السبت، 14 أكتوبر، 2006

حسن البنا في طفولته......نموذج هل يتكرر؟!

كتبت امل خيري

بمناسبة ذكرى مرور قرن على ميلاد الإمام حسن البنا في الرابع عشر من أكتوبر 1906

حلم راود كثير من الآباء.. يحلم الأب أن يكون طفله في مستقبله أحد الزعماء أو القادة أو العلماء أو الدعاة من المشاهير الذين حفل بهم التاريخ القديم أو المعاصر.
و لكن هل راود أحدهم حلم أن يصبح طفله مثل إمام العصر ( حسن البنا ) ؟!
فيكون قائدا ناجحا و مُصلحا اجتماعيا و داعية ملهم.... في شخص واحد؟.
تقول ( مُنى حسين ) بالطبع راودني حلم أن يكون أحد أبنائي مثل هذا الإمام الجليل فلقد كان ذا شخصية قائدة مقدامة و كان لا يهاب في الحق أحدا و أنا بالطبع لا أتمنى لابني غير هذا، و تضيف أن هذا يتطلب جهد جهيد من الوالدين على السواء، و تعتقد مُنى أن البداية هي تنشئة الطفل على فهم مبادئ الإسلام الصحيحة و يبدأ ذلك بتحفيظه القرآن الكريم ثم محاولة إحاطته بصحبة صالحة.

أما ( محمود علي ) فيؤكد على دور المسجد و يقول حاولت أن أحبب ابني في المسجد لأن المسجد هو المحضن الأساسي لتخريج الدعاة المصلحين المهتمين بشئون المسلمين لذا أحرص على اصطحاب طفلي معي في الصلوات و الدروس و الخطب.

و يختلف معه (عبد الغني فتحي) فيقول يظن كثير من الآباء للأسف أن مجرد سماع الطفل لخطبة في المسجد أو درس علم هو في حد ذاته اهتمام بأمر المسلمين و لكن أعتقد أن تعويد الطفل و تشجيعه على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هو خطوة البداية لتنشئة طفل يهتم بأمر المسلمين كأن يجد من يسرف في استعمال الماء أثناء الوضوء فينصحه برفق أو تفقد بعض أقرانه من رواد المسجد في حالة الغياب عن الصلاة فيزورهم ، ثم سيتدرج الأمر معه حتى يهتم بالحي الذي يسكن فيه ثم أحوال المسلمين في دولته ثم في العالم بأسره و أعتقد أن هذه هي بداية الإمام البنا في طفولته.

أما (أم عبد الله) فتؤكد على وجوب إعطاء الآباء لأبنائهم قدرا من الحرية للانطلاق و الإبداع في كيفية خدمة المسلمين و الاهتمام بأمورهم و تنتقد بشدة خوف بعض الآباء و الأمهات السلبي بشكل يؤدي إلى منعهم من الانخراط في العمل الجماعي الخدمي في المجتمع من منطلق الحرص عليهم ، أما من يريد طفلا مثل حسن البنا فعليه أن يُحفز الايجابية بداخله و يبدأ ذلك من تشجيعه على إزاحة الأذى عن الطريق إلى القيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بكافة صوره كما كان يفعل البنا في صباه من انضمامه لجمعية منع المحرمات.

بينما يؤكد (محمد خضر) على ضرورة القدوة الصالحة فيقول: كيف لطفل أن يكون مثل حسن البنا و والده يقصر في أداء العبادات أو يقطع علاقته بذوي رحمه أو لا يهتم بأمر المسلمين ؟! لذا ينصح الآباء أن يقدموا من أنفسهم قدوة صالحة لأبنائهم مع تقديم التوجيه ثم بعدها ينتظروا النتيجة.

و ترى (عايدة محمود) أن المفتاح هو تدريب الأبناء على الانضباط و الالتزام و تعويدهم على مجاهدة النفس لأن ترك الطفل للعشوائية و الفوضى لن يربي طفلا مثل حسن البنا ، فيوم أن نعود الطفل أن يكون له هدفا أسمى يحيا من أجله و أن يضع لهذا الهدف خطة تفصيلية لتحقيقه مع ضرورة محاسبة نفسه إذا قصر ربما يتكرر حسن البنا، و تشير إلى فكرة جدول المحاسبة المصور للأطفال الذي يجعل الطفل يقوم بمتابعة و محاسبة نفسه بنفسه لنقوي لديه الإرادة و مجاهدة النفس و الانضباط.

و تكتفي (أم خالد) بأن ترفع يديها إلى السماء و تبتهل إلى الله أن يجعل من أبنائها صالحين مصلحين هداة مهتدين ، و تقول لولا حفظ الله و عنايته لما رأينا الثمرة الصالحة في أبنائنا.

و تعليقا على آراء الآباء و الأمهات يحدثنا الدكتور جابر قميحة أستاذ الأدب الحديث عن طفولة الإمام حسن البنا و أهم العوامل المؤثرة في نشأته:

في واحة الأسرة

فيقول لقد تربى الإمام الشهيد في بيت علم و صفاء و خلق فوالده هو (أحمد عبد الرحمن البنا) الرجل العالم المحدث الحافظ لكتاب الله و يؤكد أن هذه البصمات ظهرت في حسن البنا منذ صغره ، فالطفل حسن البنا تربى في بيئته المنزلية – و البيئة الأسرية هي المنطلق – و كما يقول الشاعر:
و ينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
لذا فإن ما تلقاه عن أبيه فتح ذهنه على الإسلام و ملأ نفسه بالجو الديني الذي كان يشيع في المنزل و الطفل حسن البنا كان وديعا بطبعه يحب الآخرين و يحبه الآخرون.

التفتح الذاتي للمعرفة

و يضيف الدكتور قميحة أن هناك عاملا آخر أصيلا في نفسه و هو ( التفتح الذاتي للمعرفة ) فقد كان يقرأ في مكتبة والده بنهم شديد كما أنه حفظ القرآن الذي هو مدرسة تتميز بطوابعها الروحية و المعرفية و الاجتماعية و السياسية فهو يعد مدرسة روحانيات و عبادات و أخلاقيات و مدرسة معارف في التاريخ و المجتمع .
فقد استوعب الطفل حسن البنا بالحب و التعشق هذه الطوابع القرآنية لذا كانت توجهاته الأولى صوفية ، و كل هذا وجهه لأن يتعلم تعلما دينيا عربيا مما جعله يتوجه إلى كلية دار العلوم فيما بعد ، و لا عجب أن يكتب في موضوع للإنشاء كان عنوانه ( ما آمالك في الحياة ؟) : ( إن أملي في الحياة أن أكون رجل دعوة للخير ..... و دعوة للدين..... و دعوة للتواصل.....)
و قد حقق الله أمله و أصبح كما يقول – روبير جاكسون – ( الرجل القرآني ) و ( رجل الشرق ) و كان جديرا أن يحمل اللواء كما حمله من قبل جمال الدين الأفغاني و الإمام محمد عبده . و إن خالفهما في اعتماده على قاعدة شعبية أصيلة من مزاياها أنها لم تكن مجموعة ( صفوة ) و لكنها كانت مجموعة ( شَعْب ) ثم سرعان ما انتشرت ( الشُعَب ) في كل مكان و كل شعبة كانت تمثل بؤرة نور جمعت بين الطبيب و المهندس و العامل و الفلاح و الطالب.... أي أنه مجتمع نموذجي .

صحبة أستاذ

أما عن دور الأساتذة و المشايخ في طفولة البنا فيوضح الدكتور قميحة أن الطفل حسن البنا كان من مزاياه أنه يتشرب و يتأثر بما يقوله من توجيهات أساتذته حتى في مراحله الأولى و قد سجل في مذكراته أنه لا ينسى يوما أحد أساتذته و قد دخل و الدموع في عينيه و هو يقول يا أبنائي لقد مات اليوم علم من أعلام الأمة و هو محمد فريد باشا ، مما يدلل على شدة تأثره به ، كما كان يبدي إعجابه في مذكراته بأستاذه محمد عبد المطلب و كان شاعرا فذا يطلق عليه الشاعر البدوي.

المسجد مدرسة تربية

و يواصل الدكتور قميحة الحديث عن العوامل المؤثرة في طفولة الإمام حسن البنا فيؤكد على محورية دور المسجد في حياته فقد كان رحمه الله ينظر للمسجد على أنه دار عبادة خالصة لله و هذا المعتقد هو القاسم المشترك بين المسلمين جميعا و لكنه كان ينظر للمسجد كذلك على أنه مدرسة تربية لذلك كان يقول ( إن حضارتنا يجب أن تنطلق من المسجد ) فالمسجد في نظره دار عبادة و دار قيادة و مدرسة سلوكيات تربوية.
و قد كان الطفل حسن البنا شديد الارتباط بالمسجد منذ طفولته الباكرة.

الصحبة الصالحة
و عن دور الصداقة و الصحبة يذكر الدكتور قميحة أن الإمام البنا توثقت صداقته الباكرة بالأستاذ أحمد السكري و الذي كان أكبر منه ببضع سنين و هو في موضوع التعبير الذي كتبه في دار العلوم تحدث عن الصداقة الحقة و جعل الإخلاص لها جزءا من منهج حياته و طابعا من طبائع أخلاقياته و كان دائما يتحدث عن أحمد السكري حديثا طيبا على أساس أنه الصديق المخلص الذي أخلص له الحب و الوفاء، لكن مفهوم الصداقة عنده اتسع إلى ما نسميه ( الحب في الله ) و هو الذي جعله يحب كل إخوانه بإخلاص شديد.

المواهب الإلهية و التربية العملية

ويؤكد الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد ( أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر ) أن الإمام البنا في طفولته تميز بمميزات عديدة منها ما كان فتحا و موهبة من الله و هذا من الصعب زرعه في الطفل فمثلا كان البنا لديه ذكاء خارق ويتمتع بذاكرة إلهية و قدرة عجيبة على تذكر أدق التفاصيل و لو بعد حين ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ).

أما الصفات الأخرى فهي مكتسبة من الأسرة التي نشأ في رحابها حيث كان فاهما لكتاب الله و عاملا به و داعيا إلى تطبيق منهجه و هذه يمكن التأسي بها لأن الإمام البنا هو حلقة من حلقات الإسلام العظيم و بالتالي فهو قابل للتكرار إذا شاء الله لأن الإسلام يتميز بأنه دين مستمر إلى يوم القيامة لذا لا بد أن يأتي علماء عاملين له في زمان و مكان .

و يحدد الدكتور فتح الله ثلاث مفاتيح ينبغي على الأسرة الاهتمام بها و هي :
1 – التربية العلمية المحضة من تعلم كتاب الله و سنته من خلال حفظ القرآن الكريم و الأحاديث النبوية و دراسة معانيها.
2 – التربية العملية على أساس كتاب الله و سنته من خلال تطبيق ما في الكتاب و السنة.
3 – التربية الدعوية بتعويد الأبناء على محبة الإسلام و الغيرة على محارم الله بدعوة الناس للعمل بكتاب الله و سنة رسوله من خلال الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كما كان الإمام البنا يشعر منذ نعومة أظفاره بما يدور حوله من انحراف و فساد و تجلى ذلك في انضمامه لجمعية منع المحرمات و كذلك مكارم الأخلاق و هذا ما ينبغي على الأسرة توجيه أبناءها إليه انطلاقا من قوله تعالى (و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون) و فيه توجيه إلى العمل في إطار جماعي.

تكامل جوانب النفس البشرية

و ينصح الدكتور جمال عبد الهادي ( أستاذ التاريخ الإسلامي ) كل مرب بالاهتمام بجميع جوانب النفس البشرية في التربية فلا تقتصر على التربية الإيمانية فقط بل تشمل جميع الجوانب البدنية و الجهادية و الاجتماعية و السلوكية و الخلقية و أيضا العقلية و ذلك حتى يستطيع الطفل أن يواجه التحديات التي تواجهه.

و يؤكد الدكتور جمال عبد الهادي أن الأمة الإسلامية ولود و قد الله قيض لهذه الأمة نماذج متفردة صعبة التكرار و لكنها متعددة فلدينا مثلا الشيخ أحمد ياسين و الدكتور عبد العزيز الرنتيسي و كذلك من المرشدين السابقين كالأستاذ عمر التلمساني و مصطفى مشهور و غيرهم ممن حملوا هم الإسلام و كانوا نماذج يحتذى بها و كل منهم يستقي قدوته من سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و كلهم زهور في حديقة الإيمان و ثمر مختلف ألوانه.و بالتالي فانه يستبعد تكرار نموذج البنا بحذافيرها لأنه شخصية نموذج من الصعب تكرارها بنفس الخصائص و الصفات .

و لكنه ربما مع الاجتهاد من المربين يقيض الله لهذه الأمة من هؤلاء الأطفال عالما ربانيا .
لذا فان مسئولية الأسرة مسئولية عظيمة لأن الأب و الأم قد حملا أمرا عظيما لأن الأسرة هي المحضن التربوي لذا يقدم نصائحه للأسرة التي تهدف إلى تنشئة طفل ايجابي أن تهتم بما يلي:
1- البيت الذي يجب أن يتسم بالأمن و السكينة و الطمأنينة فيجب أن يبتعد الأبوان عن الشجار أمام ابنائهما لأن البيت يجب أن تسوده المودة و الرحمة ليشبوا أطفالا أسوياء.
2 – الرفق في معاملة الأبناء لأن رسولنا الكريم يخبرنا أن (الرفق ما كان في شئ إلا زانه ولا نزع من شئ إلا شانه)
3 – التربية المتدرجة مع الأبناء لأن مسئولة الأسرة بناء الفرد المسلم و بالطبع سيكون هؤلاء الأطفال لبنة في بناء الصرح الإسلامي.

و ختاما نقول لكل مربٍ:
إذا أردت طفلا مثل الإمام الشهيد في طفولته ليكون في مستقبله كالإمام الشهيد في دعوته فاحرص على نقاء الأسرة و حفظ القرآن و حب المسجد و الأستاذ القدوة و الصحبة الصالحة.
و كما يقول الشاعر:
أخي لن تنال العلم إلا بستــة سأنبيك عن تفصيلها ببيـان
ذكاء و حرص و اجتهاد و بلغة و صحبة أستاذ و طول زمان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق