الأحد، 22 أكتوبر، 2006

تدبير التمويل بعيدا عن الاستعمار الخفي

أمل خيري

تعد المؤسسات الأهلية من أهم ركائز المجتمع المدني في أي دولة لذلك فإن أهم تحديات استمرارها تكمن في كيفية تدبير التمويل اللازم لدوام بقاءها ونجاحها وتطوير عملها.
وعادة ما تنشأ انطباعات سلبية لدى الجمهور من هذه المؤسسات الأهلية نتيجة لغياب مبدأ الشفافية والمساءلة ويدور التساؤل حول مصادر تمويل المؤسسة ومدى تأثيرها على قرارات المؤسسة وتوجهاتها وتأتي مصادر التمويل الأجنبي على رأس هذه المصادر لتفرض العديد من الشروط على هذه المؤسسات وغالبا ما تتحكم هذه الأطراف التمويلية أو الجهات المانحة في أجندة المؤسسات بحيث تفرض الأجندة الغربية على أولويات المؤسسة فتبدو هذه الجهات التمويلية الأجنبية كنوع من الاستعمار المقنع.
ويبدو المخرج الوحيد من سيطرة هذا النوع من الاستعمار في ضرورة البحث عن بدائل محلية للتمويل الأجنبي والسعي نحو تنمية الموارد بمشاركة كافة قطاعات المجتمع وتحويل الفئات المهمشة في المجتمع كالنساء والأطفال من طاقات معطلة إلى طاقات منتجة تساهم في تنمية المجتمع تماشيا مع التحولات العالمية لإيجاد دورا تنمويا لمؤسسات العمل الأهلي.

الدعم الحكومي
فيما سبق كان الدعم الحكومي يشكل نسبة كبيرة من مصادر تمويل المؤسسات الأهلية ولذلك كانت أغلب مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية تعتمد اعتمادا كبيرا على هذا الدعم الحكومي مما أضعف من مواردها وأثر على فاعلية وذاتية هذه المؤسسات بشكل ألغى أي رغبة في تنمية موارد المؤسسة أو السعي نحو القيام بدور تنموي في المجتمع إلا أن هذا الدعم الحكومي قد شهد تراجعا كبيرا في الآونة الأخيرة في ظل العولمة واتجاه كثير من الدول نحو الخصخصة لذا كان لابد من توجيه الاهتمام إلى مصادر التمويل الأخرى.

بدائل للتمويل
تتعدد بدائل التمويل المتاحة للمؤسسات الأهلية إلا أن قطاع الأفراد يظل هو القطاع الأهم في منح التبرعات والهبات لهذه المؤسسات وغالبا لا يقدم هؤلاء الأفراد المال إلا للمؤسسات الجادة التي يطمئنون لبرامجها وخدماتها لذلك فإن المؤسسة التي تسعى للبحث عن بدائل للتمويل يجب أن يكون لها رؤية واضحة ونظم إدارية ومحاسبية تضمن الشفافية والمساءلة وبرامج موجهة لخدمة المجتمع بشكل واضح للجميع .
و تتنوع أشكال تبرعات الأفراد بدءا من اشتراكات أو رسوم العضوية في هذه المؤسسات إلى إقامة الأسواق الخيرية والمعارض الفنية لصالح المؤسسة ويمثل الأفراد المصدر الرئيسي لجمع التبرعات في العالم فعلى سبيل المثال بلغت التبرعات في الولايات المتحدة من الأفراد 160.72 بليون في عام 2001 بما يمثل 75.8% من مجموع التبرعات .
وفي دراسة عن العطاء الاجتماعي في مصر أعدها مركز خدمات التنمية أوضح الباحثون أن نسبة اشتراكات ومساهمات الأعضاء في المؤسسات بلغت 74% من مصادر التمويل كما أكدت الدراسة أن تبرعات الأفراد النقدية والعينية والتطوعية تعد مصدرا أساسيا في تمويل الجمعيات حيث أن التبرعات النقدية للأفراد تمثل 82.4% والعينية 66.3% والتطوعية 67.8% بينما لم تمثل نسبة مساهمات رجال الأعمال سوى 29.3% بينما كانت نسبة التمويل الأجنبي 8.3% فقط.
وهذه المساهمات من قبل الأفراد يمكن أن تأتي من عدة مصادر:
· الاشتراكات والاستقطاعات الشهرية من الدخل لصالح المؤسسة .
· التبرع بالمواد العينية .
· إقامة المعارض المتنقلة والثابتة والمزادات الخيرية .
· الاتصال الهاتفي سواء بالهاتف الأرضي أو المحمول حيث تعمد بعض المؤسسات لتقديم خدمات الاستشارات عبر الهاتف ويوجه عائد الاتصالات لتمويل المؤسسة أو أحد مشروعاتها.
· إقامة الحفلات بحيث يخصص عائد الحفلة لتمويل المؤسسة .
· تبرع الأفراد من خلال الحملات البريدية .

القطاع الخاص
يعد القطاع الخاص بأشكاله المختلفة من مصادر التمويل المتاحة للمؤسسات سواء كان في شكل تبرعات من رجال الأعمال أو من الشركات المساهمة أو المملوكة لأفراد أو عائلات إلا أنه من أهم مصادر الحصول على المال دعم الشركات الراعية للمؤسسة أو لمشروعاتها وهذه الرعاية من شانها تحقيق النفع لكلا الطرفين فالمؤسسة أو الجمعية الأهلية تضمن موردا ثابتا لأنشطتها دون أن تضطر لتنفيذ حملات إعلانية وبالنسبة للشركة الراعية تعد هذه الرعاية إحدى الأساليب التسويقية التي تلفت الأنظار لمنتجاتها وربما تغير من الصورة السلبية لدى المستهلكين عنها كما أنها تزيد من شرائح المجتمع التي يمكن للشركة أن تصل إليها مما يوسع من نطاق شعبيتها بشكل لا تستطيع الإعلانات وحدها أن تحققه.

بدائل إسلامية
تصدى الإسلام للعديد من المشاكل المجتمعية ومن بينها مشكلة الفقر ووضع لها العديد من الحلول من خلال التشريعات المختلفة وذلك بالحث على الإنفاق في سبيل الله ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع علِيم) سورة البقرة : الآية 261 .
وتتعدد صور الإنفاق في سبيل الله التي حث عليها الإسلام بدءا من الزكاة المفروضة والصدقات التطوعية والأموال والممتلكات التي يوقفها أصحابه كصدقة جارية على وجوه البر المختلفة لذا لا بد من توجيه الوعي بدور هذه الصور المختلفة للإنفاق في سبيل الله في دعم العمل الأهلي ومؤسسات المجتمع المدني ذات التوجهات التنموية وإعادة النظر لهذه الأوجه بشكل عصري يتناسب مع المشكلات الراهنة.

الزكــاة

وتعد الزكاة أهم مصدر من مصادر التمويل الداعمة للعمل الأهلي لما لها من دور كبير في إعادة توزيع الثروة في المجتمع وإمكانية الاستفادة منها في مصارفها الشرعية المختلفة لأن هذه المؤسسات التنموية غالبا ما توجه أنشطتها لخدمة الفقراء أو اليتامى أو الأرامل أو المحتاجين أو المتعطلين عن العمل وقد برز دور الزكاة التنموي في بناء المستشفيات والمدارس والطرقات والمصالح العامة في العصور الإسلامية المختلفة لذا كان لزاما إعادة النظر في تكييف مصارف الزكاة الشرعية في ضوء الاحتياجات المجتمعية الحالية نتيجة انتشار الفقر والجهل والمرض وظواهر لم يشهدها التاريخ الإسلامي من قبل مثل المشردين وأطفال الشوارع والنازحين واللاجئين ..... لأن كل هذه الفئات في حاجة لمؤسسات ترعاها ومن هنا يكون دور الزكاة في دعم هذه المؤسسات وتمويلها.
الصدقــات
تأتي الصدقات في المرتبة الثانية بعد الزكاة من حيث الأهمية في تمويل مؤسسات المجتمع المدني بصور متعددة تتنوع ما بين النذور والكفارات والهبات والصدقات التطوعية والمسلم يخرج الصدقات ابتغاء مرضات الله إلا أنه غالبا ما يفتقد الوعي بدور الزكاة أو الصدقات في تحقيق التكافل الاجتماعي وتنمية المجتمع ولذلك فإن ما يخرجه المسلم من صدقات هو من قبيل الالتزام الديني فقط وهذا يتضح في إقبال الكثير من المتصدقين على بناء المساجد أو وضع هذه الصدقات في الصناديق المخصصة لها في المساجد ولا يدرك الكثير أن هناك مجالات أخرى يمكن إنفاق الأموال فيها كالمشاريع التنموية التي تهدف لتشغيل الفقراء أو المعاقين أو الأرامل ...... مما يلقي بمسئولية كبيرة على الدعاة والعلماء في تبصير المسلمين وتوعيتهم بهذا الدور .
الأوقــاف
يعتبر الوقف من أهم أوجه الإنفاق في الإسلام حيث أنه فرصة للاستزادة من الخير بعد الممات لذلك يسعى الكثير من المسلمين إلى وقف بعض أموالهم أو ممتلكاتهم في سبيل الله لتكون من قبيل الصدقة الجارية التي تفيد المسلم بعد مماته مصداق قوله صلى الله عليه وسلم " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
ويعرف الوقف بأنه "تحويل الأموال من وظيفتها الاستهلاكية إلى استثمارها في أصول رأسمالية إنتاجية تنتج المنافع والخدمات والإيرادات التي تستثمر في المستقبل في أوجه البر والخير".
وقد ساهم الوقف في الإسلام مساهمة بارزة في تنمية المجتمع الإسلامي عبر العصور وفق مفهوم التنمية الشاملة فقد كان الوقف سببا رئيسيا في بناء المساجد والمستشفيات والملاجئ ودور الأيتام وحفر الآبار وإقامة السقايات في المدن وعلى طرق المسافرين ، حتى كانت الأمة الإسلامية بسبب هذه الأوقاف أمة ذات حضارة وتقدم كما كان له دور كبير في مساعدة الضعفاء والمحتاجين والأخذ بأيديهم، وانتشالهم من براثن الفقر والفاقة.
فعلى سبيل المثال تعددت الأوقاف في عاصمة الشام دمشق فكان منها أوقاف على العاجزين عن الحج، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، ومنها أوقاف لفكاك الأسرى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل يعطون منها ما يأكلون، ويلبسون ويتزودون حتى يصلوا إلى بلادهم، ومنها أوقاف على تعديل الطرق ورصفها، ومنها أوقاف لمن تكسر له آنية أو صحاف على أيدي الخدم رفقاً بهم، ومنها أوقاف يصرف ريعها لجرف الثلج من الطرق.
إلا أن هذه السنة مهملة في بلادنا العربية للأسف حيث انحصر دورها في إدارات حكومية لم تلق بالا لتنمية الوقف أو تطويره أو استغلاله في الأدوار التنموية فتراجع دوره في دعم العمل الخيري الأهلي مما يوجب علينا اعتماد سياسة وقفية واضحة المعالم من حيث تطوير الوقف المالي وتنميته بإضافة أوقاف جديدة لكل مؤسسة من المؤسسات الأهلية مما يعطيها الاستقرار.
ويقترح البعض شكلين من الأوقاف من حيث تمويل الوقف: الأول, هو أن تقوم جهة أو شخص معين ببناء وقف خاص به يعود دخله إلى الفقراء من عائلته والباقي إلى المجتمع وهو الأكثر شيوعاً في عالمنا العربي, أما الثاني, فهو أن تقوم المؤسسات الخيرية العربية بمشاريع وقفية وبيع أسهماً للجمهور فيكون وقفاً خيرياً مساهماً, وهذا ما ندعو إلى تطويره في الوقت الحالي.

التنمية والتمكين
تتجه أغلب المؤسسات في الدول الغربية وأيضا في دول شرق آسيا وأمريكا اللاتينية إلى اتجاه جديد هو اتجاه التمويل بالتنمية والتمويل بالتمكين وتقوم هذه الفلسفة على أساس أن الإنسان هو أساس التنمية ومن ثم يجب العمل على تمكين الفئات المهمشة في المجتمع مثل الفقراء والمتعطلين عن العمل والمعاقين ومن لا مأوى لهم والأطفال اليتامى أو المشردين والنساء المعيلات كالأرامل والمطلقات.
ويتم هذا التمكين عن طريق سعي مؤسسات المجتمع المدني لإقامة المشروعات الصغيرة لهذه الفئات بأشكال متعددة بدءا من تقديم الاستشارات ودراسات الجدوى إلى تقديم القروض الصغيرة سواء في صورة نقدية أو عينية حتى تتمكن هذه الفئات من إقامة مشروعات صغيرة تساهم في تحويلهم من فئات تعيش على الإعانات إلى فئات منتجة تستطيع أن تساهم في تمويل أنشطة المؤسسة نفسها وبذلك يكون التمويل بالتمكين مصدرا هاما من مصادر تمويل مؤسسات المجتمع المدني.
المصادر:

§ محمد بكّار بن حيدر ، تمـويل العمـل الخيـري العربي المعاصـر ومؤسساتـه ، مؤتمر الخير العربي الثالث, الأمانة العامة لمؤتمر الخير العربي, لبنان, الاتحاد العام للجمعيات الخيرية في المملكة الأردنية الهاشمية, عمان 22-24 يونيو / حزيران 2002 .

§ دراسة عن العطاء الاجتماعي في مصر عام 2005 صادرة عن مركز خدمات التنمية.

§ مجموعة نشرات صادرة عن مركز التميز للمنظمات غير الحكومية.

§ الدكتور/ محمد بن أحمد الصالح ، الوقف الخيري وتميزه عن الوقف الأهلي،من أبحاث ندوة الوقف في الشريعة الإسلامية ومجالاته ،وزارة الأوقاف السعودية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق