الأحد، 19 ديسمبر، 2010

بعد عامين من الأزمة المالية بطالة وأجور متدنية

أمل خيري

ما زالت تداعيات الأزمة المالية العالمية تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي على الرغم من مرور أكثر من عامين على اندلاعها، وكان لسوق العمل النصيب الأكبر من هذه التداعيات؛ حيث ارتفعت معدلات البطالة إلى 210 ملايين شخص، مسجلة أعلى مستوى لها عن أي وقت مضى.

وامتدت التداعيات للقوى العاملة نفسها؛ حيث انخفضت الأجور الحقيقية إلى النصف، وبالتالي انخفضت القوة الشرائية للأفراد والأسر؛ مما انعكس سلبا على إجراءات التعافي من آثار الأزمة العالمية، وحول هذه التداعيات على سوق العمل صدر تقرير الأجور في العالم لعام 2010/2011 بعنوان "سياسات الأجور في أوقات الأزمة"، الصادر عن منظمة العمل الدولية.

انخفاض وتفاوت

تشير النتائج الأولية للتقرير إلى أن الأزمة العالمية -المالية والاقتصادية- قد أدت إلى تباطؤ كبير في معدل نمو الأجور الحقيقية في جميع دول العالم؛ حيث تراجع متوسط الأجر الشهر الحقيقي من 2,8% عام 2007؛ أي قبيل الأزمة، ليصل إلى 1,5 % عام 2008، ثم 1,6 % عام 2009.

ويوضح التقرير كذلك وجود تفاوت هائل بين الدول فيما يتعلق بمعدل نمو الأجور؛ ففي البلدان المتقدمة بلغ معدل نمو الأجور قبيل الأزمة 0,8% سنويا، ليتراجع إلى -0,5% فور اندلاع الأزمة عام 2008، ثم عاد للارتفاع مرة أخرى عام 2009 ليصل إلى 0,6%، بينما تراجع نمو الأجور الحقيقية في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى من 17% عام 2007 ليصل إلى 10,6% عام 2008، ثم يواصل الانخفاض الحاد ليصل إلى -2,2% عام 2009.

الأمر نفسه تكرر في أوروبا الشرقية والوسطى؛ حيث تراجع نمو الأجور الحقيقية من 6,6% عام 2007 إلى 4,6% عام 2008؛ ليصبح -0,1% عام 2009.

وفي أمريكا اللاتينية ودول البحر الكاريبي بلغ معدل تباطؤ الأجور من 3,3% عام 2007 إلى 1,9% عام 2008، ثم يعاود الصعود عام 2009 ليصل إلى 2,2%.

ويسجل التقرير ثباتا ملحوظا في معدلات نمو الأجور الحقيقية في آسيا؛ حيث ظلت تدور حول 7% في الفترة من 2006 -2009، ففي عام 2007 وصل النمو إلى 7,2%، بينما أصبح 7,1% عام 2008، وارتفع إلى 8% عام 2009، في الوقت الذي تراجع فيه معدل نمو الأجور في إفريقيا من 1,4% عام 2007 إلى 0,5% عام 2008، قبل أن يعاود الارتفاع إلى 2,4% عام 2009.

ويؤكد التقرير أن آثار الأزمة المالية والاقتصادية على متوسط الأجور في الدول المتقدمة، ينبغي تناولها ضمن سياق طويل الأمد، يتعلق بسياسات الأجور على مدى عقد كامل منذ مطلع الألفية، فقد تصاعد معدل نمو الأجور العالمية بمقدار الربع خلال عشرة أعوام، وفي بعض المناطق النامية كشرق آسيا ارتفع معدل الأجور لأكثر من ضعفين خلال هذه الفترة، بينما تضاعف ثلاث مرات في دول أوروبا الشرقية والوسطى في نفس الفترة.

على النقيض من ذلك لم ترتفع الأجور الحقيقية في الدول المتقدمة في نفس الفترة سوى بمقدار 9% فقط؛ مما يعكس نموا ثابتا ومعتدلا خلال هذا العقد، ويعتبر التقرير أنه من المبكر جدا تحديد أي القطاعات أو الوظائف التي تأثرت أكثر جراء الأزمة، وذلك بسبب ندرة البيانات والإحصاءات التي قدمتها الدول عن هياكل الأجور بها، إلا أن التقديرات الأولية تشير إلى أن القطاع الخاص كان أكثر تضررا من القطاع العام في كثير من الدول.

عوامل الانخفاض

ومن حيث العوامل المحددة لنسبة الأجور من إجمالي الدخل على المدى البعيد يرصد التقرير أربعة عوامل رئيسية تتمثل في تكنولوجيا الإنتاج، والسياسات المؤسسية، والعولمة، وهيكل قطاعات الإنتاج.

فتعتبر تكنولوجيا الإنتاج عاملا هاما في توزيع الدخل بين أصحاب عوامل الإنتاج المختلفة؛ حيث ينخفض الطلب على العمالة ذات المهارات المنخفضة كلما زاد الاعتماد على تكنولوجيا الإنتاج، وبالتالي انخفاض أجور هذه الفئة من العمالة، وفي المقابل ازدياد الطلب على العمالة المؤهلة تكنولوجيا والمدربة، ومن ثم ترتفع أجورها، بينما يضر استخدام التكنولوجيا كثيفة رأس المال بالأجور عموما.

العامل الثاني يتعلق بالمؤسسات والسياسات، فوجود المنافسة غير الكاملة في المنتج يخلق فائضا، يتم توزيعه بين العمال وأصحاب رأس المال فقط في حالة وجود نقابات قوية تدافع عن حقوق العمال؛ مما يؤدي إلى ثبات واستقرار الأجور، وعلى العكس تؤدي النقابات الهشة والضعيفة إلى استئثار صاحب رأس المال بالأرباح وحده.

ويمكن للعولمة أيضا أن تساهم في خفض نسب الأجور؛ حيث تؤدي العولمة لزيادة التخصص في إنتاج وتصدير السلع كثيفة رأس المال، ومن ثم زيادة عائدات رأس المال بالنسبة للعمل، كما أن وجود أفرع للشركات العابرة للقارات قد يهدد بنقل مصانع لخارج حدود الدول؛ مما يضعف الموقف التفاوضي للعمال، وأخيرا غالبا ما يرافق العولمة نفوذا متزايدا للمؤسسات المالية التي تقوم بدورها في ضغط الأجور مقابل زيادة العائد على رأس المال.

وتؤثر التغيرات في هيكل قطاعات الإنتاج للاقتصاد على نسب الأجور على مر الزمن، وعلى سبيل المثال إذا اقترن النمو الاقتصادي للدولة بتحول من الاستخدام الكثيف للأيدي العاملة إلى قطاعات كثيفة رأس المال، يمكن توقع انخفاض في الأجور.

وهذه العوامل الأربعة جميعها تسير جنبا إلى جنب في تأثيرها على معدلات الأجور؛ لذا من الصعوبة بمكان عزل أحد هذه العوامل عن الآخر.

التمييز والفئات المهمشة

يتناول التقرير كذلك الزيادة في أعداد الذين يتقاضون أجورا منخفضة، وتعرف الأجور المنخفضة بأنها الأجور التي تقل عن ثلثي الأجور المتوسطة، فهذه الفئة قد تزايدت أعدادها منذ التسعينيات في العديد من الدول، كالأرجنتين وإسبانيا وإندونيسيا وأيرلندا وبولندا والصين.

وفي ظل هذه الأوضاع يزيد احتمال بقاء هذه الفئة من العمال في نفس الوظائف ذات الأجر المنخفض، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى زيادة حدة التوتر الاجتماعي، ويزيد الوضع سوءا شعور هذه الفئة بالظلم الواقع عليها؛ حيث دفعت ثمنا باهظا أثناء الأزمة، بينما لم توزع ثمرات فترات الازدهار بالعدل والتساوي على الجميع.

ويفيد التقرير بوجود عدة عوامل تمييزية تساهم في استمرار التفاوت بين الأجور، ووجود فئات ذات دخل منخفض في الدول الصناعية والنامية على حد سواء، ومن بين هذه العوامل الانتماء إلى أقليات إثنية أو عرقية أو فئات مهاجرة ومحرومة، ويؤدي تركز هذه الخصائص في صفوف العمال ذوي الدخل المنخفض إلى الانتقاص من قيمة هذه الوظائف.

ويستعرض التقرير عدة أسباب تجعل المرأة أكثر عرضة لانخفاض الأجر، من أهمها الاعتقاد بأن عمل المرأة ربما يُقوَّم بأقل من قيمته الحقيقية لاتباع المرأة نمطا اقتصاديا معيشيا مختلفا، وقد يعود ذلك لانخفاض المهارات، أو لكون دخلها مصدرا ثانويا للأسرة، أو لتركز النساء في القطاعات ذات الدخل المنخفض، وقد يعود تقييم عملها إلى ظروفها الصحية، وحصولها على إجازات للوضع، أو رعاية الأطفال، كل هذه الأسباب تساهم في تدني الأجور.

وتميل كثير من النساء لقبول الوظائف ذات الدخل الأدنى التي لا يقبل عليها الرجال، وقد يعود ذلك لقيام المجتمع بالتمييز بين النساء والرجال أو ممارسة نوع من الضغط على المرأة قد يدفعها لقبول مثل هذه الأعمال المتدنية الأجر.

وبحسب التقرير يرى البعض أن ركود الأجور في الفترة السابقة للأزمة المالية العالمية يعد أحد أسباب وقوع الأزمة، وكذلك أحد أسباب تأخر الاقتصادات المختلفة في التعافي من آثار الأزمة بسرعة.

صحيح أن هناك عوامل كثيرة وراء حدوث الأزمة، إلا أن هناك من يرى أن تراجع إجمالي الطلب قبل الأزمة كان أحد الأسباب الهيكلية لاندلاع الأزمة.

فإعادة توزيع الأرباح من ذوي الأجور المتوسطة إلى ذوي الأجور المرتفعة، أدى إلى انخفاض الطلب الإجمالي؛ حيث تحول الدخل من الطبقات الميالة للإنفاق إلى الطبقات الميالة للادخار، وهناك عدد من الدول حافظ على الاستهلاك المعيشي للأسر من خلال زيادة المديونية، وهناك اقتصادات اعتمدت على الصادرات، إلا أن كلا النموذجين غير قابلين للاستدامة، ويجعلان الاقتصاد هشا، وعرضة للأزمات، في حين تبين أن أفضل السبل للنمو الاقتصادي الحفاظ على استهلاك أسري أقوى عن طريق زيادة الدخل.

فرص وتوصيات

ويحاول التقرير في ختامه تلمس الأوجه الإيجابية للأزمة، فيشير إلى أن الأزمة الاقتصادية قد قدمت بالفعل فرصة فريدة لتوسيع الأسس المنطقية لسياسات الأجور، وعلى أساس تقييم منهجي للقيود المحتملة التي تحول دون تحقق هذه السياسات بالكامل، ووضع مزيد من السياسات الفعالة التي من شأنها أن تسهم في اقتصاد منصف ومستدام.

وفي هذا الصدد، يشير التقرير إلى بعض القضايا الرئيسية التي تعتبر حاسمة في تحسين سياسات الأجور، خصوصا في العالم النامي؛ حيث تنتشر الثغرات والتفاوتات بين الأجور، ولذلك ينبغي وضع سياسات للأجور والدخل لمعالجة الأشكال المختلفة من التمييز، من خلال قانون العمل، واللوائح ذات الصلة، والتدابير الأخرى.

ومن بين التوصيات التي يذكرها التقرير:

1- قيام الدولة بتشجيع عمليات التفاوض الجماعي، من خلال تقوية الاتحادات والنقابات العمالية؛ لأن أول الصعوبات التي تواجه العمال تتمثل في صعوبة تنظيم أنفسهم في إطار رسمي، سواء بسبب زيادة أعداد العمال غير الرسميين، أو زيادة أعداد النساء العاملات من خلال المنزل، وكل هذه الفئات بحاجة لتنظيم قوي يدافع عن حقوقهم، وإيجاد آليات بديلة لضمان أجور عادلة وكريمة.

2- ينبغي وضع سياسات عامة للحد الأدنى من الأجور، لا تقتصر على العمال منخفضي الأجور فقط، بل تعود بالفائدة على جميع العمال، بغض النظر عن مستويات الأجور، أو عضوية الاتحادات والنقابات أو الحالة الوظيفية.

3- إعادة النظر في دخول الأسر ذات الدخل المنخفض، عبر آليات غير تقليدية جنبا إلى جنب مع السياسات التقليدية، كالإعفاءات الضريبية، والإعانات الأسرية، مع توجيه الاهتمام للأسر المعتمدة على دخل غير منتظم كالعمالة الموسمية أو غير الرسمية.

http://www.onislam.net/arabic/nama/news/127205-2010-12-19-10-02-11.html


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق