الأربعاء، 16 نوفمبر، 2005

وقفة مع العيد .. فلنبعث روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها

إعداد : أمل خيري....
يأتي العيد فيبتهج الأطفال و يفرح لبهجتهم الكبار ومواسم الخير لا تنقطع من السماء فقد أراد الله عز وجل أن يكون العيد واحة للمسلم يجد فيها لهواً طيباً مباحاً، و عبادة متقبلة فيفرح بفضل الله ،(قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ)
و الأعياد ظاهرة إنسانية و اجتماعية عامة لا يخلو منها مجتمع و مع أن مظاهر الاحتفال بالأعياد تختلف من مجتمع لآخر و من بلد لآخر فإن للإسلام مفهوما متميزا عن غيره فما هو هذا المفهوم؟

معنى العيد :

العيد لغة من العود وهو الرجوع بعد غياب .
وتعريف العيد في لسان العرب هو: كل يوم فيه جمع.
واشتقاقه من عاد يعود وقيل اشتقاقه من العادة لأنهم اعتادوه.
و يجمع العيد عدة معاني:
* منها يوم عائد كيوم الجمعة كقوله صلى الله عليه وسلم فيه إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدا.
*ومنها الاجتماع فيه أو أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات كقول ابن عباس شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
*وقد يختص العيد بمكان بعينه وقد يكون مطلقا كقوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا.
وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدا .
* وقد يكون لفظ العيد اسما لمجموع اليوم والعمل فيه وهو الغالب كقول النبي صلى الله عليه وسلم دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا.

و يعرف مصطفى صادق الرافعي العيد بأنه ( زمن قصير ظريف ضاحك تفرضه الأديان على الناس ليكون لهم بين الحين و الحين يوم طبيعي في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها)
و في موضع آخر يصف العيد بأنه ( يوم تعم فيه الناس ألفاظ الدعاء و التهنئة مرتفعة بقوة إلهية فوق منازعات الحياة)

العيد في القرآن الكريم:

وردت كلمة العيد في القرآن الكريم في الحوار بين سيدنا عيسى وأصحابه حول المائدة التي يمنحها الله لهم، ليعيشوا الفرح في معنى الكرامة الإلهية، ولتكون مناسبة يتذكرونها ويخلّدونها مع الأجيال التي تلتزم نهجهم، وتعيش سرّ الكرامة في حركتهم، وفي قاعدتهم، ولذلك طلبوا منه أن ينـزّل الله عليهم مائدة من السماء وقالوا: ( تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا ). أي تكون عيداً يحتفل به أوّلنا الذين عاشوا الكرامة، ويحتفل به آخرنا الذين يعيشون من بركة هذه الكرامة.

العيد في السنة النبوية:
في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ((ما هذان اليومان؟)) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر))
عيدان عند أولي النهى لا ثالث *** لهما لمن يبغي السلامة في غد
الفطر والأضحى وكل زيادة *** فيها خروج عن سبيل محمد

نظرة الإسلام للعيد:

دين يتسق مع الفطرة:

و لأن الإسلام دين واقعي فإنه وسع على المسلمين بإظهار الفرح و السرور و تبادل التهاني و الزيارات ليخرج المسلم من حياته الرتيبة ليشارك الآخرين أفراحهم ( قال محمد بن زياد : كنت مع أبي امامة الباهلي و غيره من أصحاب رسول الله فكانوا إذا رجعوا من صلاة العيد يقول بعضهم لبعض تقبل الله منا و منكم ) كما أباح الإسلام التمتع بالطيبات فيه لذا فقد حرم الله الصوم في يوم عيد الفطر و عيد الأضحى و يومين بعده (أيام التشريق أيام أكل و شرب و بعال )

مكافأة فورية فمن يستحقها؟

و تأتي أعياد المسلمين عقب عبادات كبرى فعيد الفطر يأتي عقب شهر الصوم حيث يغالب الإنسان شهواته و عيد الأضحى يأتي عقب التضحية في سبيل الله بالمال و الوقت و الجهد في رحلة الحج الشاقة فكأن الله يكافئ المسلمين براحة بعد عناء.
وبذلك يرتفع معنى العيد في وجداننا وحياتنا ليكون العيد طاعة لله ولتكون مناسبة العيد مناسبة طاعة، وعند ذلك تكون كلّ أيامنا أعياداً عندما نطيع الله في صلاتنا وعندما نطيع الله في علاقاتنا، وعندما نطيع الله في كل معاملاتنا عند ذلك يمكن أن نعيش العيد في امتداد الزمن. وهكذا لا يبقى العيد يوماً في السنة ولكنه يمتد ليكون سنةً في العمر وعمراً في الوجود كله.و كما قال الإمام علي رضي الله عنه "إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه وقيامه" ويقول الحسن البصري رحمه الله: ( كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد، وكل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد ).

هل فهمنا العيد حقا؟

يقول الرافعي نحن بحاجة إلى فهم أعيادنا فهما جديدا لكي نتنبه إلى أوصافها القوية و لتتجدد نفوسنا بمعانيها .
و يرصد الرافعي نظرة الناس الحالية للأعياد في أن أكبر عملها تجديد الثياب و تحديد الفراغ و زيادة ابتسامة على النفاق.
و يقارن بين فهم الناس للعيد و المعنى الحقيق للعيد في الإسلام:
فالعيد في الإسلام عيد الفكرة العابدة و الناس يجعلونه عيد الفكرة العابثة
و العيد في الإسلام إثبات الأمة وجودها الروحاني في أجمل معانيه و الناس يجعلونه إثبات الأمة وجودها الحيواني في أدنى معانيه
و العيد في الإسلام يوم استرواح القوة من جدها و الناس جعلوه استراحة الضعف من الذلة
و العيد في الإسلام هو يوم المبدأ و هم جعلوه يوم المادة
و في ذلك يقول مصطفى السباعي رحمه الله:مَن أراد معرفة أخلاق أمة فليراقبها في أعيادها إذ تنطلق فيها السجايا على فطرتها وتبرز العواطف والميول والعادات على حقيقيها.
و في العيد معان سياسية:
إن المتأمل لحكمة تشريع الأعياد في الإسلام يلمح بعض المعاني السياسية التي يغفل عنها الكثيرون و منها:
التكافل بين الشعوب:

و نعود للرافعي الذي يؤكد أن العيد ليس إلا تعليم الأمة كيف تتسع روح الجوار وتمتد، (حتى يرجع البلد العظيم وكأنه لأهله دارٌ واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهرُ فضيلة الإخلاص مستعلنة للجميع، ويهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلصة المحبة، وكأنما العيد هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها)

استقلال سياسي و اكتفاء ذاتي:

كما يعلمنا العيد الاعتماد على ما أنتجته أيدينا و الاستغناء عن المنتجات الأجنبية
فيقول الرافعي ( ليس العيد إلا إبراز الكتلة الاجتماعية للأمة متميزة بطابعها الشعبي، مفصولة من الأجانب، لابسة من عمل أيديها، معلنة بعيدها استقلالين في وجودها وصناعتها، ظاهرة بقوتين في إيمانها وطبيعتها، مبتهجة بفرحين في دورها وأسواقها، فكأنَّ العيد يوم يفرح الشعب كله بخصائصه) .

استشعار معاني النصر:

(وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف توجه بقوتها حركة الزمن إلى معنى واحد كلَّما شاءت؛ فقد وضع لها الدين هذه القاعدة لتخرج عليها الأمثلة، فتجعل للوطن عيداً مالياً اقتصادياً تبتسم فيه الدراهم بعضها إلى بعض، وتخترع للصناعة عيدها، وتوجد للعلم عيده، وتبتدع للفن مجالي زينته، وبالجملة تنشيء لنفسها أياماً تعمل عمل القادة العسكريين في قيادة الشعب، يقوده كلّ يوم منها إلى معنى من معاني النصر).
و يضيف الرافعي أن هذه المعاني السياسية القوية هي التي من أجلها فُرض العيد ميراثاً دهرياً في الإسلام، ليستخرج أهل كلّ زمن من معاني زمنهم فيضيفوا إلى المثال أمثلة مما يبدعه نشاط الأمة، ويحققه خيالها، وتقتضيه مصالحها.

امة واحدة رغم الحدود:

و من المعاني السياسية للعيد استشعار الأمة الإسلامية وحدتها حتى تكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى .
يقول الأستاذ محمد حامد أبو النصر (هل يكون فرحنا فرحًا حقيقيًّا من أعماقنا، ونحن نقرأ ونسمع عما يتعرض له إخوة لنا في الإسلام في أنحاء متفرقة من العالم من حرب وقتل وإيذاء وتعذيب وتشريد بغير ذنب، إلا أن يقولوا ربنا الله؟!
كيف لا نهتم ولا نفكر في هموم المسلمين، ورسولنا- صلى الله عليه وسلم- يقول: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.)

العيد دعوة للعمل و استئناف المسيرة:

و الأمة الإسلامية تنطلق في مسيرتها نحو الإصلاح حتى تستشعر المعنى الحقيقي للعيد يقول
المستشار محمد المأمون الهضيبي (العيد يكون عيدًا حين يوجد الإيمان عند القادة وحكام المسلمين بضرورة تربية الفرد، وتكوين الأمة، وإعداد الأجيال على الأساس الصحيح من خلال المنهج الرباني الأصيل، ويكون عيدًا حقيقيًّا بكف دعاة العلمانية والتهريج والمرتزقة والإلحاد، وبقايا الشيوعية، عن السخرية بالإسلام وبشعائره، وإيقافهم عند حدودهم، وإن كنا نوقن بأن البحر لا يضره أبدًا أن يلقي فيه غلام بحجر، وأن الشمس لن تقف عن مسيرتها لو رماها طفل بحصاة ) وهكذا كان الإمام البنا يربي الرجال، وهكذا كان حاله وحالهم في الأعياد، بينما الناس يتنزَّهون ويستجمُّون كانوا هم في شأن آخر، يسافرون إلى أقاصي البلاد، ويعقدون المؤتمرات، ويقيمون الندوات، ويتباحثون في شئون الإسلام والمسلمين.
و لا ننسى وصية الإمام البنا للشباب حيث يقول :-

يا شباب:-
(إن عيدكم الأكبر يوم تتحرر أوطانُكم، ويَحكمُ قرآنُكم..فاذكروا في العيد ماضيَكم المجيد؛ لتتذكروا تبعاتكم، وأملكم لحاضركم، ورسالتكم لمستقبلكم، وجدِّدوا الآمال، وآمنوا، وتآخَوا، واعملوا، وترقَّبوا بعد ذلك النصرَ المبين..
ولا تنسَوا أن ثمنَ النصر تضحيةٌ وفداءٌ؛ فاحرِصوا على تقديم هذا الثمن، ولا تهِنوا بعد ذلك ولا تحزنوا؛ فأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعماكم، وما كان الله ليضيعَ إيمانكم.)
المراجع:

د/حسن أبو غدة ، مجلة الوعي الإسلامي، عدد 410
مصطفى صادق الرافعي ، وحي القلم
http://arabic.bayynat.org.lb
http://www.denana.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق