الأربعاء، 4 أبريل، 2012

مصر بحاجة إلى نخب مجتمعية

أمل خيري
جريدة الحرية والعدالة - عدد الأربعاء 4-4-2012

أصبح من اللافت للنظر منذ انطلاق الثورة المصرية، بروز مجموعة من الإعلاميين والسياسيين وقادة الرأي، ممن يطلق عليهم تجاوزا مصطلح النخبة.
وإذا حاولنا أن نقدم كشف حساب لتقييم هذه النخب، وما أحدثه خطابها من تغيرات في المجتمع أو حتى ما قدمته في سبيل تحقيق أهداف الثورة، بعد مرور أكثر من عام على خلع الرئيس السابق، فإننا لن نجد سوى مهاترات إعلامية، ومجادلات سياسية تفوق الجدل البيزنطي الذي انتهي بسقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح، في الوقت الذي انشغلت فيه النخب الفكرية بسجالات عقيمة من نوعية "هل الملائكة ذكور أم إناث؟"، حتى سقطت بيزنطة وسقطت معها هذه النخب.
والحقيقة، أن النخب المصرية اليوم تكاد تنافس النخب البيزنطية في هذا الجدال العقيم، الذي جاء على شاكلة "الدستور أم البرلمان؟"، "الرئيس أم الدستور؟"، "البيضة أم الدجاجة؟!".
فهل ساهمت هذه الجدالات في تحقيق أهداف الثورة؟
هل سادت العدالة الاجتماعية؟
وهل اختفى الفقراء من المجتمع، وأصبح الفقر أسطورة من الماضي؟
ولأن الإجابة عن كل هذه الأسئلة بالنفي، فإننا نؤكد أن مصر اليوم أصبحت في أمس الحاجة لثورة مجتمعية، لا سياسية فحسب. وأن التثقيف المجتمعي أصبح أهم من التثقيف السياسي. وأن الحاجة أصبحت ملحة لوجود نخب مجتمعية بعيدة عن المعارك الإعلامية المفتعلة.
ولا نعني بالنخب المجتمعية هنا صفوة الطبقات الاجتماعية العليا كما يعنيها مفهوم "النخبة الاجتماعية" في العلوم السياسية، ولكننا نقصد بها الرواد المجتمعيون الذين لا ينشغلون بهذه المهاترات السياسية والشو الإعلامي، وإنما يركزون جهودهم في محاولة إحداث حراك اجتماعي، والدفع في اتجاه تبني مبادرات مجتمعية تهتم بالفقراء، ومشكلات المجتمع الحقيقية، وتسعى للبحث عن حلول لها بأفكار مبتكرة، بغض النظر عن التوجهات السياسية أو الانتماءات الحزبية.
ولا يجب أن نغفل أن النظام السابق قد قتل روح الإبداع والاهتمام المجتمعي لدى الشعب، إلا قليلا من الأشخاص الإيجابيين الذين ساهموا بأفكار بسيطة وبجهود تطوعية خالصة في حل بعض من مشكلات مجتمعاتهم دون انتظار حلول سحرية من الحكومة أو من ممثلي الشعب في البرلمان.
لنأخذ على سبيل المثال تجربة رجل مصري أغفل الإعلام ذكره سواء قبل الثورة أم بعدها، وهو الدكتور حامد الموصلي الأستاذ المتفرغ بكلية الهندسة جامعة عين شمس، ومؤسس مركز تنمية الصناعات الصغيرة بالجامعة، وواحد من أبرز الخبراء التنمويين الذين استفادت العديد من الدول العربية بخبراته الرائدة.
فماذا فعل الدكتور الموصلي؟
هل ظهر في برامج التوك شو يستعرض عبقريته الفكرية الفذة، وقدرته البلاغية والمنطقية وقدرته على إفحام الغير؟
وهل دخل في مهاترات سياسية وإعلامية على نمط الجدل البيزنطي؟
لا، إنه اهتم بالإنسان، ومشكلات الناس في المجتمعات الريفية الفقيرة.  ولأنه شخص إيجابي مبادر، فلم ينتظر خططا حكومية للنهوض بالريف، ولم يستورد نماذج أجنبية ليطبقها في هذه القرى البعيدة عن الإعلام وعن الحكومات، بل سعى لتنمية المجتمع باستغلال موارده المحدودة واستثمارها بأفكار مبتكرة. قام باستغلال البواقي الزراعية كحطب القطن وجريد النخل، وغيرها في إنتاج أخشاب الباركيه والموسكي والكونتر وغيرها. ليس هذا فحسب، بل اختار قرية شماس -من أفقر عشر قرى في مصر-، وأقام بها مشروع منزلي لتصنيع مربى التين حقق المواصفات العالمية، وانتشل القرية من فقرها، وغير ذلك الكثير.
ومصر اليوم تحتاج للكثير من هؤلاء الرواد والنخب المجتمعية التي تهتم بالعمل على حل مشكلات المجتمع المحلي الصغير، وتحتاج للكثير من المبادرات الفردية التطوعية التي تكوِّن لبنات لبناء رأس المال الاجتماعي اللازم لتحقيق النهضة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق