الاثنين، 14 فبراير، 2011

الثورة العربية في 12 سؤالاً وجواباً


رؤية ماليزية حول الثورة في تونس ومصر
شاندرا مظفر*
ترجمة: أمل خيري
إسلام أون لاين
ناقش الدكتور شاندرا مظفر Chandra Muzaffar، أستاذ الدراسات العالمية ورئيس الحركة الدولية للعدل (JUST)ما يجري في المنطقة العربية من تحولات واحتجاجات واصفا إياها بالثورة العربية في مقالة نشرها على موقع JUST قدمها في شكل 12 سؤالاً وجواباً، وينشر موقع إسلام أون لاين. نت ترجمة لهذا الحوار نظرا لأهميته.
هل هي انتفاضة؟
-1 هل من الصحيح وصف ما يحدث في عدد قليل من الدول العربية بأنه "الثورة العربية" طالما لم تتأثر معظم الدول العربية بتلك المظاهرات والاحتجاجات؟
- بصرف النظر عن تونس ومصر، فقد وقعت احتجاجات في الجزائر والأردن واليمن. ويمكن أن تمتد إلى دول عربية أخرى. وبوضع هذه الدول الخمس معا، صحيح سيكون لدينا أقل من ربع الدول العربية. ولكن هناك شعور واسع لأثر هذه الاحتجاجات الحاشدة في معظم الدول العربية الأخرى. بعض قادة هذه الدول لديه شعور بالتوتر. إلى جانب ذلك، فإن وجود مصر في عين العاصفة في هذه اللحظة الراهنة، بالنظر إلى مكانتها التاريخية والسياسية وعدد سكانها يعتبرها البعض مركز العالم العربي.
2- هذه انتفاضة شعبية فعلية؟ بعض المحللين المعروفين من روسيا وألمانيا يتبنون وجهة النظر بأن هذه الانتفاضات تمت إدارتها والتخطيط لها من قبل الولايات المتحدة حيث ترغب في استبدال بعض حلفائها الذين أصابتهم الشيخوخة في العالم العربي لمنع الفوضى التي قد تظهر حال وفاتهم.
- إن بعض حلفاء الولايات المتحدة مثل حسني مبارك في مصر في الثمانينيات من عمره، هذا أمر واقع. وصحيح أيضا أن المسؤولين الأمريكيين قد قاموا بمناقشة "الانتقال المنظم" في العالم العربي لبعض الوقت الآن. ولكن من الصعب الاعتقاد بأن أي شخص في واشنطن أو لندن أو تل أبيب يرغب في التخطيط لاحتجاجات واسعة كوسيلة لتحقيق تلك التحولات.
فالقادة في هذه العواصم وشبكات الاستخبارات ومؤسسات الفكر والرأي تعلم جيدا أنه ليس من السهل السيطرة على الانتفاضات الجماهيرية للتوجه بشكل مباشر نحو النتائج المخطط لها. هذا ينطبق بشكل خاص على منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا حيث تنتشر بشدة المشاعر السلبية بين الشعوب تجاه الولايات المتحدة والنخب الإسرائيلية.
فهل يمكن لأي زعيم أمريكي أو إسرائيلي أو بريطاني أن يتحمل تلك المخاطرة في هذه المنطقة، التي تعد فيها القضية الفلسطينية حجر الزاوية؟ إلى جانب ذلك، فهي تدرك تماما أنه في عدد كبير من تلك البلدان تعتبر الحركات ذات التوجه الإسلامي هي الأكثر شعبية والتي غالبا ما تعارض احتلال فلسطين وغيرها من الأراضي العربية، وكذلك تعارض القهر والظلم.
شعوري الشخصي هو أن قيادة الولايات المتحدة وحلفاءها لم يتوقعوا هذه الانتفاضة، ولكنها حدثت بالفعل الآن، ومن ثم فهم يحاولون بشدة تحديد نتائجها. وهم عاقدون العزم على ضمان مصالحهم في المنطقة مهما كانت التكاليف والعواقب.
احتجاجات الكرامة
3-وهل سيقبل بذلك ملايين المتظاهرين المعارضين في مصر والذين يتوقون إلى تغيير حقيقي؟
- البعض سيقبل، ولكن هناك شريحة كبيرة من المجتمع المصري التي تمقت المحاولات الأمريكيةوالغربية لاتخاذ القرار وتحديد مستقبلها. هؤلاء المصريون يعرفون لماذا تهتم الولايات المتحدة بالعالم العربي وغرب آسيا. إنه النفط، وكذلك الأهمية الاستراتيجية للمنطقة بأكملها: البحر المتوسط، وقناة السويس، مضيق هرمز، وهناك أيضا إسرائيل.
وهم يعرفون أنه تم التضحية بمئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال لصالح الولايات المتحدة. هم يعرفون كيف أزهقت العديد من الأرواح الغالية خاصة من الأطفال الصغار بسبب الحرب الصليبية التي تقودها الولايات المتحدة والعقوبات التي فرضتها على العراق والتي استمرت لمدة 13 عاما، وبلغت ذروتها في غزو واحتلال تلك الأرض مما أدى إلى مزيد من الشقاء والموت والدمار.
المصريون وغيرهم من العرب يتذكرون كل ذلك. وهذا يفسر سبب وجود الكثير من الغضب ضد زعماء مثل مبارك وزينالعابدين بن علي -الرئيس التونسي المخلوع-، الذين ينظر إليهم على أنهم من الرجال الذين ضمنوا هيمنة الولايات المتحدةعلى العالم العربي في السنوات الأخيرة. فهم يعتبرونهم أذناباً للولايات المتحدة لا هم لهم سوى خدمة أجندات إمبريالية. يظهر ذلك في عديد من اللافتات التي رفعها المتظاهرون في القاهرة وتونس والتي تصفهم كعملاء للولايات المتحدة.
مبارك وزين العابدين بن علي أيضا كانا جزءا لا يتجزأ من النفاق الصارخ الذي يميز علاقات الولايات المتحدة بالأنظمة الديكتاتورية في كل مكان. فقد ادعى قادة الولايات المتحدة كثيرا أنهم ملتزمون بتعزيز الحرية والديمقراطية في العالم العربي. وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندوليزا رايس أعلنت في القاهرة في عام 2005 "نحن ندعم الطموحات الديمقراطية لجميع الناس". وقد أطلقت مؤسسة تسمى مؤسسة المستقبل لهذا الغرض. وكان رئيسها حتى يونيو 2008 السياسي الماليزي أنور إبراهيم وهو حليف وثيق للولايات المتحدة.
في الواقع، فإن الولايات المتحدة، كما يعلم الجميع، قد قدمت دعمها الكامل للرئيس مبارك وزين العابدين بن علي وغيرهم من الطغاة الذين سجنوا وعذبوا وقتلوا المعارضين السياسيين. ولكن عندما يصبح هؤلاء الطغاة على وشك الانهيار فإن المسؤولين الأمريكيين يشرعون في دعم التطلعات الديمقراطية للشعوب.
والذي يجعل نفاقهم هذا في غاية السوء قمعهم للمحاولات الحقيقية من قبل شعوب المنطقة لممارسة المبادئ الديمقراطية. فعندما فازت حماس في انتخابات حرة ونزيهة فيفلسطين المحتلة في يناير 2006، تعرضت لمقاطعة وعزل من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبسبب مثل هذا النفاق فإن أولئك الذين يناضلون من أجل التغيير في مصر وأماكن أخرى لا يثقون في قيادة الولايات المتحدة.
4- في ردكم للتو ذكرتم "إسرائيل". هل إسرائيل حقا عامل أكثر إلحاحا في غضب الشعوب ضد قادتها؟
- إذا كانت هيمنة الولايات المتحدة تثير المشاعر السلبية، فإن ذلك يرجع جزئيا إلى استخدامها هذه الهيمنة لحماية وتعزيز مكانة إسرائيل في المنطقة. فإسرائيل ينظر إليها كثير من العرب باعتبارها نقمة على بلدانهم. وكثيرا ما تعتبر الشعوب القادة والحكومات التي تتواطأ مع النظام الإسرائيلي خونة للقضية الفلسطينية.
فقد تعرض زين العابدين بن علي للانتقادات من قبل العديد من الجماعات الإسلامية والعلمانية فيالعالم العربي لدى استضافته رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إرييل شارون في تونس منذ بضعسنوات. مبارك الذي تربط بلاده علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، تعرض أيضا للنقد من جانب الجميع دون استثناء لإغلاقه معبر رفح على الحدود بين مصر وغزة خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة في ديسمبر 2008 ويناير 2009. مما أدى إلى تفاقم الوضع الهش بالفعل للشعب المحاصر في غزة. وعندما هاجمت إسرائيل لبنان في يوليو 2006، اعتمد الرئيس مبارك موقفا معاديا تجاه حزب الله وهي الحركة الأكثر فعالية في العالم العربي في مقاومة العدوان الإسرائيلي.
إسرائيل وأولئك الذين تحالفوا معها، قد أسخطوا الكثير من العرب والمسلمين ليس فقط بسبب الطريقة التي تم بها إنشاء إسرائيل في 1948، بل لما فعلته إسرائيل منذ ذلك الحين من استيلاء على كثير من الأراضي الفلسطينية والعربية، وقتل الآلاف من الفلسطينيين والعرب، وطرد العائلات الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والمضايقات اليومية في عدد لا يحصى من نقاط التفتيش الفلسطينية، وجدار الفصل العنصري الذي حاصر الفلسطينيين، كل هذه العوامل ساهمت جميعا في الإهانة الجماعية للعرب والمسلمين. لقد اكتوى هؤلاء من غطرسة إسرائيل على مدى 63 عاماً. واستمرار إسرائيل يمثل إهانة دائمة لكرامتهم البشرية. والاحتجاجات في تونس، في مصر، في الأردن، في الجزائر واليمن تدور كلها حول الكرامة.
أين الاقتصاد؟
-5 من المؤكد أن الثورة العربية لم تقم فقط لانتزاع الغطرسة الإسرائيلية ومحاولات الهيمنة الأمريكية على كرامة الشعب. هل ساهم الوضع الاقتصادي أيضا في الغضب الجماهيري؟
- بالتأكيد. فتشير التقديرات إلى أن نحو 140 مليون عربي -40% من مجموع السكان- يعيشون تحت خط الفقر. لكن الفقر المطلق وحده نادرا ما أدى إلى ثورات جماعية في التاريخ. إنه كذلك اتساع الفوارق في الدخل والثروة، التي تفاقمت بسبب زيادة أسعار المواد الغذائية وارتفاع معدلات البطالة، التي بدأت تؤذي الكثير من الناس.
في حين أن السياسات والأولويات التي وضعتها النخبة الوطنية مسؤولة جزئيا عن هذا الضيق الاقتصادي، فقد كانت البيئة الاقتصادية العالمية أيضا عاملا رئيسيا. أسعار الغذاء العالمية، على سبيل المثال، ارتفعت بشكل كبير في نهاية 2010 نتيجة لأسباب متنوعة تتراوح ما بين الكوارث الطبيعية وتغير المناخ لتحويل المحاصيل الغذائية إلى وقود حيوي وتفشي المضاربة في السلع الأساسية. اليوم تستورد كل من تونس ومصر الغذاء في حين كانتا تحققان الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية في الستينيات.
عتماد مصر على الواردات الغذائية حاليا يعكس خللا هيكليا رئيسيا في عدد من الاقتصاديات العربية والاقتصاديات الأخرى وفي الواقع في كل مكان حول العالم سواء في جنوب الكرة الأرضية أو شمالها. بدءا من الثمانينيات، فقد بدأت مصر في تنفيذ سياسات "الليبرالية الجديدة" والتي تتطلب إجراءات عديدة من بينها رفع القيود عن توزيع المنتجات الزراعية والقضاء على الدعم الزراعي ودعم المواد الغذائية.
إلى جانب ذلك، أدت الرأسمالية الليبرالية الجديدة أيضا إلى انفتاح السوق المحلية على واردات المواد الغذائية التي كانت أكثر قدرة على المنافسة، والتي بدورها أثرت على الإنتاج الغذائي المحلي. وبالتالي، انخفض الإنتاج الغذائي بشكل ملحوظ وأصبحت مصر دولة مستوردة صافية للأغذية، حتى إن ارتفاع معدل البطالة كان إلى حد ما نتيجة لهيمنة رأس المال النقدي، بدلا من رأس المال الموجه لأنشطة التصنيع أو قطاع الخدمات تماما وفق الرأسمالية الليبرالية الجديدة. مع صناديق التحوط والمصارف الاستثمارية والمضاربين بالعملة تركزت الأموال أكثر في أيدي عدد قليل.
لذا فإنه ليس من المستغرب أن يصبح التفاوت في الدخل والثروة أكثر وضوحا وحدة في مصر اليوم، بالمقارنة بفترة الستينيات وأوائل السبعينيات، ومن المهم أن تضع ذلك في الاعتبار، حين تجد غضب المتظاهرين تجاه ارتفاع أسعار المواد الغذائية والبطالة والفوارق الهائلة الاتساع.
الفساد
- 6وما العلاقة بين هذه القضايا الاقتصادية والفساد والمحسوبية للنخبة الحاكمة التي على مايبدو أيضا واحدة من الأسباب التي أدت إلى الثورة العربية؟
- عندما يعاني الناس من ارتفاع أسعار السلع الضرورية وانعدام فرص العمل، تتصاعد الاتهامات حول الفساد والمحسوبية في النخبة، لا سيما إذا كانت هي المتسببة في ذلك. فلا أحد ينكر أن هناك بلا شك قدرا كبيرا من الفساد على جميع المستويات في عدد من الدول العربية. وغالبا ما يرتبط بالأقارب والمقربين.
في تونس، كان هناك اتهامات حول فساد زين العابدين بن علي تم تداولها لفترة طويلة. وغالبا ما كانت تطال زوجته ليلى الطرابلسي، التي تعيش في البذخ والإسراف وهذه المفاسد أججت مشاعر الغضب لدى الشعب ولدى مئات الآلاف من المعارضين الراغبين في التغيير، فكلتا العائلتين (عائلة بن علي وعائلة زوجته) كانتا تمتلكان حصة في جميع الشركات الكبرى من بنوك وشركات الطيران وشركات الجملة والتجزئة. هذا الجشع حرض على الكراهية الشاملة.
الكثير من الغضب تجاه مبارك والفساد الدائر حوله خاصة حول ابنه جمال. فقد أدت المحسوبية للأب إلى تراكم ثروة الأسرة عبر تجاوزات استمرت على مدى 30 سنة من سنوات حكمه في مصر. وزاد الأمر سوءا محاولة مبارك توريث الحكم لابنه.
في اليمن أيضا، اضطر علي عبد الله صالح الذي يرأس البلاد منذ 1978 إلى التخلي عن مخططاته لتسليم مقاليد السلطة لابنه أحمد، بعد تصاعد الاحتجاج الشعبي ليعلن أنه ليس لديه هذه النية وأنه سوف يتخلى عن منصبه عندما تنتهي ولايته في 2013 بينما استمرت مطالبات الشعب بتخليه عن منصبه في الفترة السابقة.
7- أليس بقاء هؤلاء القادة في مناصبهم لعدة عقود ثم سعيهم لتوريث السلطة لذريتهم أحد الأسباب الرئيسية لتفجر الغضب في الشارع العربي؟
- سياسة الأسر الحاكمة سياسة بغيضة تحت أي ظرف من الظروف ولكنها تصبح أكثر بغضا حين يطول حكم الفرد طويلا مع غياب الثقة والأمانة.
في هذه المنطقة من العالم التي تقع فيها الدول العربية، وربما تكون المنطقة الوحيدة في العالم اليوم التي يرتقي فيها الحكام بدون انتخابات أو من خلال انتخابات صورية، وربما هي المنطقة الوحيدة التي تشهد أطول فترات حكم ومحاولات تسليم مقاليد السلطة إلى الأبناء. تشهد هذه المنطقة أيضا ندرة وجود البرلمانات المنتخبة، والمنافسة الانتخابية وفق التعددية الحزبية، وتفتقد غالبا المساءلة المؤسسية وشرعية المعارضة السياسية، أو استقلالية القضاء، وغيرها من قواعد الحكم الديمقراطي.
وبسبب غياب هذه الديمقراطية ثار هؤلاء الشباب ضد حكوماتهم الديكتاتورية التي تقمع حرية التعبير وتفتقد للمساءلة. فهم يمقتون القوانين القمعية، وأساليب التعذيب والقمع الوحشي للمعارضة المشروعة المرتبطة بهذه الأنظمة. وقد قررت شريحة من الجيل الأكبر سنا والذي استاء دائما من قمع النخب السياسية، التعاون مع الشباب. والنتيجة هي انفجار مشاعر الغضب التي نشهدها في العديد من دول المنطقة.
الشرارة
- 8في حين أن هذا الغضب قد تراكم على مدى فترة من الزمن، فلا بد من وجود شرارة لإطلاقه.
- في حالة تونس، تمثلت الشرارة في قيام الشاب محمد البوعزيزي بإشعال النار في جسده، وهو بائع خضر كان يكافح لتغطية نفقاته في خضم ارتفاع أسعار المواد الغذائية ويتعرض باستمرار لمضايقات من قبل السلطات البلدية، مما أثار مشاعر فياضة من الغضب. وبعد عشرة أيام من جنازته، وفي 14 يناير 2011، فر من البلاد زين العابدين بن علي الذي ظل في السلطة لمدة 23 عاما كاستجابة لنداء جميع طبقات المجتمع من أجل الإطاحة به. وهذا الأمر أعطى الأمل للشعوب في الأردن والجزائر ومصر الذين كانوا أيضا يحلمون بالتغيير. وعندما خرج مئات الآلاف من المصريين ليطالبوا بإسقاط الرئيس تشجع شعب اليمن للضغط على زعيمهم لإرغامه على الاستقالة.
ومن الواضح أن النضال ضد الاستبداد التونسي كان له تأثير المتوالية. فقد قام أربعة أشخاص في مصر بتقليد البوعزيزي في حرق أنفسهم. لكن ذلك لم يحرك الشعب الساكن، بل انطلقت الشرارة على يد شباب ناشط إلكترونيا حث المصريين على التجمع في مسيرة بميدان التحرير يوم 25 يناير، بعضهم من أعضاء حركة شباب 6 أبريل والتي لعبت دورا كبيرا في تنظيم الاحتجاجات الواسعة منذ ذلك اليوم، وكان لفتاة تدعى أسماء محفوظ دور مهم في حشد المتظاهرين.
-9 أليس من الإشارات المهمة انتشار خبر انتحار البوعزيزي، ونداء أسماء محفوظ، عبر وسائل الإعلام الجديدة؟
- ستخلد الثورة العربية لعام 2011 في التاريخ بوصفها الثورة التي تشكلت من قبل وسائل الإعلام الجديدة وتكنولوجيا الاتصال الجديدة والتي لا تقتصر فقط على مواقع الإنترنت والمدونات والفيس بوك، بل تشمل كاميرات الفيديو والهواتف المحمولة والتي كان لها نفس القدر من الأهمية في نقل الصور والرسائل التي ساعدت على تعبئة وحشد الجماهير في احتجاجاتهم.
العلاقة بين وسائط الإعلام الجديدة والتلفزيون أيضا تشكل عاملا حاسما في تعزيز زخم النضال من أجل التغيير وخاصة في مصر. وفي هذا الصدد، لعبت قناة الجزيرة دورا مهما في النضال العربي من أجل العدالة. وقد أظهرت وبعبارات لا لبس فيها أنها ملتزمة تماما بقضية الشعب. وبتبني هذا الموقف أجبرت الجزيرة شبكات التلفزيون الأخرى مثل سي إن إن والبي بي سي -التي تعبر عادة عن مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما- على استيعاب الأصوات المعارضة من الشارع العربي والتي غالبا لا يسمعها الغرب.
الإخوان المسلمون
-10 هل المخاوف المستمرة من دور الإخوان المسلمين في الانتفاضة أصبحت تشبه الثورة الإسلامية في إيران والتي نسمع كثيرا في شبكة سي إن إن أنها تعمل وفق أجندتها؟
- حركة الإخوان واحدة من مجموعة متنوعة من الحركات والمنظمات التي تشارك في الاحتجاجات في مصر. ولكنها لم تكن هي الداعية للاحتجاجات. وبالطبع فهي كحركة شعبية لها سمعتها الطيبة في كونها أكثر الحركات انضباطا وتنظيما. وقد استمرت في ممارسة نشاطها على مدى أكثر من 80 عاما، على الرغم من أنها رسميا لا تزال محظورة.
على الرغم من أنها ليست سوى أحد العناصر الفاعلة في هذه اللحظة فإن بعض المعلقين الغربيين يعتقدون أن الإخوان سوف يتولون الحكم بمجرد تشكيل حكومة جديدة في مصر، كما حدث في إيران. مستدلين على أن العنصر الإسلامي في الثورة الإيرانية عام 1979 كان أيضا واحدا من عناصر الثورة، وفي غضون بضع سنوات، أصبحت النخبة الدينية راسخة في السلطة، وقامت بتنحية الجهات الفاعلة الأخرى.
أولئك الذين يعقدون هذه المقارنة يغفلون اثنين من الاختلافات المهمة. صحيح أن الثورة الإيرانية تنوعت طوائفها إلا أن آية الله الخميني اعتبر القائد العام للثورة نظرا لمؤهلاته الدينية وتضحيته ونكرانه الذات. في صراعه ضد شاه إيران لما يقرب من 20 سنة، سواء داخل البلاد أو في المنفى، ظهرت بوضوح رؤية الخميني للنضال والتغيير التي اتسمت بالطابع الديني في الأساس. كان هناك عدد من رجال الدين البارزين الآخرين مثل آية الله طالقاني وآية الله مطهري الذي كان أيضا على رأس الثورة الإيرانية. بالمقابل لا يوجد أحد من الإخوان يلعب مثل هذا الدور في انتفاضة مصر.
يعود ذلك بشكل جزئي لمكانة الخميني الذي كان قادرا على تشكيل إيران ما بعد الثورة في قالب ديني معين. وساعدت الحرب التي قادها صدام حسين من العراق -بدعم من عدد من الدول العربية وعلى مرأى ومسمع من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول غربية أخرى، من 1980 حتى 1988- الخميني على تعزيز قبضته الدينية على شعبه. ليس هناك ما يشير إلى أن مثل هذه الظروف الاستثنائية التي سمح فيها بقيادة خاصة ذات توجه ديني معين لتعزيز موقفها ستتكرر في حالة مصر.
إلى جانب ذلك، فإن الإخوان الذين عرفوا في أوقات سابقة بالتشدد والمحافظة قد شهدوا بعض التغييرات المهمة. وأصبحت الجماعة من أكثر التيارات الدينية تسامحا، وأكثر تكيفا مع دور المرأة والأقليات غير المسلمة، وأقل تشددا بخصوص مفهومهم للدولة والقانون. ومن الجدير بالذكر أنه في أعقاب مذبحة كنيسة القديسين في مدينة الإسكندرية قبل بضعة أسابيع، لعب الإخوان دورا رئيسيا في إبراز التضامن المسيحي الإسلامي. ومن المفارقات، أن الحظر السياسي على الإخوان قد عزز من التزامهم بالمبادئ الإنسانية والرعاية الاجتماعية في الإسلام، ومع ذلك لا تزال هناك بعض العناصر داخل الإخوان الذين ما زالوا يلتزمون التفسير السطحي والحرفي لقواعد الإسلام وأوامره.
وبعبارة أخرى، فإن "الدولة الإسلامية" أو "الشريعة الإسلامية" ليست هي المشكلة. وإذا أكد الإخوان المسلمون على قبول الغرب مع قوته وهيمنته، سيصبح الغرب مستعدا جدا لقبول الإخوان. الولايات المتحدة والنخب الغربية الأخرى لم تكن متأكدة إذا كان الإخوان سوف يرفضون هيمنتها -كما فعلت القيادة الإيرانية الإسلامية- ويصرون على استقلال وسيادة مصر والشعب العربي ككل.
فهل سيحذو قيادات الإخوان حذو حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان من إصرار على الموقف المبدئي لتحرير الأراضي الفلسطينية والعربية الأخرى، وهل ستعارض إسرائيل وتصرفاتها الشائنة في المنطقة؟ هل سيعلي الإخوان شرف وكرامة المضطهدين وضحايا العدوان فوق مصالح النخب الأميركية والبريطانية والإسرائيلية؟ ولأن هذه الأسئلة مقلقة لأولئك الذين يسعون لإدامة هيمنتهم وقوتهم، يظل الإخوان والحديث عنهم قضية أساسية.
-11 ألا ينبغي على الولايات المتحدة والنخب الإسرائيلية بدلا من التركيز على الإخوان، أن يفكروا في الكيفية التي يمكن أن يلعبوا بها دورا بناء في العالم العربي يؤكد كرامته وشرفه؟
- هذا هو بالضبط ما ينبغي أن تفعله. فإذا كان الشعب نجح في إحداث تغيير جوهري في تونس ومصر وبلدان أخرى في المنطقة العربية فلا يمكن للولايات المتحدة والنخب الإسرائيلية أن تستمر في سياستها الحالية من السيطرة، والتلاعب والهيمنة على المنطقة من خلال النخب الذين يمثلون مصالحهم أكثر من حرصهم على رفاه الجماهير العربية. وينبغي أن تتكيف مع الحقائق الجديدة على الأرض.
بعبارات أكثر تحديدا، فإن هذا يعني تحقيق العدالة للفلسطينيين التي حرموا منها طوال العقود الستة الماضية. وينبغي أن يسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى موطنهم، وبقيام دولة فلسطينية جديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس.
وينبغي الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين والعرب الآخرين في السجون الإسرائيلية. وينبغي أن تعاد هضبة الجولان بكاملها إلى سوريا وينبغي إعادة مزارع شبعا إلى لبنان. وينبغي لإسرائيل القضاء على أسلحتها النووية لتعلن منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. وإذا كانت الولايات المتحدة صادقة في ادعائها باحترام وتحقيق تطلعات شعوب المنطقة، فإنه ينبغي عليها إقناع بل وإجبار إسرائيل على اتخاذ هذه التدابير. وحينما تتجه إسرائيل نحو السلام القائم على العدل ستنال الاعتراف الرسمي بها من قبل دول المنطقة.
وفي حين سيكون حل الصراع العربي الإسرائيلي اختبارا لمدى صدق الولايات المتحدة في موقفها تجاه الشعب العربي، فإنه سيكون عليها أيضا أن تظهر من خلال تصرفاتها أنها لم تعد تسعى لإدامة هيمنتها السياسية أو الاقتصادية في أي مكان في المنطقة. وينبغي ألا تحاول الحفاظ على سيطرتها السياسية على المنطقة عن طريق ضمان وصول عملائها للسلطة من خلال صناديق الاقتراع.
يتعين على الولايات المتحدة أيضا وقف اتخاذ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما من المؤسسات ترتيبات لتمرير السياسات الرأسمالية الليبرالية الجديدة والبرامج التي من الواضح أنها معادية لمصلحة الشعب. وبدلا من محاولة تشكيل مصير العالم العربي لغرض هيمنتها الخاصة، ينبغي أن تتعلم النخب الأمريكية احترام استقلالية وسلامة الشعوب. وينبغي لها أن تسمح للشعوب بتسخير قوتها الدينية والثقافية من أجل بناء مستقبلهم، بالاسترشاد برؤيتهم الخاصة.
خاتمة الانتفاضات
-12 أخيرا، هل ترى أن هناك خاتمة لهذه الانتفاضة العربية؟
- حتى في تونس حيث نجح الشعب في إجبار الدكتاتور على الرحيل، فإن الوضع لا يزال في حالة تغير مستمر. وقد وعدت الحكومة المؤقتة بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وأدخلت بعض الإصلاحات الديمقراطية. لكن أجهزة السلطة في النظام القديم لا تزال قائمة. ولم يتم السماح لكل الحركات المحظورة بممارسة العمل بحرية في إطار شرعي. ولا يزال هناك قدر كبير من عدم اليقين.
في الأردن، أقال الملك عبد الله حكومته ردا على السخط الشعبي ولكن ينظر إلى هذا الإجراء على أنه محاولة تجميل للنظام. وحققت الجزائر بعض التغييرات السطحية في بعض من قوانينها الصارمة في حين فشل الرئيس اليمني في قمع الاحتجاجات، على الرغم من تعهده بعدم ترشيح نفسه مرة أخرى.
ومع ذلك، فإن الوضع السائد في مصر هو أكثر الأمور غير المتوقعة. فقد دخلت الاحتجاجات الجماهيرية أسبوعها الثالث، وبدأت أعداد المتظاهرين في ميدان التحرير في التناقص، بعد إعلان الرئيس مبارك قبل بضعة أيام أنه سيترك الحكم في سبتمبر 2011، فشعر بعض المتظاهرين أنهم حققوا هدفهم وليس هناك أي سبب لمواصلة حملتهم.
وقد بدأت الآن محادثات بين نظام مبارك الذي يمثله نائب الرئيس المعين عمر سليمان، وطائفة واسعة من الأحزاب السياسية والجماعات المدنية التي تمثل حركة الاحتجاج، بما في ذلك جماعة الإخوان المحظورة. وفقا لتقارير إخبارية فإن الاجتماع الأول ناقش التعديلات التي أدخلت على الدستور المصري، والإصلاحات الديمقراطية المختلفة، وخطط لمكافحة الفساد ومحاكمة الفاسدين الذين كانوا يستغلون سلطتهم. ما هو مهم في هذه المحادثات، كما يبدو لي، هو لإقناع المعارضين للنظام بإنشاء آليات مؤسسية فعالة على الفور من شأنها أن تضمن انتخابات حرة ونزيهة لرئاسة الجمهورية في سبتمبر 2011. وهذا يتطلب ليس فقط لجنة انتخابية مستقلة، ولكنه أيضا حرية كاملة لجميع الطامحين للمنافسة على أعلى منصب في البلاد.
ينبغي أن يكون التحضير لهذه الانتخابات المصيرية واحدا من أولويات الحركة من أجل التغيير. فعناصر الحركة المختلفة، والمتباينة ينبغي أن تصبح أكثر اتحادا وتماسكا. وينبغي عليهم اختيار المرشح لرئاسة الجمهورية الذي يجسد تطلعات الشعب ونضاله من أجل العدالة والحرية. وأيضا يسعى لتحرير مصر من الفجوة الاقتصادية الهائلة بين من يملكون ومن لا يملكون، ينبغي أيضا على المرشح للرئاسة أن يضع على رأس جدول أعماله التوصل إلى حل عادل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني يقوم على أساس حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
ومن المشكوك فيه أن يقوم النظام الحاكم في القاهرة المنحاز للمصالح الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية بالسماح بوجود مثل هذا المرشح. وسوف يسعون في الأسابيع والأشهر القليلة القادمة إلى "إدارة التغيير" بطريقة لا تلبي إرادة الشعب. فإدارة التغيير بالنسبة لهم تعني إجراء بعض التغييرات التجميلية السطحية هنا وهناك والتي يأملون أن تكون كافية لإرضاء الشعب. فهدفهم الأساسي، بلا شك يتمثل في صون وتعزيز مصالحهم المكتسبة، التي تدور حول إسرائيل والنفط. وسيكون من العار إذا نجحوا في تحقيق هدفهم.
فهل سيصبح قتل المئات الذين ضحوا بحياتهم في الثورة العربية عبثا. وهل أحلام آلاف من الشابات والشبان الذين لديهم الشجاعة لتحدي الدكتاتورستبقى حبرا على ورق؟كيف نسمح للأغنياء والأقوياء بسحق آمال الفقراء والضعفاء من خلال الخدع الشيطانية؟ لماذا ينبغي إحباط وتخييب الآمال؟
--------------------------------------------------------------------------------
*المقال منشور 7 فبراير 2011 على الرابط التالي:

http://www.islamonline.net/ar/IOLStudies_C/1278407446261/1278406720653/IOLStudies_C



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق