الجمعة، 11 مارس، 2005

السفور.. المؤامرة على المرأة المسلمة


أمل خيري.........

شغلت قضية المرأة في المجتمعات حيِّزًا كبيرًا من الفكر، وانقسم المهتمون بقضية المرأة إلى فريقين:

الأول: حمل رايةَ الإصلاح الاجتماعي من خلال دور المرأة الرائد في تربية النشء، والاضطلاع بمهام الأسرة.

والآخر: تتلَمذ على أيدي المستشرقين، فانخدع ببريقِ الحضارةِ الغربيةِ، ورَاحَ يعمل- باسم حرية المرأة- على تشبُّهِ المسلمات بالكافرات ليقلِّد المجتمعُ الإسلامي في عاداته وسلوكه المجتمعاتِ التي لا تَمُتُّ إلى عقيدتنا وقيمنا بأية صلة.

وقد تناول الدكتور محمد فؤاد البرازي- مدير مركز الدراسات الإسلامية بالدانمارك ورئيس الرابطة الإسلامية بالدانمارك- هذه القضية من خلال كتاب يحمل عنوانَ (حجاب المسلمة بين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين).
الحجاب في الشرع

يفرق المؤلف بين مفهوم الحجاب، والجلباب، والنقاب، والخمار؛ حيث يلاحظ اشتراك هذه المفاهيم في معنى السَّتر، وإن كان بعضها أشمل في الستر من البعض الآخر.

ثم ينتقل الكاتب للحديث عن مشروعية الحجاب في الإسلام، حيث نصَّت الآيات على وجوبِه مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب: 5)، ويستعرض الكاتب بعض الحِكَم من مشروعية الحجاب، مثل:

1- طهارة القلوب.

2- صيانة النساء من أذى الفاسقين.

3- إصلاح الظاهر بما يتناسب مع صلاح الباطن.

4- أنَّ الحجابَ دليلٌ على تمكُّن الحياء، وهو ما يتناسب مع طبيعةِ المرأة التي فطرها الله تعالى على الإيمانِ والحياء.

ويؤكد الكاتب أنه لم يتعرَّض حكمٌ من أحكام الإسلام لمؤامراتٍ وتحديات بقدر ما تعرَّض له الحجاب؛ باعتباره رمزًا للنقاء والطهر؛ لذا فقد وجَّه أعداء الإسلام سهامَهم نحوه، ويعرض في هذا الصدد لبعض دعاة السفور في مصر والعراق؛ حيث تُعتبر مصر من أهم مراكز التأثير في العالم العربي، بل والإسلامي كله، وموضوع سفور المرأة هو إحدى أهم القضايا الخطيرة التي كانت مصر منطلقًا لها ومسرحًا لأداءِ ذلك الدور الذي كان له أعظم الخطر في تاريخنا الحديث.
فمنها خرج (رفاعة الطهطاوي) الذي بدأ إثْر عودته من فرنسا يُمهِّد للتبرج والاختلاط، وينفي أن يكون ذلك داعيًا إلى الفساد، فيقول في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز): "إنَّ نوعَ اللخبطة بالنسبة لعفةِ النساءِ لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة..".
وعلى أرضها درج (مرقس فهمي) الذي طالب بالقضاء على الحجاب الإسلامي، ودعا إلى الزواج بين المسلمات والأقباط؛ لهذا أَصدر في سنة 1894م كتابًا بعنوان: (المرأة في الشرق) كان بدايةً مبكِّرةً للتآمرِ على نظامِ الأسرةِ في الإسلام بصفةٍ عامة، والحجاب على وجه الخصوص.
وفيها نبتَت (الأميرة نازلي فاضل) فوثَّقت علاقتَها مع (اللورد كرومر) وفتحت ناديَها لـ(سعد زغلول) و(قاسم أمين) وغيرهما لتنظيم جهودهم ضد الآداب والتقاليد الإسلامية.
محرر المرأة

ومنها انطلق (قاسم أمين) الذي لُقِّب بـ(محرر المرأة)، فكان بمثابةِ قنبلةٍ فَجَّرت في عالمِ المرأةِ كلَّ شيء بما نشره في كتابَيْه (تحرير المرأة) و(المرأة الجديدة) من دعوةٍ إلى رفعِ الحجاب؛ لأنه يحُول بينها وبين العالم الحيّ؛ حيث يزعم أنَّ الشريعةَ ليس فيها نصٌّ يُوجِب الحجابَ على الطريقةِ المعهودةِ، وإنما هي عادةٌ عرضت لهم من مخالطةِ بعض الأمم، فاستحسنوها وأخذوا بها، وألبسوها لباس الدين، والدينُ منها براء.
ويمضي قاسم أمين في التدليل على فساد الحجاب، فيقول: "إنَّ للمرأة حقَّ التعاقد شرعًا، فكيف يتعاقد معها الرجل دون أن يتحقق من شخصها؟!" ويقول: "إنَّ الشرع قد أباح للخاطب أن ينظرَ إلى المرأةِ التي يُريد أن يتزوَّجَها، ولكننا ضيَّقْنا على أنفسنا فيما وسَّع الله".

ويرد على الذين يتذرَّعون بخوفِ الفتنة فيقول: "إنَّ خوفَ الفتنة يتعلق بقلوبِ الخائفين من الرجال، وليس على النساءِ تقديره، ولا هنَّ مطالبات به".

ثم يتساءل متهكمًا: ولماذا لا يُؤمر الرجال بالتبرقُّع خوفًا على النساءِ من الفتنة؟! هل المرأة أقوى عزيمةً من الرجلِ وأقدر على ضبطِ النفس؟!
نزع الحجاب

كما لعب (سعد زغلول) دورًا بارزًا في سفورِ المرأة بوقوفه إلى جانبِ (قاسم أمين) ومناصرته له ومشاركته العملية في الأفكار التي أودعها كتاب (المرأة الجديدة) وتشجيعه على احتمالِ ما لقيه من معارضة، وقد أرغم زوجته (صفية) على إلقاءِ حجابها، كما نزع بيده الآثمة حجاب (هدى شعراوي) عن وجهها.
وفي مصر نشأت (هدى شعراوي) التي كانت أول مصرية مسلمة تتمرد علانيةً على أحكامِ الله فتخلع الحجاب، وتنشط في تكوين (الاتحاد النسائي المصري) الذي يدعو إلى منع تعدد الزوجات، وتقييد الطلاق، وإلغاء بيت الطاعة.
وعلى ثراها درجت (أمينة السعيد) التي تأثَّرت بطه حسين أشدَّ التأثر، وراحت تُهاجم المحجَّباتِ، وتزدري بالحجاب، وتتطاول على قانونِ الأحوالِ الشخصيةِ الإسلامي، وتحرِّض النساءَ على النشوزِ، والفتياتِ على الانحلال.
وفي كنفها ترعرعت (نوال السعداوي) التي تزعم أنَّ الحجابَ استعبادٌ للمرأةِ وإذلالٌ لها، وتطالب بانتسابِ الإنسانِ لأمِّهِ لا لأبيه؛ لأن الأبوَّةَ- على زعمها- مشكوكٌ فيها دائمًا!!
وتقول: لنفرض أنني سافرت على باخرة، وصادف أن يكون في غرفتي رجل يحجز سريرًا في نفس الغرفة.. ماذا أفعل؟ هل أترك له الحجرة؟!.. لا.. لا بد أن أكون متمردةً على كلِّ القيود، وواثقةً بنفسي.
العراق أيضًا

وإذا كانت الدعوة إلى السفور بدأت في مصر فإنها سرعان ما انتقلت عَدْوَاها إلى بلاد أخرى مثل العراق؛ حيث وجدت لها أرضًا خصبةً لدى الشاعرين: (جميل صدقي الزهاوي)، و(معروف الرصافي) لما بينهما وبين العقائد الإسلامية من تباعد وتناقض!!

فالزهاوي يذكر في إحدى مقالاته أنَّ المرأةَ المسلمةَ مهضومةٌ؛ لأنها وهي في الحياة مقبورة في حجابٍ كثيفٍ يمنعها من شمِّ الهواء، ويمنعها من الاختلاط ببني نوعها، والاستئناس بهن، والتعلم منهن في مدرسةِ الحياة الكبرى، وراحَ يعدد مضارَّ الحجاب، لأنه سببٌ من أسبابِ الجهل، ويعزو عدم اكتشاف المسلمين اليوم لأمرٍ جديد إلى حجابِ النساء، ويدعو إلى كسرِ سلاسل العادات، ورفع الحجاب.
وختَم مقاله بقوله: "وليس ذلك بثقيلٍ إذا أتوه من بابِ الحكمة، فأشاعوا مضارَّه، ورفعوه تدريجيًّا، وإلا دارت عليهم الدائرة، وانحطَّ المجتمعُ فلم يقدر أن يزاحم الغربيين المشمِّرين للسعي في طريق الارتقاء"، ثم أنشد:
أَخَّرَ المسلمين عن أمم الأرضِ حجابٌ تشقى به المسلمات

لكنَّ (الزهاوي) لم يقف عند ذلك الحدِّ؛ بل نظم قصيدةً قال فيها :

أسفري فالحجاب يا ابنةَ فهرٍ هو داءٌ في الاجتماع وخيمُ

ثم قال في قصيدته التي أعلن فيها حربه على الحجاب:

مزِّقي يا ابنةَ العراق الحجابَا وأسفري فالحياةُ تبغي انقلابا

مزقيه وأحرقيه بـــلا رَيْثٍ فقد كان حارسًا كذابا

زعموا أنَّ في السفور سقوطًا في المهاوي وأَنَّ فيه خرابا

كذبوا.. فالسفور عنوانُ طُهرٍ ليس يلقى مَعَرَّةً وارتيابا

أما (معروف الرصافي) فقد أبلغ في حقده على الحجابِ في قصائده العديدة، ومنها:

لئن وأدوا البناتِ فقد قبرنا جميعَ نسائنا قبلَ المماتِ

ولو عدمت طباع القوم لؤمًا لما غدت النساء محجباتِ

وفي قصيدةٍ أخرى يقول:

ولقومنا في الشرق حالٌ كلما زدتَ افتكارًا فيه زدت تعجبا

تركوا النساء بحالةٍ يُرثى لها وقضَوا عليها بالحجاب تعصُّبَا
نقض عرى الإسلام

وفي ختام كتابه يخلص الدكتور فؤاد البرازي إلى أنَّ المستعرض لفصول المؤامرةِ على المرأةِ المسلمةِ يجد بدايتها على أيدي غير المسلمين الذين خطَّطوا في خفاء، ونفَّذوا في دهاء، وجنَّدوا من هذه الأمة مَن فَقَدَ اعتزازَه بعقيدته، وتمسكه بدينه، وانتماءَه لأمته، فصنعوا منهم أبطالاً.
ولقد بدأت مؤامرة السفور بالدعوةِ إلى كشفِ الوجه، وامتدت إلى الجلسات المختلطة المحتشمة، ثم إلى السفر من غير محرمٍ؛ بدعوى الدراسة في الجامعة، ثم زُيِّنت الوجوهُ المكشوفةُ بأدوات الزينة، وبدأ الثوب ينحسر شيئًا فشيئًا حتى وقعت الكارثة، فخرجت المرأة سافرةً عن مفاتنها، كاشفةً عن المواضعِ التي أمر الله بسترها، حتى أضحَت شِبهَ عارية!!

وراح أهل الكيد يتلذَّذون بالنظرِ إليها، ويستدرجونها للإيقاعِ بها، حتى كان لهم ما أرادوا منها، ففسدت الأخلاق، وكثُرت محلاَّت البِغاء، وانتشر اللُّقَطاء، وتفسَّخ المجتمع؛ مِصْداقًا لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لتُنقَضَنَّ عُرى الإسلام عُروةً عُروةً، فكلما انتقضت عروةٌ تشبَّث الناس بالتي تليها، فَأَولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصَّلاة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق