الخميس، 24 ديسمبر، 2009

"حينما كان للشوارع اسم" رواية تجسد آلام وأحلام الطفولة في فلسطين



"الساعة الآن السادسة والنصف صباحا ، قمت من فراشي متعثرة ، غسلت وجهي بالماء البارد ، نظرت إلى المروحة المتنقلة لأجدها مطفأة ، ربما تكون جدتي زينب هي التي أطفأتها ، فهي الوحيدة التي تنام متدثرة ببطانية سميكة حتى خلال ليالي الصيف القائظ !...."

بهذا القالب الروائي الساخر تُلقي رواية "حينما كان للشوارع اسم" - للروائية الأسترالية راندا عبد الفتاح - الظلال على التجربة الفلسطينية من منظورطفلة فلسطينية عمرها ثلاثة عشر عاما .
صدرت الطبعة الأولى من الرواية العام الماضي في ذكرى مرور 60 عاما على النكبة الفلسطينية ونظرا لنجاحها الهائل فقد أعيد في شهر أغسطس 2009 طباعتها مرة أخرى.
تدور أحداث الرواية في فلسطين وتحديدا في بيت لحم حيث تحكي عن العقبات التي تواجهها الطفلة "حياة" وعائلتها يوميا على يد الاحتلال الإسرائيلي، حيث قامت قوات الاحتلال بمصادرة بستان الزيتون الذي تملكه أسرتها بحجة شق طريق جديد ولذا فقد انتقلت الأسرة بكاملها مع الجدة للعيش في شقة صغيرة ، وتتواصل الأحداث حول علاقات الود والمحبة داخل هذه الأسرة حيث يستعد الجميع لحضور حفل زفاف "جيهان" شقيقة "حياة" مع ما يتعرضون له من تضييق أمني ومتاعب حظر التجوال والقيود المفروضة على التنقل.
البطلة طفلة عنيدة وصلبة
الشخصية المحورية في الرواية وهي "حياة" طفلة ذات عزيمة وأحيانا عنيدة لكنها تحمل جرحا عميقا في قلبها وذكرى أليمة حين تعرضت مع صديقتها الحميمة "ميساء" قبل عدة أعوام لانفجار قنبلة في الجدار ارتدت إلى الفتاتين تاركة جروح وتشوهات عميقة في جسد ووجه "حياة" وحين التفتت وراءها رأت صديقتها المفضلة غارقة في بركة من الدماء ، وعلى الرغم من أن "حياة" طفلة صلبة وقوية إلا أن مشهد صديقتها القتيلة لا يمكنها أن تنساه بل تشعر أنها مسئولة عن موتها ، وفي نفس الوقت تركت الندوب والجروح فيها ألما عميقا وكثيرا ما تسمع والدتها وجدتها يشرن إليها قائلتين "من سيتزوجها وجسدها ملئ بالندوب والجروح ووجهها مشوه؟".
 وتمضي الرواية في وصف شعور "حياة" المصدومة من ماضيها ولكنها تعلمت أن تكون صلبة في مواجهة الحرب التي مزقت الشرق الأوسط  فقد اكتشفت دورها المطلوب منها لتقديم الدعم لأهلها وهو مزيد من التحلي بالشجاعة في مواجهة الظلم.
وتكشف القصة أن الطفلة "حياة" ليست بمعزل عن العالم الخارجي ومشكلاته فهي تمضي وقتا ممتعا مع جدتها حين تحكي لها وللأسرة كلها قصصا وحكايات عن إنشاء دولة إسرائيل وعن المرأة التي طردتها من بيتها وأخذت مكانها .
من أجل حفنة تراب
بطلة الرواية لديها مهمة خطيرة فجدتها "زينب" مريضة وتوشك على الموت و"حياة" بعقلها الطفولي تعتقد أنها لو جلبت لجدتها المريضة حفنة من تراب القدس – مسقط رأسها- فسوف تشفى الجدة وتنقذ بهذه الحفنة حياتها إلا أنه رغم قصر المسافة بين بيت لحم والقدس فإن هذه الرحلة استغرقت منها أكثر مما كانت تتوقع .
شاركها في رحلتها جارها سامي الذي يهوى كرة القدم وغالبا ما يثير المتاعب ، وتمضي الرواية في وصف رحلة الطفلين وما واجههاه معا من عقبات في قالب فكاهي ، فأول ما واجههما كان جدار الفصل العنصري الذي يقسم الضفة الغربية ، فضلا عن نقاط التفتيش المتعددة ،وحظر التجول ولكن الحظ حالفهما أخيرا في أحد أيام إلغاء حظر التجول ولكن على الرغم من أن الرحلة لا تتجاوز بضعة كيلو مترات إلا أنها ربما تستغرق منهما العمر كله!.
وتحكي عن لقائهما بطفل لاجئ يدَّعي أنه منضم لفريق دولي لكرة القدم ، ولقائهما بزوجين إسرائيليين في ملابس مدنية إلا أن سامي ارتاب فيهما وأكد أنه يخشاهما أكثر مما يخشى الجنود الإسرائيليين الذين يرتدون الزي الرسمي ويحملون الأسلحة ، وتمضي "حياة" متعلقة خلف عربة إسعاف لتجد نفسها تقترب أكثر من موطن جدتها تشم رائحة أشجار اللوز، وتتساءل هل ستتمكن من المضي في خطتها لتجلب حفنة التراب لجدتها وتنقذ حياتها؟
كسر حاجز الصمت
الرواية مهداة من الكاتبة إلى جدتها "جميلة" التي وافتها المنية عام 2008 عن عمر يناهز  98 عاما وتقول الروائية أنها كانت تتمنى لو عاشت جدتها حتى ترى هذه الرواية وحتى تمس حفنة من تراب وطنها مرة أخرى ولكن عزاءها الوحيد أن جدتها توفيت محاطة بأبنائها وأصدقائها الذي يحبونها وتأمل أن يتسنى لوالدها أن يرى فلسطين المحررة في حياته، مؤكدة أن الذكريات لا يمكن أن تمحى وأنه على الرغم من تغيير معالم الشوارع في القدس وحملها لأسماء جديدة فإنها تظل في الذاكرة كما هي لا تتبدل يحتفظ العقل بصورتها القديمة.
وهدف الرواية الأساسي هو كسر حواجز الصمت والتأكيد على نبذ العنصرية والتعصب فلا يوجد بفلسطين سوى أناس يرغبون في العيش بسلام ولكنهم يواجهون صعوبات أكثر مما نتخيل، وتتضمن الرواية أيضا إشارة لطيفة حول التنوع الديني في فلسطين والتعايش بين الأديان فتحكي عن الصداقة بين "حياة" المسلمة و"سامي" المسيحي الكاثوليكي الذي توفيت والدته واعتقل والده ، وهذه الرواية تناسب الأطفال والمراهقين من عمر اثنا عشر عاما فما فوق.
وقد اختار مجلس كتب الأطفال بأستراليا الرواية كأحد الروايات البارزة لهذا العام وعلى الرغم من ذلك فإن الروائية لاقت العديد من الصعوبات قبل أن تنجح في نشر الرواية نظرا لحساسية الموضوع الذي اختارته ،حيث رفضت الكثير من دور النشر الرواية ، ولكنها تعتقد أن الجمهور الأسترالي بشكل عام أصبح أكثر وعيا بمثل هذه القضايا المعقدة والمتشابكة ، لذا فقد سعت لتعريف جمهور الأستراليين بالقضية الفلسطينية من خلال هذه الرواية .
يقول "جيني وندروز" الكاتب البريطاني ( قبل قراءة هذه الرواية لم أكن أعرف شيئا عن الاحتلال الاسرائيلي لمدينة القدس، لقد شعرت بالصدمة وأنا أقرأ عن هذا الصراع ، وأنا حقا سعيد لأني عرفت شيئا عن ذلك من خلال هذه الرواية ذات القالب الفكاهي واللهجة الخفيفة والمكتوبة ببراعة )
وفي معرض تعليقه على الرواية يذكر "بيتر مانينغ" - مؤلف كتاب "هم والولايات المتحدة : المسلمون والشرق الأوسط" – أنه يعتقد أن وسائل الإعلام الأسترالية بدأت للتو في تصوير المسلمين بطريقة أكثر توازنا، وبدا الناس أكثر وعيا بالزاوية الأخرى من الصراع فالرواية تؤكد أن الفلسطينيين ليسوا جميعا "انتحاريين".
الرواية في خدمة القضية
رواية "حيث كان للشوارع اسم" هي الرواية الثالثة للكاتبة الأسترالية راندا عبد الفتاح ذات الأصول المختلطة ، حيث ولدت عام 1979 في سيدني من أب فلسطيني وأم مصرية ، ونشأت في ملبورن ودرست بالمدرسة الكاثوليكية الإبتدائية ثم المعهد الإسلامي الثانوي حيث حصلت على الثانوية الدولية.
التحقت بعدها بجامعة ملبورن حيث درست الفنون والقانون وأثناء دراستها عملت كمنسق إعلامي  بالمجلس الإسلامي في فيكتوريا ، وهو الدور الذي أتاح لها الفرصة للكتابة في الصحف والتواصل مع المؤسسات الإعلامية والتحدث معها بشأن أسلوب تصويرها للمسلمين والإسلام في وسائل الإعلام.
 وأثناء دراستها الجامعية انصب اهتمام راندا على قضايا حقوق الإنسان والحوار بين الأديان فتطوعت في العديد من منظمات حقوق الإنسان والمراكز الخاصة بالمهاجرين العرب في أستراليا.
استخدمت راندا كتاباتها كوسيلة للتعبير عن آرائها حول حقوق الإنسان الفلسطيني، ونشرت مقالاتها عن فلسطين ، وعن المسلمين في أستراليا وعن النظرة الخاطئة حول  المرأة في الإسلام في العديد من الصحف الأسترالية والفرنسية ، وهي ضيف دائم الحضور في مهرجانات القراءة المدرسية وفي القنوات التليفزيونة وتقيم حاليا في سيدني مع زوجها وطفليها وتعمل محامية متخصصة في الدعاوى التجارية ، وهي أيضا عضو بالحركة الدولية من أجل العدل والسلام في فلسطين.
لاقت روايتها الأولى "هل يبدو رأسي كبيرا في الحجاب؟" نجاحا هائلا ، وتدور الرواية حول فتاة أسترالية مسلمة من أصل فلسطيني في السادسة عشر من عمرها  قررت ارتداء الحجاب وتحكي عما واجهته في المدرسة وفي البيت وفي الشارع من زميلاتها ووالديها وجيرانها بعد إرتدائها الحجاب وإصرارها على الالتزام بتعاليم الإسلام رغم ما تواجهه من سخرية واستهجان بل ونظرات تشكك خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، وحصلت الرواية على العديد من الجوائز من بينها جائزة كتاب العام الأسترالي للأطفال عام 2006.
أما الرواية الثانية فكانت بعنوان "عشرة أشياء أكرهها في نفسي" تدور حول فتاة أسترالية تكره في نفسها أمورا متعلقة بشكلها وبأسرتها وبإسمها ، أخفت عن الجميع في مدرستها حقيقة كونها من أصل لبناني حتى تعرفت على صديقة لها أخفت إسلامها عن الجميع لتصبح الفتاتان صديقتين وتقرران كشف حقيقتيهما.
وفي عام 2008 حصلت راندا عبد الفتاح على جائزة "كاثلين ميتشل" للتميز التي تمنح للكتاب دون الثلاثين عام .
http://www.aklaam.net/newaqlam/index.php?option=com_content&view=article&id=1502:q-q&catid=46:2008-10-14-08-29-13&Itemid=192
 

مصادر:

·        Where The Streets Had A Name: Randa Abdel-Fattah, Review by Callie Martin, Readings St Kilda.

·        Where The Streets Had A Name: Randa Abdel-Fattah review by Australian Bookseller & Publisher magazine.

·        West Bank Story, By Patrick Tombola.

·        Naomi Shihab Nye ,Wisdom and laughter in a child's view of Palestine.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق