الاثنين، 21 مارس، 2005

في يوم الأم.. تربية الشهداء رسالة خنساوات العصر


تحقيق: أمل خيري....................

يحتفل العالم في الحادي والعشرين من شهر مارس بيوم الأم، فيتوجه الأبناء إلى أمهاتهن يرتمون في أحضانهن فتنهمر القبلات وتتدفَّق الهدايا وتحلو جلسات السمر.

وترى هناك في الظل أمًّا تحتفل احتفالاً خاصًّا بهذا اليوم، فتجدها تحمل في يدها صورةَ ابنها تقبِّلها وتنهمر العبرات ويتمتم اللسان بحمد الله ويبتهل بالدعاء.. إنها أمُّ الشهيد.. وينتهي هذا المشهد.. ولكن لا تنتهي فصولُ المأساة، فأينما توجَّهت.. في العراق أو في فلسطين أو في الشيشان.. سيتكرَّر المشهد نفسه.

إنها الأم الصابرةُ التي لا تنتظر في هذا اليوم ابنًا يحمل لها الهدايا، بل تتذكَّر ابنًا أتاها يحمل كفنَه مقدِّمًا روحَه في سبيل الله، ونعم بشرف الشهادة فكان أعظم البرِّ بها.
خنساوات في كل مكان

* فهذه أم إبراهيم جوابرة الفلسطينية التي قاربت الخمسين ودَّعت ابنها أسامة شهيدًا على يد جنود الاحتلال الصهيوني منذ خمسة أعوام، أما أشقاؤه الأربعة فقد غيبتهم سجون الاحتلال.

* أما الحاجة أديبة رزق- خنساء رفح- البالغة من العمر ستين عامًا أمُّ الشهداء الثلاثة: بسام وياسر ويوسف فتلقَّت نبأ استشهاد أولادها الثلاثة بالزغاريد، ووقفت توزِّع الحلوى على مَن جاء يواسيها في مصابها، وأخذت تأمرهم بالكفِّ عن البكاء.
* وبابتسامة على وجهها وبندقيةٍ في يدها ودَّعت نعيمة العابد ابنَها قبل أن ينضمَّ إلى مجموعة من المقاتلين خرجوا لنصب كمين لجنود صهاينة في قطاع غزة، وقالت: "رأيت ابني، وجلست معه ساعات.. قلت له لا ترتعد أمام العدو ولا تهدر الرصاص، ورسالتي للأمهات الصهيونيات: لا ترسلن أبناءكن للموت في معركة خاسرة".

*الحاجة فاطمة الجزار (60 عامًا) "خنساء أخرى من رفح" تلقَّت نبأ استشهاد ابنها الرابع محمد الشيخ خليل قائدِ سرايا القدس في جنوب قطاع غزة وهي تقول: "أدركت أن هذا هو قدرُ الله، فأخذت أزغرد وأصرخ بصوت عالٍ، ووقفت أوزِّع الحلوى بفخر على مَن جاء يواسيني".
على درب النبوة

ويؤكد الدكتور محمد مختار جمعة أن ظاهرة هؤلاء الأمهات اللاتي يقدمن أولادَهن للشهادة في سبيل الله ليست ظاهرةً جديدةً؛ فقد حفلت السيرة النبوية وكذلك التاريخ الإسلامي بنساءٍ سِرن على درب النبوة؛ فهذه أم عمارة.. جُرِح ابنها عبد الله في معركة أحُد جرحًا غائرًا، كان الدم لا يرقأ من جرحه، فقال النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اعصب جرحك" فجاءت نسيبة لولدها، وكان معها عصائب في حِقْوها، فربطت الجرح وعالجته، ثم قالت بعد ذلك لولدها: "انهض بني فضارب القوم"، فقال لها الرسول: "من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟" وعندما بلغها قَتْلُ ابنها حبيب بن زيد على يد مسيلمة قالت: "لمثل هذا أعددته وعلى الشهادة ربيته".
وهذه أم سعد بن معاذ عندما رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة من غزوة أُحُد خرجت تركب على فرس، وابنها سعد آخذٌ بلجامها، فقال سعد: أمي يا رسول الله، فقال: "مرحبًا بها"، فلما اقتربت منه عزَّاها بابنها عمروِ بنِ معاذ، فقالت: أما أن رأيتك سالمًا فقد هانت مصيبتي.

كما مرَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بامرأة من بني دينار وقد أُصِيب زوجُها وأخوها وأبوها مع رسول الله بأُحُد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ قال: فأُشِير لها إليه حتى إذا رأته، قالت: كل مصيبة بعدك جلل(أي صغيرة).
كما روي أن معاذة بنت عبد الله عندما استُشهِد زوجُها وابنُها في بعض الحروب اجتمع النساء عندها فقالت: "مرحبًا بكن إن كنتن جئتن للهناء، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن".

ويستشهد ثلاثة من الأخوة من بني قطيعة في معركة َُتْسَتر، فخرجت أمُّهم يومًا إلى السوق، فتلقَّاها رجلٌ قد حضر أمرَ تستر، فعرفته فسألته عن بنيها، فقال: استُشهِدوا، فسألته: "أمقبلين أم مدبرين" فقال لها:"مقبلين" فقالت: "الحمد لله نالوا الفوز وحاطوا الذمار، بنفسي هم وأبي وأمي".

وهذه الخنساء.. تماضر بنت عمرو قدَّمت أربعةً من أبنائِها، فلما كانت الحرب تدافعوا حتى قُتِلوا واحدًا إثر واحد، ولما سمعت بخبرهم قالت "الحمد لله الذي شرَّفني بقتلهم وأرجوا من ربي أن يجمعني بهم في مستقرِّ رحمته، وهي التي كادت أن تموت من الحسرة والبكاء لفقدِها أخيها صخر في الجاهلية".

ويحدثنا التاريخ الإسلامي عن امرأةٍ فقيرةٍ مجهولة الاسمِ حينما طلب سعد بن أبي وقاص في القادسية من المسلمين أن يمدوه بالمال.. فقالت هذه المرأة له: يا سعد والله لا أملك شيئًا فإني فقيرةٌ لا أملك إلا ضفيرتي فاجعلها لجامًا لفرسك. وأثناء المعركة جاءه غلامٌ فقال: إني أريد أن أجاهد معك، فطلب منه سعد أن يعود، فقال الفتى: مالك أنت، إنما البيعة بيني وبين الله، يقول سعد: فأذهلني، وأثناء المعركة جاءني الفتى يقول: رأيت في منامي وكأني أمشي في قصر في موكب، والله إنها الشهادة، فأقرئ أمي مني السلامَ فقال سعد: وكيف أعرفها؟ قال إنها صاحبة الضفيرة.
فخر وشرف

وعن مشاعر أمِّ الشهيد تقول الداعية هدى عبد الغني: إن هناك من الأمهات من تفقد ابنها نتيجة للسجن مثلاً في قضايا جنائية أو مخلة بالشرف، ولكن شتَّان بين فقد وفقد، فأم الشهيد تشعر بالشرف والفخر؛ لأن ابنها مات على أفضل وأشرف صورة، كما أنها لا تشعر أنها فقدته بل هو حيٌّ يُرزق ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الذِّينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزِقُونَ﴾ (آل عمران:169).
إن هناك بعض الأمهاتِ يسافر أولادهن في سبيل الدنيا، فتنتظر الأم أن يعود إليها ابنها محمَّلاً بالهدايا، أما أمُّ الشهيد فولدها هو الذي ينتظرها على أبواب الجنة ليشفعَ في سبعين من أهلِه، وبالطبع ستكون هذه الأم الصابرة المحتسبة أولَ من ينال هذه الشفاعة.

كما إن هذه الأم تشعر بثمرة تقديم ابنها للشهادة، فإذا كانت قد قدَّمت ابنًا للموت فهي قد قدَّمت للأرض وللعرض وللدين أبناء كثيرين، كما إنها قدَّمت القدوة لنساء أخريات اقتدين بعملها، وبالطبع فما خسرته هو خسارة ضئيلة جدًّا مقارنةً بالأرباحِ العظيمةِ التي ستجنيها.

أما صبرها على هذا الابتلاء فيتوقف على منسوب الإيمان لديها، وإذا شعرت أن كل شباب الصحوة أبناؤها فلن تشعر بمرارةِ الفقدِ، وإذا شغلت نفسَها بالعمل الاجتماعي والتطوعي بعد استشهاد أبنائِها فلن تشعر بهذا الفراق، بل ستنتظر هي نفسُها الشهادةَ في سبيل الله، كما أنه مطلوبٌ من المجتمع أن يحتضنَ هؤلاء الأمهات، وتقوم المؤسسات على رعايتهن.
مشروع شهادة

وتنصح الداعية هدى عبد الغني الأمَّ التي تريد أن تدفع ابنها للشهادة أن:

1 – تحرص على ربطه بالمسجد؛ لأنه سفينة النجاة.

2 – تعلِّمه مآثرَ وغزواتِ الرسول، وهكذا ربَّى الرسول رجالَه وأيضًا الصحابة؛ حيث كانوا يعلِّمون صبيانَهم المغازيَّ كما يعلِّمونهم السورةَ من القرآن.

3 – تحرص على أن ينشأ نشأةً سويةً؛ فلا تتركه لأحضان الحضارة العصرية التي تربِّي أجيالاً لا تهتم إلا بشهواتها.

4 – توفِّر له البيئةَ المناسبةَ وتربيه في جو يتسم بالجرأة والشجاعة والبسالة والشهامة والإيثار فتتخيَّر المدرسة التي تواصل ما بدأه البيت، فلا تضعه في مدرسة تتسم بالترف فتربطه بملذات الدنيا.

5 – تشركه في مشروعات وأنشطة اجتماعية والنوادي الرياضية والكشافة تحت إشراف مطمئن إليه ليكون قويَّ البدن.

6 – تكثر من الدعاء إلى الله أن يتقبله منها كما فعلت أمُّ مريم حينما قالت﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ (آل عمران: من الآية 35).

وعليها أن تتذكر أن هذا الفضل هو اختيار واجتباءٌ من الله ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ ( آل عمران: من الآية 140) وهو شرفٌ عظيمٌ للأم والابن معًا.
مشروع رسالة

وإذا فات الأمَّ أن يحظى ابنُها بشرفِ الشهادةِ فيجب ألا يفوتها أن تربِّيَه على رسالةٍ أو مبادئَ ذاتِ قيمة، وفي هذا الاطار تؤكد الدكتورة منى صبحي (كلية التربية بجامعة عين شمس) أن الأمَّ لا تستطيع أن تقدِّم لطفلها شيئًا إلا إذا تحقَّقت من أمرين:

الأول: أن يكون لديها ما تعطيه.

الثاني: أن تكون على وعي وقناعة وحكمة بما تعطيه.
وتربية الأولاد على رسالة هو ما يفرِّق بين صغارِ الإنسان وصغار الكائنات الأخرى، ولكن الأم المسلمة أكثر تميزًا في هذه المسألة؛ لأنها تدرك جيدًا الغايةَ التي خُلِقت من أجلها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ(56)﴾ (الذاريات) وما تحمل من تكليف إلهي لتعبيد الذرية للخالق ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: من الآية7).

والأم المسلمة لديها وضوح رؤيا لا يعرف الخلطَ بين الغايةِ والهدف والوسيلة، ومن ثم فهي تُرضِع صغارَها هذه المحددات بشكل تلقائي وحسب استيعابهم في كل مرحلة من مراحل حياتهم وفي كل جانب من جوانب تكوين شخصياتهم.

فنحن نجدها على سبيل المثال تعرِّفهم في بواكيرِ الطفولةِ أن الله هو الذي خلقنا وخلق الموجودات من حولنا، وترسِّخ في أذهانهم مفهومَ الخالق العظيم اللطيف الذي يحبنا ويغمرنا بنعمه ولا يطلب منا إلا الشكرَ والحمدَ والدعاءَ والذكرَ (مثل الأدعية اليومية والمواقف المعيشية التي نذكر فيها اسم الله دائمًا).

وعندما يكبرون قليلاً تُجلِّي لهم صورَ العبادة: نحن نصلي ليرضى الله عنا، ونأكل لنبقى أقوياء، ونتعلم لنعرف وننفع أنفسنا والكون من حولنا، ونتقرب إلى الله، ونلعب رياضة كوسيلة لمجموعة أهداف، ونساعد الآخرين لمجموعة أهداف وهكذا.

ومع إلحاحها الدائم على التفرقة بين الغاية والأهداف في مراحل الحياة تستطيع الأم أن تأخذَ بيد أولادِها إلى تبني مفرادات الرسالة والأمانة التي أنيطت بهم، والعمل ما وسعهم الجهد على القيام بها.

ولعل في نماذج أبناء الصحابة شواهدَ عمليةً على فقه الأم المسلمة في تربية أولادها على بصيرة، كما أن تميز أجيال وأفراد وجماعات في تاريخنا وواقعنا خيرُ دليل على إمكانية الوصول بأولادنا إلى هذا النضج في الفهم والإدراك والعمل والجد في المسير.

ولا ننسى وصيةَ مريم فرحات "أم نضال" التي قدَّمت ثلاثةً من أبنائها الاستشهاديين فداءً لفلسطين حيث تقول: "أناشدكم يا أخواتي.. يا نساء فلسطين الصابراتِ الصامداتِ ألا تبخلن على الله بفلذات أكبادكن، فوالذي نفسي بيده لهو أرحم منا عليهم.. فلا تبخلن على أبنائِكن بالجنة التي وعدها الله للشهداءِ والمجاهدين، فهذه فرحتنا نحن وأبنائنا وإخواننا وأزواجنا وآبائنا أن نفوز بإحدى الحسنيين" .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق