الأحد، 29 يناير، 2012

إسلاميو مصر ومستقبل الإسلام السياسي.. رؤية تركية



أمل خيري

إسلام أون لاين


في الوقت الذي مثلت فيه الثورة الشعبية المصرية نقطة تحول فارقة في تشكيل مصير الشعب المصري، برزت على الساحة مخاوف من استبدال الحكم الديكتاتوري الفاسد بحكم إسلامي، بدأت تظهر إرهاصاته في النجاح الساحق للإسلاميين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

البعض بالطبع بالغ في مخاوفه، بينما قلل آخرون من هذه المخاوف واعتبرها من قبيل المبالغة. وفي الموقع الالكتروني للمنتدى العالمي World Bulletin حاول الكاتب التركي إسماعيل دومان نقل صورة محايدة للرؤى المختلفة حول مستقبل الإسلام السياسي بعد فوز الإسلاميين في مصر، في دراسته التي نشرها على الموقع في جزئين.

لماذا فاز الإسلاميون؟

استهل دومان دراسته باستكشاف العوامل التي وقفت وراء فوز الإسلاميين في الانتخابات الأخيرة، وذكر تعدد الآراء بهذا الصدد، وإن كانت هناك الكثير من النخب الليبرالية والعلمانية في مصر ترجع ذلك إلى تنظيم القوى الإسلامية مقابل عدم استعداد الفئة الثورية من الشباب لخوض الانتخابات، إلا أن دومان اعتبر ذلك من قبيل تسطيح الأمور؛ إذ أن الانتخابات قد تأجلت بناء على طلب هذه النخب لمدة تقارب العام لم تستطع خلالها القوى الثورية تثبيت أقدامها في الشارع المصري.

في المقابل، فإن التحليل الأكثر منطقية أن تنظيم هذه القوى هو فقط أحد هذه العوامل، بينما تتفاعل عوامل أخرى من بينها، المزاج العام للشعب المصري الذي يرفض الفكرة العلمانية، والذي يعتقد أن الحكومات العلمانية السابقة شهدت فسادا غير مسبوق، وأنه آن الأوان لتجربة شكل جديد من الحكم، خاصة أن الدولتين اللتين حققتا أكبر مكاسب اقتصادية في المنطقة وهما إيران وتركيا، تخضعان لحكم إسلامي.

وربما كان أيضا من عوامل نجاح هذه القوى الإسلامية، ما تتبناه من مواقف تجاه القضية الفلسطينية، وهي القضية الأهم بالنسبة للشعوب العربية. كل ذلك بالإضافة إلى انتشار هذه القوى في الأحياء والمناطق الريفية والحضرية سواء في المساجد أو الجمعيات الخيرية، خاصة في المناطق المحرومة، التي لم تجد اهتماما بمشكلاتها إلا من الإسلاميين على مدى العقود الماضية.

والأمر الأخير، أن القوى الغربية والإقليمية التي سعت حثيثا على مدى السنوات الأخيرة لمنع الإسلاميين من الوصول إلى الحكم -كما في حالة الجزائر أو فلسطين على سبيل المثال-، قد أدركت تماما أن الوضع اليوم مختلف جدا؛ فالأحزاب الإسلامية المنتخبة ترتكز على قاعدة قوية من الشرعية الشعبية التي لم تكن موجودة من قبل.

خريطة الأحزاب الإسلامية

يستعرض دومان خريطة لأهم الأحزاب الإسلامية في مصر، ومن ثم يركز على الحزبين الأكبر تأثيرا في الساحة، وهما حزب الحرية والعدالة –الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين-، وحزب النور –الخارج من عباءة الحركة السلفية-، ويلخص أهم المبادئ التي يرتكز عليها الحزبان.

فبالنسبة لحزب الحرية والعدالة، فقد تأسس رسميا في مايو 2011، وأعلن بوضوح التزامه بالدولة الحديثة والديموقراطية وحقوق المرأة، والوحدة الوطنية. وقد ضمت عضوية الحزب الكثير من النساء والأقباط.

ويدعم الحزب نظام الحكومة البرلمانية، على أساس أن مثل هذا النظام سيعمل على التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما يتبنى الحزب المساواة بين الأفراد أمام القانون، والعدالة الاجتماعية، والتضامن بين جميع أفراد المجتمع. وفيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية، فإن الحزب يدعم بوضوح الملكية الخاصة، والأعمال التجارية الخاصة، وحلول السوق الحرة، كما ينبغي أن يقتصر دور الدولة الاقتصادي على توفير مناخ استثماري صحي والحفاظ على البنية التحتية للبلاد.

بالطبع فإن قضية الدين والدولة تطرح نفسها بقوة في برنامج الحزب الذي يعلن صراحة التزامه بـ "الدولة المدنية"، التي لا يقودها الجيش أو رجال الدين، وفق مقاصد الشريعة الإسلامية.

وفيما يتعلق بالشأن الخارجي، يؤكد برنامج الحزب على أن "المشكلة الفلسطينية" تعد واحدة من القضايا الأكثر أهمية التي تتعلق بالأمن القومي المصري، ومن ثم يدعم الحزب حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس، فضلا عن تبنيه حق العودة. ومع ذلك يظل موقف الحزب يحيطه الكثير من الغموض بشأن مصير اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.

ينتقل دومان بعد ذلك إلى حزب النور ثاني الأحزاب الإسلامية شعبية في مصر، والذي تأسس في يونيو 2011. ويعد إنشاء هذا الحزب أحد أبرز منجزات الثورة؛ إذ ظل السلفيون غير مهتمين بالعملية السياسية قبل الثورة، إلا أنهم ما لبثوا أن تفتحت شهيتهم للممارسة السياسية فشكلوا حزبي النور والأصالة، وإن كان الأول هو الأكثر قوة.

برنامج الحزب يدعم حكومة برلمانية – رئاسية في آن واحد على غرار النظام الفرنسي الحالي. كما ينص على ضرورة إعادة توزيع الدخل والثروة بين الشعب المصري، وهذا يتناقض مع برامج معظم الأحزاب الرئيسية، والتي عادة ما تتبنى الدعوة لوضع حد أدنى لائق للأجور، دون إشارة صريحة إلى ضرورة إعادة توزيع الثروة.

ووفقا لبرنامج الحزب، فإنه ينبغي إدارة الاقتصاد الوطني بما يتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وبالتالي يجب إلغاء كل التشريعات التي تنظم القطاع المصرفي والتمويل، والتي تقوم على الفائدة المحرمة في الإسلام. وتحتل الهوية جانبا هاما من برنامج الحزب، الذي يؤكد على تطبيق الشريعة بطريقة تدريجية تتناسب وطبيعة للمجتمع.

ومن الغريب أن قسم العلاقات الخارجية في البرنامج الانتخابي لحزب النور شديد الإيجاز، ويؤكد على التزام واسع النطاق بتعزيز دور مصر الإقليمي والدولي، وتحسين علاقاتها مع البلدان المجاورة. ولا يوجد ذكر لموقف الحزب تجاه الحقوق الفلسطينية أو معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، على الرغم من التشديد على أهمية احترام المعاهدات والاتفاقيات القائمة. وإن كانت أحد التصريحات الصادرة من بعض قيادي الحزب قد أشارت إلى معارضة إلغاء معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، مع الدعوة إلى مراجعة بعض أحكامها، مع التعهد بعدم أخذ قرار بشأن مستقبل المعاهدة إلا من خلال استفتاء وطني.

مخاوف من انتصار الإسلاميين

نأتي الآن إلى الجزء الأهم من دراسة دومان، التي ركز فيها على أبرز المخاوف من انتصار الإسلاميين، فهناك من يرى أن فوز الإسلاميين يهدد مستقبل السلام مع اسرائيل والتعاون مع أمريكا. وهناك من يخشى ظهور حكومة اسلامية شعبية، تبدد كل جهود النخب العلمانية المستندة على الدعم الغربي. وتأتي بالطبع التخوفات الغربية من تقييد حقوق المسيحيين، ويبالغ البعض في القلق من ظهور طالبان أخرى أو إيران جديدة في مصر.

على النقيض من هذه المخاوف، نجد خطاب الأحزاب الإسلامية هادئ جدا؛ فقد أكد حزب الحرية والعدالة أكثر من مرة، على أن الإخوان المسلمين إذا قدر لهم تشكيل حكومة فستكون حكومة ائتلافية واسعة قدر الإمكان، وذلك عن قناعة تامة وليس فقط لمجرد تهدئة التيارات الليبرالية والعلمانية، فضلا عن الأقباط والجيش في مصر.

كما صرح المتحدث باسم حزب النور بتفضيله للنموذج الاقتصادي البرازيلي، نافيا أي توجه نحو نموذج ديني، مؤكدا أن الشعب المصري لن يسمح لأي حزب بممارسة الديكتاتورية وفرض الرأي. كما يرغب الحزب في تعاون أقوى وأشمل مع تركيا.

وهناك العديد من التصريحات المشابهة من قبل حزب الحرية والعدالة، في الإشارة إلى تركيا، لذا كان لابد من النظر في واقع النموذج التركي، من أجل فهم هذه التصريحات من جانب الإسلاميين في مصر.

النموذج التركي

هناك تلازم بين النموذج التركي وحزب العدالة والتنمية الذي يستلهم كثير من الإسلاميين تجربته. ويمكن القول أن أبرز مبادئ الحزب فيما يتعلق بالسياسات الداخلية تتلخص في الحفاظ على نمط حكومة علمانية وديمقراطية في مجتمع يشكل المسلمون الغالبية الساحقة فيه. ووفقا للحزب فإن العلمانية تعني أن على الدولة أن تقف على مسافة متساوية من جميع الأديان، وأن يتم تقييم الحكومات المنتخبة وفقا لأدائها في السلطة، وتعزيز فكرة أن الحكومة ستبقى في السلطة طالما ضمنت الرخاء العام للشعب.

وفيما يتعلق بالسياسات الخارجية، فإن فكرة حزب العدالة والتنمية ترتكز على الرغبة في بناء علاقات تعاون مع الجهات الخارجية تقوم على التعاون المتبادل والمصالح الاستراتيجية المشتركة، مع ارتداء النظارة الأيديولوجية قدر الإمكان بخصوص التطورات الخارجية وتحديد أولويات ودوافع التحرك الذي يجب ألا يخلو من الواقعية.

إذن يمكن القول أن اعتماد الواقعية والنهج العملي قد ساعدا تركيا على إضفاء الطابع المؤسسي على النظام الإقليمي والعالمي على أساس الشرعية والمساواة، كما أصبح تعريف المصلحة الوطنية مزيجا من الرخاء والأمن في الداخل والخارج.

ومع ذلك فإن مصطلح النموذج التركي لا يعني أبدا أنه يمكن تطبيق هذه السياسات الداخلية والخارجية على النحو المذكور أعلاه تلقائيا في بلدان الشرق الأوسط. في التحليل النهائي، هناك تباين في الديناميات الداخلية، وكل دولة لديها تصورها الخاص بها. على سبيل المثال، في بعض البلدان (مثل مصر)، من الواضح أن هناك رغبة شعبية عارمة في أن يكون للدين دور بارز في الحياة الاجتماعية والسياسية.

أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية التركية، فيعتقد الكثير من المحللين أن النموذج التركي يمكن أن يكون ملهما جدا لحالة مصر، فقد أظهرت تركيا أنه من الممكن أن تكون الدولة ديمقراطية، وفي نفس الوقت لديها علاقات جيدة مع الغرب، ومواقف قوية تجاه السياسات الإسرائيلية الظالمة. ويتوقع البعض أن تلعب مصر دورا إيجابيا في دمج الحركات الإسلامية في الهياكل السياسية في المنطقة، وأن تقدم الأحزاب الإسلامية في مصر نموذجا قد يلهم دول أخرى في المنطقة.

وإن كان البعض يرى في النموذج التركي نجاحا تمثل في أن تركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية المحافظ، قد تمكنت من تحقيق الإسلام والديمقراطية معا، إلا أن هناك من يرى أن السيطرة العسكرية التي تضاءلت على مدى السنوات الثماني الماضية، اقترنت بتكثيف سيطرة الشرطة التي أصبحت أكثر عنفا ضد الاحتجاجات المؤيدة للدعوة إلى إصلاحات السوق الحرة، كما اقترنت بتركيز القوة في يد السلطة التنفيذية، وهو ما لن يقبله المصريون في الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار الاحتجاجات الشعبية.

الوجه المتغير للإخوان

حين نتحدث عن النموذج التركي فليس الأمر من قبيل الصدفة؛ إذ أن هذا النموذج يمثل تجربة حية للوجه المتغير للإسلام السياسي في الفترة الماضية. فقد دخل الإسلاميون الساحة السياسية في تركيا مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد سلسلة من التحولات الفكرية من الراديكالية إلى الاعتدال. وبالطبع فإن هذه التجربة تستدعي فورا ما طرأ على جماعة الإخوان المسلمين في مصر من تحولات فكرية أيضا.

فحين تأسست الجماعة عام 1928، كانت البديل الأكثر قوة للأحزاب القومية العلمانية الهشة التي كانت قائمة في ذلك الوقت الذي كانت مصر واقعة فيه تحت الاحتلال البريطاني. وهنا بشر حسن البنا –مؤسس الجماعة- بالأصولية الإسلامية، ودعا إلى قيام دولة إسلامية غير معزولة عن التقنيات الغربية الحديثة الخاصة بالتنظيم السياسي والممارسة الديمقراطية. وفي غضون سنوات قليلة أصبحت الجماعة لاعبا أساسيا في السياسة المصرية.

إلا أن الجماعة أصبحت أكثر عنفا في معارضتها للبريطانيين قبيل الحرب العالمية الثانية، وشاركت في إسقاط الملكية، إلا أنها ما لبثت أن تعرضت للقمع في عهد عبد الناصر.

وفي ظل حكم مبارك استمرت الجماعة الأكثر معارضة للنظام رغم الاعتقالات الموسعة والتضييق الأمني، ومع ذلك ظلت على منهجها في نبذ العنف، حتى أنها تعرضت للانتقاد الشديد من قبل إسلاميين أكثر راديكالية كأيمن الظواهري، وتمسكت بتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية للشعب المصري.

شهدت الجماعة أيضا تحولا هاما في خطابها السياسي، وتبنت مفردات أكثر توافقية، منها على سبيل المثال، التحول في تبني مفهوم الدولة من "دولة إسلامية"، إلى "دولة مدنية ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية". ويرى كثير من المحللين أن جماعة الاخوان المسلمين في مصر هي الحركة الإسلامية الأكثر قدرة على الممارسة الديمقراطية.

وتولي جماعة الإخوان المسلمين اهتماما كبيرا بالعلاقات الخارجية، لما لها من دور في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين وضع مصر الاقتصادي. وكل ذلك يستلزم تعزيز التجارة مع أوروبا والولايات المتحدة، ومن ثم فالجماعة في حاجة إلى تطوير علاقات قوية مع الدول التي تستطيع المساعدة في إعادة بناء اقتصاد الدولة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق