الاثنين، 4 أغسطس، 2008

العولمة والحوار في فكر شاندرا مظفر


أمل خيري

في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات المؤيدة للعولمة سواء من داخل العالم الإسلامي أو خارجه يقف شاندرا مظفر ضد سياسات العولمة التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق هيمنتها العالمية.
وشاندرا مظفر هو أستاذ العلوم السياسية الماليزي ورئيس الحركة الدولية من أجل عالم عادل.
International Movement for a Just World" " ، وهو مفكر سياسي مهتم بالعلاقات الدولية وقضايا حقوق الإنسان، أسس حركة من أجل تعزيز الحوار بين الأديان والحضارات على أساس ما هو مشترك إنساني بين الجميع، ويرى الأمل في الصحوة الدينية لمجابهة سياسات العولمة والهيمنة.
العولمة المعاصرة
يؤكد مظفر أن الأديان السماوية كانت أول من دعا إلى وحدة البشرية، وبالتالي فإن ذلك يدفع بالبشر إلى نوع من العولمة، لكنها تختلف عن تلك العولمة التي نشهدها حاليا؛ لأن الوحدة الإنسانية في التصور الديني تقوم على وحدانية الله ومساواة البشر، بينما العولمة التي تتبناها الولايات المتحدة اليوم تستند للرؤى الرأسمالية وتستهدف مصالح اقتصادية بحتة بغرض إعادة تشكيل صورة العالم في شكل نظام عالمي واحد تكون الولايات المتحدة هي القائدة له والمهيمنة عليه.
وهذه العولمة تنطوي على تحرير السياسات الاقتصادية، وفتح الأسواق أمام الشركات المتعددة الجنسيات، وتهيئة المناخ الملائم لنمو الأعمال التجارية، ويعتقد مظفر أن العولمة بهذه الطريقة تتضمن جوانب إيجابية وسلبية معا، لكن الجوانب السلبية أكثر وضوحا وأشد تأثيرا.
فمن الجوانب الإيجابية للعولمة أن الاستثمار الأجنبي المباشر ساعد على الحد من الفقر وخلق فرص عمل وحسّن الدخل، كما أن انتشار التكنولوجيا والتقدم في وسائل الاتصال قد هيأ المناخ لنشر المعرفة في كثير من التخصصات، كما ساهم في خفض تكلفة الاتصال والتواصل بين الأفراد عبر العالم، وهذا من شأنه زيادة فرص التفاهم بين البشر، وبالتالي فإن العولمة تستطيع أن توحد مواقف البشر تجاه القضايا العالمية، مثل قضايا البيئة وحقوق الإنسان وغيرها من الاهتمامات الإنسانية المشتركة.
لكن العولمة في الوقت نفسه تنطوي على عدد من السلبيات التي لا يستهان بها، ومن أهمها التدهور البيئي بسبب قطع الأشجار من قبل الشركات التي لا تحرص إلا على تنمية أرباحها فقط، وعلى الرغم من توفير فرص العمل فإن العالم شهد اتساعا في الفوارق الاقتصادية الإقليمية، وفي الوقت نفسه فإن تدفق رءوس الأموال من بلد لآخر قد أضر بشكل واضح ببعض العملات الوطنية؛ مما أدى لانتشار البطالة في دول الجنوب خاصة مع التقدم التكنولوجي.
أيضا كان للعولمة جوانب ثقافية تتمثل في نشر ثقافة "البوب" الأمريكية وتصدير الترفيه إلى العالم النامي، فالولايات المتحدة تستغل صناعة الترفيه في تشكيل المواقف الشعبية سواء داخل الأمة أو خارجها من خلال الأفلام وأشرطة الفيديو والموسيقى والأغاني وأفلام الرسوم المتحركة، كل هذا بغرض تمحور الفرد حول ذاته وملذاته، أضف إلى ذلك أن انتشار ثقافة الاستهلاك صرفت الناس عن الاهتمامات الأساسية الإنسانية مقابل زيادة الاهتمام بتلبية الرغبات الذاتية، وفي النظم التعليمية أصبح الحرص على تعليم المهارات والتقنيات والتركيز بصورة أقل على التربية الأخلاقية، كما أدت العولمة لتدويل الجريمة ونشر الأمراض المستعصية وبذلك تصبح العولمة أحد أخطر التحديات التي تواجه الحضارة الإنسانية.
الهيمنة في ثوب العولمة
ويؤكد مظفر أنه ليس ضد الولايات المتحدة بذاتها، ولكنه ضد أسلوب الهيمنة الذي تتبعه تحت مسمى العولمة، وهذه الهيمنة هي التي جعلت الولايات المتحدة تتخذ الطريق الأحادي في السياسة الدولية، فهي ترى أن من حقها أن تفعل ما تشاء بالساحة الدولية دون أي اعتبار للرأي العام العالمي.
وهذا ما فعلته إبان غزو العراق وما فعلته أيضا في أفغانستان، بل هو ما دفعها لمد مخالبها في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية فأنشأت القواعد العسكرية وبسطت سيطرتها على النفط في بحر قزوين، وتحرص الولايات المتحدة دائما على استخدام قوتها العسكرية للإشراف على الطرق البحرية الإستراتيجية لحماية التجارة الأمريكية.
ويعتقد مظفر أن القوة العسكرية هي الشرط الأساسي لحماية واشنطن ومصالح الرأسمالية الليبرالية الجديدة، وفي الوقت نفسه تشكل الثقافة والإعلام قوة أخرى، بحيث يمكن القول إن الولايات المتحدة تسخر القوة العسكرية والقوة الناعمة في سبيل بناء إمبراطوريتها العالمية.
الحوار بين الإسلام والغرب
أما على مستوى الحوار بين الإسلام والغرب فإن شاندرا مظفر يؤمن بأهمية هذا الحوار الثقافي والحضاري في بناء جسور التفاهم المشترك، ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م عقدت المؤتمرات والحلقات الدراسية في مختلف أنحاء العالم لتعزيز الحوار بين الإسلام والغرب شارك فيها قادة الحكومات ودبلوماسيون وشخصيات دينية وأكاديميون ونشطاء المجتمع المدني، ومع هذا يرى مظفر أن الهوة بين الغرب والإسلام ما زالت تتسع أكثر فأكثر، وهذا ما تؤكده استطلاعات الرأي العام في الأعوام الأخيرة سواء على المستوى الإسلامي أو الغربي.
ويرجع مظفر السبب الرئيسي في هذه الهوة إلى عدم رغبة الأطراف الرئيسية للحوار -خاصة على الجانب الغربي- في علاج الأسباب الكامنة وراء اتساع الفجوة بين الحضارتين، بل إن جُل تركيزهم كان على محاولة إدراج ما سمي بالإرهاب الإسلامي في جدول الأعمال العالمي، وبالطبع فإن الاحتلال الأمريكي للعراق والإسرائيلي لفلسطين يشكل أهم حاجز للحوار والتفاهم بين المسلمين والغرب، بيد أن هذا الاحتلال كما يرى مظفر ما هو إلا جزء لا يتجزأ من مظاهر الهيمنة الأمريكية التي تستخدم حلفاءها لتأمين مصالحها، وهذه حقيقة يعرفها المسلمون جيدا، حيث إن الدافع الأساسي لهذا الاحتلال لا يخفى على أحد؛ وهو الرغبة في السيطرة على النفط في ثاني أكبر دولة منتجة له في العالم، وفي الوقت نفسه تعزيز قوة إسرائيل في الشرق الأوسط، لكن الكثير أيضا يجهل أن أحد أسباب سعي الولايات المتحدة للهيمنة يكمن في الحفاظ على مصالح الشركات المتعددة الجنسيات، والرأسمالية الجديدة.
ويعتقد مظفر أن زوال هذه الهيمنة الأمريكية هي السبيل لتمهيد الطريق للحوار والتفاهم الإسلامي الغربي ليحل محل الريبة والعداء.
وبطبيعة الحال فإنه حتى لو لم توجد هذه الهيمنة فإن هناك عقبات أخرى في طريق الحوار بين الحضارتين، وهي عقبات داخلية بالأساس؛ ففي داخل العالم الإسلامي هناك بعض الجماعات المتعصبة التي تفسر الدين بنظرة ضيقة وتسيء لصورة الإسلام بشكل أو بآخر، وفي الوقت نفسه فإن ازدواجية الغرب تجاه المعايير الأخلاقية والميراث الاستعماري المرير يؤصل العداء بين المسلمين والغرب، وبالتالي فإنه من الهام لكلا الطرفين أن يضطلع بدراسة نقدية ذاتية قبل الدخول في حوار مع الطرف الثاني.
دور إعلامي مشبوه
ويؤكد مظفر أن جذور الصدام الحالي بين الغرب والإسلام لا تعود للدين، بل لمصالح سياسية واقتصادية، فلا يخفى على أحد أن الاحتلال الأمريكي للعراق ليس بسبب تعاليم المسيحية، كما أن مقاومة المسلمين للاحتلال صحيح أنهم مأمورون بها، ولكن أي شعب أو أمة تتعرض للغزو أو الاحتلال بالتأكيد ستقاوم هذا الغزو أيضا، فهي قيم ودوافع إنسانية، بل إن الأديان جميعها تشترك في قواعد وتعاليم الحرب المشروعة، فلا قتل للمدنيين والأطفال والنساء والمسنين؛ ولذا فإن هناك أوجه شبه بين الإسلام والمسيحية في تعاليمها الأصلية.
لكن وسائل الإعلام خاصة الغربية تساهم أيضا في زيادة الفجوة بين الحضارتين حيث يتم التركيز على جوانب الصراع أكثر من التركيز على جوانب الاتفاق، فعلى سبيل المثال يتم تسليط الضوء على مسئول مسيحي انتقد الإسلام أو المسلمين، بينما لا يشار للمساعي المسيحية والإسلامية المشتركة في مكان ما للعمل معا على مساعدة متعاطي المخدرات في أوروبا أو أمريكا.
ويتساءل مظفر عن سبب ذلك، وإن كان يضع بعض الاحتمالات من بينها أن وسائل الإعلام الرئيسية ترى نفسها جزءا من هيكل القوة العالمي التي لا تريد تسليط الضوء على القضايا التي تتحدى هذا النظام، وأن كثيرا من هذه الوسائل الإعلامية ترى أن الدين لا ينبغي أن يعنى بقضايا الفقر والسلطة، وهو انعكاس طبيعي للهيمنة العلمانية عليها، وقد يعود ذلك أيضا لجهل وسائل الإعلام بدور الدين في عملية التحول الاجتماعي، إضافة إلى التحيز المتأصل لديها ضد الإسلام؛ مما يبعدها عن الموضوعية، كما أن دوافع الربح تجعلها تهتم بالإثارة المصطنعة الناتجة عن الخلافات والصراعات بين الإسلام والغرب على حساب إظهار أوجه الاتفاق بينهما.
ويرى مظفر أنه مهما كانت الأسباب الحقيقية فإن على وسائل الإعلام ألا تستمر في هذا الدور، بل يجب أن تساهم بفاعلية في تعزيز العلاقات الإسلامية الغربية.
الدين والعولمة
يعتبر شاندرا مظفر أن للدين تأثيره الواضح على المجتمع عبر التاريخ ولا يمكن اعتبار عصر العولمة استثناء من هذه القاعدة، فتراجع قوة الدين الاجتماعية من الساحة العامة مهد السبيل لعودة ظهور أنواع أخرى من التأثيرات الدينية دفع إليها الاغتراب الروحي الناجم عن التحضر والتحديث والمادية المفرطة الناتجة عن العولمة وهيمنة الرأسمالية والعلمانية الفاسدة، ولذا فإن الصحوة الدينية خاصة في الطبقات المتوسطة ساعدتها على إعادة اكتشاف معان وأهداف جديدة للحياة، فتدعو للبساطة والبعد عن الإسراف والبذخ؛ مما يدفع في اتجاه تحقيق توازن معيشي، وبالتالي فإن الحركات الدينية أصبحت تلتزم بالنضال من أجل العدالة والمساواة.
ومع ذلك فإن مظفر يعتبر أن الحركات الدينية لم تقم بدورها بفعالية، بل تنطوي على عدد من السلبيات، فالغالبية العظمى من النخب الدينية فضلت الصمت في وجه الإمبريالية الجديدة التي تهدد الجنس البشري بزعامة الولايات المتحدة التي تسعى للهيمنة العسكرية غير عابئة بالقيم الأخلاقية التي دعت إليها الأديان جميعا، مثل العدل والمساواة، وفي الوقت نفسه هناك جماعات دينية تدعم الإمبريالية الجديدة بشدة، وعلى رأسها الصهيونية واليمين المسيحي في الولايات المتحدة، كما أن هناك عناصر هامشية معظمها من داخل المجتمع الإسلامي تعارض هذه الإمبريالية، ولكنها قررت استخدام العنف الذي يستهدف في بعض الأحيان المدنيين مما يشوه صورة الإسلام ويلصق به تهمة الإرهاب، وما زالت بعض الجماعات الدينية تعمد لتهميش المرأة في المجتمع فتعطي الفرصة للغرب للانتقاص من شأن الإسلام.
وأخيرا فإن أهم سلبية للحركات الدينية تمثلت في التركيز المبالغ فيه على مظاهر العبادات والطقوس الدينية فأصبح الدين عبارة عن رموز وطقوس وابتعدت هذه الجماعات عن جوهر ومضمون الدين؛ مما أدى لإخفاق الدين في تلبية الحاجات الأساسية لأفراد المجتمع ورغبة كل فرد في النجاة بنفسه فقط فيفرط في مزيد من العبادات الفردية ويبتعد عن العبادات الجماعية وكل ما يربطه بالمجتمع.
وكل هذه السلبيات تعد تحديات تواجه المفكرين الإسلاميين وغيرهم من الديانات الأخرى والذين عليهم أن يضعوا سياسات أخلاقية تحكم الاقتصاد وحركة السوق بما يتفق مع الدين، ويرى مظفر أن الأمل الحقيقي الوحيد للبشرية يتمثل في تدويل القيم الأخلاقية داخل وعي الفرد والمجتمع؛ لأنه من المستحيل فرض رقابة على جميع المعلومات التي يتلقاها الفرد سواء عبر الإنترنت أو من خلال الفضائيات، فيجب أن يكون هناك تحول ديني حقيقي لتحقيق العدالة والمحبة والرحمة التي هي جزء من تعاليم كل دين سماوي، ولأول مرة في التاريخ أصبحت الفرصة متاحة لنقل رسالة الدين الحقيقية للجنس البشري كله في لحظات عبر هذه الوسائل الحديثة، وهي الفرصة لبناء مجتمع إنساني مشترك لا تستطيع العولمة مجابهته.

هوامش ومصادر:
1. Chandra Muzaffar ,Religion & Society in a Global Age.
2. Chandra Muzaffar ,The Empire: What it is and What it Means for All of Us?
3. Chandra Muzaffar ,Whither dialogue?
4. Chandra Muzaffar , It's not a clash between Christian and Islamic civilizations
5. Chandra Muzaffar , Islam and the West Dialogue: What achievements? What new effective measures?
6. Chandra Muzaffar , Globalization and Religion: Some Reflections.
7. Chandra Muzaffar , Re-affirming Our Common Humanity through Inter-Faith Dialogue.
8. Chandra Muzaffar , The Rejuvenation of Knowledge in the Islamic World.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق