الخميس، 22 فبراير، 2007

القيادة في المؤسسات التنموية .. التنشئة هي الحل

بقلم:
أمل خيري

يشهد العالم اليوم جدلا كبيرا حول القيادة والتغير الاجتماعي والإصلاح خاصة فيما يتعلق بالعالم العربي الذي يواجه مجموعة من التحديات المصيرية في التنمية والنمو بل وفي قيم أساسية مثل الاستقلالية والمساواة وحقوق الإنسان لما لها من دور حاسم في تمكين الأفراد والجماعات من تحقيق التنمية.
فالتنمية تسعى لخلق علاقات ايجابية داخل المجتمع تقوم على التعاون والتضامن والعمل من اجل الصالح العام ونحن في عالمنا العربي المعاصر نعاني من مشكلات لا يمكن غض الطرف عنها كالفقر والمرض والأمية والبطالة ، ولا شك أن هذه التحديات تشكل عبئا على الاقتصاد حيث يشكل فقر التنمية الإنسانية قيدا على قدرة الأفراد والشعوب على الاستغلال الأمثل للموارد وبالتالي فإن كل جهود الإصلاح لا تنجح إلا من الداخل بمشاركة الأفراد وبجهود المجتمع المدني الذي يهدف إلى تنمية المجتمعات من خلال الموارد الذاتية مع تشجيع مساهمة الفئات المهمشة كالنساء والأطفال في لعب دور فعال في عملية التنمية لذا لابد من توعية أفراد المجتمعات المحلية بأهمية المشاركة والعمل الجماعي وتدريبهم على مهارات القيادة كخطوة نحو تمكين الأفراد والمجتمعات باعتبار أن المشاركة عنصر أساسي لنمو المجتمع .
القيادة هل هي هبة من الله؟
يعتمد المنظور الحديث في القيادة على أن القيادة ليست هبة أو سمة يولد بها الفرد بل هي عملية تطور تتم عبر الوقت في المجتمع من خلال المشاركة الجماعية في الأنشطة المجتمعية بشكل يسمح بتطوير المهارات القيادية للفرد من خلال التفاعلات النفسية والثقافية للفرد وتتمثل أهم العوامل التي تساعد على تنمية سمات القيادة فيما يلي:
التنشئة الاجتماعية
وحسب تعريف قاموس بلاكويل في علم الاجتماع تعد التنشئة الاجتماعية هي " عملية نقوم من خلالها بخلق ذات اجتماعية وإحساس بالارتباط بأنظمة ما من خلال مشاركتنا في تلك الأنظمة وتواصلنا مع الآخرين" وهذه التنشئة بالطبع عملية مستمرة مدى الحياة إلا أن طرق حدوثها ونتائجها تعتمد على تنوع الخبرات المكتسبة من خلال الأسرة والمدرسة وأماكن العمل والمجتمعات المحلية المحيطة لذا يكتسب الأفراد الايجابيين في المجتمع سمة القيادة بشكل أسرع خلال عمليات التنشئة الاجتماعية.
وتعد الأسرة هي المحضن الأول للفرد في طفولته المبكرة حيث تلعب هذه المرحلة الدور الرئيسي في تشكيل رؤية الفرد للعالم وهناك مجموعة من العوامل التي تدفع الفرد للقيادة والأخذ بزمام الأمور كالظروف الصعبة التي يتعرض لها الطفل كالإعاقة أو غياب احد الوالدين حيث تدفعه لتحمل المسئولية كما أن دعم الأهل للطفل وإشعاره بالثقة في نفسه تساهم في ظهور سمات القيادة كما يلاحظ أن الطفل الذي ينشأ في بيئة فكرية متنوعة تجعله أقدر على تقبل الآخر والتفاعل مع الرأي المخالف ، أيضا تساهم مشاركة الأسر في القضايا العامة في تطوير شعور الأبناء بالانتماء للمجتمع وضرورة المشاركة فيه بفاعلية.
نماذج الأدوار
كما تلعب نماذج الأدوار التي ينشأ معها الفرد دورا فاعلا في تشكيل شخصيته ولا سيما أدوار الأم والأب فالأم الفاعلة ذات العزيمة والقوة في علاقاتها وأنشطتها تعزز صفات القيادة لدى أبنائها خاصة الفتيات كما تلعب صور الآباء دورا في النمو الذاتي فصورة الأب القوي الجاد في عمله والودود المحب لأبنائه تلعب دورا في تطوير الذات.إضافة إلى تأثر الفرد بالدعم المادي أو المعنوي الذي تقدمه الشخصيات المحورية في حياته بشكل يؤدي لتطوير الوعي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لديه مما يوسع من دائرة علاقاته الاجتماعية ويحفزه على مزيد من المشاركة في الأنشطة التنموية.
التعليم التنموي
للتعليم الدور الأساسي في توسيع أفق الفرد وتطوير معارفه واكتساب المهارات اللازمة للقيادة والتفاعل أثناء ممارسة الأنشطة المجتمعية لذلك فان اعتماد التعليم بالمشاركة والبعد عن التلقين والحشو من أهم العوامل المحفزة للقيادة وهو الاتجاه الحديث في التعليم الذي يجعل الطالب وليس المعلم محور العملية التعليمية مع إعطاء مساحة اكبر لتنمية المهارات الحياتية كما أن مساهمة المدرسة في تنمية المجتمع المحلي وانخراط الطلاب في الأنشطة المحلية يساعد على تنشئة قيادي متمرس في العمل المحلي.

السعي نحو التغيير
الفارق الأساسي بين القائد التقليدي والقائد المجدد أن الأول يسعى لتكريس وتقوية الهياكل الاجتماعية والاقتصادية القائمة بينما الثاني يسعى لتغيير الظروف الاجتماعية مما يجعلهم يقفون في مواجهة علاقات القوة القائمة للقضاء على أهم أشكال عدم المساواة المتمثلة في الفقر والتمييز ضد المرأة أو ذوي الاحتياجات الخاصة .إلا أن اتساع نطاق مظاهر عدم المساواة الاجتماعية أو الاقتصادية غير قادر وحده على إحداث أنشطة جماعية أو ظواهر قيادية بل يجب أن يشعر الناس بالألم أحيانا مع شعور قوي بإمكان تغيير هذه الأوضاع بطريقة جماعية .
التطوع مفتاح القيادة
يعد العمل الطوعي نقطة الانطلاق لظهور القيادات خاصة إذا ما اكتسبت المصداقية أثناء تفاعلها مع مشكلات المجتمع ويمكن تعميق المصداقية بالدعم من المؤسسات المحلية كما أن استخدام قنوات الاتصال والتفاعل المباشر بين المجموعات يعمق ويعزز المشاركة والتشبيك بشكل يسمح ببروز السمات القيادية ومن خلال تفاعل الفرد مع المجتمع المحلي أثناء مزاولته للأنشطة التطوعية في المجتمع المحيط به تبرز بعض السمات القيادية مثل:
شعور القيادي انه جزء من مجتمعه.
تشاركه مع أفراد مجتمعه خبرات مشتركة.
إبداء الاهتمام بالمجتمع ككل وبأعضائه كأفراد.
تأصل القناعة لديه أن المشاركة في الأنشطة سوف توفر الموارد التي تلبي احتياجات المجتمع.
يحاول القيادي بناء شبكات وروابط تعمل على حل المشكلات المحلية مما يمهد لتشكيل جماعات ضغط في المجتمع.
يقوم القيادي بتعبئة رأس المال الاجتماعي والموارد المالية والتنظيمية والتواصلية لتحقيق مجموعة من الأهداف الجماعية.
ومع الانتقال من مفهوم "السلطة على" إلى "السلطة مع" بما يضمن بناء المقدرة المجتمعية من خلال تغيير نظرة المجتمع المحلي والتركيز على قيم العدالة والمساواة وهذا لا يتم إلا من خلال تطوير وعي جماعي واجتماعي
لذا فان دور المؤسسات التنموية في إبراز القيادات يتدرج من استخدام أفراد المجتمع في أنشطة محددة سلفا دون أن يدركوا الأهداف أو الخطة ثم يتدرج الأمر إلى مشاركة اسمية باقتصار المشاركة على أنشطة مخططة بعدها يتدرج الفرد للمشاركة الرمزية في مناقشة القضايا العامة ثم يتم تكليفه بأنشطة تطوعية ومع تمرس الفرد يمكن أن يشارك في إعداد مشروع جماعي بالمقترحات أو التشاور وفي هذه الحلقة تبرز الشخصيات القيادية التي تأخذ المبادرة وتعمل على تنفيذ الأفكار على ارض الواقع.
معوقات القيادة
يحمل كل فرد منا صورة ذهنية عن القيادة تتمثل في الشخصية الكارزمية أو البطولية القادرة على حل المشكلات أو الشخصية المتسلطة التي تمنع الآخرين من الحركة والتفكير لا سيما أن القيادة ارتبطت في العالم العربي بالسلطة وبالتالي كانت عائقا في نمو الوعي المجتمعي لذا فقد تمثلت أهم معوقات القيادة في:
السلطة الأبوية سواء في المؤسسات أو على مستوى الأفراد التي تعيق المشاركة الجماعية وتطوير المهارات القيادية إذ أن هذه السلطة تقصر المشاركة على الرجال المتقدمين بالسن وبالتالي تعد تمييزا ضد النساء والشباب باعتبارهم غير مؤهلين للقيام بأي دور مما يحرمهم من فرص تطوير إمكاناتهم.
غياب مفهوم المشاركة داخل البيت في المجتمعات العربية .
الاعتماد على الأسلوب التلقيني في التعامل مع الشباب في المدرسة والبيت والمجتمع.
اعتبار الشباب فئة مستهدفة لا شريكة في إحداث التغييرات.
إبراز صورة النساء في الإعلام في ادوار سلبية بالتركيز على الجمال الجسدي للمرأة باعتبارها سلعة مما يرسخ من عزلهن عن عملية التنمية ويقلل من فرصهن في المشاركة حيث تهتم الفتاة بجمال الجسد وتهمل النمو العقلي والفكري والثقافي .
محدودية الحركة عند الفتيات والنساء نتيجة الفساد الأخلاقي مما يحد من مشاركتهن خوف التعرض للإيذاء.
الوضع الاقتصادي المتدني الذي يحرم الشباب والنساء كثيرا من حقوقهم ويمنع مشاركتهم.
لذا لابد من نشر الوعي في المجتمع المحلي حول المشاركة ومكافحة كل العادات السلبية التي تعيق مشاركة الشباب أو النساء من خلال وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني مع تسليط الأضواء الإعلامية على انجازات القادة من الشباب والنساء ليكونوا قدوة لغيرهم مع تنمية القدرات الذاتية للأفراد وبناء مجتمع معرفي يعتمد على المعلومات والأساليب العلمية في العمل.
المراجع:
القيادة والمشاركة الجماعية : دليل تدريبي حول الأدوار القيادية في تنمية المجتمع العربي 2004، هيئة إنقاذ الطفولة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق