمة للقوى الصاعدة جاءت كنتيجة فرضها الواقع الفعلي. فعلى سبيل المثال أرغم تشكيل مجموعة الـ20 من كتلة البلدان النامية الولايات المتحدة على دعوة البرازيل والهند وجنوب إفريقيا إلى مفاوضات "الغرفة الخضراء" في سبتمبر 2003 خلال الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في جولة الدوحة للمحادثات التجارية.
كذلك فإن الولايات المتحدة تشجع الصين على المشاركة بشكل دوري في اجتماعات مجموعة الـ7 المالية ومحافظي البنوك المركزية، وتهدف واشنطن من ذلك إلى الاعتراف بالأهمية المتزايدة للصين في عالم السياسة والاقتصاد؛ لتحصل في المقابل على اعتراف بكين أن سياساتها في سعر الصرف وتخفيض الاستهلاك المحلي تسهم في اختلال الاقتصاد العالمي.
أيضًا وبهدف إعطاء مزيد من النفوذ إلى الصين (وكذلك المكسيك وكوريا الجنوبية وتركيا)، فإن إدارة بوش دفعت جاهدة لتغيير حصص التصويت في صندوق النقد الدولي. ففي تصريح لصحيفة "نيويورك تايمز" في أغسطس 2006 أكد "تيموثي آدامز" وكيل الشئون الدولية لوزارة الخزانة على ضرورة "إعادة هندسة صندوق النقد الدولي ومنح الصين صوتًا أكبر لإعطائها شعورًا أكبر بالمسئولية داخل المؤسسة".
وفي اجتماع عقد في سنغافورة في خريف عام 2006، وافق صندوق النقد الدولي واللجنة المالية على تخصيص حصص لتعكس التحولات في ميزان القوة الاقتصادية، حيث أعلن "كلاي لويري" -مساعد وزير الخزانة للشئون الدولية- مجددًا موقف واشنطن: "لقد وصلنا إلى قناعة أنه إذا لم نتخذ إجراءات الاعتراف بالدور المتزايد للاقتصادات الناشئة، فسينخفض تأثير صندوق النقد الدولي وسنكون جميعًا في أسوأ حال".
وفي الوقت نفسه توجهت إدارة بوش نحو تعاون أكبر مع الدول الصاعدة على قضايا أخرى، وخاصة في مجال الطاقة والبيئة والتنمية المستديمة وانتشار الأسلحة النووية، حيث تعتمد واشنطن على بكين لإجبار حكومة بيونج يانج على التخلي عن برامجها النووية، وبالمثل اعتمدت على مساندة الهند لها في مواجهة برنامج إيران النووي.
تمرد الحليف الأوروبي
ويؤكد دريزنر في مقاله أنه على الرغم من الجهود المبذولة من واشنطن للتأكيد على هذه الإستراتيجية الجديدة، إلا أنها بالفعل تصطدم بحاجزين كبيرين:
الأول: يتمثل في ردود الفعل الأوروبية الرافضة للتخلي عن مركز الصدارة في المؤسسات الدولية الذي احتلته لعقود، ففرنسا وإنجلترا اللتان ظلتا أقوى حليفتين لواشنطن خلال القرن الماضي قبلتا بقواعد اللعبة القديمة نتيجة للاعتراف الأمريكي بقوتيهما، فقد حصلتا على مقعد دائم بمجلس الأمن، كما انتزعتا الموافقة على أن يكون المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي شخصية أوروبية، وبالفعل منحت أوروبا تمثيلا مساويا لأمريكا في اتفاقية الجات.
اليوم اختلف الأمر حيث ترمي إستراتيجية بوش الجديدة إلى إعادة تمثيل الدول في هذه المؤسسات تبعا لأوزانها النسبية الجديدة، وهذا بالطبع يعني زيادة تمثيل القوى الصاعدة على حساب القوى التي بدأت في التضاؤل، وقد ظهر هذا الاتجاه الرافض للسياسة الأمريكية الجديدة في سعي الاتحاد الأوروبي لإقامة تحالفات ثنائية.
الثاني: ينبع من داخل إدارة بوش نفسها، حيث أن الهيمنة الأمريكية على المؤسسات الدولية لعقود طويلة جعلت بعض المتشككين ينظرون لأي جهد مبذول من هذه الإدارة في إعادة كتابة قواعد اللعبة الدولية على أنه محاولة أخرى من واشنطن للتهرب من التزاماتها الدولية.
فقد أثار رد الفعل الأمريكي المبالغ فيه عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 انتقادات حادة لإدارة بوش، فتفشي حالة الفوضى في العراق والإخفاقات المتتالية لأمريكا في الحرب ضد الإرهاب كلها أمور ساهمت في زعزعة الثقة بتيار المحافظين الجدد.
الصديق القديم والصديق الجديد
إن الازدواجية في السياسة الخارجية لإدارة بوش ما زالت موجودة، فعلى سبيل المثال نجد إدارة بوش تذعن للمؤسسات الفعالة التي تحقق مصالحها مثل منظمة التجارة العالمية أو صندوق النقد الدولي، بينما تستخف بتلك الأخرى التي تسعى وفق معاييرها الخاصة وليس وفقا لأطماع الولايات المتحدة مثل باقي أجهزة الأمم المتحدة.
وهكذا فإن مصالح الولايات المتحدة تتأرجح ما بين مغازلة القوى الصاعدة وما بين الإبقاء على حلفائها الأساسيين، وما زالت بلدان الاتحاد الأوروبي الحليف الأقوى لواشنطن لمساندتها في قضايا محورية مثل حقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية. وبالتالي فإن على واشنطن مضاعفة جهودها الدبلوماسية لرفع الصين والهند إلى مصاف القوى العظمى دون عزل الاتحاد الأوروبي أو أعضائه. بمعنى آخر "الإبقاء على علاقة وثيقة بالأصدقاء القدامى وعلاقة أوثق بالأصدقاء الجدد".

*أستاذ السياسة الدولية بمعهد فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس ومؤلف كتاب " كل السياسات عالمية".
**موجز لمقال نشر بدورية فورين آفيرز، عدد مارس/أبريل 2007، تحت عنوان: "ما بعد النظام العالمي الجديد The New New World Order"

السبت، 28 أبريل 2007

استطلاع للرأي حول العلاقة بين الدعاة؟!




المحبة في الله من أوثق عُرى الإيمان كما يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" (رواه أحمد والحاكم).

والأخوة الإيمانية كانت وما تزال هي الرباط الرباني الذي يجمع ما بين الدعاة إلى الله، فما الذي انتاب هذه الروح بين بعض دعاة اليوم؟ ولماذا أصبح الجفاء بديلاً عن رُوح المحبة في الله والأخوَّة الإيمانية؟
يقول الداعية الكبير عباس السيسي (رحمه الله): (الدعوة حب- والحب دعوة- ولا دعوة بغير حب)، لكن بين أيدينا الآن استطلاع للرأي شمل عدد 50 من الدعاة والداعيات في مختلف المجالات الدعوية وافق 40% منهم بشدة على تراجع روح الأخوَّة بين الدعاة عن ذي قبل، بينما نسبة 40% تشعر بتناقص هذه الروح إلى حدٍّ ما، بينما لم يختلف مع هذا الرأي سوى 20% من العيِّنة.

ويشعر 70% منهم بتحوُّل العلاقة إلى شبه إدارية، على النقيض فإن حوالي 90% من أفراد العينة قد أكدوا أنهم يلتزمون بواجبات الأخوَّة و10% إلى حدٍّ ما، بينما لم يَذكر أحدٌ منهم أنه مقصِّر من جهته في حقوق الأخوَّة.

أما عن أسباب هذا الجفاء من وجهة نظر أفراد العينة فقد تنوعت، وكان مما ذكره هؤلاء الدعاة منها:
1- كثرة الأعباء الوظيفية والأسرية والدعوية.
2- نقص الإيمان في القلب والركون إلى الدنيا وشهواتها.
3- فتور العزيمة وتثبيط الهمة.
4- الابتعاد عن مخالطة الصحبة الصالحة لفترة طويلة.
5- عدم التماس الأعذار للغير.
6- غياب الفهم والتطبيق الصحيحين للدعوة.
7- البعد عن التخلق بأخلاق النبي والصحابة.
8- تحدث كل طرف عن نفسه وعدم الاستماع للآخرين.
9- الاعتداد بالرأي وعدم الاقتناع بآراء الآخرين.
10- محاولة الظهور والتباهي بالأعمال على حساب العلاقة مع الدعاة.
11- عدم التدريب على العمل الجماعي؛ حيث ينجح الداعية بمفرده ويفشل عندما يجتمع مع غيره.
النضج الدعوي
وحينما عرضنا نتائج هذا الاستبيان على عدد من الدعاة والعلماء تباينت الآراء بين إنكار وجود هذه الظاهرة من عدمه.

فالداعية جازية رمضان تقول: شعرت بالصدمة من نتيجة هذا الاستبيان، فلم أكن أتصور أن يطرأ الفتور أو الجفاء على العلاقات بين الدعاة؛ لأن الأخوَّة والمحبة في الله هما رُوح العمل الدعوي وأصل من أصوله، إلا أن ما يُوحي بهذه الجفوة كثرة المسئوليات والانشغالات، ففي مقتبل حياتنا الدعوية كنا نقضي وقتًا طويلاً في التعارف والتزاور والتواصل، ثم انشغلنا بعد ذلك في الأعباء الشخصية والالتزامات العديدة، فأصبح لا وقتَ لدينا للتزاور والسؤال عن إخواننا، ولكننا ما زلنا نكنُّ لهم في قلوبنا الحب، وعلى كل داعية أن يلتمس لأخيه سبعين عذرًا في تقصيره في السؤال عنه.أما من يشعر بتناقص محبة أخيه في قلبه فأعتقد أن هناك

سببين أساسيين وهما:
1- نقص النضج الدعوي؛ حيث يكون هناك خطأٌ في أساس بناء هذا الداعية؛ لأنه لو فهم أصول دعوته حق الفهم لعلم أن هذه المحبة ركن من أركان دعوته.
2- ضعف الإيمان؛ لأن الصلة بالله هي الجذر الذي إن تمسك بالقلب تصبح جذور الدعوة ثابتة قوية وعلى العكس إن ضعف هذا الجذر فإن الدعوة نفسها يتطرق إليها الوهن فتضعف روح الإخاء ويكون الجفاء.
تراكم الخلافات
أما الداعية الدكتورة عزة لبيب فتؤكد أنَّ معنى الأخوة الحقيقية التي يحبها الله ورسوله التسامح وسلامة القلب من الأحقاد، وهذه أدنى مراتب الأخوة أما أعلاها فهي الإيثار، وأي خلل في هذه المعاني يؤدي لضعف روح الإخاء وظهور بعض الجفاء، وترى أن هذا الجفاء ليس وليد موقف بل هو تراكمات لعدة مواقف من الخلاف العادي في الرأي لم يحسن كل طرف التعامل معها في حينها مع الاهتمام بالفروع وترك الأصول في المسائل الفقهية، إضافةً إلى عدم استحضار النية في معالجة هذا الخلاف بحيث تقدم الأخوة وواجباتها على الانتصار للرأي، وأحيانًا قد يتمثل السبب في الكبر والاستعلاء وعدم المرونة الكافية في التعامل مع هذه الخلافات لذا فإنه من المؤسف القول إن هذا الجفاء هو دليل على سوء الخلق؛ لأن حبيبنا- صلى الله عليه وسلم- حين سُئل عن حسن الخلق فقال: "أن تعفو عمَّن ظلمك، وتصل مَن قطعك، وتُعطي مَن حرمك"، فإذا اختفى العفو والتسامح بين الدعاة، فهذا من سُوء الخلق الذي يورث الجفاء.

وتضيف أن من الأسباب أيضًا الخلل في التربية الإيمانية لهؤلاء الدعاة؛ حيث إنهم لم يستوعبوا الأصول العشرين للإمام البنا، فالأصل الثامن كما ذكره الإمام يقول: (والخلاف الفقهي في الفروع، لا يكون سببًا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة، ولا بغضاء، ولكل مجتهدٍ أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف، في ظل الحبِّ في الله، والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب)، فهل استوعب الدعاة هذا الأصل الرائع؟!

وقود الدعوةويعود بنا الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد- أستاذ التفسير بجامعة الأزهر- أصل اللغوي لكلمة الداعية فيوضح أن التاء هنا للتكثير والمبالغة وليست للتأنيث، والمعنى أن الداعية هو كثير الدعوة يقوم بها على وجهها الصحيح ويجعلها حرفة حياته، وقد كانت هذه الدعوة وظيفة الأنبياء من قبل؛ ولذلك لا يُسمَّى داعية إلا من كان متخلقًا بأخلاق الدعوة التي يدعو إليها وقائمًا بحقوق الدين الذي ينادي به بين الناس؛ ولذا يجب على الدعاة أن يسود بينهم الفهم المشترك الصحيح والإخاء والمودة والتناصح إلا أننا لاحظنا أنَّ بعضَ الدعاة قد يظهر بينهم فتور في العلاقات، فهذا إن دل فإنه يدل على خللٍ في المنهج فهمًا وتطبيقًا؛ لأنهم جميعًا مجاهدون في كتيبةٍ واحدةٍ هدفها واحد ودينها واحد ووجهتها واحدة، وهي تتقوى بالحب والتآلف لا بالتنابذ والتخالف.

وقد يظهر هذا الفتور نتيجةً لخلل في فهمهم لمبدأ التناصح فنجد من الدعاة مَن ينصح أخاه على رؤس الأشهاد مما يحدث بلبلةً، وبالتالي يُوقع البغضاء والتشاحن، كما أنَّ من الأسباب التي قد تسبب الجفاء بين الدعاة الإصرار على الرأي والاعتداد به وتخطئة الآراء الأخرى، وهذه آفة خطيرة تؤدي للتنابذ المذموم على الرغم من قول الرسول: "رُبَّ مبلغ أوعى من سامعٍ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه"، ويعلمنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن نأخذ الحكمة من أي جهة فيقول: "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها"، وعند الخلاف يقدم الدليل الشرعي ويخضع الجميع له لا تقدم الأهواء والآراء الشخصية.

الدعوة الحقيقيةوحينما عرضنا نتائج هذا الاستبيان على الدكتور أحمد العسال- مستشار الجامعة الإسلامية في إسلام أباد- قال: لا أعتقد أن هناك داعيةً إلى الله يحب الله ورسوله ويُخلص لهما يشعر بجفاءٍ لأحدٍ من المسلمين عامةً، فضلاً عن إخوانه من الدعاةِ؛ لأن من صفات الرسول- صلى الله عليه وسلم- التي امتدحها الله فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾ (التوبة)، كما امتدح الله المؤمنين في سياق حديثه عن المتشككين في دينهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾ (المائدة).ولكن هذه الآفة تصيب فريقًا معينًا من الدعاة ممن لم يصل إلى مرتبة الدعوة الحقيقية؛ لأن الداعيةَ الحقيقي هو رجلٌ يقدم نفسه كله لله؛ لذا فإنه من الخطأ بمكان تعميم الحكم على عامة الدعاة الذين يقتدون برسولهم الكريم الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال أيضًا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:159).

أما الأسباب التي قد تؤدي لظهور هذا الأمر لدى هؤلاء البعض فكثيرة: فلو نظرنا إلى حال الأمةِ على وجه العموم لوجدناها في حالةٍ غير عادية بسبب شيوع الفكر العلماني الذي انتهى بأنه يريد أن يكون الدين تدينًا فرديًّا، وأن ينسحب من الساحةِ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذا بالطبع مخالفٌ لإرادةِ الله بل هو تأثر بالفكرِ الغربي الذي حذَّرنا منه نبي الإسلام من أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، فيما جاء في الصحيحين أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: "لتتبعن سنن مَن كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟!"، والدعاة ما هم إلا امتداد لهذه الأمة ويتأثرون بما فيها من أفكار.

أما السبب الثاني فهو أنَّ العملَ الطوعي في بلادنا ما زالت أمامه عقبات كثيرة وفي ظل عدم التواصل والتحاب بين الدعاة وقلة التزاور واللقاءات قد ننشغل بالتغلب على هذه العقبات على حسابِ تحقيقِ معاني الأخوة، وهذا فهم خاطئ؛ لأن التغلب على العقباتِ لن يتأتى إلا بالتماسك والتعاون وتحقيق معاني الأخوة.

غياب الرعاية المؤسسية
إذا أضفنا إلى هذا عدم وجود رعاية مؤسسية ترعى الدعاة وتتبنى مشاكلهم وقضاياهم يتبين لنا حجم الخسارة الكبيرة في مجال الدعوة، ومن المؤسف والمحزن أن تُحل مثلاً جبهة علماء الأزهر بقرارٍ من شيخ الأزهر وهي التي كانت تضم نخبةً من العلماء الأجلاء.

ويضيف الدكتور العسال أيضًا أنَّ من أسبابِ هذا الجفاء نقصان بعض العلائق التي أمرنا الله بها في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾ (التوبة).

ومن الأسبابِ الخطيرة كذلك القصور في الصلة بالله إضافةً إلى عدمِ الوعي الكامل بما ينبغي على الداعية أن يكون عليه، فرسولنا الكريم لم يترك قيام الليل في حضرٍ أو سفرٍ، وهكذا كان الصحابة من بعده؛ لذلك كان سيدنا عمر بن الخطاب يقول: "إذا أقبلت الناس فأعطها ما تحب من الطاعة، وإذا أدبرت فألزمها الفريضة"، ولذلك نجد أنه من الطاعات العظيمة التي حثنا عليها القرآن الكريم تكرارًا (ذكر الله) فلو انشغل الدعاة بذكرِ الله لما تركوا فرصةً للشيطان أن يُوقع بينهم العداوة والبغضاء؛ لأن الفراغ إن لم تملأه بالطاعة ملأه الشيطان باللغو.

ويرتبط بالسببِ السابق سبب آخر ألا وهو التعلق بالدنيا فهو رأس كل خطيئة، ويدلنا الرسول الكريم على وصفةٍ ناجحةٍ لكسب حب الناس وحب الله فيقول: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" (حديث حسن رواه ابن ماجة وغيره).

لذلك فإن الأنبياء لم يتركوا ميراثًا أو حظًّا من الدنيا وإنما تركوا العلم لذا فإن ضعف ثقافة الداعية قد يكون سببًا من أسباب التعلق بالدنيا والانشغال بالتوافه مما يؤدي للتباغض والشحناء، والإمام البنا لم يقل عنه أنه رجلٌ ربانيٌّ إلا لأنه قد انتصرَ على الغوائل الثلاث "حب المال والجاه والمرأة"، وأذكر موقفًا أيضًا للإمام الندوي رحمه الله أثناء حضورنا مؤتمرًا للسيرة النبوية في قطر أصرَّ على أن يُقيم في فندقٍ متواضعٍ وترك الفندق ذا النجوم الخمس الذي كان محجوزًا له، هؤلاء الدعاة الذين لم يتعلقوا بالدنيا عرفوا معنى الأخوةَ الحقَّة والتزموا بواجباتها.

والسبب الأخير هو كثرة المراء والجدال، وقد حذرنا الرسول فقال: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" (رواه مسلم).

افتقاد روح الجماعة
أما مسألة انشغال الدعاة بواجباتهم الأسرية أو الدعوية فليس لها مجال فأمة محورها المسجد لا يشغلها عن واجب الأخوة شيء إنما الأزمة الحقيقية هنا افتقاد البناء الذي يقوم على التحاب والنقاء، مما يُنتج آفة خطيرة وهي النزعة الفردية لدى كثير من الدعاة الذين يفشلون في تقديمِ عملٍ جماعي، بينما الأصل أنَّ المؤمنين الذين يعملون الصالحات يؤثرون بعضهم على أنفسهم، وبالتالي فإنَّ من أهم الأسباب التي أدَّت لظهور هذه الآفة الافتقاد لروح الجماعة.

ويتذكر الدكتور العسال أنه أثناء وجوده في تركيا وزيارته لبعض المناطق دمعت عيناه من شدةِ الفرح حين كان يجد العلماء التركمان وعلماء من أواسط آسيا وعلماء من العرب قد التقوا جميعًا واجتمعوا في قالبٍ واحدٍ، ويتساءل أين نحن من هؤلاء؟!!

ويعلق على مسألة الفتور التي ذكرها بعض الدعاة فيقول إنَّ الفتور قد يعتري الدعاة في بداية الطريق، أما بعد أن يفتح الله عليهم فإننا نستبعد ذلك، فمن حكمة الله تعالى أن شرع للمؤمن صلوات في اليوم والليلة بدءًا من دلوكِ الشمس إلى غسقِ الليل ليعالج تثبيطَ الهمة في العبادات والطاعات، ويذكرنا بها دائمًا وها هما القرآن والسنة يُذكرانا كل حين بحقوق الأخوة وواجباتها ولكن الخلل في الفهم والتنفيذ.
الاستبيان

الاثنين، 16 أبريل 2007

تلعفر المنكوبة لم تعد مصدر أمل لبوش

أمل خيري - عمر صلاح الدين
إسلام أون لاين

الاثنين. أبريل. 16, 2007

Image
العديد من الأطفال فقدوا ذويهم
بسبب العنف الطائفي
الموصل- أضحت تلعفر -المدينة العراقية الواقعة شمال شرقي البلاد- مبعثا للألم والذكريات المريرة لسكانها، بعد أن اعتبرها الرئيس الأمريكي، جورج بوش، قبل أكثر من عام، بارقة أمل للتأكيد على نجاح إستراتيجيته في العراق. واقع المدينة يعكس أبو علي -المدرس العراقي المتقاعد- أحد جوانبه بقوله: "لقد فقدت ابنتي خديجة، وحينما ذهب ابني لإنقاذ والدته وشقيقته سقط أيضا مضرجا بدمائه فوق أشلائهما".
وأبو علي، الذي ظل مقيما في حي الوحدة السني في تلعفر طيلة الأعوام السابقة، أصبح الآن مجرد لاجئ في معسكر لإيواء اللاجئين في موقع آشوري قديم يطلق عليه "باب الشمس" شرق مدينة الموصل.
ويعد أبو علي واحدا من ألفي شخص اضطروا للنزوح نهاية مارس الماضي عقب الهجوم الطائفي الذي راح ضحيته رجال وأطفال من العرب السنة على يد مسلحين شيعة وعناصر من قوات الشرطة كرد فعل انتقامي على تفجير عد شاحنات مفخخة أودت بحياة 152 شخصا في الحي الشيعي بتلعفر.
وما زالت حكومة رئيس الوزراء، نوري المالكي، تواصل التحقيقات حول تورط الشرطة في هذه المذبحة، ويوجد بالفعل 18 عنصرا من عناصر الشرطة رهن الاعتقال.
وعقب أحداث العنف الدامية في تلعفر أنشأ الهلال الأحمر العراقي معسكرات للاجئين في الموصل، حيث تم نصب الخيام في أحد الحقول لإيواء أكثر من 250 عائلة أغلبهم من السنة. وليس بوسع هذه المخيمات سوى تقديم الخدمات الأساسية كالطعام والمياه والأغطية، ويشكو الهلال الأحمر من نقص الإمدادات الطبية.
المشردون
وتقدر المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة عدد النازحين العراقيين في الدول المجاورة بحوالي مليوني شخص، بينما لا يزال 1.9 مليون شخص بالداخل في عداد المشردين وبلا مأوى، وبالتالي لا تبدو أي بادرة أمل في التحسن، إذ تشير التقديرات إلى نزوح ما بين 40.000 إلى 50.000 من ديارهم سنويا.
ومن بين هؤلاء النازحين تروي حسنية داود -شاهدة عيان من تلعفر- أحداثا دامية بعد مشاهدتها قوات من الشرطة والميليشيات العسكرية تجبر نحو 10 من الرجال على الوقوف إلى الحائط رافعين أذرعهم في الهواء.
إذ تقول حسنية: "رأيتهم يتساقطون (الرجال) أمام عيني مضرجين بدمائهم بعد أن قامت الميليشيات بفتح النار عليهم". وتضيف: "ذهب زوجي وشقيقي لمراقبة ما حدث، ولكنهما لم يتمكنا من العودة".
تصاعد التوترات الطائفية
وفي مارس 2006 صرح الرئيس بوش بأن مدينة تلعفر تعد دليلا على نجاح ما أسماه بإستراتيجيته في العراق، واصفا تلعفر بأنها "مدينة حرة تعطي بارقة أمل لعراق حرة".
أما اليوم، وبعد مرور أكثر من عام على هذا التصريح، تعاني المدينة من نفس التوترات الطائفية التي أودت بحياة عشرات الآلاف من العراقيين في أنحاء البلاد.
فعلى حد قول إحدى الشيعيات المتزوجة من سني فإن "الوضع مثير للشفقة، فلا أحد يعرف من ضد من".
وأردفت السيدة التي لم ترد الكشف عن اسمها: "القاعدة وراء هذه التفجيرات في تلعفر، فهم يقصفون الشيعة، ونحن لا نريد أيا من الميليشيات الشيعية أو القاعدة".
وكانت هذه السيدة قد فرت مع أطفالها بعد عمليات إطلاق نار، ولم تلتق زوجها منذ ذلك الحين.
بلا ذنب
أما عبد السلام -وهو عامل بلدية- فيقول: "في هذا اليوم المشئوم قتلت اثنتان من شقيقاتي.. راحتا بلا ذنب أو جريمة.. سوى أنهما من إحدى الطوائف دون غيرها".
بينما يعتبر أبو فضل -الكفيف ذو الأعوام السبعين أحد سكان تلعفر- أن الاحتلال الأمريكي قد جر الخراب على بلاده.
ويحن أبو فضل -الذي فقد ابنا وحفيدا في هذا اليوم- إلى الأيام الجميلة الماضية قبل الغزو الأمريكي لبلاده في مارس 2003، حيث يقول: "منذ دخول القوات الأمريكية العراق، ومدينة تلعفر تعيش في عنف وإرهاب
ناشئ عن التوترات الطائفية".

ويقدر عدد سكان تلعفر بأكثر من 200.000، رغم إعلان مسئولين في القوات الأمريكية أن عدد السكان انخفض حاليا إلى 80.000 نسمة. وينحدر معظم سكان المدينة من أصل تركماني، وهم 70% من السنة والبقية من الشيعة.