الخميس، 29 مايو، 2008

الأئمة وسؤال الاندماج .. دراسة هولندية

أمل خيري

على مدى العقدين الأخيرين شهدت الساحة الهولندية العديد من النقاشات حول تطوير الإسلام في المجتمع الهولندي، وعن الدور الذي يجب أن يلعبه الأئمة المسلمون في إدماج شباب المسلمين في المجتمع الهولندي ذي الخلفية العلمانية الغربية.
Image
ومنذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي عقد المجتمع الهولندي والحكومة الهولندية بشكل خاص الآمال على دور الأئمة الاجتماعي كوسطاء في عملية التكامل الاجتماعي من خلال رسم صورة مثالية للإمام المسلم الذي يسعى حثيثا لإدماج المسلمين في المجتمع الهولندي، إلا أن الحكومة غاب عنها أن أغلب هؤلاء الأئمة نازحون من دول إسلامية مثل تركيا والمغرب، وأن مدة إقامتهم في هولندا مؤقتة لا تتعدى الأربع سنوات؛ وبالتالي فإن معظمهم لا يتحدث حتى اللغة الهولندية.
ولذلك يتبادر السؤال: كيف يمكن لهؤلاء الأئمة أن يقوموا بدور فعال في قيادة المجتمع المحلي، والعمل على إدماج الأقليات المسلمة في إطار المجتمع الهولندي الأشمل في الوقت الذي لا يعرفون فيه لغة هذا المجتمع ولا كيفية التواصل معه؟!
سياسات التكامل
ما زالت لدى الحكومة الهولندية توقعات مغالية حول دور الأئمة المطلوب في المجتمع الهولندي من خلال تكوين جيل جديد من الأئمة المدربين داخل هولندا، والنظر إلى هذا التدريب على أنه السبيل الوحيد لتحقيق الاندماج، وضرورة إبداء هؤلاء الأئمة لولائهم وإخلاصهم للقيم الاجتماعية الهولندية مثل مساواة الرجال والنساء، وعدم التمييز بين البشر بناء على النوع، وأخيرا علمنة المجتمع وفصل الدين عن الدولة.
ولكن لأي مدى تتفق هذه الآمال مع توقعات الأئمة بل وعامة المسلمين أنفسهم داخل المجتمع الهولندي؟
وللإجابة على هذا التساؤل قامت الدكتورة "ويلموت بويندر(1) بدراسة استطلاعية مبدئية شملت مسجدين واتحادًا للطلاب المسلمين، واستمرت الدراسة من عام 2000 وحتى 2004، وقد أظهرت الدراسة التي نشرتها بويندر في كتابها "الإمام في هولندا" أن الإمام بالفعل يستطيع أن يلعب دورا رسميا في التأثير على الآراء والمعتقدات بخصوص القيم الأخلاقية والاجتماعية من خلال الدروس الدينية وخاصة خطبة الجمعة، إلا أنه في الوقت نفسه لا يملك عصا سحرية لتحقيق الاندماج وتنفيذ سياسات التكامل؛ خاصة أنه ما زال يمثل النمطية في الوثائق الحكومية والتغطية الإعلامية.
أدوار الأئمة
غلاف كتاب الإمام في هولندا
ترتكز رسالة الأئمة على القرآن والسنة والفقه، في الوقت نفسه يتجه هدف هؤلاء الأئمة نحو تشجيع المسلمين على المشاركة المجتمعية، وتسليط الضوء على أهمية الأخلاق في المجتمع، وتشجيع المسلمين على تعليم أطفالهم على أعلى مستويات دراسية ممكنة، وصرف الناس عن الحياة المادية والانغماس في الشهوات؛ حيث يركز الأئمة على أهمية الزواج وتهذيب الغرائز الإنسانية، وكل هذه الأمور لا يبدو أنها تتعارض من حيث الظاهر مع القيم المدنية في هولندا، فالأئمة بهذا الشكل يدعمون المجتمع المدني ولكنهم في الوقت نفسه يعتبرون تدعيم روابط الدين بين المسلمين سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي هو رسالتهم الأولى.
وتتعدد أدوار الأئمة في المجتمع الهولندي، فكما يرى الأئمة أنفسهم تشمل هذه الأدوار جانبا دينيا وثقافيا واجتماعيا.
فللأئمة دور ديني يتمثل في مكانتهم نفسها؛ حيث ينظر إليهم كممثلين للإسلام ومستشارين يقدمون المشورة الدينية، ويقومون بالرد على الفتاوى، إضافة إلى دورهم في التربية الإيمانية للأفراد.
كما يقوم الأئمة بدور عرقي - ثقافي يتمثل في تأكيد صلتهم وصلة كل مجموعة من المسلمين بالوطن الأم سواء الصلة بلغة الوطن أو ثقافته.
وأخيرا ينتظر من الأئمة القيام بدور مجتمعي وهو الدور الذي يخص الرد على استشارات المسلمين حول المستجدات في المجتمع الهولندي وكيفية التعايش معها.
إلا أنه مع ذلك لا ينبغي التهويل بشأن دور الأئمة في المجتمع الهولندي؛ لأن الإمام في النهاية لا يمتلك أدوات التصرف أو سلطات الإلزام؛ فدوره يقتصر على تقديم النصح، ولكن القرار النهائي يعود للمسلم نفسه، وهذا هو الفارق الأساسي بين دور الإمام ودور القساوسة المسيحيين على سبيل المثال؛ حيث يعتبر القس بسلطته الكهنوتية وسيطا بين الله والبشر.
بين الأئمة والمسلمين
أما على مستوى المسلمين أنفسهم فإن الجيل الأول من المهاجرين إلى هولندا كان يرى الحفاظ على الروابط الثقافية بالوطن الأم من أهم أولوياته؛ لذا فإن المؤسسات الإسلامية التقليدية المألوفة قد انتقلت معهم خاصة المسجد، فكان اهتمام هذا الجيل منصبا على بناء المساجد وإعطاء إمام المسجد مكانة حيوية فهو لا يؤم المسلمين في صلاتهم فحسب بل أيضا يعمل كمرشد اجتماعي للمصلين.
بينما نرى أن الجيل الثاني والثالث قد اختلفت نظرتهم للإمام؛ فهو في نظرهم من يرشدهم إلى الحلال والحرام، ويعلمهم كيفية ممارسة شعائر دينهم، وبالنسبة للشباب والمراهقين فإنهم يتوقعون من الإمام أن يوضح لهم الحكمة التي تقف وراء كل العبادات، وأن يمدهم بالمعاني الروحية للسلوك، وتبعا لرؤية هذين الجيلين فإن الإمام ينبغي عليه ليس فقط أن يصلح للإمامة والدعوة بل عليه أن يملك أدوات الإقناع، وأن يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وأن يتمتع بنوع من الكاريزما الشخصية التي تجعل الجميع يلتفون حوله ويستفتونه في أمور حياتهم اليومية.
إلا أن الواقع الفعلي يظهر أن بعض الأئمة فقط هم القادرون على أداء هذا الدور؛ فيعتبرهم المسلمون بمثابة المصدر الأول للمعلومات الموثقة، بينما الكثير من الأئمة التقليديين لا يهتمون بذلك، وبالتالي فإن كثيرًا من الشباب يعتبر ما ينصح به الإمام لا يزيد عن كونه نصيحة لا تحمل أي قدر من الإلزام.
كل هذا يدفع إلى القول بضرورة عدم المبالغة في تقدير دور الأئمة في هولندا خاصة الأئمة من أصول تركية أو مغربية والذين لم يتعلموا اللغة الهولندية، وفي الغالب يستعينون بمترجمين كوسطاء بينهم وبين المسلمين المقيمين في هولندا؛ مما يعمق الهوة بين الإمام والمسلمين.
كل هذه العوامل السابقة تفسر تراجع دور الأئمة الحقيقي في المجتمع الهولندي؛ فحسب دراسة "ويلموت بويندر" فإن القليل فقط من المسلمين من يلجأ للإمام ليستشيره فيما يخص المجتمع الهولندي، بينما الأغلبية لا تفعل ذلك.
الدعاة الجدد
وإذا كان هذا هو الحال فلماذا تصر الحكومة الهولندية على برامج تدريب الأئمة؟ ولماذا تعقد الآمال على دور الإمام في سياسات الاندماج والتكامل؟
يعود السبب في ذلك إلى مركز الإمام بالنسبة للمسلمين؛ حيث إن معرفته حول أصول الدين وإمامته للصلاة تكسبه قدرا من الصلاحية والسلطة داخل المجتمع، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن المسلمين يتقيدون بشكل صارم بأوامره، فالشباب والمثقفون مثلا يتفحصون رؤيته ويقارنونها بأفكار أقرانهم وأقاربهم والدعاة المنتشرين عبر الإنترنت والمحاضرين الهولنديين.
وبجانب هذه المصادر للمعلومات فإن الداعيات المسلمات أيضا ينبغي عدم إغفال دورهن وتأثيرهن، وإن كان في كثير من الأحيان لم يأخذ هذا الدور حقه في النقاش العام؛ فلهؤلاء الداعيات تأثير كبير؛ خاصة أن النساء بوجه عام يفضلن أن يستشرن داعيات نساء في أمور دينهن وحياتهن الخاصة، في الوقت الذي تتجنب فيه أغلب النساء أي اتصال مباشر مع الأئمة والدعاة من الرجال، وإن حدث الاتصال فإنه يكون بشكل غير مباشر إما من خلال الاستماع لخطبة الجمعة أو من خلال أسئلة مكتوبة يمررنها للإمام بواسطة أحد المحارم.

أمام هذه المصادر الجديدة للدعوة لا بد أن تتزايد التشاورات وتبادل الخبرات بين الأئمة المحليين؛ وخاصة أن الشباب قد أصبح تأثرهم الأكثر بالدعاة الجدد، سواء دعاة الفضائيات مثل عمرو خالد أو الدعاة في الفضاء الإلكتروني والمنتديات وغرف البالتوك، إضافة إلى تأثرهم بالعديد من الكتب المترجمة إلى الهولندية.
أيضا، في حين أن الجيل الأول من المسلمين كان يعتبر الإمام المحلي المصدر الأول لتعليم القيم والأخلاقيات لأطفالهم، فإن هؤلاء الأطفال أنفسهم فيما بعد قد أصبح لديهم أطفال ولم يعودوا يعولون على دور الإمام في تنشئة أطفالهم الدينية.
ومع تأثر الجيل الحالي بتقنيات الاتصال الحديثة أصبح النظر للإمام المحلي فقط على أنه راعي التقاليد الثقافية البالية للوطن الأم، وبالتالي لم يعد صالحا للعمل في المجتمع الهولندي المعاصر، ومما عزز من هذه النظرة السلبية انتشار عدد من الدعاة الجدد ذوي الاتجاهات السلفية الذين يعملون خارج إطار المساجد الرسمية، ويتأسس خطابهم على أساس عرقي مما ساهم في تأصيل الانعزالية والتحزب بين المسلمين أنفسهم بدلا من اندماج المسلمين ككل في المجتمع الهولندي الأكبر.
المؤسسات البديلة
كل هذا دفع في اتجاه إيجاد مؤسسات دينية بديلة وأدوار دعوية متجددة؛ فظهرت بعض الجامعات الإسلامية في هولندا والتي يدرس فيها الرجال والنساء معا، إضافة إلى الدعوة والوعظ داخل السجون والمستشفيات من خلال جهات رعاية مؤسسية، كما ساهم العديد من الكتاب والمثقفين المسلمين من الرجال والنساء في النقاش العام حول المعرفة الإسلامية، وكل هذه التطورات وما لازمها من نقاش يدخل في صميم ما يسمى بتطوير الإسلام في هولندا، أو ما اصطلح على تسميته: "الإسلام الهولندي".
وفي الوقت الحاضر تتزايد الحاجة لمثل هذه المؤسسات في المجتمع الهولندي والتي لن تلغي دور الأئمة، ولكن على الأقل تضع دورهم في حجمه الصحيح، خاصة أن مشاكل تدريب الأئمة تتزايد في ظل عدم توفير تمويل لهذا التدريب وعدم التجانس بين الجماعات المسلمة نفسها، إضافة إلى غياب المدربين المؤهلين لهذا النوع من التدريب، وبالتالي فإن الدور الديني للأئمة هو الذي سيستمر، أما التعويل على الدور المجتمعي فيجب ألا يعيق سياسات التكامل والاندماج، وعلى الحكومة أن تبحث عن بدائل لهذا الدور، وألا تضع بيضها كله في سلة واحدة (2).


(2)- Welmoet Boender, Imams in the Netherlands: Expectations and Realities, I S I M , International Institute for the Study of Islam in the Modern World, review 21 ,spring 2008
رابط نشر المقال:

الخميس، 22 مايو، 2008

رحلة العمر الوردية خطوة.. خطوة *


أمل خيري

الزواج.. ذلك الحلم الوردي الذي يداعب كل شاب وفتاة في مقتبل العمر ما هو إلا رحلة في قطار العمر المفعم بالآمال، وكأي رحلة تتطلب استعدادات جادة وخطوات حثيثة كان لابد من التأني في اتخاذ قرار الزواج وقرار اختيار شريك الحياة؛ لذا فقد وعت شبكة "إسلام أون لاين.نت" بشقيها الإعلامي والاستشاري أهمية هذه الخطوات في حياة كل شاب وفتاة وقدمت الخطوط الإرشادية العامة التي تتوافق مع رؤيتها الشاملة. اختيار شريك الحياة.. خبرة شبكة إسلام أون لاين.نت
قدمت الشبكة في البداية الإجابة عن السؤال الأهم في رحلة الزواج والذي كثيرا ما يغفل عنه الشباب والفتيات، وهو: لماذا نتزوج؟
وبصفة عامة فإن الهدف الأساسي للزواج هو إعفاف النفس، وتكوين أسرة، وإنجاب ذرية، وتربية أبناء صالحين، ولذلك فإن على الشاب والفتاة الوضوح التام في تحديد هدف كل منهما من الزواج؛ لأن الانحراف عن هذا الهدف الأساسي يؤدي إلى تخبط الشخص في اختيار شريك حياته وتردده واتخاذه القرار الخاطئ.
وبالطبع فإن قرار الزواج ليس صعبا أو مستحيلا، ولكنه قرار مهم ومصيري؛ لذا ينبغي التروي في اتخاذ هذا القرار والتدقيق في توقيته، والأهم أن يحدد الشخص طبيعة شخصيته وما الذي يريده؟ وما الذي يلائمه؟ وما هي أبرز إيجابياته وسلبياته؟
كما عليه أن يحدد بدقة إمكانياته ومدى توفر متطلبات الزواج لديه أو ما يعرف بالباءة، فالزواج ليس حبًّا عاطفيًّا رومانسيًّا فحسب، وإنما أيضًا مسئوليات مادية ونفسية واجتماعية تحتاج إلى إعداد وتهيئة من كل هذه النواحي، وبالتالي لا بد من حساب القدرات والمؤهلات والإمكانيات بدقة قبل الإقدام على الزواج.
التأني في الاختيار
ويؤكد خطاب شبكة "إسلام أون لاين.نت" أنه إذا كان قرار الزواج من القرارات المهمة فإن قرار اختيار شريك الحياة هو الخطوة التنفيذية الأهم؛ لأن الاختيار السليم المتأني بمثابة الوقاية التي هي خير من العلاج، بينما على النقيض، الاختيار العشوائي مقدمة لمشكلات أسرية خطيرة يدفع ثمنها الطرفان وأسرتهما وربما أطفال أبرياء، ولذلك فإن قرار الاختيار في النهاية لا يجب أن يتحمله سوى الشخص نفسه، وبالتالي لا بد من تحديد المميزات التي لا يستطيع الاستغناء عنها في شريك حياته، والسلبيات التي يمكن تحملها، وتلك التي لا يمكن تقبلها، لكنه مع ذلك لا يوجد اختيار صحيح أو خاطئ مائة في المائة، ولكن يوجد اختيار يستطيع كل طرف فيه أن يتعايش مع سلبياته، ويتكيف مع ما يترتب عليه من نتائج مع جعل المواصفات التي يطلبها في شريك حياته واقعية، ويساعد في هذا أن يدرك كل طرف أن الكمال لله وحده ولا يوجد شخص متكامل الصفات والمميزات.
كيف نختار؟
ويشير خطاب "إسلام أون لاين.نت" إلى تعدد طرق اختيار شريك الحياة ما بين زواج تقليدي (صالونات)، إلى زواج الترشيح من قبل أحد المعارف أو الأقارب، إلى الزواج باختيار الأهل، أو زواج بين أقارب، أو زواج عن طريق الخاطبة أو مكاتب الزواج، وهناك أيضا طرق للاختيار الشخصي سواء ما يتم منها على أرض الواقع أو عن بُعد، مثل علاقات الشات ومواقع الزواج، وغيرها من طرق التواصل في الفضاء الإلكتروني.
والحقيقة أنه لا توجد طريقة صحيحة وأخرى خاطئة، ولكن المهم هو التعرف على مميزات كل طريقة وتجاوز سلبياتها، فعلى سبيل المثال يجب تطوير طريقة الاختيار التقليدي بالسعي في اتجاه التعارف الحقيقي بين الطرفين، ولا يتم المضي في خطوات الزواج الرسمية إلا بعد أن يتعارف الطرفان والأهل أيضا بشكل كاف.
وفي زواج الترشيح أو الزواج عن طريق الأهل يجب أن يحدد الشخص بدقة المواصفات التي يريدها في شريك حياته ويتوقف دور الأهل عند مرحلة الترشيح فقط، ولا يتعداها لإجبار الشخص على الاختيار بدون رغبته.
أما في الزواج عن بُعد والذي انتشر مؤخرًا بين الشباب فيجب أن يعي الشخص جيدا مشكلات هذا النوع من التعارف، والتي من أهمها تعمد الكذب والتضليل وظهور الطرف الثاني بمظهر مختلف عن حقيقته الواقعية؛ لذلك لا يصلح أن يترتب على العلاقات عن بُعد ارتباط حقيقي إلا بعد تحول هذا التعارف الافتراضي إلى تعارف حقيقي على أرض الواقع بمباركة الأهل.
دعائم الاختيار
ويؤسس خطاب الشبكة لأركان الزواج الناجح، فهو يرى أن الزواج علاقة أبدية، هدفها الاستقرار وتكوين أسرة ورعاية أبناء، لذلك يجب أن يقوم على دعامات قوية ومتعددة وأهمها:
  1. الدين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك"، وصاحب الدين هو من اجتمعت فيه مرغبات النكاح بحسن إيمانه وتقواه وتطبيقه لشرع الله؛ لأن الدين هو حياة كاملة وليس عبادات أو طقوسا شكلية فحسب.
  2. حسن الخلق: "إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه".
  3. الكفاءة: فعن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرًا له من زوجة صالحة؛ إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله".
  4. التكافؤ: من الناحية الاجتماعية والثقافية والعلمية والفكرية وغيرها، ولا يقصد بالتكافؤ المساواة التامة، ولكن وجود مساحات مشتركة تصلح للبناء عليها؛ وذلك لأن التكافؤ يؤدي لاحترام كل من الزوجين للآخر، ويؤدي إلى توافق الزوجين وحسن المعاشرة بينهما.
  5. الإدام: بمعنى القبول والرضا والألفة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
مع الأخذ في الاعتبار أن هذه المعايير تتفاعل مع بعضها في منظومة متكاملة، فالجمال مثلا لا يصلح وحده كأساس للاختيار بدون النظر للدين والخلق والتكافؤ، وكذلك باقي المعايير لا يصح النظر إلى أحدها بمعزل عن باقي المعايير الأخرى.
بعقلي أم بقلبي؟

ويأتي السؤال الذي يحير الكثير: هل أختار بالعقل أم بالقلب؟
والحقيقة أن العاطفة تعني وجود المشاعر الطيبة أو الحب والتوافق والانسجام ووجود قبول نفسي وارتياح في أسرة كل طرف، وهذه العاطفة فطرة بشرية أودعها الله في قلوب البشر.
وبصفة عامة لا زواج بدون حب، والذي يتمثل في أدنى منزلة له في القبول النفسي بين الطرفين، فلا يعقل أن يستمر الشخص في إجراءات الزواج وهو يشعر بالنفور التام من الطرف الثاني، لكن العاطفة ليست كل شيء ولا تصلح وحدها معيارا في الاختيار بل لا بد من إعمال العقل في الاختيار والموازنة بين العقل والعاطفة بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
ولنا خير أسوة في هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يوضح أهمية الجانبين فيما أوصانا به عند الاختيار، فأشار إلى جانب العقل في الحديث الشريف: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه". وأشار إلى جانب العاطفة حين قال: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
ما خاب من استخار
الخطوات الأخيرة في الاختيار أيضا تتطلب التأني والحكمة؛ لذا لا بد فيها من الاستعانة باستخارة الله ومشاورة أهل الخبرة، وذلك بعد الاطمئنان للقبول النفسي للطرف الثاني، وبعد التأكد من مدى مناسبته من ناحية المستوى الثقافي والاجتماعي والمادي والطباع الشخصية والظروف الأسرية الظاهرة، إلى غير ذلك من الاعتبارات العقلية.
وتكمن أهمية الاستخارة، في أنها نوع من حسن التوكل وتفويض الأمر لله بعد أن أدى الإنسان ما عليه، والاستخارة لا تعني بالضرورة أن يرى صاحبها حلمًا ورديا أو مزعجا، بل تظهر نتائج الاستخارة في ملاحظة مدى اليسر أو العسر في إتمام خطوات الزواج.
"مطبات" الاختيار
ولكن قد يقع الشخص في دائرة الاختيار السيئ لعدة أسباب من بينها:
التسرع في الاختيار دون التفكير في أبعاد القرار كرد فعل لفشل علاقة خطبة أو زواج سابقة، أو أن تقدم الفتاة تنازلات في الاختيار هربا من شبح "العنوسة"، أو النظر لمعيار واحد بمعزل عن المعايير الأخرى، وهو خطأ يقع فيه الكثير بسبب عدم تحديد المعايير المطلوبة بدقة قبل الإقدام على الاختيار.
ويتمثل سوء الاختيار في وجود صورة ذهنية حالمة عن شريك الحياة قد تكون مستقاة من أحلام اليقظة أو من الروايات العاطفية أو الأعمال الدرامية، وهذه الصورة تقف عائقا دون الاختيار السليم، أو أن يقع الشخص أسيرا لوهم الحب الأول، حيث يتصور الكثير أن الحب الأول هو نهاية العالم، وهو الحب الحقيقي الوحيد.
أما "المطب" الأخير فهو ما يطلق عليه زواج التيك أواي أو الزواج المتسرع، حيث لا يعطى للطرفين فرصة التعارف الجاد داخل محيط الأسرة، والذي يلجأ إليه كثيرًا الشاب المغترب عن وطنه، وكل هذه "المطبات" وغيرها ينبغي الحذر منها ليصل الطرفان معا إلى بر الأمان.
*الأصل دراسة قدمتها الباحثة بعنوان: " اختيار شريك الحياة.. خبرة شبكة إسلام أون لاين.نت".

الأربعاء، 21 مايو، 2008

المدارس الإسلامية في جنوب إفريقيا

بقلم: أمل خيري

ازدواجية العلمانية وإسلامية المعرفة
المدارس الإسلامية في جنوب إفريقيا
كان ولا يزال التعليم أحد ميادين النضال الرئيسية التي خاضها المجتمع المسلم في جنوب إفريقيا في إطار جهوده المتواصلة لمقاومة تحديات تحول المجتمع والرغبة في الاحتفاظ بهوية دينية مستقلة وثقافة إسلامية أصيلة.
Image
التعليم الإسلامي والتطلع للمستقبل
وفي هذا السياق ظهرت عدة مدارس إسلامية مستقلة في العقدين الأخيرين، حيث يوجد حوالي 80 مدرسة إسلامية في جنوب إفريقيا تتركز معظمها في ثلاث مقاطعات أساسية وهي كيب تاون، جوتنج، كوازولو، حيث تم اعتماد هذه المدارس من قبل وزارة التعليم في جنوب إفريقيا كما تتبع هذه المدارس المنهج الدراسي الوطني.
في الوقت نفسه يتم تدريس بعض الدراسات الإسلامية واللغة العربية كمواد إضافية وإن كانت اللغة العربية وحدها هي المعترف بها ويتم الامتحان فيها بشكل رسمي.
والمدارس الإسلامية شأنها كباقي المدارس المستقلة لا تتلقى سوى القليل من الدعم الحكومي وبالتالي فالاعتماد الرئيسي يكون على الرسوم الدراسية التي يدفعها الطلاب وعلى منح يقدمها متطوعون مما يترتب عليه ارتفاع رسوم هذه المدارس، وبالتالي لا يلتحق بها سوى النخبة من أبناء العائلات الواسعة الثراء، وتظل لجان إدارة هذه المدارس في نضال من أجل تأمين موارد ثابتة لها وجذب ممولين ورعاة لمواجهة الاحتياجات المالية للمدارس.
ازدواجية المناهج
إلا أن المشاكل المالية ليست التحديات الوحيدة التي تواجه مديري هذه المدارس فما زالت هناك تحديات يفرضها الاختلاف حول المناهج وطرق التدريس بين المدرسين ذوي الأصول الإسلامية وأولئك من ذوي الاتجاهات العلمانية، فبينما كان التعليم في المدارس الإسلامية يتبع فيما سبق مناهج إسلامية محافظة شبيهة بمناهج مدرسة ديوباند التي نشأت في الهند فإن الاتجاه المعاصر يتمثل في مزيد من الانفتاح على طرق التدريس الحديثة والتي تتفق مع الرأي العام العالمي في العالم الليبرالي.
الحرص على إقامة الشعائر
وتظل المدارس الإسلامية هي المفضلة لدى أولياء الأمور المسلمين في جنوب إفريقيا؛ نظرا لما تقدمه من تعليم أكاديمي يزود الدارسين بالمهارات التي تمكنهم من مواجهة احتياجات المجتمع العالمي في الوقت نفسه الذي يتم هذا التعليم في بيئة إسلامية مميزة، حيث ينشأ الأطفال في جو إسلامي صحيح، حيث تتوقف الدراسة في أوقات الصلاة ويتعود الأطفال على إقامة الشعائر الدينية الأخرى كما تعتاد الفتيات على ارتداء الحجاب ويمنع الاختلاط بين البنين والبنات.
وهذه المزاوجة بين التعليم الديني والحديث هو ما يميز هذه النوعية من المدارس عن نموذج آخر يقابله من المدارس الإسلامية التقليدية، مثل مدارس دار العلوم، حيث لا يوجد سوى التعليم الديني فقط، وأغلب هذه المدارس الدينية لا يذهب إليها التلاميذ إلا فترة الظهيرة بعد الانتهاء من الدراسة في المدارس الحكومية، وتتم الدراسة غالبا في المنازل أو في المساجد وتقتصر فقط على تعليم تلاوة القرآن واللغة العربية والشعائر الدينية والتاريخ الإسلامي وخريجو هذه المدارس يتم تأهيلهم ليصبحوا مدرسين للعلوم الإسلامية أو شيوخا بالمساجد.
الهوية الإسلامية
أما النموذج الجديد للمدارس الإسلامية التي تمزج بين التعليم الديني والعلماني فتعد إحدى المبادرات التي قام بها المجتمع المسلم في محاولته للتكيف مع المجتمع المصطبغ بالقيم الغربية والمسيحية بشكل أساسي مع الاحتفاظ بالهوية الإسلامية المميزة في أثناء مرحلة التمييز العنصري.
وللإجابة عن التساؤل بشأن مدى نجاح هذه المدارس في تشكيل الهوية الإسلامية داخل المجتمع الديمقراطي قامت الدكتورة إنجا نيهاوس بدراسة ميدانية لعينة منتقاة من بعض المدارس الإسلامية المستقلة، وتأتي هذه الدراسة في إطار مشروع بحثي متكامل للمدارس الإسلامية في بريطانيا وجنوب إفريقيا وهولندا، وهذا المشروع يعد جزءا من برنامج بحثي أشمل بعنوان "المسلمون في أوروبا ومجتمعاتهم الأصلية في إفريقيا وآسيا" والذي قام بتنسيقه مركز الإسلام المعاصر ببرلين.
وقد تمت الدراسة الميدانية التي قامت بها الدكتورة إنجا على مرحلتين، حيث بدأت المرحلة الأولى بمقابلات مع مديري ومدرسي هذه المدارس، ثم كانت المرحلة الثانية باستطلاع رأي تم توزيعه على طلاب هذه المدارس فيما بين خمس عشرة وسبع عشرة عاما من العمر، وهدفت أسئلة الاستطلاع للتعرف على معتقدات هؤلاء الطلاب الدينية وطرق ممارستهم للشعائر التعبدية واتجاهاتهم نحو أتباع الديانات الأخرى ورؤيتهم العامة للمجتمع الذين يعيشون فيه.
نشأة المدارس الإسلامية
تعود نشأة المدارس الإسلامية في جنوب إفريقيا إلى مطلع القرن العشرين وتحديدا في عام 1913، حيث ظهرت مدارس البعثات الإسلامية كرد فعل لنشأة مدارس الإرساليات المسيحية التي كانت تقوم بتعليم أغلب الأطفال في ذلك الوقت، بينما كان المجتمع المسلم في أشد الحاجة لتعليم أبنائه المناهج الإسلامية واللغة العربية، وبالفعل نشأت هذه المدارس، ونالت بعض الدعم من الحكومة والذي تمثل في دفع مرتبات المدرسين وصيانة المباني المدرسية، وتعد هذه النوعية من المدارس أول مؤسسات تعليمية جمعت بين التعليم الديني والعلماني في جنوب إفريقيا.
ومع تولي حكومة التمييز العنصري السلطة عام 1948 فقد اختفت هذه المدارس إما بسبب إغلاقها من قبل سلطة الفصل العنصري أو بسبب دمجها في نظام التعليم العنصري نفسه وبالتالي أصبحت مدارس حكومية عامة.
إلا أن حقبة الثمانينيات حملت معها الأمل مرة أخرى في إعادة إحياء التعليم الديني فظهرت بعض المدارس الإسلامية في الوقت الذي كان فيه التعليم بكافة أشكاله يواجه تحديات كبيرة تمثلت في انخراط الكثير من المدرسين والطلاب في حركات المقاومة الوطنية ضد سياسة التمييز العنصري البغيض.
مما ترتب عليه تفلت أعداد هائلة من الطلاب من التعليم خصوصًا في المدارس المتعسرة ماليا وانخفضت النتائج الأكاديمية، والأخطر من ذلك أن الأطفال المسلمين قد تعرضوا لنظام تعليمي مزدوج، حيث يدرسون في الصباح في المدارس العلمانية، وبعد الظهر في المدارس الدينية؛ وهو ما أثار خشية كثير من المفكرين الإسلاميين من تقديم هذا النظام التعليمي المتوازي لقيم ومعايير أخلاقية متناقضة للأطفال؛ مما قد يؤدي لاستقطاب بعضهم نحو الاتجاه العلماني.
إسلامية المعرفة
تأثر العديد من مؤسسي المدارس الإسلامية حول العالم، ومن بينها مدارس جنوب إفريقيا بمصطلح إسلامية المعرفة والذي برز في سياق المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي الذي انعقد بالسعودية عام 1977، حيث رأى العديد من المفكرين الإسلاميين الأزمة الكبيرة التي تواجه التعليم الإسلامي سواء في المدارس أو الجامعات، حيث لعبت الأيديولوجيات الغربية العلمانية دورها في تحجيم دور الإسلام في هذه المؤسسات التعليمية.
ولذلك قام الدكتور إسماعيل الفاروقي بتطوير مصطلح إسلامية المعرفة، الذي من شأنه أن يمزج الإسلام داخل المواد العلمانية؛ وهو ما يترتب عليه ضرورة مراجعة وإعادة كتابة الكتب المدرسية والمناهج التعليمية في المدارس والجامعات لتتلاءم مع القيم والأخلاقيات الإسلامية.
وفي هذا السياق حاولت المدارس الإسلامية بجنوب إفريقيا تطبيق مبدأ إسلامية المعرفة إلا أن النتائج ليست بالمستوى المرضي -وفق الدراسة الميدانية للدكتورة إنجا-، حيث ذكرت أن المدارس الإسلامية أصرت على تدريس المواطنة الديمقراطية ضمن مناهج مادة التوجيه الحياتي والتي تتناول أيضا قضايا التنوع والمعتقدات الدينية وحقوق الإنسان وحقوق وواجبات المواطنين، ولكن من وجهة نظر إسلامية؛ وبالتالي استبعدت قضايا، مثل الممارسات الجنسية للمراهقين وغيرها من القضايا المتعارضة مع القيم الإسلامية.
المعهد الإسلامي بكيب تاون
المعهد الإسلامي بكيب تاون
ويعد المعهد الإسلامي في كيب تاون أحد أهم هذه المدارس الإسلامية وتعود نشأته لعام 1984 وعبر العشرين عاما التالية توسع المعهد بشكل متواصل، حيث يضم اليوم 1000 طالب و80 معلم، وينظر إلى المعهد باعتباره من أفضل المدارس في كيب تاون.
ويضم المعهد مدرسة ابتدائية ومدرستين ثانويتين إحداهما للبنين والأخرى للبنات كما يحتوي المعهد على مسجد خاص به، ويعتمد المعهد المنهج الدراسي الحكومي بالإضافة إلى الدراسات الإسلامية واللغة العربية.
وترتكز رؤية المعهد على اعتبار الإسلام منهج حياة يشمل كل مظاهر النمو العقلي والجسدي والسلوكي للدارسين؛ ولذلك فقد قرر المعهد أن من بين أهدافه غرس الإيمان بالله وتنمية الوعي الديني لدى الطلاب وأغلب مؤسسي المدرسة ومدرسيها يعودون لأصول هندية، ويمثلون مدرسة الفكر المحافظ أو ما اشتهر بمدرسة ديوباند.
وكغيره من المدارس الإسلامية في جنوب إفريقيا يحاول المعهد الإسلامي تطبيق نموذج إسلامية المعرفة، ولكن حسبما يؤكد مولانا علي آدم مدير المعهد أن المعهد حتى الآن لم يحقق هدفه في مزج الإسلام بالمواد العلمانية بسبب عدم وجود كتب مدرسية أو مواد دراسية تخدم هذا التوجه، وبرغم ذلك فما زال هدف إسلامية المعرفة على قائمة أولويات المعهد.
ومن أجل تحسين جودة التعليم من خلال تدريب المدرسين وأسلمة المناهج الدراسية فقد انضم المعهد الإسلامي للمجلس الدولي للبحوث التربوية ومصادر التعليم أو ما يطلق عليه اختصارا (IBERR) ومقره في لندن ويهدف لدعم المدارس الإسلامية، خاصة في بريطانيا وأمريكا وجنوب إفريقيا من خلال دعم الإدارة المدرسية والعمل على تطوير كادر المعلمين بالمدارس، إضافة إلى إعداد بحوث المناهج الدراسية.
وعلى الرغم من أن المجلس لم ينشر بعد كتبه الخاصة به فإنه يقدم العديد من الإرشادات لطرق تدريس المواد العلمانية من وجهة نظر إسلامية.
والسؤال الذي تثيره خطط إسلامية المعرفة في هذه المدارس حول دور هذه الخطط في تشكيل هوية الطلاب المسلمين، وهو ما قامت الدكتورة إنجا باستخلاصه من خلال دراستها الميدانية، حيث أشارت التحليلات الأولية إلى أن الطلاب داخل هذه المدارس يشعرون بالرضا عن نظام التعليم الذي يتيح لهم ممارسة شعائرهم التعبدية والتعرف أكثر على الإسلام والشعور بدورهم الحيوي داخل المجتمع المسلم إلا أنه من جهة أخرى تعتبر خبرة الطلاب المسلمين في التعامل مع غير المسلمين ما زالت محدودة على الرغم من تركيز المناهج الدراسية على قيم التسامح والتفاهم بين الأديان، فقد أظهرت نتائج الدراسة المسحية؛ لهذه المدارس أن الطالب لا يكاد يصاحب أي زميل غير مسلم والقليل جدًّا من الطلاب الذين يمكنهم استحضار خبرة إيجابية في تعاملاتهم مع غير المسلمين في الوقت الذي يقدم فيه الأغلبية خبرات سلبية في التعامل مع غير المسلمين، وبرغم ذلك فقد أعرب الكثير منهم عن رغبتهم في التعرف أكثر على الأديان الأخرى والالتحاق ببرامج التبادل الديني.
ويبقى السؤال حول كيفية تنشئة الطلاب القادرين على أن يصبحوا مواطنين فاعلين في مجتمع متعدد الثقافات بدون خبرات إيجابية في كيفية التفاوض وإدارة الخلافات وحل المشكلات في التعامل مع الأطراف الأخرى.

الخميس، 8 مايو، 2008

الدين والأيديولوجيا.. تضاد أم اتفاق؟

بقلم: أمل خيري

حظيت مسألة الدين والأيديولوجيا وعلاقتهما بالإرهاب باهتمام الكثير من الباحثين والأكاديميين في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حيث تنبه الغرب لمدى تجاهله للإسلام وأوضاع المسلمين والرأي العام الإسلامي سواء في الشرق الأوسط أو في الغرب.
Image
ودارت المناقشات حول الإسلام والمسلمين وعلاقتهم بالإرهاب وشارك موقع Open Democracy في هذه النقاشات، حيث فتح المجال للباحثين لإثراء النقاش حول ملف الدين والأيديولوجيا بالتعاون مع عدة مؤسسات فكرية وثقافية أوروبية، وشهد الموقع جدلا حول قضايا الإسلام والأصولية الإسلامية والشريعة وغيرها من القضايا الفكرية التي تشمل العلاقة بين الدين والأيديولوجيا، وعكست هذه النقاشات مختلف الاتجاهات والرؤى الفكرية.
الأيديولوجيا والإرهاب
فقدم اللورد ميجناد ديساي(1) دراسته بعنوان "جذور الرعب: الإسلام أم الأصولية؟"(2)، والتي نشرها موقع Open Democracy في فبراير من عام 2007، حيث يفرق ميجناد بين الدين والأيديولوجيا، فيعتبر أن الدين شأن خاص بالفرد أو هو "ما يجب أن يكون"، وبذلك فإن الدين يعد بمثابة الموجه والمرشد للإنسان من الناحية الأخلاقية، كما أنه يحث الناس على الصبر على الشدائد ويعدهم بالنعيم الأخروي، وعلى الرغم من أن الدين هو شأن خاص فإنه حسب ما يراه ميجناد قد أُقحم في الحياة العامة واستخدمه البعض كأداة للعنف والعدوان ولغرس الضغائن والأحقاد بين البشر من أتباع الديانات الأخرى، بينما يرى ميجناد أنه لا يوجد دين واحد يحتكر القيم والفضائل الأخلاقية.
وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر بادر الكثير بالتساؤل حول الإسلام وعلاقته بالإرهاب، ودارت النقاشات حول مدى قدرة المسلمين على التعايش مع الطوائف الأخرى في المجتمعات الديمقراطية وأصبح المسلم في المجتمعات الغربية موضع شك ومصدر رعب، وقامت وسائل الإعلام بدورها في تشويه صورة الإسلام والمسلمين باعتبار الإسلام دين الإرهاب وكل المسلمين إرهابيين.
إلا أن ميجناد يقدم رؤيته في هذا الصدد بالتفرقة بين الدين والأيديولوجيا معتبرا أن جذور الإرهاب لا تكمن في الإسلام كدين ولكن في الأيديولوجيا السياسية التي تستخدم الخطاب الديني لتحقيق مصلحتها التي لا تختلف عن أي أيديولوجيا أخرى في سعيها للسلطة والنفوذ، فأسامة بن لادن مثلا في خطابه يؤكد أن الإسلام يواجه حربا شرسة من قبل المستعمر الصليبي الذي يعمد لانتهاك حرمة أراضيه، ومن ذلك اعتباره القواعد العسكرية في السعودية بمثابة تدنيس لأرض الحجاز المقدسة، ولذلك فقد حاول استمالة المسلمين السنة في كل أنحاء العالم ليثأروا من التحالف الأمريكي الصليبي وكل القوى المتورطة في الصراع (الصليبي - الإسلامي).
وبذلك يرى ميجناد أن خطاب بن لادن الأيديولوجي هو محاولة لتسييس الدين، وأن الإسلام الذي يدعو إليه بن لادن ليس الإسلام الحقيقي، بل هو دين إرهابي متعصب، بينما الإسلام الحقيقي هو دين سلام وتعايش سلمي، والعالم الآن في حاجة شديدة للتعرف على الإسلام على حقيقته وفصل الدين عن الأيديولوجيا ليتأكد الجميع أن المسلمين في كل أنحاء العالم يستطيعون التعايش والانسجام مع الآخرين، ويمكنهم أن يتشاركوا الاهتمامات العامة مع باقي الشعوب ومن ثم فإن الحل الأوحد لمكافحة الإرهاب من وجهة نظر ميجناد يكمن في الفصل بين الدين والأيديولوجيا.
الدين والأيديولوجيا
ومن جهته قام سامي زُبيدا(3) بدحض رؤية ميجناد هذه في دراسته بعنوان "الإسلام والدين والأيديولوجيا"(4) والتي نشرت أيضا في موقع Open Democracy، حيث يرى سامي زبيدا أن التفرقة بين الدين والأيديولوجيا لا تصلح إلا في ظروف معينة ولكنها لا تصلح في أحوال أخرى.
فبالتطبيق على الوضع الحالي منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر يمكن القول إن المصطلحين قد تقارَبَا تقارُبًا شديدا بحيث لم يعد من السهل الفصل بين الدين والأيديولوجيا، وتكمن نقطة الخلاف بين ميجناد وزُبيدا في مسألة اعتبار الدين شأنًا خاصًّا، حيث لا يتفق زبيدا مع هذا التوجه ويؤكد أن هذه الرؤية نابعة من الفكر الغربي العلماني الذي يعتبر الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه لا تنسحب على أي من مجالات الحياة، ولكن هذا غير صحيح بالنسبة للإسلام، والتاريخ المسيحي نفسه أيضا يدلل على عدم صحة هذا الافتراض ولا يوجد أدل على ذلك من الحروب الصليبية، حيث تم زج الدين في الصراع السياسي في مرحلة من المراحل ثم تراجع دور الدين في الغرب بعد تبني العلمانية، إلا أن هذا التراجع لم يكن في مصلحة المجتمع بل إنه تسبب في الانهيار الأخلاقي؛ لذا نرى الآن من يدعو لإباحة الإجهاض وحرية المثلية الجنسية وغيرها، وبالتأكيد هذه الأمور ليست في مصلحة أي مجتمع، والتفرقة التي طرحها ميجناد بين الدين والأيديولوجيا غير واقعية، فالغرب يرى المسلمين جميعا بغض النظر عن درجة تدينهم إرهابيين.
النموذج الباكستاني
وفي مقابل هذه الأطروحات قدم إيزود دين بال(5) رؤيته حول الدين والأيديولوجيا بالتطبيق على باكستان، ففي دراسته التي قدمها في مارس 2008 على موقع Open Democracy بعنوان "الإسلام والأيديولوجيا: الحالة الباكستانية"(6) حاول إيزود أن يطرح منظورا آخر في هذا النقاش حول ملف الدين والأيديولوجيا؛ فإذا كانت الأيديولوجيا تعرف على إنها "مجموعة من الأفكار المترابطة معا ومجموعة من الاعتقادات التي تعتنقها مجموعة من البشر وتطمح في فرض السيطرة على الآخرين"، فإن هذا التعريف قد لا ينطبق بالضرورة على ما يسمى بالأيديولوجيا الإسلامية.
فبالنظر مثلا لمبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهو مبدأ إسلامي أصيل، نجد أن هذا المبدأ يدعو المسلمين للمشاركة في توجيه الآخرين للخير وتنفيرهم من الشر، ولكن كيف يمارس التطبيق الفعلي لهذا المبدأ في الإسلام؟
نجد في الفكر الإسلامي عالمين جليلين قدما آراءهما حول مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما الإمام أبو حامد الغزالي في نظريته عن الحسبة التي تعرض فيها لوظيفة النهي عن المنكر، وكذلك الإمام ابن تيمية الذي أعاد فكرة تعريف المجتمع المسلم المثالي على ضوء الخبرة المستفادة بعد اجتياح المغول للدولة الإسلامية والقضاء على الخلافة العباسية.
السلفية والجهاد
أما في العصر الحديث فقد أصبحت الترجمة الفعلية لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر ارتباطا بواجب الجهاد في سبيل الله والذي آمنت به حركة طالبان في أفغانستان على سبيل المثال.
ويرى إيزود أن بعض المفكرين الإسلاميين المنتمين للمذهب السلفي الوهابي قد وظفوا مفهوم الجهاد للهيمنة على الدولة السعودية ونشروا أفكارهم الخاصة بالحسبة والجهاد، لذا فإنه من الصعوبة بمكان فصل الدين عن الأيديولوجيا.
وتعود جذور هذا الفكر للقرنين الثالث والرابع الهجريين، حيث نشأ الاتجاه السلفي كرد فعل لمجابهة الفكر المعتزلي من خلال مذهب أهل السنة والجماعة الذي دعا للعودة للأصول، فنشأ إجماع قوي لتدعيم القيم التقليدية ونبذ المعاصرة استمر حتى الآن حسب ما يرى إيزود.
وبالتطبيق على الحالة الباكستانية نجد أن جذور الأصولية الإسلامية تعود إلى مرحلة النضال من جانب الرابطة الإسلامية بقيادة محمد علي جناح(7) لتأسيس دولة إسلامية مستقلة في شبه القارة الهندية في 14 من أغسطس 1947، وظهرت أصوات من خارج الرابطة الإسلامية داعية للعودة للأصول كان من أشدها تأثيرا أبو الأعلى المودودي ومحمد أسد.
وبالنسبة لمحمد أسد(8) أو "ليوبولد فايس" قبل إسلامه فقد رأى أن الانحراف الذي يعاني منه المسلمون اليوم سببه ابتعادهم عن تعاليم دينهم، لذا فإنه يرى الحل الأوحد في العودة للأصول أو للإسلام الخالص على حد قوله، ودعا في كتابه الشهير "الإسلام على مفترق الطرق" إلى عدم الخضوع للمقاييس العقلية الغربية، بل يجب النظر للإسلام على أنه المقياس الوحيد للحكم على الأمور والعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما أبو الأعلى المودودي والذي أسس الجماعة الإسلامية بلاهور عام 1948 فقد طالب بدولة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية ويرأسها حاكم عادل ورع انطلاقا من مفهوم الحاكمية، حيث لا حكم إلا لله، وقد انتشرت أفكار المودودي وحازت اهتمام الكثيرين من الطلاب والأكاديميين على حد سواء، بل تبنتها بعض الأصوات داخل الجهاز الحكومي نفسه، وكان للجماعة الإسلامية تأثير فكري مهم في عمليات تشكيل الدستور الباكستاني.
وحسب إيزود فإن أفكار المودودي قد وجدت تربة خصبة للتطبيق في عهد الجنرال محمد ضياء الحق الذي قام بانقلاب أبيض ضد "ذو الفقار علي بوتو" في 5 يوليو 1977، وقام بالتقرب للإسلاميين، وأخذت أفكار كل من المودودي ومحمد أسد تنتشر في باكستان لتكون بمثابة التربة الخصبة للفكر السلفي الوهابي.
ويختتم إيزود رؤيته للأصولية في باكستان بأن التفرقة بين الدين والأيديولوجيا ليست في الهوية ولا في الأصل، بل بالأحرى في كون الدين يتيح نمو وازدهار مجموعة من الأفكار المتشددة ويعد البيئة الخصبة لنشأة الجماعات التي تسعى للسلطة حول هذه الأفكار باعتبار الدين المرجع الثابت لها والذي يقدم لها سبيل النجاة الوحيد في هذه الدنيا.
الخوارج الجدد
وتؤكد باتريشيا كرون(9) أيضا في دراستها عن مفهوم الجهاد الإسلامي(10) أنه لا يمكن فصل الإسلام عن التطبيق السياسي، وأن الكثير من الجماعات الأصولية في الوقت الحاضر تتخذ الجهاد سبيلا لها لفرض أفكارها، كتنظيم القاعدة على سبيل المثال، مما يشكك في إمكانية تعايش هذه الجماعات الأصولية مع الطوائف الأخرى المخالفة لها في الفكر، وتستثني باتريشيا من هذه الجماعات الأصولية جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، حيث اعتبرتهما نموذجين للإسلام السلمي الذي لا يستخدم مفهوم الجهاد إلا من أجل استعادة الأراضي السليبة لا من أجل التناحر مع الغرب ولا من أجل فرض مبادئ الإسلام بالإكراه مما يعزز وسطيتهما.
إلا أن الأقلية المسلمة في الدول الغربية مهما تمسكت بتعاليم دينها فإنها محاطة بالقيم الغربية أينما حلت ما بين أفلام إباحية إلى انتشار الخمر إلى العُري، وبذلك فإنها لا تستطيع العيش بسلام إن أرادت إلا إذا تخلت عن قيمها، وجميع المؤسسات الإسلامية في الغرب ما هي إلا مؤسسات طوعية لا سلطة لها ولا نفوذ، وبالتالي فالمستفيد الوحيد من هذا الوضع من المسلمين أولئك الذين ينتهجون النهج العلماني فقط، أما الأصوليون وخاصة المتشددين منهم فإنهم ينظرون للمجتمعات الغربية على أنها مجتمعات جاهلية تتشابه مع مجتمع مكة الجاهلي قبل الإسلام.
وتناقش باتريشيا الفكرة التي يطرحها البعض بأن ثمة تشابها بين فكر الأصولية الإسلامية الجديدة وفكر الخوارج الذي ظهر في عصر صدر الإسلام من حيث تأييدها لفكرة الاغتيالات وقتل المدنيين والأطفال والنساء، إلا أنها ترى أنه لا يوجد رابط مباشر بين الأصوليين المعاصرين وبين الخوارج، لأن الأصوليين المعاصرين قد أفرغوا الدين من مضمونه بشكل عملي ولم يتبق من تعاليم الدين لديهم سوى النزعة الانفصالية والتشدد العسكري بحيث يجب على كل مسلم وفق مبادئهم السعي الحثيث لإقامة دولة الإسلام على أنقاض دولة الكفر وهم بذلك أكثر تشددا من الخوارج.
وتبقى هذه الرؤى المتباينة حول الدين والأيديولوجيا وعلاقتهما بالإرهاب محور نقاش مستمر بين الأكاديميين الغربيين لتعبر عن مدى التشكك في إمكانية التعايش السلمي للمسلمين مع غيرهم في المجتمعات الأوروبية حيث ما زال البعض مصرا على أن الإسلام مصدر للرعب، والمسلمين جميعا مصاصو دماء، وحتى الرؤى التي حاولت إنصاف المسلمين لم تخل هي الأخرى من الربط بين الجهاد كقيمة إسلامية وبين العنف والإرهاب.

(1) ميجناد ديساي ولد بالهند وتلقى تعليمه في بومباي وحاليا هو أستاذ متفرغ للاقتصاد بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية ومدير معهد دراسات التنمية للحكم العالمي وعضو بحزب العمال البريطاني.
(2)مقال " "The roots of terror: Islam or Islamism? نشر على موقع Open Democracy ..
(3)الأستاذ الفخري في العلوم السياسية وعلم الاجتماع في معهد بيرك بيك بلندن والأستاذ المشارك بمعهد الشرق الأوسط بلندن.
(4)مقال بعنوان " Islam, religion and ideology" نشر على موقع Open Democracy .
(5)عالم اقتصاد قام بالتدريس في الجامعات الباكستانية وفي كندا حتى أحيل للتقاعد في عام 1989 وهو مهتم بالشأن الباكستاني.
(6) مقال بعنوان " Islam and ideology: the Pakistani connection" نشر على موقع Open Democracy ..
(7) "محمد علي جناح (25 ديسمبر 1876 - 11 سبتمبر 1948) الملقب بالقائد الأعظم هو مؤسس دولة باكستان عام 1947م.
(8)رحالة نمساوي من أصل يهودي ولد عام 1900م، أسلم عام 1926م وزار العديد من البلدان الإسلامية ، أطلق عليه لقب ترجمان الفقه.
(9)أستاذة التاريخ الإسلامي بمعهد برنستون للدراسات العليا مهتمة بالفكر الإسلامي في العصور الوسطى.
(10) مقال بعنوان "'Jihad': idea and history" نشر على موقع Open Democracy .

السبت، 3 مايو، 2008

زينب الغزالي .. داعية تحرير المرأة

أمل خيري

زينب الغزاليفي مواجهة دعاوى تحرير المرأة الزائفة التي انتشرت مطلع القرن العشرين ظهرت مدرسة جديدة تدعو لتمكين المرأة ومشاركتها الحياة العامة انطلاقا من تمسكها بمبادئ الإسلام الحنيف. وكانت زينب الغزالي رائدة هذه المدرسة التي لم تنل حقها في التعريف بها، بل تم تجاهل دور هذه المدرسة في مسيرة تحرير المرأة في الوقت الذي تم تسليط الأضواء على الاتجاهات العلمانية التي كانت زينب نفسها إحدى المؤيدات لها في فترة من حياتها إلى أن تكشف لها زيف هذه الدعاوى فانبرت بفكرها وقلمها تدعو إلى تمكين المرأة وتحريرها بالعودة إلى شرع الله والتمسك بآداب الإسلام.

النشأة والتكوين

ولدت زينب الغزالي في الثاني من يناير 1917م، الموافق التاسع من ربيع الأول 1335هـ بقرية "ميت يعيش" بمحافظة الدقهلية لأسرة عربية تعود في أصولها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من ناحية الأب وإلى الحسين رضي الله عنه من ناحية الأم، وهذه الأصول ألقت ظلالا من الشعور بالمسئولية على كاهل الابنة زينب حيث كانت تستشعر دوما أن هذه الصلة ليست تشريفا بقدر ما هي تكليف لها بمزيد من المسئوليات لرفعة دينها.

ارتبطت زينب الغزالي كثيرا بوالدها تاجر الأقطان الذي كان عالما أزهريا، وقد أحب زينب كثيرا لأنها كانت الابنة الأولى بعد أربع ذكور فكان يؤثرها بعنايته ويحضرها معه في مجالسه مع أكابر رجال القرية وكان يناديها بنسيبة بنت كعب ويعطيها سيفا خشبيا ويقول لها اذهبي ودافعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما كان والدها مؤمنا بضرورة تعليم البنات فكان يمنعها من أداء الأعمال المنزلية لتتفرغ للعلم وكان دائم الطلب منها أن تكون شخصية مستقلة تساهم بدور بارز في المجتمع وكان يشجعها على الإلقاء ويعهد إليها بإلقاء خطب ترحيب بضيوفه، فكان لهذه العوامل أكبر الأثر في تكوين شخصيتها القيادية.

تلقت زينب تعليمها الابتدائي في المدارس الحكومية، وبعد وفاة والدها عام 1346هـ/ 1928م وتولي شقيقها الأكبر سعد الدين الغزالي رعاية الأسرة طلب منها ترك المدرسة في المرحلة الثانوية حيث كان شديد الغيرة عليها فاضطرت للاستجابة لطلبه ولكنها لم تهمل تثقيف نفسها.

وظلت زينب تسعى لاستكمال تعليمها وخاصة أنها كانت تلمس تشجيعا من شقيقيها "علي" لتعليمها، وفي أثناء سيرها أمام إحدى المدارس الثانوية طلبت من حارس المدرسة مقابلة مدير المدرسة فتعجب من جرأتها فسألها عن اسمها، فقالت له: السيدة زينب الشهيرة بنسيبة بنت كعب. وبعد مقابلة المدير الذي أعجب بثباتها وفصاحتها عبرت له عن رغبتها في الالتحاق بالمدرسة وشرحت له ظروف تركها للتعليم فطلب منها أن تحضر شقيقها "علي" ليقدم أوراقها للمدرسة. وبالفعل قبلت في المدرسة بعد أن اجتازت امتحانا للقبول وتخرجت في المدرسة الثانوية وعمرها سبعة عشر عاما.

من العلمانية إلى الإسلام

تمثلت المحطة الأولى في حياة زينب الغزالي بعد تخرجها في إعجابها بالسيدة هدى شعراوي التي كانت ترأس الاتحاد النسائي وآرائها في تحرير المرأة، فسارعت بالانضمام للاتحاد النسائي وهي لم تتعد السابعة عشرة، كما أعجبت بها هدى شعراوي ولمست منها لباقة وجرأة لم تعهدها في الفتيات فاختارتها عضوة في مجلس إدارة الاتحاد الذي كان يضم كبار الشخصيات النسائية في المجتمع. وسرعان ما تشبعت زينب بأفكار هدى شعراوي وظلت تدافع عن هذه الأفكار وتدعو لها مؤمنة بضرورة تحرير المرأة المسلمة على النمط الغربي بما يعني تحريرها من حجابها ومن مبادئها لتتأسى بالمرأة الغربية في تحررها ونيل حقوقها.

وشاء الله أن تكون المحطة الثانية في حياة زينب حين كلفتها هدى شعراوي بحضور بعض الحلقات في الأزهر الشريف عن دور المرأة في الإسلام، وظلت زينب تستمع للمتحدثين منتظرة دورها في الكلام والتعقيب لتنتصر لفكرها إلا أن ما حدث كان العكس تماما حيث تأثرت زينب بهذه المحاضرات، وظلت تعمل عقلها بما استمعت إليه وتعيد التفكير في المبادئ التي آمنت بها فبدأت تتعرف على بعض علماء الأزهر وتوثقت صلتها بهم، وخاصة الشيخ محمد النجار الذي دعا لها بالهداية وأن تكون مع الله وليس مع هدى شعراوي.

وكانت المحطة الثالثة في حياة زينب حين ضغطت عليها والدتها لتتعلم الطبخ فوقفت أمام الموقد لأول مرة في حياتها فاشتعلت النيران في جسدها كله ونقلت للمستشفى، وحينما عاينت زينب الموت بعينها نذرت لله إن نجاها أن تعود إليه وتترك الاتحاد النسائي وتتجه للدعوة إلى الله، وأنعم الله عليها بالعافية فأوفت بنذرها وارتدت الحجاب واستقالت من عضوية الاتحاد النسائي ووضعت مسودة لإنشاء جمعية السيدات المسلمات بهدف زيادة وعي المرأة المسلمة في ممارسة دورها الدعوي الريادي، وذلك في عام 1355هـ/1937م ولما تتعد العشرين من عمرها. وقد وفقها الله لإشهار الجمعية بمعاونة عدد من علماء الأزهر، وما لبثت أن انتشرت فروع هذه الجمعية في أنحاء البلاد حتى بلغت 119 فرعا وانطلقت تجوب القرى والمدن المصرية تمارس خدماتها الخيرية والدعوية. وتفرغت زينب لهذه الجمعية وانبرت للتصدي لدعاوى تحرير المرأة الزائفة من قبل الاتحاد النسائي، وأطلقت صيحات التحذير للفتيات المسلمات من الانسياق وراء هذه الشعارات الخادعة التي تحمل في جوانبها التأسي بالغرب والتخلي عن العفة والأخلاق، وتجاوزت الدعوة مرحلة المحلية إلى العالمية حيث أعلنت زينب الغزالي تأسيس بعثة الحج السنوية التي كانت تقترب أعداد النساء فيها من أربعمائة امرأة وكانت زينب ترأس هذه البعثات بنفسها.

كما نالت قضية فلسطين اهتماما كبيرا من جانب جمعية السيدات المسلمات، وليس أدل على ذلك من إرسال الجمعية لرسالة احتجاج للزعماء على صدور قرار تقسيم فلسطين وذلك في الاجتماع التأسيسي الأول للجمعية.

تحرير المرأة

وفي هذه المرحلة تبلورت أفكار زينب الغزالي في تحرير المرأة حين أصدرت مجلة الجمعية لتعبر عن التحرير الإسلامي للمرأة، حيث رأت أن التحرير الحقيقي للمرأة كان مع ظهور الإسلام وأن الإسلام يسمح للمرأة أن تأخذ دورا رياديا في الحياة العامة وتشارك في الحياة السياسية والاقتصادية وتعبر عن رأيها وتدير أعمالها وتمتلك الثروة بحرية تامة دون وصاية من الرجل، وأن على المرأة المسلمة أن تشارك بفاعلية في خدمة مجتمعها المسلم وتنطلق تمارس دورها الدعوي ملتزمة بضوابط الإسلام وأخلاقياته في ثوب من العفاف والاحتشام والحجاب، وهذا هو التحرير الحقيقي للمرأة.

وأصبحت دروس زينب الغزالي في مساجد أحمد بن طولون والإمام الشافعي والأزهر الشريف وغيرها موئلا للنساء، حيث كانت تستمع إليها ما يقرب من مليون امرأة أسبوعيا. وتوثقت صلة زينب أكثر بكثير من مشايخ الأزهر الشريف مثل الشيخ مصطفى المراغي والشيخ مصطفى عبد الرازق، وساعدها ذلك على إنشاء معهد نسائي للوعظ الديني كان يؤهل النساء للدعوة والوعظ بعد دراسة شرعية لمدة ستة أشهر.

وتكللت نجاحات جمعية السيدات المسلمات بالانضمام لدعوة الإخوان المسلمين كبرى الجماعات الإسلامية في ذلك الوقت، وظلت زينب على العهد تدعو إلى الله وتفضح مكائد دعاة الحرية الزائفة حتى اغتيال حسن البنا وتوالي المحن على الإخوان والاعتقالات، فقامت زينب بدورها الإنساني في مساعدة أسر المعتقلين وإيواء شباب الدعوة.

وكغيرها من الوطنيين المخلصين علقت الآمال على ثورة 23 من يوليو 1952م في بداية الأمر، ولكن ما لبثت أن تكشفت لها الأمور فالحكومة الجديدة غير راغبة في تطبيق شرع الله، وتعرضت زينب لمحاولة اغتيال دبرتها حكومة جمال عبد الناصر لكنها نجت منها لتفاجأ بصدور قرار بحل جمعية السيدات المسلمات. وبدأت المساومات معها لإعادة الجمعية مقابل أن تنضم للاتحاد الاشتراكي وأن تنشر الفكر العلماني من خلال مجلة الجمعية، ولكنها رفضت هذه المساومات رفضا تاما وأعلنتها صريحة: لن يكون عملنا إلا للإسلام ولن نموه ولن نضلل.

محنة وثبات

تمثلت المحطة الرابعة من حياة زينب أثناء محنة الاعتقال في السجن الحربي عام 1384هـ/1965م بعد تحديها لحكومة عبد الناصر، وتعرضت في هذا المعتقل لأبشع أنواع التعذيب وهو ما سجلته في مذكراتها الشهيرة بعنوان "أيام من حياتي" حيث فضحت في هذا الكتاب طواغيت العصر وحقدهم على الإسلام وتنكيلهم بالدعاة والمصلحين. وما لبثت أن أفرج عنها عام 1390هـ/1971م بعفو من الرئيس أنور السادات وذلك بعد وساطة الملك فيصل عاهل السعودية، فخرجت من معتقلها بشرط ألا تمارس العمل الدعوي أو السياسي. لكنها خرجت من محنتها أشد ما تكون عزيمة ومضاء وظلت على الطريق تنافح عن دينها وتدعو إلى الله.

وكان مصحفها رفيقها في السجن حيث كانت تسجل خواطرها في التفسير على هوامش صفحاته، ورغم أن المصحف أخذ منها فقد سارعت فور خروجها من سجنها بتسجيل هذه الخواطر مرة أخرى في كتاب بعنوان "نظرات في كتاب الله" والذي قام بمراجعته الدكتور عبد الحي الفرماوي. وبذلك تعد زينب الغزالي أول امرأة تفسر القرآن الكريم.

الجهاد بالفكر

المرحلة الأخيرة من حياة زينب الغزالي أتاحت لها الانطلاق بمسيرتها الفكرية إلى قمة نضجها حيث ظهر ولعها الشديد بالقراءة والمطالعة، فكانت تمتلك مكتبة ضخمة في سائر المعارف والعلوم الإنسانية والإسلامية والسياسية والأدبية، وكانت لا تفارق الورق والقلم واستطاعت أن تصوغ خلاصة فكرها في العديد من الكتب، كما ساهمت بمئات المقالات في الصحف والمجلات المصرية والعربية، كصحيفة الشرق العربي الجزائرية التي خصصت لها صفحة كاملة لثلاث سنوات متوالية. وفي مصر كانت تشرف على صفحة "نحو بيت مسلم" بمجلة الدعوة منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، وعبرت في هذا الركن بمقالاتها الثابتة عن فكرها الواضح في رفض مصطلح النسوية بسبب ارتباطه بالفكر العلماني الغربي والتحلل من القيم والاختلاط بين الجنسين وسفور المرأة، وفي المقابل أعربت عن دور المرأة الريادي في الإسلام موضحة أن مهمة المرأة الأساسية في كونها زوجة وأما، ويجب ألا يعطلها عن هذا الدور الأصلي أي شيء آخر، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بأن تشارك في الحياة العامة والدعوة إلى الله بعد أداء دورها الأصلي، وعليها أن تشارك الرجل في سائر مجالات الحياة؛ لأن الإسلام لم يمنعها من ذلك.

وترفض زينب الغزالي اتهام الإسلام بتهميش دور المرأة لأنه الدين الذي وضع المرأة كلبنة أساسية من لبنات الحضارة وضمن بحقوقها وقام بتقدير دورها كأم تربي الأجيال وتبني المجتمع.

كما شاركت زينب في العديد من المؤتمرات العربية والدولية وزارت العديد من الدول الإسلامية كالجزائر وباكستان، وكانت تصدع بالحق في حضور رؤساء الدول.

ولإيمانها بأن نهضة الأمة الإسلامية لن تقوم إلا على أكتاف الرجال والنساء معا أهمها أمر حرمان الفتيات من التعليم الرسمي في السعودية فكان دورها الريادي في التقدم باقتراح إلى ملك السعودية لإقرار مبدأ تعليم البنات، وبالفعل بدأت دراسة الاقتراح بجدية وتكللت دعوة زينب بالنجاح حين وافقت الحكومة السعودية على إنشاء إدارة مستقلة لتعليم البنات منذ أوائل الستينيات من القرن العشرين، وظلت زينب على اتصال بهذه المدارس السعودية، وحرصت على زياراتها ولقاء الطالبات والمعلمات بها حتى أصبحت كل فتاة سعودية متعلمة تدين بالفضل في تعليمها لزينب الغزالي.

توفيت زينب الغزالي بعد تاريخ حافل في العمل الإسلامي النسائي يوم الأربعاء الثالث من أغسطس عام 1425هـ/ 2005م عن عمر يناهز 88 عاما تاركة العديد من المؤلفات والإنتاج الفكري الذي يشهد بريادتها في مجال تمكين المرأة.

المراجع

1. بدر محمد بدر، سطور في حياة الداعية المجاهدة زينب الغزالي، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية 2006م.

2. ابن الهاشمي، الداعية زينب الغزالي، مسيرة جهاد وحديث من الذكريات من خلال كتاباتها، تصدير محمد الغزالي، القاهرة: دار الاعتصام 1989م.

3. ابن الهاشمي، هموم المرأة المسلمة والداعية زينب الغزالي، القاهرة: دار الاعتصام 1990م.

4. فاطمة محمد، في حوار مع زينب الغزالي، جريدة العالم الإسلامي الصادرة عن رابطة العالم الإسلامي، العدد 1779، الجمعة 28 من ذي القعدة 1423هـ/31 من يناير 2003م.

5. M COOKE , ISLAMIC FEMINISM BEFORE AND AFTER SEPTEMBER 11TH , Duke Journal OF Gender Law & Policy, 2002.

6. Pauline Lewis , Zainab al-Ghazali: Pioneer of Islamist Feminism , Michigan Journal of History - Winter 2007 Issue