الاثنين، 21 مارس 2011

خمسة بولوتيكا (عودة نظرية الشماعة)



أمل خيري

هي شبيهة جدا بنظرية المؤامرة لكنها تنطوي على نوع من الأمراض النفسية المسماة بالإسقاط.

فحين أكون ضعيفة لا منطق لدي غير واثقة في نفسي أقوم دائما بتعليق فشلي على أقرب شماعة ولا أحاول النظر إلى الأسباب الحقيقية لفشلي.

لم أكن أريد التحدث عن نتيجة الاستفتاء على أنها فشل أو خسارة لفريق مقابل فريق آخر لأن من انتصر بالفعل إرادة الشعب الحقيقية وليس قوى بعينها حاولت التأثير على الناس بقول نعم أو لا.

لم أكن أنتوي بالفعل الحديث عن الرافضين والموافقين على التعديلات ولكن عودة الشباب للتحرير بعد إعلان النتيجة، وإعلان بعض القوى السياسية عن عودتها للاعتصام اعتراضا على نتيجة الاستفتاء فرض علي أن أتحدث عما كنت سأسكت عنه.

في البداية هناك أخطاء ارتكبها كل فريق من الموافقين والرافضين قبل الاستفتاء سواء من حيث التخوين وإلقاء الاتهامات المتبادلة أو من حيث استخدام الدين سواء للمسلمين أو المسيحيين للتأثير في رأي الشعب إلا أن الخطأ الذي ارتكبه الرافضون كان أكبر لعدة أسباب:

أولا: الأحزاب التي قالت لا نسيت أنها موجودة على الساحة السياسية كأحزاب شرعية لعقود طويلة صحيح أنها تعرضت لنوع من القمع وغياب الحرية لكنها لم تكن محظورة ولم يكن قادتها وأعضاؤها يتعرضون للاعتقال والمحاكمات العسكرية كالإخوان مثلا ورغم ذلك يتحججون بأن النظام السابق منعهم من تنظيم أنفسهم فلماذا المحظورة إذن نظمت نفسها وهي تتعرض لقمع أكثر مما تعرضتم له وماذا سيكفيكم من السنوات لكي تعيدوا تنظيم أنفسكم؟

ثانيا: بالنسبة للشباب الذي فجر الثورة فقد ارتكب عدة أخطاء:

1- روج في وسائل الإعلام قبل الاستفتاء أن الإخوان فقط هم من يقول نعم بينما كل القوى الوطنية تقول لا وبالتالي فالإخوان هم من شق وحدة الصف وفي نفس الوقت نسبوا للإخوان فضل اتجاه الأغلبية لقول نعم وهم بذلك راهنوا على حجمهم وتأثيرهم الحقيقي في الشارع حين قالوا لا فسيأتي الآن البسطاء ليقولوا إذن الإخوان هم الأغلبية وهؤلاء الشباب لا وزن لهم. ألم يكن خطئا كبيرا منكم؟ ألم يكن الأولى أن تقولوا أن هناك قوى تقول نعم وقوى تقول لا دون تسمية؟

2- عابوا على الإخوان قيامهم بالدعاية والحشد، أليس من مبادئ السياسة ومن أساسيات الديمقراطية أن يعبر كل عن رأيه ويدعو له ويحشد ويعبئ الناس له؟ ألم تفعلوا أنتم نفس الشيء؟ ألم توزعوا منشورات وتلصقوا بوسترات وتضعوا لافتات؟ عزفكم على هذه النغمة أفقدكم الكثير من مصداقيتكم كما أفقد كل من رفع شعارا دينيا أو تحذيرا شرعيا لرفض التعديلات.

وأيضا سؤال لكل من قالوا ان نتيجة الاستفتاء لا تعبر عن الاغلبية لاستخدام شعار الدين. لماذا لم يؤثر الدين حين كانت الفتاوى أثناء الثورة تنهال على الشعب بتحريم المظاهرات لأنها خروج على الحاكم سواء من دار الافتاء أو الأزهر وكل علماء الدين الذين صدعونا ليل نهار . لماذا لم يستجب الشعب لهذا الخطاب الديني؟ هل نسيتم أن كل الخطب في كل مساجد الأوقاف اثناء الثورة كانت تدعو لتحريم التظاهر وتطالب بعودة المتظاهرين من التحرير؟ هل نسيتم نداءات الدعاة والمشايخ عبر المياجد ووسائل الاعلام للأمهات أن يتصلن بأبنائهن في ميدان التحرير ليعودوا لأن ما يفعلونه محرم شرعا؟ لماذا لم يتأثر الشعب المتدين بطبعه كما تقولون بكل ذلك؟ الثورة أثبتت أن الشعب لديه الوعي ليقرر بنفسه ولا اعتبار يذكر للدعاية الدينية. فكفى عزفا على هذا الوتر.

مصر التي في الفيسبوك

3- اعتقدوا أن مصر كلها تختصر وتختزل في المصريين الذين يدخلون على الانترنت وينشطون على الفيس بوك فقط، فإذا كان هذا هو مفهومهم عن المصريين فكيف يحلمون بالوصول للشعب هل سيصلون له عبر الفيسبوك والانترنت فقط؟ لقد أثبتت النتائج أنكم بالفعل معزولون عن المجتمع الحقيقي الذي صفق لما أنجزتموه خلال الثورة لكن بدأ يعتقد أنكم الآن بعودتكم للتحرير لا تريدون ديمقراطية حقيقية بل تعملون لحسابات خاصة بكم لا يعلمها المواطن البسيط.

4- أنتم عانيتم كما عانينا جميعا من ديكتاتورية الفرد وكان منتهى أملنا أن نصبح شعبا محترما يعبر عن إرادته عبر صناديق الاقتراع أيا كانت النتيجة والآن نكتشف أنكم تسيرون في اتجاه آخر فلم يكن هدفكم تحقيق الديمقراطية ولذلك لم تقبلوا بنتائجها. لا أدري هل الديمقراطية تفصيل؟ نفصلها على هوانا؟ أم أنها إرادة الأغلبية؟ نريد أن نعرف مفهومكم عن الديمقراطية لنكون على بصيرة.

5- أخطأتم أنتم والفئة المفكرة والمثقفة حين اتهمتم الشعب بالجهل والتخلف ونصبتم من أنفسكم أوصياء عليه وعلى إرادته فاعتبرتم أنه شعب جاهل لا يعرف مصلحته ينبغي وضعه تحت الوصاية ولا ينبغي الأخذ برأيه وإرادته فما الفرق بينكم وبين عمر سليمان حين قال أننا غير مهيأين للديمقراطية؟ أنتم قلتوها ولكن بطريقة أخرى.

6- حاولتم قبل الاستفتاء إعادة الفزاعة مرة أخرى التي أسقطتها الثورة وكان هذا خطئا آخر لأنه أفقدكم بعض المصداقية لدى عامة الشعب. وهذا مؤشر أن كل من سيرفع شعار الفزاعات مرة أخرى في الفترة القادمة سيسقطه الشعب لأن الشعب ليس إخوان فقط ولا سلفيين فقط ولا أقباط فقط ولا شباب فقط بل هو مزيج من كل الطوائف.

7- عزفتم أيضا على نغمة أنكم لم تنظموا أنفسكم وأريد أن أسألكم هل تعتقدون أنكم ستأتون بما لم يأت به الأوائل؟ هل ستخترعون حزبا مريخيا يختلف عن الأحزاب الموجودة؟ وهل أنتم جميعا فصيل واحد يحمل فكرا واحدا بحيث يمكن أن يجمعكم حزب واحد؟ أليس الأولى أن تستعرضوا خريطة الأحزاب القائمة بالفعل وتقوموا بتصنيفها من أقصى اليمين لأقصى اليسار وينضم كل منكم للحزب الأقرب لفكره ويحاول تفعيل عضويته فيه وإعادة النشاط فيه. أم أن كل 100 شاب سيكونون حزبا جديدا ببرنامج لا مثيل له. المشكلة يا سادة ليست في برامج الأحزاب بل في تفعيلها فكونوا أنتم الوقود الذي يفعلها وليس شرطا أن تبدأوا من الصفر او من حيث بدأ السابقون. ومصر ليست فقط التي في الفيسبوك ولا في القاهرة ولا في المدن الكبرى. مصر في الريف والقرى والمناطق الشعبية التي لا تفهم السفسطات الفلسفية ولا تعنيها الجدالات الفكرية بل يعنيها من يعبر عن مطالبهم البسيطة والمشروعة ويستطيع تحقيقها

هل تتذكرون أن الحد الأدنى للترشح لعضوية مجلس الشعب 40 عاما؟ إذن وفق هذا الشرط لن يكون لكم تمثيل أصلا فإما أن تساندوا الأحزاب القائمة أو تدعموا شخصيات وقوى وطنية آخرى دون أن تقدموا مرشحين منكم أو تبدأوا بداية صحيحة بمناقشة مجتمعية تفضي لتعديل هذا الشرط وتخفيض الحد الأدنى من السن لتتمكنوا من تمثيل أنفسكم في مجلس الشعب وهذا لن يأتي بالتظاهر والاعتصام

لا تفسدوا المشهد الحضاري الذي تحاكت عنه الدنيا بأنانيتكم التي ستعزلكم أكثر عن الشعب ولا تفرضوا من انفسكم أوصياء على الشعب حتى لا يثور عليكم ويتهمكم بالاستبداد

أرجوكم لا تستبدلوا ديكتاتورية الفرد بديكتاتورية النخبة

قدموا نموذجا ديمقراطيا حقيقيا يقبل إرادة الشعب وينزل على رأي الأغلبية فهذا هو السبيل الوحيد لنيل ثقة الشعب.

نحن ككبار كنا معكم في التحرير وأصبنا وجرحنا واستشهد منا مثلكم ورغم ذلك قبلنا بنتيجة الاستفتاء ولم نفرض من أنفسنا أوصياء على الشعب .

دعونا نلتفت للبناء في الفترة القادمة إذا أردتم أن تحوزوا ثقة الشعب الذي سيأتي بكم لمقاعد البرلمان.

أخيرا أذكر تعليق إحدى السيدات الأميات اللاتي أحترمهن جدا حين سمعت بخبر عودة الشباب للتحرير رفضا لنتيجة الاستفتاء قالت:

طيب وإذا اتعملت انتخابات الرياسة ومثلا خسر البرادعي يبقى اللي واقفين معاه هينزلوا التحرير ويعترضوا؟

وكل ما مرشح في مجلس الشعب يخسر ينزلوا برضه التحرير ويوقفوا حال البلد

أنا كنت بأحبهم لكن بدأت أكرههم احنا عايزين ناخد حريتنا بجد تغور الحرية بتاعتهم دي.

هذا كان تعليق هذه السيدة البسيطة زوجة البواب التي كانت تبكي وتدعو وتبتهل لنصرة الثوار أيام التحرير وتقذف بلسانها اللاذع كل من كان يتهمهم بالعمالة وكانت تقف بالمرصاد لكل من يدافع عن النظام السابق. ولكنها الآن بدأت تكفر بهذه الديمقراطية التي يريدها الشباب على هواهم.

نعم للبناء ولا لهدم كل القيم التي حاربنا من أجلها

لا للشماعة وتعليق الاخفاقات على الآخرين

أين الخطاب السلفي المعاصر من قضايا التنمية؟


السلفية المعاصرة.. أزمة في الخطاب الديني
أمل خيري
إسلام أون لاين
كانت وما زالت قضايا التنمية والنهوض والإصلاح الاقتصادي محاور أساسية في الخطابات الفكرية على تنوعها سواء تلك التي تنتمي للمدارس الإسلامية أو الغربية، ولا شك أن الخطاب السلفي المعاصر أحد المناهج الرئيسية التي تنتمي للفكر الإسلامي والتي ينبغي عليها الإسهام في قضايا التنمية المعاصرة.
لا نقصد بالخطاب السلفي هنا المعنى الحرفي لمصطلح السلفية والذي يعني المنهج الذي سار عليه السلف في العقيدة والعمل والسلوك ولكن نعني به الفكر السلفي في تجلياته المعاصرة، أي العلماء والدعاة الذين ينتسبون للمنهج والفكر السلفي في عصرنا الحاضر لنبحث هل قدم المفكرون السلفيون في العصر الحديث خطابا يتعلق بالمجال التنموي والاقتصادي يتلاءم مع مقتضيات العصر الحديث كما قدم أسلافهم من علماء السلف تراثا فكريا لاءم العصور التي نشؤوا فيها، أم أن السلف المعاصر اكتفى بما قدمه السلف السابق دون أن يقدم هذا الفكر التراثي في ثوب حداثي يفهمه الناس في هذا العصر؟.
السلف والتنمية
مما لا شك فيه أن علماء ومفكري السلف في التاريخ الإسلامي قدموا إسهامات جليلة في مجال الفكر الاقتصادي وصاغوا نظريات اقتصادية وتنموية سبقت في حينها الفكر الاقتصادي العالمي بقرون عديدة، وهذه الأفكار والسياسات الاقتصادية استندت على قواعد ثلاث:
1-الأدلة الشرعية الكلية التي يستدل بها على الحكم الشرعي كالقرآن والسنة.
2- الأحكام المستنبطة من تلك الأدلة كتحديد الطيبات وغير الطيبات، والحلال والحرام من السلع.
3- الشروط المتصلة بالمجتهد الذي يستنبط هذه الأحكام.
وعلى أساس هذه القواعد وضعت النظريات الخاصة بالإيرادات والنفقات، وتوزيع الأموال، ودور الدولة الاقتصادي والسوق والملكية، والنقود والتجارة وقانون العرض والطلب وغيرها الكثير من الأفكار والنظريات الاقتصادية التي ما زالت تبرهن على ريادتها وسبقها في الفكر الاقتصادي العالمي.
تجدر الإشارة إلى أن علماء السلف في القرون السابقة قد اقتربوا من المجال الاقتصادي والتنموي من مدخلين أساسيين:
أولا: المدخل الفقهي فيمكن استخلاص التراث الإسلامي فيما يتعلق بالموضوعات الاقتصادية من كتب الفقه العامة التي تضم أبوابا تتعلق بالنظام المالي والاقتصادي، وكذلك من كتب الفقه المتخصصة في الفقه المالي ككتاب الخراج للقاضي أبي يوسف (113-182هـ) وكتاب الأموال لأبي عبيد (154-224 هـ) وكتاب الخراج ليحيى بن آدم (المتوفى سنة 203هـ) وغيرها العديد من كتب الفقه المالي التي تناولت أحكام السوق والخراج والكسب والتسعير والحسبة.
ثانيا: المدخل الفكري: الذي يبحث في الواقعة أو الظاهرة الاقتصادية وتحليلها والتأثير فيها والتنبؤ بها، وهذا المدخل لم يتناوله الفقهاء بل مفكرون مسلمون، ومن بين كتب الفكر الاقتصادي كتاب الأحكام السلطانية للماوردي (364-350هـ)، وما كتبه أبو الفضل الدمشقي في كتابه "الإشارة إلى محاسن التجارة" عام 1175م ، وكذلك المقريزي في كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة" أو "تاريخ المجاعات في مصر" عام 1364م وإسهامات الإمام الغزالي وابن تيمية وابن خلدون.
كانت هذه إسهامات علماء السلف السابق في مجال الاقتصاد والتنمية ونأتي الآن للنظر إلى ما قدمه مفكرو السلفية المعاصرون لهذين المجالين بمحاولة تطبيق نفس هذه المداخل التي اتبعها السلف السابق.
السلفية المعاصرة
الاتجاه السلفي المعاصر ليس كيانا واحداً أو منظومة متسقة بل هناك الكثير من الخطابات التي تعلن انتماءها للسلفية، ودون الحديث عن الفروقات بين السلفية العلمية والجهادية والحركية فإننا نقتصر على السلفية العلمية التي تفصل بين المجال الشرعي والسياسي، والتي يهتم علماؤها بنشر العلم الشرعي من مصادره الأصيلة من الكتاب والسنة وما سار عليه السلف الصالح في العصور الأولى.
لنطرح السؤال هل هناك خطاب اقتصادي وتنموي لدى علماء السلفية العلمية المعاصرة على المستوى الفكري وليس الحركي؟
نحاول تطبيق نفس المداخل التي عالج بها السلف السابق المجال الاقتصادي وهما الفقهي والفكري.
نبدأ بالمدخل الفقهي وأول ملاحظة تجدر الإشارة إليها تتمثل في اهتمام السلفيين المعاصرين بالعقيدة والعبادات، لذا تجد معظم كتاباتهم وأحاديثهم ودروسهم تقتصر في غالبيتها على الأحكام الفقهية خاصة تلك المرتبطة بالعبادات وأحيانا المعاملات، والزهد والرقائق، وعلوم التفسير وعلوم الحديث، والعقائد والتوحيد.
ونادرا ما نجد كتابات متخصصة في الاقتصاد والتنمية وعلاج مشكلات المجتمع المالية والاقتصادية فيما عدا المدخل الفقهي الذي يستقى من الفتاوى التي يجيب عنها علماء السلفية، وهذه الفتاوى المتعلقة بالجانب الاقتصادي يغلب عليها الطابع التراثي، حيث الاستشهاد بالنصوص الفقهية القديمة بنفس مصطلحات العصور الوسطى بلا محاولة لتقريب المفاهيم للأذهان باستخدام مصطلحات العصر الحديث.
ويغلب على كثير من هذه الفتاوى الانعزال عن مشكلات الواقع المعاصر والحلول المثالية لمثل هذه المشكلات، وأغلب الفتاوى تدور حول البيوع والزكاة والقرض والربا والبنوك الإسلامية وكأن الاقتصاد الإسلامي خلا من سائر القضايا الأخرى التي ترتبط بتنمية المجتمع ونهضته الاقتصادية، فلا نجد حلولا واقعية وعملية للفقر أو البطالة أو الأزمات الاقتصادية.
أما المدخل الثاني لتناول القضايا الاقتصادية فيتمثل في المدخل الفكري:
ونقصد به ما قدمه السلفيون المعاصرون من تناول وتحليل للظواهر والوقائع الاقتصادية كما قدمها السلف السابق، وأول ملاحظة تبدو في هذا المجال أن هناك عدة اقترابات سلفية من القضايا الاقتصادية فهناك اقتراب التجاهل، واقتراب الزهد واقتراب آخر تربوي.
الفقر نعمة
يعد اقتراب التجاهل هو السمة الغالبة لدى كثير من علماء السلفية المعاصرين فالكتابات والدروس والخطب تكاد تخلو من الإشارة إلى المجال الاقتصادي والمشكلات الاقتصادية، فالاهتمام منصب على علم العقيدة والحديث والعبادات دون الخوض في القضايا الاقتصادية على اعتبار أن إصلاح عقيدة الفرد المسلم على رأس أولويات علماء السلفية، ثم يأتي في المرتبة الثانية التزام الشعائر الدينية والهدي النبوي الظاهر، أما أحوال الأمة ومشكلاتها الاقتصادية فستحل تلقائيا بمجرد إصلاح العقيدة والعبادة.
أما اقتراب الزهد وهو ما يسميه البعض بالاقتراب العلماني من حيث كونه يفصل بين الدين والسياسة والاقتصاد، فنلحظه في خطاب بعض علماء السلفية المعاصرة الذين يقصرون اهتمامهم على تذكير الفرد بأهمية الزهد وما كان عليه السلف الصالح من زهد في الدنيا واستغناء عنها، فتتعدد الأشرطة التي تتناول نعمة الفقر وفضله وكيف كان الرسول وصحابته يعيشون في فقر مدقع، ولكنهم مع هذا فتحوا الدنيا ونشروا الإسلام، وأحاديث تتناول ذم الترف والوعيد للأغنياء.
ولا يخفى على أحد ما لهذا الاقتراب من تداعيات خطيرة تلقي الوهن في نفوس عامة المسلمين، فلا حاجة للتنمية ولا لإيجاد سبل لحل المشكلات الاقتصادية المعاصرة لأن الدنيا زائلة والآخرة خير وأبقى والفقير أفضل عند الله من الغني.
وحتى حينما حاول بعض السلفيين الخروج من مأزق التفضيل بين الغني والفقير كان الخطاب حول الأفضلية عند الله بالتقوى والعمل الصالح، وبالنسبة لعلاج مشكلات الفقر في الأمة الإسلامية نجد هذه النوعية من الخطابات ترتكز على حلول إيمانية عقائدية بحتة ويمثل هذا الاقتراب الشيخ محمد حسين يعقوب والذي يقترح علاجا للفقر يرتكز على التوحيد وصحة الاعتقاد، إشغال القلب بالآخرة، تخليص القلب من حب الدنيا، عدم الاختلاط بأهل الدنيا، الأخوة الإيمانية، التقيد بمنهج تربوي.
مشيرا إلى أن خير الرزق الكفاف وهو ما يكف الإنسان عن الجوع وعن السؤال، وأن الطريقة المثلى في استثمار المال على الوجه الذي يرضي الله يتمثل في بذل الفضل.
ويعارض بعض السلفيين مثل هذا الاقتراب العلماني من المجال الاقتصادي ومن بينهم الدكتور محمد محمد بدري الذي يرى أن هذا الاقتراب في تناول المجال الاقتصادي كان هو نفسه السبب في تخلف المسلمين وتأخرهم فبدلا من أن تكون الدنيا مزرعة للآخرة كما أشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصبحت الدنيا الوجه المضاد للآخرة ولا يمكن للمسلم أن يجمع بينهما، فإما أن يكون فقيرا زاهدا في الدنيا مقبلا على الآخرة أو تاركا الآخرة مقبلا على الدنيا، ولذا فقد تحول معنى الزهد إلى العجز، وارتبط التوكل بالسلبية والعشوائية التي تقعد المسلم عن المشاركة في تنمية المجتمع ونهضته.
وهذا الاقتراب السلفي الزهدي من المجال الاقتصادي ليس به إشارة لدور الدولة والمؤسسات في الاقتصاد أو دور الأمة بكاملها في النهوض الاقتصادي، ولا يحدد النظام الاقتصادي الأولى بالاتباع، فلا مانع لديه من التعاون مع دولة ذات نظام رأسمالي أو اشتراكي فالمهم هي الدولة التي تترك له مساحة من الحرية للتحرك لنشر أفكاره وخطابه بمختلف الوسائل فهي سلفية التعايش التي لا تبدي رأيا ولا تعارض نظاما، وهم بهذا أبعد الناس عما كان عليه السلف السابق من فهم شمولي للإسلام سواء على مستوى الفكر أو الحركة.
الإسلام منهاج شامل
آخر هذه الاقترابات هو الاقتراب التربوي، وهو من أكثر الخطابات واقعية وأقربها لما كان عليه السلف الصالح وينتمي إليه الدكتور محمد محمد بدري، والذي يستنكر الخطابات السلفية المعاصرة التي تدعو المسلمين من فوق المنابر بالعودة للإسلام دون أن تقدم منهجا تربويا شاملا لكافة مناحي الحياة ، فيؤكد أن معالم المنهج الإسلامي تتسم بالشمولية في إطار المرجعية الإسلامية، والواقعية، والتدرج.
ويرى في كتابه "الأمـة الإسلاميـة من التبعية إلي الريادة: معالم الإحياء الحضاري الإسلامي" أن للمنهج الإسلامي هدفين أحدهما أخلاقي يهدف لتكوين المثال الإنساني، والثاني مادي يهدف لتكوين الإمكانية البشرية لاستخلاص الطاقة، وهذان الهدفان يتطلبان فقهاء تربويين يجسدون المنهج الإسلامي في الواقع ويعظمون من القيم الإسلامية التي يجب تربية الفرد المسلم عليها ومن أهمها قيمة العمل، ويتم من خلال التربية على التنفير من العجز والكسل والفهم الخاطئ للزهد الذي عزز الرضا بالفقر واعتبره من سمات الصالحين، مع إبراز المفهوم الصحيح لقيمة العمل كما تربى عليها جيل السلف الذين جمعوا بين العبادة والعمل والكدح.
هذه الأفكار النهضوية التي تنشرها الأمة يجب ألا تكون حكرا على جماعة أو حزب أو الصفوة بل هي ملك للأمة وبلغة تفهمها الجماهير وتحمل أفكارا ريادية تحل مشكلات الواقع، وترسم خطة المستقبل، وأول خطوة على هذا الطريق إيقاف التباري والتشاحن بين الفصائل والتيارات الإسلامية لتوضع مشكلات الأمة على قائمة الأولويات، وهذه النهضة تتطلب وجود مفكرين ومنظرين مهمتهم ابتكار الاستراتيجيات الملائمة للعصر، كما تتطلب قوى تنظيمية تطبق هذه الاستراتيجيات.
ربما كان المدخل الأخير هو الأكثر واقعية كما ذكرنا من قبل والأقرب لما كان عليه السلف الصالح، ومع هذا ما زال لدينا حاجة ماسة لكتابات وأفكار متخصصة تعالج القضايا والمشكلات الاقتصادية المعاصرة وتقترح حلولا واقعية عملية عصرية لهذه المشكلات تتفق مع الشريعة الإسلامية من حيث أحكامها ونصوصها وروحها.
http://www.islamonline.net/ar/IOLStudies_C/1278407604478/1278406720653/IOLStudies_C

الثلاثاء، 8 مارس 2011

المرأة من التهميش إلى صنع الثورات


بمناسبة مرور مائة عام على اليوم العالمي للمرأة


أمل خيري

على مدى الشهور القليلة السابقة تابعنا جميعا دور المرأة في الثورات العربية الراغبة في التحرر من الاستبداد والفساد.

رأينا المرأة في ثورة تونس وفي ثورة مصر، ثم في ثورة ليبيا واليمن وغيرها من الدول العربي، خرجت المرأة وشاركت بقوة في صنع الأحداث وإسقاط النظام.

وكما شاركت المرأة في التظاهر والاعتصام تعرضت أيضا للاعتقال والإصابات، وهناك من سقطن شهيدات، وفي ميدان التحرير رأينا المرأة أيضا تشارك في تنظيف الميدان وتجميله.

ربما جاءت هذه المشاهد متأخرة بعض الشيء في تونس ومصر، حيث مضت فترة طويلة لم نجد مشاركة فعالة للمرأة في العمل الثوري باستثناء المرأة الفلسطينية التي قدمت النفس والزوج والولد حيث تحولت النساء الفلسطينيات من أمهات حاضنات لمشروع الشهادة الذي أنجبنه من أرحامهن إلى استشهاديات رائدات.

رحلة من الاضطهاد

كل هذه المشاهد كانت غائبة عن الساحة خاصة في أوروبا قبل أكثر من قرن، مما دعا النساء لتنظيم الاحتجاجات ثورة على الاضطهاد والتهميش ورغبة في إقرار حقهن في المساواة.. وكانت هذه الاحتجاجات نواة لتدشين الاحتفال باليوم العالمي للمرأة الذي يوافق الثامن من مارس كل عام.

في عام 1869 كان النائب البريطاني جون ستيوارت ميل أول نائب في البرلمان يطالب بحق المرأة في التصويت، وفي 19 سبتمبر 1893 أصبحت نيوزيلندا أول دولة في العالم تعطي المرأة حق التصويت، ولكن ظلت باقي الدول تحرم المرأة هذا الحق لسنوات عديدة.

وفي مطلع القرن العشرين توسعت الاضطرابات في العالم الصناعي الذي شهد نموا في السكان وصعودا في الأيديولوجيات المتطرفة كذلك، والذي بلغ أشده عام 1908 حيث تصاعدت الاضطرابات والنقاشات الحرجة حول النساء، واضطهاد المرأة وعدم المساواة وتحفيز المرأة على مزيد من المشاركة والتغيير.

وفي هذا العام سارت نحو 15000 المرأة عبر مدينة نيويورك لتطالب بخفض ساعات العمل، وتحسين الأجور وحقوق التصويت، وفي عام 1909 بدأ الاحتفال باليوم الوطني الأول للمرأة في جميع أنحاء الولايات المتحدة يوم 28 فبراير، وظلت المرأة تحتفل بهذا اليوم الأحد الأخير من شهر فبراير وحتى 1913.

وفي عام 1910 عقد المؤتمر الدولي الثاني للنساء العاملات في كوبنهاجن، حيث طرحت كلارا زيتكنClara Zetkin -زعيمة مكتب المرأة في الحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا- فكرة يوم المرأة العالم، واقترحت أن يتم الاحتفال به سنويا في جميع أنحاء العالم للضغط من أجل مطالب النساء، وعقد مؤتمر ضم أكثر من 100 امرأة من 17 بلدا ، يمثلون النقابات، والأحزاب الاشتراكية، ونوادي العمل النسائية، وشمل المؤتمر كذلك أول ثلاث نساء منتخبات في البرلمان الفنلندي، حيث عرضت زيتكن اقتراحها الذي حظي بالإجماع ليبدأ أول احتفال عالمي بيوم المرأة عام 1911.

أول احتفال عالمي بالمرأة

بالفعل اختير يوم 19 مارس في البداية والذي يوافق الاحتفال بالثورة الألمانية عام 1848، وانتشرت على الفور خطط حملات لليوم الدولي الأول للمرأة عن طريق الصحافة، وظهرت مجلات نسائية تحمل عناوين مثل "المرأة والبرلمان"، "المرأة العاملة والشؤون البلدية"، "ما الذي يجب أن تقوم به ربة البيت بخصوص السياسة؟" وغيرها من المقالات التي احتوت تحليلا دقيقا لمسألة مساواة المرأة في الحكومة وفي المجتمع، وأكدت جميع المقالات على ضرورة جعل البرلمان أكثر ديمقراطية من خلال توسيع حق الانتخاب للمرأة.

وقد تجاوز نجاح هذا الاحتفال جميع التوقعات، ونظمت اجتماعات في كل مكان في المدن الصغيرة والقرى حتى أجبر العمال الذكور على التخلي عن مقاعدهم للنساء، بل وبقي الرجال في البيت مع الأطفال لتتمكن النساء من حضور الاجتماعات، وحضر الاحتفال أكثر من مليون امرأة.

إلا أنه بعد أقل من أسبوع وفي 25 مارس وقع حادث مأساوي في مدينة نيويورك أودى بحياة أكثر من 140 امرأة عاملة معظمهن من المهاجرين خاصة من الإيطاليين واليهود، ووجه هذا الحدث الكارثي اهتماما كبيرا بظروف العمل وقوانين العمل في الولايات المتحدة التي أصبحت محور الأحداث اللاحقة، كما شهد عام 1911 أيضا حملة نسائية أطلق عليها "الخبز والورد".

وفي العامين التاليين انتقل الاحتفال باليوم العالمي للمرأة إلى يوم 8 مارس وهو اليوم الذي مازال معتمدا حتى اليوم، وعشية الحرب العالمية الأولى قامت النساء في جميع أنحاء أوروبا بعقد تجمعات وحملات ضد الحرب للتعبير عن تضامن المرأة.

المرأة تريد إسقاط القيصر

في عام 1917 دشنت النساء الروسيات إضرابا في يوم الأحد الأخير من شهر فبراير من أجل "الخبز والسلام"، ردا على وفاة أكثر من مليونين من الجنود الروس في الحرب، ورغم معارضة القادة السياسيين فقد ظل الإضراب النسائي على مدى أربع أيام، مما اضطر القيصر إلى التنازل عن العرش ومنحت الحكومة المؤقتة المرأة حق التصويت.

وكان لهذا الدور النسائي في إسقاط القيصر الفضل في تزايد الاعتراف باليوم العالمي للمرأة وتوسع الاحتفال به في كل من البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.

ولسنوات عديدة عقدت الأمم المتحدة مؤتمرا سنويا في اليوم العالمي للمرأة لتنسيق الجهود الدولية من أجل حقوق المرأة ومشاركتها في العمليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما تم تحديد عام 1975 باعتباره "العام الدولي للمرأة"، ومنذ ذلك الوقت اهتمت المنظمات النسائية والحكومات في جميع أنحاء العالم بالاحتفال باليوم العالمي للمرأة سنويا في 8 مارس من خلال أحداث وفعاليات تسعى لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تحقيق المساواة للمرأة في جميع جوانب الحياة .

ومع مطلع الألفية الثانية أصبح اليوم العالمي للمرأة عطلة رسمية في العديد من دول العالم، وقد شهدت الألفية الجديدة تغييرا كبيرا في المواقف حول المرأة وتحولا في أفكار المجتمع حول مساواة المرأة وتحررها.

التمكين والمساواة

في كل عام يخصص للاحتفال موضوع أو نطاق اهتمام معين خاصة منذ عام 1996، ونلقي الضوء على عناوين الاحتفالية كل عام:

عام 1996: " الاحتفال بالماضي ، والتخطيط للمستقبل".

1997: "النساء والمشاركة في السلام".

1998: " المرأة وحقوق الإنسان".

1999: " عالم خال من العنف ضد المرأة".

2000: "نساء متحدات من أجل السلام".

2001: " المرأة والسلام: المرأة وإدارة النزاعات".

2002: " المرأة الأفغانية اليوم: الحقائق والفرص".

2003: " المساواة بين الجنسين والأهداف الإنمائية للألفية".

2004: " المرأة وفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز".

2005: " المساواة بين الجنسين فيما بعد 2005: بناء مستقبل أكثر أمنا".

2006: " المرأة في صنع القرار".

2007: " إنهاء الإفلات من العقاب على العنف ضد النساء والفتيات".

2008: " الاستثمار في النساء والفتيات".

2009: " المرأة والرجل إتحاد من أجل إنهاء العنف ضد النساء والفتيات".

2010: " المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص : تقدم للجميع".

التعليم والتكنولوجيا

أما العام الحالي فقد تم تخصيص عنوان "المساواة في الحصول على التدريب والتعليم والعلوم والتكنولوجيا: الطريق إلى العمل اللائق للمرأة"، حيث التركيز على المساواة في الحصول على التعليم والتدريب والعلوم والتكنولوجيا، فالهواتف المحمولة وشبكة الإنترنت على سبيل المثال، يمكن أن تساهم في تمكين النساء من تحسين صحة رفاه الأسرة، والاستفادة من فرص كسب الدخل، وحماية أنفسهن من الاستغلال والضعف، وللحصول على هذه الأدوات يجب أن تكون مدعومة بالتعليم والتدريب، ومساعدة النساء على كسر حلقة الفقر والظلم ومكافحته وممارسة حقوقهن.

وتزامنا مع الحدث أطلقت اليونسكو مبادرة "النساء يصنعن الخبر"، وهي مبادرة عالمية تهدف إلى تعزيز المساواة بين الجنسين في وسائل الإعلام، وموضوع هذا العام: الإعلام والمعلومات لمحو الأمية والمساواة بين الجنسين، وتسعى المبادرة لتسليط الضوء على الممارسات الجيدة في هذا المجال والتأكيد على أهمية تعزيز وسائل الإعلام ومجتمع المعلومات والقراءة والكتابة كوسيلة لتحسين التفاهم بين النساء والرجال حول وجهات النظر بين الجنسين في وسائل الإعلام و نظم المعلومات.

وقامت اليونسكو بدعوة المحررين في وسائل الإعلام المطبوعة والمذاعة للانضمام إلى هذه المبادرة من خلال إنتاج برامج خاصة عن هذا الموضوع، وتكليف المراسلات الصحفيات بتزويد مركز الأنباء بأخبار الحملة.

http://www.onislam.net/arabic/adam-eve/women-voice/129449-2011-03-08-10-30-10.html

الأحد، 6 مارس 2011

تسونامي الغضب العربي. . رؤى غربية



هل تجهض الثورات العربية على يد حراسها؟
أمل خيري
إسلام أون لاين
استأثرت الثورات العربية الداعية للتغيير والحراك الديمقراطي في العالم العربي باهتمام الكثير من الكتاب والمفكرين الغربيين. هناك بالطبع من اتفق في تفسيره لهذه الثورات مع الفكرة القائلة إن النار ظلت كامنة تحت الرماد حتى انطلقت شرارة الغضب التي فجرت سيلا من الأحداث غير المتوقعة. وذهب البعض لتفسيرات أكثر بعدا، فرأى البعض دورا لشركات النفط، وهناك من ألقى بالمسؤولية على الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة.
واهتم بعض الكتاب بسيناريوهات المستقبل سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الدولي والدروس المستفادة من هذه الثورات، وهناك من قدم نصائحه للحركات الثورية للحفاظ على مكاسب الثورة وتقويض محاولات الالتفاف عليها.
هل تخلت أمريكا عن حلفائها؟
حول التوقيت الذي انطلقت فيه الثورات كتب جوين داير في عموده بصحيفة World View مقالا بعنوان "الثورة العربية: لماذا الآن؟" عبر فيها عن وجهة نظره في أن الفراغ الأمني الذي سيحدثه انسحاب الولايات المتحدة من العراق وأفغانستان يقف وراء هذه الأحداث التي تشهدها المنطقة، فلا يمكن حسبما يرى داير أن يكون الغضب من الاستبداد وحده أو تزايد حدة الفقر هو المفجر لهذه الثورات لأن هذه الأسباب متجذرة في هذه المجتمعات فلماذا التحرك الآن فقط؟.
ويعتقد داير أنالشيء الوحيد الذي اختلف حقا في الشرق الأوسط، فقط في العام أو العامين الماضيين، يتمثل في حقيقة بديهية وهي أن الولايات المتحدة بدأت سحب قواتها من المنطقة. فقد كانت الولايات المتحدة راغبة في التدخل عسكريا للدفاع عن الأنظمة العربية التي تشاء وإسقاط تلك التي لم تعجبها. ولكن كل هذا انتهى الآن.
والشعوب تعرف أنه مع رحيل آخر القوات الأمريكية من العراق بنهاية 2011 لن تعود الولايات المتحدة للتدخل العسكري مرة أخرى، وبالتالي ستنهار شبكات الأمان التي كانت تحمي الأنظمة العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة، وفي هذا فرصة للانقضاض على هذه الأنظمة وإزالتها. ويضيف داير أن هناك أيضا إعادة تقييم استراتيجية كبرى تجري في واشنطن، وأنه من شبه المؤكد أن ترتكز هذه الاستراتيجية الجديدة على الانتقاص من أهمية الشرق الأوسط في السياسة الأمريكية.
والنخب العربية تعلم جيدا أن الدوافع التقليدية للمشاركة الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط تنحصر في النفط وإسرائيل. إلا أن الحرب الباردة قد انتهت، والولايات المتحدة تدرك أنها ليست بحاجة للسيطرة العسكرية للحفاظ على النفط فيكفيها دعم عملائها في المنطقة من الأنظمة الحاكمة، إلى جانب ذلك، فإن أقل من خمس واردات أميركا من النفط تأتي من العالم العربي.
أما عن إسرائيل، فيرى داير أن قيمتها العسكرية للولايات المتحدة قد تراجعت تراجعا حادا منذ نهاية الحرب الباردة. كما أنها لا تحتاج إلى حماية أمريكا فقد أصبحت قوة عظمى يتضاءل بجانبها العرب من الناحية العسكرية. لذلك يتساءل داير مستنكرا: لماذا يتعين على الولايات المتحدة أن تعتبر "الاستقرار" في الشرق الأوسط مصلحة وطنية حيوية؟.
ويعود داير ليؤكد مجددا أن قيام الشعوب العربية بثورتها الآن هو نتيجة لإدراكها أن الولايات المتحدة لن تتدخل عسكريا لحماية الأنظمة الحاكمة، تماما كما حدث في ثورات 1989 حين أدركت شعوب أوروبا الشرقية أن الاتحاد السوفيتي لن يتدخل عسكريا للحفاظ على الأنظمة الشيوعية الحاكمة.
النفط وأشياء أخرى
في المقابل يختلف ستيفان هاوزن Stefan Huzan مع داير في رؤيته تلك فيتساءل في صحيفة كرونيكل الكندية Chronicle Journal "هل الثورة العربية من إخراج شركات النفط الكبرى؟". فستيفان لا يعتقد أن هذه الثورات جاءت بشكل عشوائي أو نتيجة للفراغ الأمني الذي سيحدثه رحيل القوات الأمريكية بل يذهب لأبعد من ذلك فيطرح فكرة أن تكون هذه الثورات مدبرة بفعل شركات النفط الكبرى.
وتقوم وجهة نظر ستيفان على طرحه لسؤالين مهمين حول هذه الثورات: من المستفيد؟ وكم ستكون التكلفة؟
ويجيب أن الأزمة في تونس أدت على الفور لارتفاع أسعار النفط. والجميع مقتنعون أننا نتعرض حاليا لابتزاز من قبل شركات النفط كلما كان ذلك ممكنا، ولأي سبب من الأسباب المحتملة. وأنه في ظل الاضطرابات دوما ترتفع أسعار النفط، وهناك الكثير ممن كتبوا عن دور نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش في التلاعب به للزج بالولايات المتحدة في حرب العراق والتي استفاد منها مباشرة في صفقات سرية لصالح شركة النفط التي كان يملكها قبل توليه منصبه السياسي، وبالتالي كان أكبر المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط.
ويتصور ستيفان أن قوى المعارضة العربية حين تعرف أنها تم التلاعب بها لإحداث الفوضى في المنطقة لصالح شركات النفط الكبرى ربما تغضب وتشعر بالإهانة لكن شعورها هذا سيزول حين تعلم أن الشعب الأمريكي لم يكن أكثر ذكاء منها وأنه خدع من قبل. ويتفق ستيفان مع نظرية الدومينو، فيرى أن ما حدث في بعض الدول العربية سيتوالى في جميع الدول، ولكن المستفيد لن يكون سوى شركات النفط. وتكلفة إعادة توجيه الغضب العربي لن تزيد عن بضعة ملايين تنفقها هذه الشركات ولكنها نفقة تستحق كل هذا الجهد من التخطيط لكسب المزيد من المليارات.
صناعة محلية ودروس عالمية
بالطبع نظرة ستيفان تقلل من فاعلية الدور الشعبي العربي لتبدو كما لو كانت الجماهير العربية دمية تحركها مصالح كبرى. كما تقلل من إرادة التغيير التي شهد بها الغرب قبل الشرق. بل وتروج هذه النظرة أيضا لفكرة القوى الخارجية المحركة التي تتعلل بها الأنظمة الحاكمة نفسها. لذلك نجد فيدار هيلجسين[1]Vidar Helgesen يؤكد أن هذه الثورة محلية الصنع ولا يوجد أي دور خارجي، فالأمر ببساطة أن الرجال والنساء في العالم العربي قد اتفقوا على تحديد مستقبلهم بأيديهم. اتفقوا على أن ينتخبوا من يمثلونهم بحرية وبطريقة ديمقراطية.
ومع هذه الصناعة المحلية يرى هيلجسين أن هذه الثورات علمت المجتمع الدولي أربعة دروس أساسية ذكرها في مقاله على موقع أوبن ديموكراسي openDemocracy، والذي جاء بعنوان "تصاعد الديمقراطية العربية: دروس دولية". وتتمثل في الآتي:
* أن الدور الهامشي الذي لعبته الديمقراطية في العلاقات الدولية في العقد الأخير لم يقلل من مركزية الديمقراطية في طموحات المواطنين في جميع أنحاء العالم. فالانتفاضات الديمقراطية في تونس ومصر أخذت العالم على حين غرة، إذن الدرس المستفاد أن الديمقراطية تتحدى التنبؤات.
* أنه في ظل العولمة وتعدد الأقطاب يمكن للديمقراطية أيضا أن تصبح عالمية حقا. ولم يعد من الممكن رفض الديمقراطية باعتبارها ثقافة غربية مستوردة، بل لقد صنعت محليا في دول الجنوب التي تفوق أعداد السكان فيها ضعف سكان أوروبا وأمريكا الشمالية معا.
* قدرة وسائل الإعلام الجديدة لنشر المعلومات، وزيادة الوعي والتعبئة السياسية التي تجاوزت قدرة الحكومات الاستبدادية على حماية مواطنيها من الاتجاهات الإقليمية والعالمية. فالشبكات الاجتماعية ذات روافد متعددة مثل تيارات المياه تجد دائما طرقا بديلة.
* أن الثورة أثبتت أن الأنظمة الاستبدادية التي نصبت نفسها للأمن والاستقرار في المنطقة لم تعد مقنعة ولم تعد ذات مصداقية، وبالتالي، لم يعد ينبغي أخذها في الاعتبار مستقبلا.
ماذا تفعل الولايات المتحدة؟
كتب ريتشارد باركر[2] مقالا في صحيفة بيلنجهام هيرالد الأمريكية heraldBellingham بعنوان "الثورة العربية: ما الذي ينبغي على الولايات المتحدة فعله؟"[3]. ينتقد فيه الموقف الأمريكي تجاه الثورات العربية. ففي نظر باركر أن هذه الاحتجاجات التي اجتاحت الدول العربية والتي نجحت حتى الآن في خلع رأس النظام الديكتاتوري في كل من تونس ومصر، وما زالت تتواصل في ليبيا والبحرين واليمن وغيرها من دول المنطقة لا يمكن التقليل من شأنها فهي رحلة طويلة من الثورة إلى الديمقراطية.

هذه الثورات التي انطلقت شرارتها عبر الفيس بوك لا تعبر عن غضب عابر بل هي ثورات حقيقية تسعى للوصول إلى الديمقراطية والإطاحة بأنظمة سلطوية فردية ظلت قابعة على كراسي الحكم لعقود طويلة. إلا أن هذه الثورات في نظر باركر كشفت عن جانب خطير ومظلم حول دور الولايات المتحدة. ليطرح السؤال "ماذا تفعل الولايات المتحدة؟" نفسه بقوة.
والجواب هو التركيز على الاستقرار والديمقراطية. لكن في نظر باركر كان هذا أكبر خطأ ارتكبته الإدارة الأمريكية التي يجب عليها أن تعمل مستقبلا على الاستقرار على المدى الطويل، حيث تركز على دعم القوات المسلحة الصديقة، وينبغي أن تدعم أيضا الطبقات الوسطى في العالم العربي، والتي تمثل قوة رأس المال البشري غير المستغلة والتي لديها أعظم قدرة على الانتقال إلى الديمقراطية، حتى لو كان ذلك سيستغرق سنوات.
وفي حين يعتقد كثير من الأمريكيين أن تورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يعود لحوالي عقد من الزمن وتحديدا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فإن باركر يرى أن الاهتمام الأمريكي بالمنطقة يعود لأبعد من ذلك ربما إلى الخمسينيات من القرن العشرين منذ انسحاب بريطانيا من المنطقة، حيث كثفت الولايات المتحدة من الحفاظ على نشر قوات كبيرة داخل وحول منطقة البحر المتوسط وكذلك في شمال أفريقيا والخليج العربي.
وقد يثير دافعي الضرائب الأمريكيين معرفة أن الولايات المتحدة استثمرت أكثر من 24 مليار دولار من المساعدات إلى البلدان التي تعاني الآن من حالة اضطراب فقط في العقد الأخير، وبالطبع فإن الكثير من تلك المساعدات كانت عسكرية تشمل المعدات والأسلحة، والعمليات ، وزيارات الموانئ، والتدريب، ومكافحة الإرهاب والاستخبارات. وهذا الاستثمار الآن على المحك، منها 18 مليار دولار في مصر ، 5 مليارات دولار في الأردن، 215 مليون دولار في البحرين، 16 مليون دولار في الجزائر، و91 مليون دولار في تونس حيث انطلقت شرارة التغيير.
الجيش والطبقات الوسطى
ويؤكد باركر أنه لا يمكن أن يكون من قبيل الصدفة تماما أن الثورات حاليا تجتاح البلدان التي كانت تدعمها الولايات المتحدة مما يعني أن الولايات المتحدة تنفق أموالها ببساطة لدعم الأنظمة الأضعف والأكثر فسادا. ففي حين أن الولايات المتحدة قامت بتسليح الجيش المصري، فإنها تجري أيضا مناورات مشتركة مع مصر سنويا تحت مسمى النجم الساطع. ورغم رفض الجزائر لوجود قواعد أمريكية بها إلا أنها تراجعت في العقد الماضي بالسماح لطائرات أمريكية للتزود بالوقود، والسماح لسفن وغواصات بإجراء تدريبات، كما تجري مناورات عسكرية بين قوات الجزائر الخاصة والقوات الأمريكية، والمعروفة باسم عملية فلينتلوك Flintlock. كما سمح اليمن بغارات جوية شنتها طائرات البحرية الأمريكية، وحتى تونس كان بها لجنة عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة.
ومع اهتمام الولايات المتحدة بالجيوش ينبغي لها أيضا كما يرى باركر أن تولي اهتمامها بالطبقة الوسطى التي بدأت في الظهور مرة أخرى واتضح أنها ذات قاعدة عريضة، وأنها قررت في نهاية المطاف أن تضع حدا للفساد وعمليات النهب التي مارستها الطبقة الحاكمة. خاصة أن كل محاولات الإصلاح الاقتصادي كانت هزيلة جدا وجاءت متأخرا جدا، كما هو الحال في مصر. وقد تكون الطبقة الوسطى تقلصت في الولايات المتحدة، ولكنها نمت بشكل واسع في العالم العربي، حيث تشكل 79% من السكان في عام 2005 مقابل 75,5% عام 1990، وفقا للمعهد العربي للتخطيط في الكويت.
ويؤكد باركر أنه لن يكون هناك تحول سريع للديمقراطية في هذه الدول، بل ربما تستمر عمليات الإصلاح لسنوات، ومن الجائز أن يتحول الحلم إلى كابوس مع استمرار إراقة الدماء لسنوات. صحيح أن رصد هذا الجزء من العالم والتحولات فيه قد يشكل عبئا طويلا على الإدارة الأمريكية وقد يكون مهمة مملة. إلا أن هذه الثورة التي انطلقت لا يمكن أن تتوقف لأنها نتاج سنوات من الظلم. وللولايات المتحدة مصلحة في الاستقرار في الشرق الأوسط اليوم، والديمقراطية على المدى الطويل. وهي لا تستطيع أن تملي قرارات ولكنها تملك فقط أن تفعل ما فعلته دائما وهو محاولة التأثير على الوضع. والجيوش العربية والطبقات الوسطى هي التي بيدها الآن مفتاح هذا المستقبل الضبابي والخطير.
مباركية بدون مبارك!
وحول سيناريوهات المرحلة المقبلة بعد الثورات العربية كتب ريشارد فولك[4] Richard Falk في جريدة فورين بوليسي Foreign Policy مقالا بعنوان "ما هو الفوز؟ المرحلة المقبلة للانتفاضات الثورية"[5]. أكد فولك أن الثورة التونسية أو المصرية لم تكتمل بعد، فالمطلب الحقيقي لا يقتصر على خلع بن علي ولا مبارك بل يتعدى ذلك إلى الإصرار على إعادة الكرامة المادية والروحية للحياة في جميع جوانبها.
وهناك العديد من السيناريوهات المتوقعة بعد الثورة أكثرها تشاؤما أن يظل النظام الحاكم القديم بعد اقتلاع رؤوسه ليأتي بوجوه جديدة فقط. أو كما يقول شاندرا مظفر العالم الماليزي "المباركية بدون مبارك"، ويعني أن تظل الأنظمة القمعية المتغلغلة في المجتمع مع تغيير الوجوه والأسماء فقط، وهذا السيناريو بالطبع سيكون مخيبا للآمال ولا يتلاءم مع تضحيات المحتجين والدم الذي قدموه.
من هنا يرى فولك أن ما هو مطلوب أكثر من مجرد الديمقراطية الدستورية إذ يجب تحقيق الموضوعية للحكم الرشيد والعادل. ويشمل هذا قبل كل شيء السياسات الاقتصادية الموجهة للشعب، ووضع حد للفساد، وحماية حقوق الإنسان، بما فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية خصوصا. مثل هذا البرنامج لا غنى عنه لأنه بلا شك كان أحد الدوافع الأساسية للثورة.
لذا يتوقع من الحكومات الجديدة أن تهتم ببرامج الإصلاح الاقتصادي وتوفير فرص العمل ورفع الأجور، كما تحتاج أيضا أن تضع في الاعتبار أن كثيراً من شعارات المتظاهرين تسلط الضوء على التعطش للحرية والحقوق. ورغم وجود القليل من الخبرة في الممارسة الديمقراطية في جميع أنحاء المنطقة، فإنه سيكون هناك على الأرجح محاولة جادة من قبل المؤسسات الحاكمة الجديدة لتمييز ممارساتها عن ممارسات أسلافهم المكروهة، وانتهاج سياسة السماح بممارسة كل أشكال النشاط المعارض، بما في ذلك حرية التعبير والتجمع وتشكيل الأحزاب.
حتى لا تُجهض الثورة
ومع ذلك حسبما يرى فولك فإن القوى القديمة ستسعى حثيثا لاستعادة دورها وامتيازاتها لتقويض الثورة. وهنا يأتي دور الحركة الشعبية في عدم السماح بشق الصفوف، وإذا كان البعض ينادي بالمصالحة مع أطراف النظام السابق فإن هذه خيانة للثورة تماما كما انتقد الكثير نهج نيلسون مانديلا الذي اتبعه للمصالحة والتحول في جنوب أفريقيا والتي جعلت البعض يصفه بخيبة أمل ثورية إن لم تكن خيانة. وهناك من سيظل ينادي بملاحقة الفساد والمال المنهوب حفاظا على مكاسب الثورة.
ويؤكد فولك أنه ستكون هناك أيضا اختلافات تكتيكية واستراتيجية حول كيفية التعامل مع الاقتصاد العالمي، لا سيما فيما يتعلق بخلق ظروف الاستقرار وجذب الاستثمارات الأجنبية. والتي ستبدو كما لو كان هناك توترات بين حماية حقوق العمال من جهة، وجعل المستثمرين يشعرون بالأمان ويتوقعون الربح في البيئة السياسية الجديدة.
ويعود فولك ليؤكد أن هذه التحديات لا تعني التقليل من شأن الإنجازات الرائعة للانتفاضات الثورية، ولكنها إشارة إلى الأعمال غير المنجزة التي يجب التصدي لها من قبل الثوار لتجنب خيبة الأمل للتطلعات الثورية. وغالبا ما يتم الالتفاف على المكاسب الثورية بعد فترة وجيزة من إزاحة النظم الظالمة السابقة، لذا فإن هذه المرحلة هي المرحلة الأكثر حاجة من أي وقت مضى لليقظة حيث يحتضر النظام القديم ويولد الجديد. والوليد الجديد قد يلقى مقاومة شديدة وقد يتعرض للقمع من قبل عناصر منعدمة الضمير لذا لا بد من استمرار الروح الثورية، ولا بد من رفع شعارات الدفاع عن الثورة ضد أعدائها. والصعوبة هنا كما يعتقد فولك تتمثل في أن الأعداء قد يكونون ظاهرين وقد يكونون مختفين. وكثير من الثورات في الماضي تم إجهاضها على يد حراسها المفترضين.

[1]الأمينالعام للمعهد الدولي للديمقراطيةوالمساعدة الانتخابية (International IDEA)
[2]ريتشارد باركر مراسل عسكري لصحيفة نايت ريدر Knight Ridder.

الجمعة، 4 مارس 2011

مجلة العالم الإسلامي.. رحلة تبشير في مائة عام



مرور مائة عام على صدور مجلة العالم الإسلامي
أمل خيري
إسلام أون لاين
احتفلت مجلة العالم الإسلامي "The Muslim World" مطلع هذا العام بمرور مائة عام على صدورها كأقدم مجلة تبشيرية موجهة للإرساليات التبشيرية المتجهة للعالم الإسلامي، تقدم من خلالها للمبشرين دراسات موسعة عن سبل التبشير المختلفة، وتتابع أنشطة الحملات التبشيرية في العالم الإسلامي. ومع استهلال عام 2011 أصدرت المجلة عددا خاصا للاحتفالية المئوية الأولى حرصت فيه على بيان مقدار التغير والتطور الذي شهدته المجلة في سياستها التحريرية حتى صارت اليوم مجلة أكاديمية متخصصة حول الإسلام والمسلمين.
من التبشير إلى الموضوعية
على مدى مائة عام كاملة واصلت مجلة العالم الإسلامي صدورها وانتشارها في أكثر من 65 دولة، لتعمل على تعزيز ونشر البحوث العلمية حول الإسلام والمجتمعات المسلمة الماضية والحالية، ودراسة جوانب من العلاقات بين المسيحيين والمسلمين. وتتضمن المجلة الفصلية مقالات وبحوث بشأن الإسلام في التاريخ الوسيط والمعاصر، إضافة لعروض الكتب ومتابعة الأبحاث والدراسات الحديثة.
شهدت المجلة في تطورها عبر السنوات الماضية تحولا جذريا في توجهاتها، بداية من اتباع الوسائل التبشيرية المباشرة والمتعصبة إلى انتهاج الأكاديمية والصفة البحثية في محتوى المجلة، خاصة مع تغيير هيئتها التحريرية التقليدية من مبشرين متعصبين إلى كتاب ومفكرين أكاديميين، بعضهم من المسلمين.
والمجلة يرأس تحريرها حاليا الدكتور يحيى محمد ميشوت "Yahya Michot" المحاضر بالمركز الإسلامي بكلية اللاهوت، جامعة أوكسفورد، وزميل مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهو مسلم بلجيكي الجنسية وله العديد من الكتب والمقالات في الفكر الإسلامي خاصة عن ابن تيمية وابن سينا.
كتب ميشوت في هذا العدد مقالا بعنوان "100 عام من مجلة العالم الإسلامي" اعتبر فيه أن استمرار صدور المجلة على مدى قرن كامل هو إنجاز هائل، وأن المجلة قد أصبحت عاما بعد آخر مدرسة لصنع السلام وبناء الجسور بين المسلمين والمسيحيين، حيث أصبحت أكثر حرصا على فهم المسلمين حاضرهم وماضيهم، والتحولات المستمرة التي يشهدها العالم الإسلامي، وتعهد ميشوت أن تستهدف الفترة القادمة أيضا دراسة توقعات وطموحات المسلمين.
وأكد ميشوت أن المجلة لا تتوجه للمسلمين في العالم الإسلامي بمعناه القديم ولكنها موجهة لكل المسلمين في كل مكان في العالم، حتى في أوروبا وأمريكا. ليتحول مفهوم دار الإسلام من المعنى الضيق إلى معنى أكثر شمولا حيث يعيش كل المسلمين سواء كانوا أقلية أو أغلبية في علاقات جيدة مع جيرانهم من الأديان الأخرى، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة.
وعلى الرغم مما اعتبره البعض نهاية التاريخ يرى ميشوت أن المؤمنين في العالم في تزايد، وهناك العديد من الأصوات المنادية بمحاربة الفقر والمرض والجوع والظلم ولإنقاذ كوكب الأرض، ومن بين هذه الأصوات فئة اختارت الإسلام دينا لها، ولن يكون هناك مستقبل إنساني لو لم يُسمح بسماع هذه الأصوات. لذا تحرص المجلة على تقديم منبر لسماع المسلمين، الذين يؤمنون بفرضية طلب العلم والحكمة ولو من الصين.
ويوضح ميشوت أن نهج المجلة قد اختلف، وأن عهد التبشير قد ولى، ولا بد أن تفتح المجلة مسارات جديدة للتوجه نحو الدراسات الأكاديمية والعلمية التي تفتح آفاق التفكير والتعاون بين الأديان لحل مشكلات العالم الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
العالم الإسلامي سيرة تاريخية
في نفس العدد قدم مينليب دال Minlib Dallh لمحة تاريخية للمجلة ذكر فيها أنه على مدى قرن كامل غدت المجلة أقدم مجلة في مجال دراسة العلاقات المسيحية - الإسلامية، والمرجع الأساسي حول الإسلام والمسلمين، وما زالت تمثل علامة مضيئة لدى كثير من القراء من المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
نشأت المجلة عام 1911 كنتاج لمؤتمر التبشير العالمي الذي عقد في أدنبرة عام 1910 مثلما أشار صمويل زويمر في العدد الأول. ومنذ نشأتها حتى اليوم تصدر كمجلة فصلية، بدأ نشرها من القاهرة في الفترة من 1911- 1928، ثم انتقلت إلى برنستون من 1928-1938، وأخيرا دعمها معهد هارتفورد اللاهوتي Hartford seminary منذ عام 1938.
ويؤكد مينليب أن المجلة التي بدأت على يد أحد المبشرين المتعصبين (صمويل زويمر) قد أصبحت الآن برئاسة تحرير أحد العلماء المسلمين (يحيى ميشوت)، وتضم هيئة التحرير إنجريد ماتسون Ingrid Mattson أستاذة الأديان بكلية هارت فورد والتي اعتنقت الإسلام في الثمانينيات، وهذا إشارة إلى مقدار التغير الذي شهدته المجلة عبر تاريخها.
ويوضح مينليب أن محرري المجلة ظلوا في صراع لعدة عقود بين اختيارين، أولهما الإبقاء على المنحى التبشيري للمجلة الذي ابتدأه زويمر، ومن ثم تظل المصدر الأساسي لمتابعة الأنشطة التبشيرية في العالم الإسلامي، والخيار الثاني التوجه نحو الأكاديمية والموضوعية وإثراء الحوار مع الإسلام وهو الخيار الذي انتصر في نهاية الأمر.
قام أيضا معهد هارتفورد اللاهوتي بإجراء تحولات واسعة خاصة منذ السبعينيات من القرن العشرين والتي كان لها تأثير مباشر في تغيير توجهات المجلة. خاصة بعد إنشاء مركز دونكان بلاك ماكدونالد لدراسة الإسلام والعلاقات المسيحية- الإسلامية The Duncan Black Macdonald Center عام 1973 والذي مثل نقلة نوعية. بالطبع كان هناك العديد من المختصين الذين رأوا أن كلاً من المجلة والمركز قد حادا عن المسار الذي رسمه زويمر وكرس حياته له، بينما رحب آخرون بتوجه المجلة نحو التوجه الأكاديمي والعلمي ونحو تعزيز الحوار الديني.
ويعتبر مينليب أن بقاء المجلة حتى الآن كمنتدى للمقالات الأكاديمية عن الإسلام في الماضي والحاضر، والدراسات حول العلاقات المسيحية - الإسلامية، يعود لهذا التحول الهائل في السياسة التحريرية للمجلة.
ثعلب التنصير
يستعرض مينليب في مقاله ملامح سمات السياسة التحريرية للمجلة بدءا من صمويل زويمر (1867: 1952) الذي أسماه البعض "الرسول إلى العالم الإسلامي" لكونه من أشد المبشرين تعصبا، حيث حمل على عاتقه مهمة تنصير المسلمين لعدة عقود. بدأ كعالم رائد في دراسة اللغة العربية، ثم أصبح قائدا للمنصرين، ثم تحول أخيرا ليصبح أستاذا بمعهد برينستون الديني.
وتحت إدارة زويمر ظلت المجلة تحافظ على شريحة معينة من القراء تمثلت في الإرساليات التبشيرية الموجهة للعالم الإسلامي. حرص زويمر على تزويدهم بالمعرفة المطلوبة حول مظاهر وجوانب الدين الإسلامي كي يتمكنوا من ممارسة مهمتهم التبشيرية بدقة.
قصد زويمر لإنزال الدراسات الإسلامية من الأبراج الأكاديمية العاجية إلى أرض الواقع ليستفيد منها المبشرون، أيضا كان لديه رغبة وحماسة شديدة تجاه تنصير المسلمين، فعلى حد قوله "لا تهدف المجلة لتمثيل فصيل أو اتجاه معين من الكنيسة، بل لتكون رسالة موجهة لجميع الذين يحملون في قلوبهم الإيمان المسيحي ويسعون لنشر المسيحية من أجل السلام والصلاح للحياة، فهي ليست مجلة مخصصة للمناظرات والجدل". واعتبر البعض أن هذه العبارة تلخص خبرة شخصية أكثر من عشرين عاما لجهود زويمر في التنصير.
قام زويمر بتغيير لهجته من نبرة الهجوم على الإسلام إلى التركيز على إظهار الأوجه والجوانب المختلفة للإسلام. ورغم أن مجلته هدفت في البداية أن تكون منبرا لأنشطة التبشير إلا أنه بمرور الوقت اعترف بالحاجة لتغيير وسائل التبشير ونهج البعثات التبشيرية فاعتبر نفسه في خدمة الكنيسة لتوصيل صوتها للمسلمين، لذا نجد كتابات المجلة في فترة إدارته تضم أسماء كبار المبشرين والمستشرقين المتعصبين مثل جولدتسهير، ونولدكه، ومارجليوث، وهارتلمان.....، وتحولت المجلة لساحة أكاديمية لهؤلاء المستشرقين لعرض أنشطة المنصرين في العالمين العربي والإسلامي.
التنصير في ثوب جديد
ثم جاء دونكان ماكدونالدز Duncan Black Macdonald ليطور المجلة، رغم أنه لم يحررها بنفسه، إلا أن مقاله "روح البعثات المسيحية" يوضح رؤيته الخاصة للمجلة والتي سنفصلها في موضع لاحق. خدم دونكان في المجلة على مدى أربعة عقود، جاء من اسكتلندا عام 1892 لتدريس اللغات السامية، حيث أضاف اللغات السريانية والعربية لمناهج الدراسة في المعهد.
تحولت المجلة من بعثة تبشيرية مسيحية تحاول الوصول للمسلمين إلى دراسة الإسلام والعلاقات المسيحية- الإسلامية. لم يعد الإسلام يُنظر إليه بعدسة أو عيون مسيحيين متدينين، بل عُرف كنظام عقيدي متفرد بذاته. وحاول دونكان تطوير المجلة لتتحول من تصحيح أخطاء المسلمين إلى تحقيق علمي للتطور الداخلي للفكر الإسلامي وتطبيقاته.
وبعد ماكدونالد أتى إدوين كلافيرلي Edwin Claverley، الذي بدأ العمل محررا في المجلة عام 1948، وهو أحد تلامذة دونكان المخلصين، عمل محررا مساعدا تحت إشراف زويمر، وكان أول ما كتبه في المجلة "لا شيء غير دقيق وغير منصف حول الإسلام". عمل إدوين على تمكين القراء (من المبشرين والمفكرين المسيحيين) من اكتشاف ما يفكر فيه المسلمون عنهم. وهو الذي قام بتغيير عنوان المجلة من Moslem World إلى Muslim World عام 1947.
ثم جاء كينيث كراج Kenneth Cragg بعد إدوين، وكان قد التحق بالمعهد عام 1951 ليعمل مدرسا للغة العربية والدراسات الإسلامية، ثم أصبح محررا للمجلة في عام 1953. نظر البعض لكتاباته ليس فقط على أنها تحول بل ثورة. كتب مقالات عديدة تخدم العلاقات المسيحية- الإسلامية. فقد نحى بالمجلة لمنحى أكاديمي وعلمي، مما أدى لتحولات كبرى في المجلة.
لقد أخذ كراج بجدية مسألة الوعي والإدراك بالإسلام والمسلمين، وعلى عكس دونكان لم ير الإسلام بدعة أو إلحادا عن المسيحية، أو رمزا للشر والضلالة كما رآه زويمر، أو طريقة جديدة للرق والعبودية كما يرى بعض المفكرين الليبراليين. فقد رأى الإسلام مشكلة عقدة وليست مشكلة دينية أو ثقافية اجتماعية.
طلب كراج من كل من المسيحيين والمسلمين أن يظهر كل منهما ترحيبه بالآخر، وفتح القلب والعقل معا لاستيعاب الآخر. ومع هذا ظل محافظا أيضا على الخط الذي انتهجه زويمر ودونكان. وفكرة التبشير لم تختف كذلك في كتاباته. لقد أكد على أهمية البعثات التبشيرية واعتبرها ليست فقط لخدمة التبشير بل لخدمة الدين المسيحي كله. وفي عام 1952 قام كراج بتغيير العنوان الفرعي للمجلة إلى "مجلة فصلية للدراسات الإسلامية والتفسير المسيحي بين المسلمين".
نحو الأكاديمية والحوار
تلا كراج، بيجليفيلد W. A. Bijlefeldالذي أسس مركز ماكدونالد،وقام بتحرير المجلة من عام 1968 حتى 1992. أصبحت المجلة في عهده أكثر أكاديمية، وجمعت بين المقالات الأكاديمية حول الإسلام، ومقالات حول ضرورة الحوار بين الأديان. قرر بيجليفيلد تلافي خطورة خطاب التنصير المباشر نحو المسلمين، وقصد أن يشارك المسلمون بجدية في الحوار. كان تأثير بيجليفيلد قويا وشهدت المجلة والمعهد في عهده تغيرات جذرية.
يمكن القول إن المجلة بداية من إدوين كلافيرلي قد شهدت تغيرات جذرية حيث بدأت تبتعد تدريجيا عن منحى زويمر الفكري إلا أن التغيير الحقيقي كان في عهد بيجليفيلد الذي كتب: "نأمل أن تستكمل هذه الفصلية مهمتها في التأكيد على أن الاستماع باحترام وجدية وترقب للقرآن لا يتنافى مع الإيمان العميق بالمسيحية".
لذا بدأت المجلة في عهده تضم كتابات لعلماء وطلاب من المسلمين، مما أدى بالطبع إلى تناقص أعداد القراء من المسيحيين مقابل ارتفاع أعداد القراء المسلمين. وذكر بيجليفيلد أن إدارة المجلة قد تلقت عدة رسائل شكوى من مسيحيين أكدوا أن المجلة بدأت تفقد طابعها المسيحي لتصبح أكثر أكاديمية.
ثم جاء إبراهيم أبو ربيعة وجان سميث ليعززا من هذا التوجه الأكاديمي، وتوسع اهتمام المجلة بتلك القضايا والمناطق المهمشة في العالم الإسلامي خاصة جنوب شرق آسيا. وانصب الاهتمام الأساسي لدى أبو ربيعة على باكستان والهند وإندونيسيا وسنغافورة وماليزيا، مما وسع من نطاق المجلة سواء من حيث القراء أو الكتاب. وفي ظل عهده أيضا قدمت المجلة أعدادا خاصة حول قضية أو منطقة معينة، كما رحبت المجلة بأقلام ومساهمات القراء.
واتسعت جهود المحررين مع اتساع خطة مركز ماكدونالد ليشمل برامج أكاديمية قوية ومنحاً دراسية إبداعية لدراسة الإسلام والعلاقات الإسلامية- المسيحية، ومبادرات محلية وقومية ودولية لتعزيز هذه العلاقات، ولتشمل أيضا محافل لحوار الأديان.
ماكدونالد.. صراع للتطوير
شمل العدد المخصص بالاحتفالية المئوية لمجلة العالم الإسلامي أيضا مقالا بعنوان "رحلة من التبشير إلى الحوار" يتناول رحلة دونكان ماكدونالد ( 1863 : 1943)، ومساهماته في العلاقات المسيحية- الإسلامية في الولايات المتحدة وخارجها، كتب المقال سويندام برينسي بيريم Suendam Birinci Pirim، واعتبر المقال دراسة حالة لتطور نهج المجلة من التبشير إلى الحوار من خلال التركيز على ماكدونالد أستاذ اللغات السامية في هارتفورد في الفترة من (1892 :1940).
لم ينفك ماكدونالد في الاعتقاد أن اللغة العربية مفتاح دراسة اللغات السامية ومصدرا مهما للتعرف على الإسلام. ومنذ قدومه لهارتفورد دخل ماكدونالد في صراع لمحاولة إقناع الجميع بأهمية تدريس العربية والإسلام، فقد سعى لتدريب علماء حقيقيين، حيث كان الطلاب شغوفين فقط بالتعليم الديني ومهارات التبشير، لذا انتقده البعض لاهتمامه بتفصيلات دقيقة حول الإسلام. وحين وصل ماكدونالد لهارتفورد كان الاهتمام منصبا على كل ما يتعلق بالمسيحية من تاريخ ولغة وثقافة، لذا فقد لعب ماكدونالد دورا أساسيا في دعم التعليم التبشيري الجديد، خاصة أنه وجده فرصة متاحة لإجازة تدريس العربية والإسلام للمبشرين.

لم يعتبر ماكدونالد نفسه مُنصرا أو رجل دين بل مستشرقاً وباحثاً كما ذكر هو في مذكراته الشخصية، لذا فقد امتنع عن الاشتراك في الخدمات الدينية أيام الآحاد في الكنيسة مما أثار غضب الكثيرين. مقال بيريم Pirim يركز على أن مهمة ماكدونالد الأساسية لم تكن التنصير بل تدريس العربية والإسلام، لكن هذا لا ينفي تدينه المسيحي. فقد ذكر تلميذه كلافيرلي أنه "مسيحي مقتنع، ومؤمن إيمانا راسخا بالعقيدة النيقية".
ولكنه في نفس الوقت كان يسعى لفهم الإسلام من الداخل، كما يتضح من كتاباته؛ ففي مذكراته الشخصية كتب عن رحلة له مع زوجته في الشرق الأوسط قائلا "كل الوقت الذي قضيته في القاهرة يدين الغرب الذي لم يفهم الإسلام جيدا أو تجاهله". فكان ماكدونالد من أوائل المستشرقين الذين لفتوا الانتباه إلى مصدر المشكلة بين المسيحيين وغيرهم من الأديان خاصة المسلمين، وذلك خلال رحلاته للشرق الأوسط في عامي 1907، 1908.
من المحمديين إلى المسلمين
تمثلت المشكلة الأساسية في نظر ماكدونالد في نقص المعرفة حول الإسلام وثقافة المسلمين بين المسيحيين مما تسبب في فجوة في الاتصال والفهم. وظهرت هذه المشكلة بقوة أثناء ممارسة العمل التبشيري، مما جعله يعتقد أن الدراسات التبشيرية فرصة لتزويد طلابه بالمعرفة اللازمة عن ثقافة الإسلام ولغته، فقام بتوسيع مناهج الدراسة لتشمل اللغة العربية، ونشر كتبا حولها.
أصبح ماكدونالد رئيسا لقسم "المحمديين" ليس للتحول للإسلام ولكن للتعاون مع أتباع ديانات أخرى. وكان من المدافعين عن الإسلام معترفا بفضل المسلمين في العلم والحضارة. ولم يقتصر تناول ماكدونالد على العلوم بل امتد ليشمل الموسيقى والشعر والميتافيزيقا والسياسة والدين. كما كتب حول أثر النظام والفكر الإسلامي على الفكر المسيحي في العصور الوسطى خاصة على توماس أكويناس.
ويعود الفضل لماكدونالد في زيادة عدد الرسائل الجامعية المتعلقة بالإسلام واللغة العربية في الفترة من 1923: 1952. وقام طلابه بترجمة عدد من الكتب الإسلامية والصوفية من العربية بفضل توجيهاته.
وامتد تأثير ماكدونالد على طلابه بعد أن وافق المعهد على نشر مجلة العالم الإسلامي. حيث أصبح إدوين كلافيرلي محررا لها حتى عام 1948 وكان أحد تلامذة ماكدونالد كما ذكرنا والذي سعى لاتباع نصائحه فيما يتعلق باتجاهه نحو دراسة الإسلام.
ويعود الفضل لماكدونالد في فتح الباب للدراسات التبشيرية لكي تقترب أكثر من الأديان الأخرى وتطوير فهم الأديان، وهو المنحى الذي اتخذه هارتفورد، وأقام المعهد مركزا لدراسة الإسلام والمسيحية عام 1973 يحمل اسم ماكدونالد، وما زال المركز يستمر في أداء دوره حتى اليوم لفهم الأديان وتعزيز الاحترام والتعاون والحوار.

http://www.islamonline.net/ar/IOLStudies_C/1278407475454/1278406720653/IOLStudies_C