السبت، 1 مايو، 2010

المرأة الفلسطينية والأمن المفقود

أمل خيري *

"طالما أرى جنودا إسرائيليين من حولي مدججين بالسلاح فكيف يمكنني أن أشعر بالأمان" هكذا لخصت إحدى الطالبات الجامعيات من مدينة الخليل الوضع بالنسبة للنساء والفتيات الفلسطينيات اللاتي يعشن في أوضاع مأساوية في فلسطين على الصعيد الأمني.

وإن كانت مسألة الاحتلال العسكري هي أبرز المخاوف الأمنية لدى النساء فإن هناك أمورا أخرى تزيد هذه المخاوف سوءا كالانقسامات الجغرافية بين الضفة الغربية وقطاع غزة والصراع بين الفصائل الفلسطينية بل وتصاعد العنف الأسري ، ومن خلال البحث الميداني والمقابلات المباشرة مع نساء وفتيات فلسطينيات قام الباحثون بمركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة بإجراء دراسة مسحية حول مدى الأمن الذي تشعر به المرأة في فلسطين خلال الفترة من يونيو إلى نوفمبر 2009 ، وانتهت الدراسة بإصدار تقرير بعنوان "المرأة الفلسطينية والأمن :لماذا لا تشعر النساء والفتيات الفلسطينيات بالأمان" ، والذي صدر مطلع عام 2010 وقام برصد أهم العوامل التي تتسبب في زيادة حدة المخاوف لدى الفلسطينيات وانعدام الشعور بالأمن.

العنف السياسي والعسكري

لا جدال في أن العنف السياسي والعسكري يقف على رأس المخاوف النسائية الفلسطينية بدءا من التعرض للاعتقالات التعسفية من قبل جنود الاحتلال والاشتباكات المسلحة التي تنتهي كثيرا بالقتل أو الإصابة إلى المضايقات على الحواجز ونقاط التفتيش ، وتكللت هذه المخاوف إبان عملية الرصاص المصبوب التي شنتها القوات الإسرائيلية على قطاع غزة في ديسمبر 2008 ويناير 2009 والتي تركت ذكريات محفورة لدى الفتيات والنساء داخل القطاع وأدت لإصابة الكثيرات بالصدمات ، ومازالت الفلسطينيات تتذكرن تماما أحداث اجتياح مخيم جنين عام 2002 والذي أصابهن بصدمات نفسية مشابهة.

فالمرأة في الداخل الفلسطيني تتعرض للعمليات العسكرية والهجمات داخل وخارج المنازل فالترقب مستمر وكثير من الفلسطينيات يمنعن أطفالهن الذهاب للمدرسة كيلا يتعرضوا لرصاص جنود الاحتلال ، وكثيرات يخشين الذهاب للطبيب أو لزيارة الأهل ، بل يظل الخوف مصاحبا للفلسطينيات داخل البيوت من إلقاء القنابل أو تدمير البيوت فوق رؤسهن أو التعرض لقنابل الفسفور الأبيض ، ولا ننسي الآلاف الذي مازالوا في الخيام جراء تهديم البيوت خلال العدوان على غزة فكيف تشعر المرأة بالأمان وهي وأطفالها في العراء وأطلال منزلها المدمر ماثلة أمامها؟

وخلال المقابلة مع الباحثين أكد العديد من النساء أنهن يجدن صعوبة في النوم ويعانين الأرق جراء تعرض البيوت للتدمير واستشهاد الأطفال أثناء النوم خلال العدوان على غزة وأصبح مجرد الطرق على باب البيت يمثل ذعرا كونه يذكرهن بجنود الاحتلال الذين ما فتئوا يقتحمون البيوت ويعتقلون الأزواج والأبناء.

الأمر لا يقتصر على تدمير البيوت بل ما زال شبح القصف الذي استهدف المدارس يلاحق الكثير من الأمهات اللاتي ما زلن يرفضن ذهاب أطفالهن للمدارس خشية التعرض لقصف مماثل والذي يعتبرنه نوع من العقاب الجماعي ، ويضاف لهذا خوف الأمهات من تعرض أبنائهن للاعتقال التعسفي ، أما الأطفال الذين من المفترض أن يشعروا بالأمان مع والديهم فقد رأى الكثير منهم جنود الاحتلال يقتحمون ويفتشون البيوت ويقومون باعتقال والديهم أو إخوتهم الأكبر أمام أعينهم مما أدى لمزيد من الخوف وانعدام الأمن.

وأكد التقرير أن إنعدام الأمن امتد ليصل للقطاع الإقتصادي فأعمال العنف التي ترتكبها قوات الاحتلال منعت الكثيرات من الوصول للحقول والتوقف عن جني المحاصيل فكثيرا ما تعرضت النساء لأعمال عنف أثناء قيامهن بأعمال الزراعة في البساتين والحقول من قبل المستوطنين اليهود وجنود الاحتلال على حد سواء حيث يعيث المستوطنون في البساتين فسادا ويتجولون فيها كأنها من ممتلكاتهم ويتلذذون بإرهاب النساء والفتيات كل هذا برعاية من الجنود الإسرائيليين.

وتأتي نقاط التفتيش لتمثل مصدرا آخر لانعدام الأمن للمرأة الفلسطينية في الضفة الغربية فالحواجز التي تضعها السلطات الاسرائيلية بشكل دائم لا تشكل فقط تهديدا لحرية المرأة في الحركة لكنها أيضا تعرض النساء والفتيات للإذلال سواء من إجبارهن على خلع النقاب أو رفع الجلباب أو التعرض للتفتيش المهين من قبل رجال ، إضافة للتحرشات والمضايقات التي تخدش حيائهن ، وتتسبب طول مدة الوقوف على هذه الحواجز في تأخير الفتيات العائدات من العمل أو الجامعة إلى أوقات متأخرة من الليل مما يزيد من تعرضهن للمضايقات والتحرشات من قبل الجنود وفي حالة قيام الفتاة بإبعاد هؤلاء الجنود أو الدفاع عن نفسها تتعرض للاعتقال بتهمة التهجم على الجنود ، كما تعرضت كثيرات من النساء الحوامل لمضايقات أثناء عبور الحواجز أدت إلى إجبارهن على الولادة عند نقاط التفتيش مما تسبب في تعرض العديدات للموت والإجهاض ووفيات المواليد.

ويشكل الصراع بين الفصائل الفلسطينية مصدرا إضافيا لانعدام الأمن لدى الفلسطينيات فقد أصبح العنف بين أطراف فلسطينية مشهدا روتينيا يوميا وفي كثير من الأحيان تخشى المرأة من الاقتتال الداخلي بين الأقارب جراء هذه الاختلافات بين الفصائل ففي عديد من البيوت يوجد أشقاء ينتمي بعضهم لفتح والبعض لحماس ويبقى على الأم أن تشهد التشاحن والاقتتال بين الأشقاء والأقارب.

المجال العام وانعدام الأمن

يترتب على المخاوف السالفة لدى الفلسطينيات ظاهرة إحجام النساء والفتيات على الانخراط في العمل العام بل والظهور في المجال العام فبالإضافة لتهديدات الاحتلال يشهد المجتمع الفلسطيني كغيره من المجتمعات العربية أحداث عنف مجتمعي ضد المرأة سواء من مضايقات وتحرشات لفظية وجسدية في الطريق العام والتصوير بأجهزة المحمول أو التمييز ضد المرأة في العمل ، كل هذه الأحداث تزيد من مخاوف العائلات تجاه الفتيات مما يؤدي إلى تحجيم خروج الفتيات والحد من حركتهن وقد زاد انعدام فرص العمل للشباب الفلسطيني في انتشار الشباب العاطل عن العمل في الطرقات وإثارة المتاعب والمضايقات للفتيات خاصة في المخيمات فقد اعتبرت كثيرات من الأمهات أن المشي في الشارع أضحى من أخطر الأمور على النساء والفتيات ، وتتعرض المرأة العاملة حين تأخرها ليلا بسبب الحواجز الأمنية لانتشار الشائعات والأقاويل والنيل من شرفها وسمعتها لدى أبناء جيرتها مما يزيد من إحجام المرأة عن المشاركة في المجتمع.

يأتي هذا في الوقت الذي فقدت فيه الكثير من الأسر عائلها من الرجال الذي استشهدوا أو تعرضوا للاعتقال فتلقى تبعة إعالة الأسرة على النساء فإما تضطر المرأة للخروج للعمل في ظل أوضاع مهينة وتتعرض للنيل من سمعتها أو تبقى في البيت بلا عائل فتزداد حدة الفقر ، خاصة أن الخروج من البيوت بعد الرابعة عصرا يمثل تهديدا للمرأة سواء على المستوى الأمني أو المجتمعي ، يضاف لذلك الخطورة من ركوب المواصلات العامة أو التاكسيات لما تتعرض له المرأة من مضايقات وخطورة التعرض للاختطاف.

نتيجة لما سبق يعد معدل مشاركة الإناث في العمل من أدنى المعدلات ، فقد انخفضت نسبة النساء العاملات من 16,2 % في الربع الثاني من عام 2009 إلى 15,4 % في الربع الثالث من نفس العام ، كما بلغت نسبة البطالة بين النساء 29,8 % بنهاية 2009 ،وترتفع هذه النسبة بين اللاجئات الفلسطينيات حيث ترتفع إلى 38,7 %، وتشير التقديرات إلى أن الغالبية العظمى من النساء الفلسطينيات يعملن في مجال الخدمات بما يشكل 62,5 % من النساء العاملات بينما تعمل 18,9 % في مجال الزراعة ، و9,2 % في مجال الصيد والتعدين والمحاجر والصناعات التحويلية ونسبة 7,6 % في مجال التجارة والمطاعم والفنادق ، ويبلغ متوسط الأجر اليومي للإناث في الأراضي الفلسطينية 79,8 شيكل إسرائيلي مقابل 80,9 شيكل للرجال وفق ما قام به المكتب المركزي الفلسطيني للإحصاء من مسح للقوى العاملة في 2009.

وتعاني النساء العاملات أيضا من حرمان من أبسط حقوقهن القانونية مثل الحق في الإجازات المرضية أو أجازات رعاية الطفل إضافة للتعرض للفصل التعسفي وسوء المعاملة اللفظية والتمييز في الأجور والعمل بدون عقود أو تأمينات اجتماعية.

العنف الأسري

تشهد المجتمعات العربية إرتفاعا ملحوظا في العنف الأسري ضد المرأة والمجتمع الفلسطيني لا يشذ عن هذه الظاهرة فقد ذكر التقرير أن المخاوف لدى الفلسطينيات يمتد لداخل الأسرة ويزداد العنف الأسري كلما زادت حدة الفقر ، فانتشار البطالة بين الرجال يؤدي لاحباطات نفسية لا تجد تفريغا لها داخل البيت إلا من خلال ممارسة العنف مع النساء سواء من قبل الأب أو الزوج أو الأشقاء لعدم تمكنهم من تلبية احتياجات الأسرة خاصة للمعتقلين السابقين الذي يصعب عليهم الحصول على فرص للعمل ، وكثير من النساء يضطررن للعمل وإعطاء الراتب للزوج أو للأب بل وبعض الآباء يرفض زواج ابنته لتساهم براتبها في نفقات الأسرة حتى تصل لسن العنوسة ، كما زادت معدلات احتجاز الفتيات داخل البيوت خشية التعرض للتحرش أو الاختطاف مما أثر على استكمال الفتيات لتعليمهن ، وعنف الأزواج أيضا ضد الزوجات أصبح منتشرا وزاد ضحايا العنف الزوجي من النساء.

وتتعرض الفتيات كذلك لمخاوف الزواج القسري والمبكر حيث اعتبرت كثير من الفتيات أن هذا الاجبار على الزواج يعد تهديدا لأمنهن حيث تمنع الفتاة من حقها في اختيار شريك حياتها أو تجبر على الزواج المبكر الذي ينتج عنه حرمانها من التعليم وخطورته على الصحة الانجابية فبعض الأسر تزوج الفتيات في عمر الرابعة عشر وفي كثير من الأحيان إذا تجاوزت الفتاة سن السادسة عشر ينظر إليها داخل الأسرة باعتبارها عانس ، وكثير من هذه الزيجات يترتب عليها طلاق مبكر تظل تعاني منه المرأة إما بسبب حرمانها من أطفالها أو بسبب وصمة العار التي تلحقها جراء هذا الطلاق مما يزيد من حدة انعدام الأمن والشعور بالخوف.

يضيف التقرير لما سبق من مظاهر انعدام الأمن داخل الأسرة أيضا حرمان النساء من حقهن الشرعي في الميراث والقتل على خلفية الشرف والتعرض لزنا المحارم وهي الأمور التي لا يمكن للفتاة فيها اللجوء للشرطة أو المؤسسات القانونية لحمايتهن أو الحصول على حقوقهن مما يزيد الأوضاع تفاقما ويزيد شعور النساء بانعدام الأمن.

وأعربت الكثيرات من النساء خلال المسح الميداني عن مخاوفهن وعدم ثقتهن في اللجوء للشرطة أو المحاكم إما للخوف من الوصم المجتمعي الذي يلاحق النساء اللاتي يلجأن للشرطة والمحاكم أو الخوف من التعرض للاحتجاز والتعذيب بل وإلقاء الشرطة اللوم على الضحية ، بل وترفض كثير من الفتيات التحدث مع الاخصائيين الاجتماعيين في المدارس حول مشكلاتهن الخاصة حتى لا تتعرضن للاتهام بجلب العار والفضيحة.

لذا يوصي التقرير في ختامه بالحاجة لمزيد من الدراسات في مجال أمن المرأة الفلسطينية خاصة في ظل ندرة الاحصاءات والبحوث الكمية كما تحتاج النساء للتوعية وتقديم الارشادات حول الجهات التي يمكنهن التوجه إليها لحمايتهن وزيادة شعورهن بالأمان.



مرفقات بالتقرير

1- خريطة توضح أماكن وجود المستشفيات والملاجئ ومراكز الشرطة ونقاط التفتيش في الضفة الغربية

2- نسبة تعرض المتزوجات للعنف

3- نسبة تعرض الفتيات فوق 18 سنة للعنف

4- جدول يوضح أهم الاحصاءات الخاصة بالمرأة الفلسطينية:

إجمالي عدد النساء

1,853,214 نسمة

العمر المتوقع للإناث

73,2 سنة

معدل معرفة الاناث للقراءة والكتابة

90,9 %

معدل الخصوبة

4,6 طفل لكل إمرأة

معدل الزواج

58,1 %

متوسط عمر المرأة عند الزواج

19,4 سنة

نسبة العنوسة (أكثر من 15 عام)

39,3 %

معدلات الزواج المبكر (15-19 عام)

14%

نسبة الأرامل

1,3 %

نسبة المطلقات

1,1 %

نسبة الأسر التي تعولها إمرأة

8,8 %

نسبة النساء اللاتي يعانين من إعاقة واحدة على الأقل

52,29 %

نسبة الحاصلات على درجة جامعية

7,6 %

نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل

15,4 %

نسبة مشاركة المرأة في المجلس التشريعي

12,9 %

نسبة القاضيات

11,2 %

نسبة النساء العاملات في النيابة العامة

12,1 %

-----------

* نشر بتقرير القدس الشهري الصادر عن مركز الإعلام العربي -عدد 137 السنة الثانية
عشرة - جمادى الأولى 1431 هـ - مايو 2010 م - ص 42 : 47

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق