الأحد، 9 نوفمبر، 2008

البيزنس الاجتماعي .. هل يجمل وجه الرأسمالية؟

أمل خيري

ينطلق عديد من المفكرين الاقتصاديين الرأسماليين من مُسلَّمة أن رجل الأعمال لا علاقة له بالمجتمع بل يسعى للربح الفردي فقط، ولا تشغله قضايا تنمية المجتمع، باعتبار أن ما يحققه من ربح يعود بالخير على المجتمع ككل، بينما يرى بعض المحللين المعاصرين أن رجل الأعمال أو المستثمر يجب النظر إليه على أنه شخص يدور في منظومة اجتماعية؛ فهو ليس منفصلا عن واقع مجتمعه الاقتصادي والتنموي، لذا فقد برز مصطلح "رواد البيزنس الاجتماعي" بدلا من "رجال الأعمال"؛ باعتبار أن هؤلاء لديهم الحل لمعضلات النظام الرأسمالي.

يشير مصطلح رواد البيزنس الاجتماعي "Social Business Entrepreneurs" إلى أشخاص مبدعين يملكون المال، وفي الوقت نفسه يتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلاقة في مجال التغيير الاجتماعي؛ فهم مستثمرون ورجال أعمال لم يشغلهم المال والربح والمشروعات عن الاهتمام بالمجتمع وتنميته، ولديهم القدرة على المبادرة وتقديم الحلول الإبداعية لمشاكل المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

ويلخص "ديفيد بورنشتاين"[1] خصائص رائد البيزنس الاجتماعي في كتابه "كيف تغير العالم؟ الرواد الاجتماعيون وسلطة الابتكار الاجتماعي" حيث يذكر أن الرائد الاجتماعي الناجح يتمتع بست خصال أساسية، وهي:

1. لديه الشجاعة لمواجهة الوضع القائم بأخطائه.

2. لديه الاستعداد للمشاركة الجماعية في تحقيق الأهداف.

3. لديه القدرة على التحرر من الأنماط المؤسسية والبيروقراطية.

4. يتمتع بسمات أخلاقية متميزة.

5. مستعد للعمل في صمت وهدوء.

6. يتجاوز حدود التخصصات، ولديه رؤية مبتكرة للحلول.

وقد برز العديد من رواد البيزنس الاجتماعي على مستوى العالم، وساهموا بحل العديد من مشكلات مجتمعاتهم، ومن أكثر هؤلاء شهرة الاقتصادي محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006، ولعل شهرته تعود إلى أنه جمع بين النظرية والتطبيق من خلال تجربة "بنك الفقراء" التي نجحت في بنجلاديش في مساعدة الآلاف على الخروج من مظلة الفقر، وفي الورقة التي قدمها محمد يونس في المنتدى العالمي للعمل الاجتماعي الحر الذي عقدته مؤسسة "سكول" بجامعة أكسفورد وشارك فيه 750 عضوا من 35 دولة، أكد يونس على دور رجال الأعمال الاجتماعية؛ حيث حملت الورقة عنوان: "رواد البيزنس الاجتماعي هم الحل"[2].

النظرة الأحادية لرجال الأعمال

وينطلق محمد يونس من مقولة إن نظرتنا للرأسمالية ما زالت ضيقة ومحدودة فقد تم عزل الاقتصادي الرأسمالي عن باقي مقومات الحياة كالدين والمشاعر والسياسة؛ فالرجل الرأسمالي هو من يكرس نفسه لهدف واحد فقط وهو العمل لتعظيم الربح، ويشاركه في ذلك مجموعات من رجال الأعمال الذين يكرسون أنفسهم لنفس الغاية وهذه هي الآلية التي يعمل بها نظام السوق؛ فالنظرية الاقتصادية تفترض أنك حينما تعمل على تعظيم ربحك فإن ذلك يعظم أرباح الآخرين أيضا.

ويؤكد يونس على أن هذه النظرة الأحادية لرجل الأعمال نظرة فاشلة، وأنه لا يمكن تحقيق النجاح والخروج من الأزمة إلا بشراكة رجال الأعمال الاجتماعيين وهم أكثر الناس استمتاعا بمساعدة الآخرين، ولا شك أن هؤلاء يجب أن تمنحهم الحكومات تخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي.

وهذه الفئة من رجال الأعمال تتنوع ما بين من يساهمون بالمال فقط في تنمية مجتمعاتهم، ومنهم من يمضي لأبعد من ذلك حيث يكرس بعضا من وقته وجهده وماله لمشروعات اجتماعية ريادية من شأنها تحسين وضع الفقراء وتنمية المجتمع، والبعض منهم ينتظر العائد الربحي على ما يقدمه من خدمات، بينما البعض الآخر لا ينتظر أي عائد، بل يحتسب ما أنفقه ولا يشغله.

وهذا من شأنه أن يحول العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية؛ مما يعمل على زيادة حدة الإثارة والمنافسة داخل الأسواق، وتأتي الإثارة من تواجد نوعين من رجال الأعمال: هؤلاء الأحاديون الذي يركزون على الربح فقط، وأولئك الاجتماعيون الذين يربحون ويخدمون مجتمعاتهم في نفس الوقت، وتأتي المنافسة من تنامي أعداد رجال البيزنس الاجتماعي الذي يتسابقون على أوجه الخير وهؤلاء يمكنهم أن يصبحوا لاعبين أساسيين في الاقتصاد العالمي.

إلا أننا لو جمعنا أصول هذه الشريحة من رجال الأعمال لا نجدها تمثل سوى نسبة ضئيلة جدا من الاقتصاد العالمي ليس بسبب افتقارهم لمقومات النمو بل لأن نظرتنا نحن ما زالت ضيقة، فالاقتصاد العالمي لم يعترف بعد بوجودهم وبالتالي فليس لهم تمثيل في الغرف التجارية ولا يوليهم المحللون الانتباه؛ نظرا لما يغشى عيونهم من نظريات درسوها في الجامعات عن الربح والمال والسوق.

ويؤكد محمد يونس أنه متى أرسينا لهؤلاء وجودهم في السوق من مؤسسات داعمة وسياسات وقواعد ولوائح فإننا نساعد على أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع بين رجال الأعمال، ففي ظل اقتصاديات السوق لم تلعب السوق أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن السوق نفسهما ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية والتي يقع على عاتق الدولة حلها؛ حيث تحولت السوق إلى حلبة صراع بين رجال الأعمال للتنافس على الربح مع إهمال متعمد للصالح العام؛ مما ترتب عليه مضاعفة الأرباح للأغنياء والذي يهدد بالقضاء على الاقتصاديات الفقيرة وزيادة الفقراء في العالم، ولذا فقد حان الوقت لتغيير هذه النظرة الضيقة للرأسمالية من خلال تشجيع فئة رجال الأعمال الاجتماعيين على إنجاز أهدافهم وتوجيه جزء من أرباحهم للعمل على تنمية المجتمع والصالح العام.

سوق الأسهم المالية الاجتماعية

ويضع محمد يونس الخطوات العملية لتشجيع رجال البيزنس الاجتماعي على تبوء المكانة المطلوبة في الاقتصاد العالمي، فيرى أن الخطوة الأولى تتمثل في الاعتراف برجال الأعمال الاجتماعيين في دراساتنا النظرية، فيجب على الطلاب أن يتعلموا وجود فئتين من رجال الأعمال في النظام الرأسمالي: فئة الساعين للربح، وفئة الراغبين في العطاء، وعليهم أن يختاروا إلى أي فئة يريدون أن ينضموا فيما بعد، وبالتالي فنحن نوسع من مجالات اختيارهم.

وتتمثل الخطوة الثانية في وضع هذه الفئة من رجال الأعمال في الصورة؛ بحيث يصبحون مرئيين ومعترف بوجودهم ما داموا يتبعون نفس نظم السوق وما داموا هم مقيدون بمعايير التجارة والاقتصاد، مع وضع مجموعة من اللوائح والمعايير الخاصة بهم لتيسير عملهم وهو ما أطلق عليه يونس مصطلح: "سوق الأسهم المالية الاجتماعية" والذي يؤكد على أنه سيجذب كلا من فئتي رجال الأعمال ما دام توافر فيه الربح الشخصي، إضافة إلى الهدف الاجتماعي.

وتحقيق الربح لن ينتقص من الهدف الاجتماعي بل على العكس يجب أن تقرر اللوائح والمعايير المحددة لتمكين شركة ما من دخول سوق الأسهم المالية الاجتماعية أو خروجها، ويجب أن يشعر المستثمرون بحق أن الشركات التي أدرجت في هذا السوق لديها مشروعات اجتماعية حقيقية.

وبالتالي فنحن نحتاج مع إقامة هذه السوق أيضا إلى مؤسسات متخصصة في التقييم تمتلك أدوات التقييم المؤثرة ومؤشرات محددة للتعرف على الشركات الاجتماعية الأكثر تأثيرا؛ مما يساعد المستثمرين الاجتماعيين في اتخاذ قراراتهم بشأن شراء الأسهم في هذه الشركة أو تلك، وهذه الصناعة الجديدة بالتأكيد ستحتاج لصحف مثل "وول ستريت" و"فايننشيال تايمز" ولكن في صورتها الاجتماعية التي تركز على إظهار نجاحات رجال الأعمال الاجتماعيين، وتقدم الأخبار والتحليلات اللازمة لتيسير عمل المستثمرين ورجال الأعمال الاجتماعيين.

ويمكن البدء بتدريس "ماجستير إدارة الأعمال"MBA المتخصص في مجال الاستثمار الاجتماعي في جامعاتنا ومعاهدنا لتهيئة الشباب على الاضطلاع بهذا الدور بعد تخرجهم، وهذا من شأنه أن يشعل حماس هؤلاء الشباب للتحول بجدية إلى الاستثمار الاجتماعي وبالطبع يتطلب ذلك توفير نوع من التمويل لهؤلاء قد يتمثل في إنشاء مصرف جديد متخصّص في تمويل الأعمال التجارية الاجتماعية، كما يجب تشجيع المستثمرين المغامرين على الانضمام لعالم رجال البيزنس الاجتماعي.

المنافسة خطوة البداية

يطرح محمد يونس فكرة البدء في إطلاق مبادرة لمسابقة تنافسية في مجال المشاريع التجارية الاجتماعية قد تكون منافسة محلية أو إقليمية أو حتى عالمية، وتخصص جوائزها في شكل تمويل للمشاريع الفائزة أو منحها شراكة في التنفيذ، كما يجب أن تنشر كل اقتراحات المشروعات التجارية الاجتماعية المقدمة لكي يستفيد منها الآخرون أو على الأقل تقدم للراغبين في العمل الاجتماعي أفكارا لمشروعات تجارية اجتماعية أخرى.

سوق الأسهم المالية نفسها يمكن أن تبدأ بمبادرة من بعض رجال البيزنس الاجتماعي كمشروع تجاري اجتماعي، ويمكن لمدرسة اقتصادية واحدة أو عدة مدارس المشاركة في بدء تنفيذ الخطوات العملية لهذه السوق.

وهذه السوق بالطبع لن تبدأ عملاقة منذ ولادتها، بل إن الخطوة الأولى في النجاح حتما ستؤدي للخطوات التالية، ويدلل محمد يونس على ذلك بتجربته الشخصية في "بنك جرامين" حيث بدأ بخطوة صغيرة تدرجت لتحقيق الحلم، فقد بدأ يونس بتقديم قروض صغيرة لبضعة أفراد بدون ضمانات أو فوائد، وحينما أدرك النجاح الذي حققه كان لابد من الحصول على المزيد من المال فتحول لأحد المصارف للاقتراض منها لهؤلاء الفقراء كضامن لهم، ثم تلتها الخطوة الحاسمة بإنشائه مصرفا خاصا رسميا بدأ بالاقتراض من البنك المركزي ولكن هذه النجاحات المستمرة أغرت المزيد من المتطوعين والممولين على مستوى العالم لتقديم تبرعات لهذا المصرف الوليد، وهذا من دوره أدى للخطوة التالية وهي الرغبة في الاعتماد الذاتي من خلال إيجاد موارد ذاتية، والآن أصبح لدى بنك جرامين من الإيداعات أكثر مما يقدمه المتبرعون؛ حيث وصلت نسبة الإقراض إلى نصف بليون دولار في العام الواحد، تصل قيمة القرض الواحد لأقل من 200 دولار، ويبلغ نسبة المقترضين اليوم 7.56 مليون شخص تبلغ النساء منهم نسبة 97% يقترضون بدون فوائد، كما يسجل البنك نسبة تسديد تبلغ 99%.

ويقدم البنك العديد من البرامج التمويلية في شكل قروض سكنية وقروض للتعليم وصناديق التقاعد والقروض لشراء الهواتف الجوالة لنساء القرى وقروض للمتسولين ليتحولوا إلى بائعين.

وفي ختام ورقته، يؤكد محمد يونس أن خلق البيئة الصحيحة لرجال الأعمال الاجتماعيين يساهم في إفساح المجال للفرص الإبداعية والفعالة في السوق، وعندما تزال العوائق أمام المستثمرين الاجتماعيين فهذا من شأنه أن يرسم ابتسامة أمل في هذا العالم الكئيب.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-Namah%2FNMALayout&cid=1225697967172

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق