الجمعة، 2 مارس، 2007

و هل تريدين اضاعة ثوابي عند الله؟!

بقلم:أمل خيري

(( في هدأة الليل.......
كانت أسرتنا تجلس في الشرفة جلسة سمر يسودها روح الود و كانت الدعابات تنطلق و كنا نضحك من القلب ....
الأب شاب في الثامنة و الثلاثين خمري البشرة طيب القلب نقي السريرة يحفظ القرآن الكريم و الذي كسا وجهه بنور و بهاء.
الأم شابة في الثامنة و العشرين من عمرها حنونة تغمرنا بعطفها و قلبها الدافئ يضمنا جميعا.
أخي الأكبر لم يتعد الثامنة من عمره هادئ الطباع يحفظ قدرا كبيرا من القرآن.
أما أنا فطفلة عنيدة بلغت السادسة من عمري أهوى القصص و المغامرات ،أحب الشعر حتى أني حفظت قصائد مطولة من قصائد أحمد شوقي و حافظ ابراهيم قام أبي معلم اللغة العربية بتحفيظي اياها.
و رغم أن جلسات السمر هذه كانت كثيرة بيننا إلا أن هذه الجلسة بالذات لا أنساها.....
الظلام دامس ... سكون تام و فجأة تنطلق صرخة طفل و بكاء متواصل يهرع أبي مسرعا يرتدي معطفا و ينزل درجات السلم في لحظات و بعد هنيهة يطبق الصمت المكان و ظللنا ننتظر أبي لقد غاب مدة لا تقل عن ساعة ...
عاد بعدها متهلل الوجه . و قسماً لقد رأيت النور يكسو وجهه أكثر و أكثر عن ذي قبل .
لم نطق الصبر ... أين كنت يا أبي ؟ لماذا تأخرت ؟ من هذا الطفل؟ لماذا كان يبكي؟.......
مهلا مهلا ابنائي ...دعوني ألتقط أنفاسي
لقد كان الطفل يحمل جنيها ليشتري بعض الحاجيات لأمه و لكنه سقط منه في الظلام فلما لم يجده صرخ و ظل يبكي فهو يخشى العودة لأمه فتعاقبه .
و ماذا فعلت معه يا أبي ؟
لقد أخرجت من جيبي جنيها و قلت له ها هو الجنيه لقد و جدته.
أكذبت يا أبي؟
لا يا بنيتي لقد قلت له هذا لأطمئنه و لأهدئ روعه و كان في نيتي أني وجدته في جيبي فأنا لم أصرح بأني وجدت الجنيه الخاص به على الأرض .
و هذا لا يعد كذبا.
و لماذا تعطيه الجنيه؟
هذا الطفل يا بنيتي في ضائقة و محنة و من واجبنا نحن المسلمين أن نساعد المكروب و نغيث الملهوف لننال رضاء الله.
و لماذا إذن تأخرت؟
بعد أن أخذ الطفل الجنيه بكى مرة أخرى لأنه تأخر على أمه و يخشى أن تعاقبه على التأخير فذهبت معه و اشتريت له كل ما يحتاجه ثم مضيت معه إلى البيت لأجد أمه تقف أمام البيت متلهفة لتأخر ابنها فأخبرتها الخبر و لم أغادر حتى وعدتني بأن تسامح الطفل و لا تعاقبه.
و هل أخبرتها أنك دفعت الجنيه من جيبك ؟
و هل تريدين اضاعة ثوابي عند الله؟!
أحبك يا أبي أنت طيب القلب.
مرت السنون و مازلت بعد أكثر من ربع قرن أذكر هذه الواقعة و كلما وجدت ملهوفا أسرعت لنجدته متذكرة أبي رحمه الله و مازلت أحكي لأبنائي هذا الموقف و غيره كثير و أنا أقول لهم لقد كان أحلى أب))

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق