الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2008

الدين والعلمانية وازدواجية الأخوة الإنسانية


أمل خيري

شغلت قضية الدين والعلمانية فكر العديد من المفكرين الغربيين ما بين مؤيد لفصل الدين عن الدولة، وما بين رافض للمنطق العلماني بمفهومه الغربي؛ باعتبار أن الدين لا يمكن استبعاده من الحياة العامة، ومن هؤلاء جيمس مينش أستاذ الفلسفة بجامعة القديس فرانسيز زفير بكندا ومؤلف كتاب "المعرفة والوجود.. معضلة ما بعد الحداثة".
جيمس مينش
ينطلق مينش من فرضية أن الأديان السماوية الثلاثة أو ما اصطلح على تسميته بـ"أديان الكتب السماوية" لديها قاسم مشترك بينها يجب أن تعمل على تعزيزه؛ فجميعهم يؤمن بوجود الخالق، وجميعهم يستند لكتاب سماوي، وفي الوقت نفسه فإن العلمانية بوجهها الغربي قد فشلت في احتواء الجميع والحفاظ على هويتها بسبب استبعادها للدين من المجال العام.
ويحاول مينش في مقالته المنشورة بموقع أوبن ديموكراسي بعنوان: "الأخ في النفس"[i] أن يجيب عن السؤال الأزلي: ما هي الأخوة الإنسانية، ومن هو أخي في الإنسانية؟ ويسوق قصة رمزية وردت في إنجيل لوقا حيث يروي حوارا بين المسيح عليه السلام وأحد حوارييه حين سأله: ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال «أحب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك وكل فكرك، وأحب "أخاك" كنفسك». فسأله الحواري: ومن هو "أخي؟" فحدثه المسيح عن قصة رجل كان نازلا من أورشليم إلى أريحا فوقع بين لصوص فهاجموه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حي وميت، وصادف أن نزل كاهن في تلك الطريق فرآه ثم تركه ورحل، وكذلك أحد اللاويين مر به ورآه ثم رحل، حتى أتى سامري فلما رآه -وكان مسافرا- أخذته به الشفقة فتقدم وضمد جراحاته وصب عليها زيتا، وأركبه على دابته وأتى به إلى فندق واعتنى به، وفي الغد أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له اعتن به، ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك.
ثم سأل المسيح حواريه: أي هؤلاء الثلاثة هو "أخ" لهذا الرجل؟ فأجابه الحواري: إنه الذي عامله بالرحمة، فقال له المسيح "اذهب أنت أيضا واصنع هكذا".
ازدواجية المحبة والعداء
وتدل هذه القصة الرمزية على أن "الأخ" هو الذي يعامل أخاه برحمة، سواء كان على دينه أو دين آخر؛ فجميع الأديان ترسي مبادئ الرحمة والحب بين البشر جميعا مهما اختلفت عقائدهم، إلا أن هذه الأديان وقعت في ازدواجية عجيبة؛ ففي الوقت الذي يؤكد فيه أتباع كل دين أن دينهم يدعو للمحبة والتسامح فإن تاريخ هذه الأديان قد أظهر أشكالا من التعصب الديني وعلاقات العداء، ويتساءل مينش عن السبب في هذه الازدواجية وكيف استطاعت الأديان أن تروج لكل من الحب والعنف في نفس الوقت؟!
فالتاريخ يظهر لنا الجوانب العدائية بين جميع الأديان التي انتهكت فيها تعاليم الأديان في الحروب الدينية وفي مواجهة الأقليات، وهذه الحقيقة عبر عنها الفيلسوف الفرنسي جاكوب دريدا حين ذكر أن الدين ما هو إلا ضحية لرد فعل "المناعة الذاتية"، وهذا المصطلح في العلوم البيولوجية يشير إلى ما يقوم به جسم الكائن الحي من تحويل ردود أفعاله المناعية على نفسه فتنتج أمراض المناعة الذاتية، في حين أن أجهزة الجسم مصممة بحيث تحمي نفسها من الهجمات البيولوجية بدون أن تحدث خللا في بناء الأجهزة نفسها.
وكما لاحظ دريدا فإن الدين يمكن أن يعاني من هذا المصير أثناء محاولته حماية نفسه أيضا، وفي أثناء ذلك قد يفقد هويته الذاتية، فكما يهاجم الجسم نفسه فينظر لأجزاء منه على أنها دخيلة رغم أنها جزء منه.
ويرى مينش أن كل الأديان تؤكد على هذه الظاهرة، فردود الأفعال دوما في الحقيقة مقياس للآخر الذي يستبعدون وجوده على الرغم من أنه جزء من هويتهم الذاتية، وهكذا فإن اليهود ينظر إليهم المسيحيون نظرة عداء، ونفس الأمر ينطبق على المسيحيين؛ حيث ينظر إليهم المسلمون على أنهم كفار، وهي نفس نظرة الكاثوليك للبروتستانت، أيضا رد الفعل اليهودي العدائي للأديان التي سبقتها في كنعان يمكن أن يضاف لهذه القائمة العدائية.
ففي كل حالة تبدو لنا كما لو كانت تعبر عن ظهور مذهب "جاك لاكان" الذي يؤكد أن العقل الباطن الذي يعبر عن نفسي ولا يمكنني أن أتعرف عليه هو الفصل المنبوذ من تاريخ حياتي، وهذا النبذ لا يؤدي فقط لقمع الآخرين بل الأكثر من ذلك -وبما أن الآخرين هم جزء من هويتي الذاتية- فإنه يؤدي لتشويه المعرفة الذاتية وبتعبير لاكان "هذه المعرفة الذاتية قد أفسدتها هذه التشويهات التي استلزمها الربط بين هذا الفصل الزائف والفصول الأخرى التي تحيط بها".
القاسم المشترك بين الأديان
ويؤكد مينش أن الاحتمالية الإيجابية الوحيدة في هذه الازدواجية تنبع من حقيقة أن الأديان السماوية الثلاثة جميعها تعتقد في وجود خالق عظيم، وأن هذا الإله موجود قبل نشأة الخلائق وهذا يعني ليس فقط أنه متعال فوق الخلائق بل إنه أيضا يسمو على كل المفاهيم المأخوذة من المصطلحات البشرية.
وبما أن هذا الإله ليس من هذا العالم فلا يمكن تعريفه به، كما أن الأديان الثلاثة تنظر للجنس البشري كما لو كان تصويرا لصفات الله، وكلٌّ يعترف بطريقته الخاصة بسمو الخالق عن مشابهة الخلق، وهذا يعني أن البشر لا يمكن أن يتم نمذجتهم بشكل كامل، ونتيجة لذلك تدعو الأديان إلى الانفتاح الجذري على من يطلق عليهم إخوة في الإنسانية، وهذا بسبب أنه لا يمكن صياغة كل البشر في قالب واحد؛ فالفرد لا يمكنه على سبيل المثال القول إن النساء، والأطفال، والعبيد، والبشر من كافة الألوان والأجناس يحملون صورة واحدة، ففي العالم القديم نتيجة أن هذه الرؤية تمثلت في نوع من التضامن أدى إلى حظر وأد الأطفال، وحافز مماثل أدى إلى الثورة الدينية ضد العبودية في القرن التاسع عشر في بريطانيا والولايات المتحدة.
وسمو هذا الخالق هو الجذر المشترك بين القوة الكامنة المزدوجة لهذه الأديان محل النقاش، فالذاتية الدينية من جانب اتصالها الرباني يتعذر تعريفها، فهذا الانفتاح الذي أدى إليها هو الشيء نفسه الذي جعل هذه الأديان عرضة لرد فعل المناعة الذاتية، وهذا بسبب أن الهوية الذاتية التي لا يمكن أن نضيق الخناق عليها يمكن أن تشعر بنوع من الخوف والتهديد، فالقلق الذي تثيره هو إغراء مستديم للنظر للآخرين بشكل سلبي، وهذا ظهر في موقف أتباع الأديان السماوية من أسلافهم بل ومن خلفائهم حيث يطلق عليهم لفظ "الآخر".
ازدواجية العلمانية الحديثة
ويرى مينش أن هذه الازدواجية تنسحب أيضا إلى الدول العلمانية الحديثة التي خلفتها في الغرب ونحن لا حاجة لنا في ترديد مقولة هيجل: "إن الدولة قامت على الدين" لنرى أن مفهومنا الحديث عن الحقوق المدنية له أسبقيات تاريخية تعود لماضينا الديني، وكما ناقش العديد من العلماء أنه خلف حدود قوة الدولة التي تتجسد في مثل هذه الحقوق يكمن الاعتقاد أن الطبيعة البشرية تتضمن تفوقا محددا، فحرمة النفس بالنسبة لقوة الدولة هي دلالة على السمو المتضمن في علاقتها بالدين.
وبالمثل الانفتاح على الآخرين الذي يميز النقاش السياسي الحقيقي يعود إلى الانفتاح الجذري للدين على من يسمو بالأخوة في الإنسانية.
ويؤكد مينش أن عدم رغبة الدول في الاعتراف بهذه الحقائق يمكن إرجاعه إلى كفاحها لإظهار نفسها كمجتمع علماني حديث، والدافع المبكر لصياغة هذا المنظور العلماني أتى من الصراعات الدينية التي اتسمت بها حركة الإصلاح، والاضطرابات الناتجة من حروب الثلاثين عاما، والصراعات الشبيهة أدت إلى صدور "مراسيم التسامح" المتعددة، وكان هدفها الأساسي حرية ممارسة الشعائر الدينية للأديان المختلفة المعترف بها، وعلى أي حال وبشكل غير مباشر فقد أدت في الوقت نفسه إلى استبعاد الدين من الحياة الدنيوية وهو ما عرف إجرائيا بالعلمانية.
إلا أن التعدد النامي للممارسات الدينية أدى إلى اعتقاد أنه لا يوجد شيء يمكن أن يتحكم في الحقل الرسمي العام، وبهذا أتى الحافز لاعتبار هذا الحقل العام كمجال منفصل، فالشخص له الحرية في اعتقاده الديني ولكن بعيدا عن المجال العام.
إن المنظور العلماني الذي تنامى على هذا النحو يتضمن تراجعا للوعي الديني واقتصاره على الحالة الفردية الخاصة، وبشكل مماثل الدولة فقد وضعت نفسها في مقابل الدين وذلك تأسيسا على فكرة أن الدين والسياسة لا يمكن أن يجتمعا، وأي محاولة لإقحام الدين في السياسة ينظر إليها في أحسن الأحوال على أنها تضليل، وفي الأسوأ كانت تعتبر كتقويض لمؤسسات الدولة العلمانية الحديثة، وهذا التقويض من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى نزاعات دينية مثل التي صاحبت مرحلة ما قبل ميلاد الدولة العلمانية.
ويستطرد مينش في تحليله للمنظور العلماني بأن قصور هذا المنظور لا يظهر نفسه فقط في مجال محدد مثل النقاشات المستمرة الواضحة المتعذر حلها حول كيف يجب على أوروبا أن تتعامل مع الأقليات المسلمة، أو تلك المسائل المتعلقة بعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، بل إنه أيضا يتضمن الإدراك غير الكامل للدولة الحديثة لهويتها الخاصة كمجتمع مفتوح يحترم الحقوق المدنية.
وعدم قابليتها لرؤية المكون الديني بشموليته يتضمن نفس النوع من خداع النفس الذي تتسم به الأديان حينما تحاول أن تميز نفسها بشكل سلبي عما هو "آخر"، إنها تستطيع بطريقتها الخاصة أن تؤدي إلى رد فعل ذاتي المناعة يمكن أن يؤدي إلى إنكار أو على الأقل إرجاء أكثر قيمه الأصيلة.
الاعتراف بالآخر داخل النفس
ويرى مينش أن العلاج المطلوب هنا غير استثنائي ولكنه صعب، إنه يتضمن الاعتراف بالآخر داخل النفس، وبنمط مؤسسي فإنه يعني الصدق والأمانة بخصوص علاقة الفرد بالآخرين سواء الأديان السابقة أو اللاحقة، والدولة العلمانية الحديثة لابد أن تكافح لتأسيس هويتها الناجحة، التي هي أيضا جزء من هوياتهم، والمثل هنا شبيه بالوالدين بالنسبة للطفل في مرحلة نموه فهم ليسوا فقط يضفون عليه من هوياتهم الذاتية، بل إن ما يقدمونه له يترسب في طبقات مشكلا هوية الطفل فيما بعد.
وحينما نرى مثل هؤلاء "الآخرين" بمثل هذا الانفتاح فإن هذا هو المظهر الإيجابي للسمو الإلهي؛ حيث يمكننا التخلص من تعريف أنفسنا بشكل سلبي تمايزا عن "الآخرين"، هنا الانفتاح على الآخر هو انفتاح على الآخر داخل النفس، فيجب أن نعترف أن هذا الآخر هو أخونا في الإنسانية، مثل القصة الرمزية التي سقناها في البداية عن السامري الطيب الذي ربما يكون غريبا ومن أتباع دين آخر ولكنه أخذته الرحمة والشفقة بأخ له في الإنسانية.



[i] James R Mensch, The neighbor in the self, open democracy.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1224089097098&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق