الثلاثاء، 17 أغسطس، 2010

مستقبل الأديان في أمريكا..تجاور الإيمان والإلحاد


أمل خيري
إسلام أون لاين
تحتل قضايا الدين والإيمان أهمية كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، فالمجتمع الأمريكي يمثل ساحة خصبة تضم أفكارا وعقائد متباينة بدءا من التعصب الديني والأصولية وانتهاءا بالإلحاد وإنكار الأديان.

ولذا كانت الحياة الدينية في أمريكا محور اهتمام العدد الأخير من مجلة "الدراسة العلمية للدين " ، ""Journal for the Scientific Study of Religion

، حيث صدر العدد الثاني من المجلد 49 ، في يونيو 2010 ويضم عدة مقالات ودراسات هامة حول الدين ومستقبله في الولايات المتحدة الأمريكية إضافة لموضوعات أخرى في المجال النفسي والاجتماعي ذات الصلة بالقضايا الدينية.

و"الدراسة العلمية للدين" مجلة فصلية تتناول الاقترابات النظرية والمنهجية للدين بما يشمل دور المؤسسات الدينية في التغيير الاجتماعي ، كما تهتم بالموضوعات النفسية والسياسية والأنثروبولوجية والاقتصادية ذات العلاقة بالدين إلا أنها لا تعالج قضايا الدين من الناحية اللاهوتية .

بدأ صدور المجلة عام 1961 ويترأس تحريرها حاليا ماري كورنول ، والمجلة تصدر عن جمعية الدراسات العلمية حول الدين التي تأسست عام 1949 من قبل علماء دينيين واجتماعيين بغرض تشجيع البحث العلمي والتواصل مع المؤسسات الدينية وتبادل البحوث والأفكار مع المختصين.

الانتماء والردة

من أهم الدراسات التي تناولها العدد الحالي الدراسة الاستقصائية التي قام بها فيليب شواديل أستاذ علم الاجتماع بجامعة نبراسكا - لنكولن ، حول علاقة الأجيال الأمريكية المختلفة بالدين تبعا للأعمار الحالية وتبعا لفترة الميلاد حيث خلصت الدراسة إلى أن الأجيال الحديثة من المواليد الأمريكيين يشهدون نسبة أكثر من عدم الانتماء الديني عن الأجيال السابقة، فبداية منذ مواليد الفترة من 1955-1959 فإن كل جيل يصبح أكثر عرضة من سابقه لنشأة خالية من الانتماء الديني. إضافة لذلك فإن احتمال عدم الانتماء الديني قد تزايد من 0.6 : 0.8 بالنسبة لمواليد السبعينيات والثمانينيات إلى 0.16 في 2006.

ويفرق شواديل بين عدم الانتماء الديني Non-affiliation ، وبين ما أسماه بالتسرب الديني Disaffiliation أو الردة حسب الفقه الإسلامي، فعدم الانتماء الديني يقصد به أن الفرد لا ينتمي لأي دين ابتداء بل هو منذ نشأته بلا دين ، أما الردة فيقصد بها الكفر بعد الإيمان أي أن الفرد قد يكون مسيحيا ثم يقرر أن يترك دينه ويصبح بلا دين ، وهذا بالطبع يختلف أيضا عن التحول الديني أو تغيير الدين.

والافتراض الأساسي الذي يعمل عليه شواديل أن تزايد أعداد غير المؤمنين (الذين لا يدينون بأي دين) في المجتمع الأمريكي يعود إلى كون هؤلاء لم يدينوا بأي دين منذ البداية وليس لكونهم ارتدوا عن دينهم ، فهناك زيادة واضحة في أعداد اللادينيين خاصة في الفترة من 1990 إلى 2006، ومع ذلك تناقصت نسبة الارتداد الديني كثيرا في نفس الفترة، وهذا الجيل هو نفسه من مواليد الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ، وبالمقارنة بمواليد فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية نجد أن أعداد المتمسكين بدينهم في تزايد وأن نسبة تعرض الجيل الحالي لترك الدين أقل بكثير من نسبة تعرض جيل الحرب العالمية الثانية للارتداد عن الدين.

استندت الدراسة الاستقصائية على بيانات المسح الاجتماعي من عام 1973 وحتى عام 2006 بناء على مسح وطني يجري سنويا أو كل سنتين في أمريكا حول الانتماء الديني والتحول الديني في البلاد ، حيث تم توجيه سؤال للعينة المختارة "ما هي ديانتك التي تعتنقها؟" ،والاختيارات هي :البروتستانتية-الكاثوليكية-اليهودية-أديان أخرى – لا أؤمن بأي دين، فإذا كانت الإجابة باختيار أحد الأديان يتم توجيه السؤال الثاني "هل تغير انتماءك الديني حاليا عما كنت عليه في عمر السادسة عشر؟"، فإذا أجاب بنعم اعتبر ذلك ارتدادا دينيا عكس ما لو أجاب عن السؤال الأول بأنه بلا دين لأنه في هذه الحالة ليس مرتدا بل هو غير مؤمن إبتداءا.

خريطة الأديان

تضمن العدد الحالي كذلك دراسة أخرى بعنوان " العلمانية أم الأصولية ، أم الكاثوليكية؟ التكوين الديني للولايات المتحدة حتى عام 2043" قام بها كل من فيجارد سكيربيك وإريك كوفمان وآن جوجون، وهي عبارة عن تقدير إستشرافي لخريطة الأديان بالولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 2043م، حيث قامت الدراسة بإجراء تقديرات لأعداد المنتمين للأديان الرئيسية والتي تصل إلى إحدى عشر ديانة ، اعتمادا على المسح الاجتماعي العام، احصاءات الهجرة السكانية، وإحصاءات منتدى "بيو" للأديان ، وأظهرت الدراسة أن هناك اتجاها عاما للاستقرار في الجماعات الدينية المختلفة ومع ذلك توجد عدة مؤشرات ذات دلالة من بينها توقع ارتفاع أعداد الكاثوليك من أصل لاتيني من 10% إلى 18% بحلول عام 2043م بسبب الهجرة وارتفاع نسبة الخصوبة وهيكل التركيب العمري.

المؤشر الثاني: يتعلق بتوقع ارتفاع نسبة المسلمين وتناقص نسبة اليهود، وتعزى هذه التوقعات إلى ارتفاع معدل الخصوبة لدى المسلمين وتزايد الشريحة العمرية للشباب في سن العشرين ، مقابل انخفاض مستويات الانجاب لدى اليهود وارتفاع الشريحة العمرية، ومع استمرار تدفق المهاجرين المسلمين للولايات المتحدة فيتوقع أن يتجاوز المسلمون عدد اليهود بحلول عام 2023 ، وأن يتجاوز عدد الناخبين المسلمين نظرائهم من اليهود مما قد يكون له آثار عميقة على مسار السياسة الخارجية الأمريكية. فالمؤشرات توضح أنه في ظل ثبات معدلات الخصوبة الحالية ستقترب نسبة المسلمين من 2,5 % بينما تنخفض نسبة اليهود إلى 1% في عام 2043م.

كما توقعت الدراسة تزايد الانخفاض في أعداد البروتستانت نظرا لانخفاض معدل الخصوبة وكذلك انخفاض أعداد الكاثوليك البيض ، في الوقت نفسه يتوقع نمو أعداد العلمانيين في العقود المقبلة بنسبة كبيرة خاصة بين السكان البيض حيث ستتفوق نسبة العلمانيين على الأصوليين بحلول عام 2030.

وتبلغ نسبة المسيحيين حاليا في الولايات المتحدة 78,4 % من إجمالي عدد السكان ، يصل البروتستانت وحدهم إلى 51,3 % مقابل 23,9 % من الكاثوليك، وتبلغ نسبة اليهود 1,7 % بينما نسبة المسلمين 0,6 % حسب إحصاءات 2008 ، أما نسبة الذين لا يعتنقون أي دين فيصلون إلى 16,1% بينهم 1,6 % ملحدون والباقي إما علمانيون أو غير مهتمين بالانتماء لأي دين.

التعددية الدينية

الدراسة الثالثة ذات الأهمية كانت بعنوان "التنوع الديني في الأمة المسيحية" ، لستيفن ميرينو الأستاذ بجامعة بنسلفانيا ، وتدور حول آثار التواصل بين الأديان على التسامح الديني وقبول التعددية الدينية ، ومن أهم نتائج الدراسة أن قبول الأمة الأمريكية المسيحية للهندوس يفوق قبولها للمسلمين اعتقادا منهم بأن الهندوس لا يشكلون خطرا على العقيدة المسيحية بعكس الإسلام الذي يشكل مصدر خطورة على المسيحية كدين وكأمة ، ويعود ذلك لتكريس الصورة النمطية عن الإسلام كدين عنف وإرهاب خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، لذلك لا يلقى بناء معبد هندوسي في أمريكا أي اعتراضات أو تحفظات من المسيحيين وعلى النقيض فإن إنشاء مسجد يسبب حساسية كبرى لديهم.

ويعتقد ميرينو أن أحد أسباب تكريس هذه الصورة النمطية عن الإسلام يعود إلى أن البروتستانت الانجيليين أقل الجماعات الدينية تسامحا مع الآخرين بما فيهم الطوائف المسيحية الأخرى فهم بصفة عامة لا يشجعون التواصل مع الأديان أو المذاهب الأخرى ، وربما يعود السبب في ذلك إلى رغبتهم في الحفاظ على الهوية الانجيلية في مجتمع شديد التنوع فيصبح اتخاذ الإسلام كعدو سببا في الحفاظ على التماسك الداخلي والوحدة الإنجيلية .

المسلمون في الغرب

دراسة أخرى تضمها المجلة حول الممارسات الدينية بين المهاجرين المسلمين بالتطبيق على المغاربة والأتراك من الرجال في بلجيكا، وهي من إعداد فرانس سميتس ، وستيجن رويتر ، وفرانك فان توبرجان.

وتقدم الدراسة إجابة عن سؤال : ما هي العوامل التي تؤثر على طبيعة الممارسات الدينية لدى الذكور من المهاجرين المغاربة والأتراك في بلجيكا؟

واعتمدت الدراسة على الممارسات الدينية الظاهرية كالمواظبة على الصلاة في المساجد والمشاركة في الفعاليات الرمضانية والمشاركة في ذبح الأضحية في عيد الأضحى وغيرها من المظاهر الدينية ، وقد أظهرت الدراسة أن المهاجرين من ذوي الوظائف الدائمة أقل مشاركة في الفعاليات الدينية مقارنة بالعاطلين، ربما يعود ذلك لضيق الوقت لدى العاملين ، لكن الأثر الأهم تمثل في الزواج المختلط حيث يقل اهتمام الفرد بالممارسات الدينية في حالة اقترانه بشريكة غير مسلمة.

إلا أن الدراسة تثير ثلاث مسائل هامة، أولها أن دراسة الممارسات الدينية ليس بهذه السهولة بسبب صعوبة وجود بيانات حقيقة، كما أن معرفة العوامل التي تؤثر في طبيعة المظاهر الدينية أمرا ليس ميسورا ويختلف مع مرور الوقت.

المسألة الثانية: أن هذه الدراسة اقتصرت على الرجال فقط بينما هناك حاجة لشمول الأبحاث المستقبلية للنساء أيضا لأن احتمالات المشاركة تختلف بين الرجل والمرأة ومن المحتمل أن تختلف محددات ومؤثرات هذه المشاركة كذلك.

الأمر الأخير الذي تلفت الدراسة النظر إليه هو أن هناك حاجة ماسة لدراسة العلاقة بين المعتقد الديني والمشاركة في المظاهر الدينية في المجتمع ، فهناك اعتقاد بأن المهاجرين الجدد يكونوا أكثر حرصا على الشعائر الدينية من قدامى المهاجرين لما لهذه الشعائر من آثار اجتماعية بجانب الآثار الروحية أو الإيمانية فالمسجد يعتبر نقطة إلتقاء للأعراق المختلفة من المهاجرين وكلما انغمس المهاجرون في المجتمع وارتبطوا بعلاقات مع طوائف أخرى كلما قلت حاجتهم لممارسة الشعائر الدينية الجماعية.

وتخلص الدراسة إلى أن مشاركة المهاجرين في الشعائر الدينية تتزايد بين المهاجرين الذين كانوا يواظبون على الالتحاق بمدارس وحلقات التحفيظ في بلادهم الأصلية، أو الذين كانوا منخرطين في أنشطة إجتماعية ذات اهتمام ديني في بلادهم الأم ، وإما أنهم من الفئات الأقل تعليما، أو من المقيمين حاليا في أحد المناطق المأهولة بالمساجد ، وأخيرا المهاجرين المرتبطين بعلاقات متعددة مع أعراق مختلفة.

تحتوي المجلة على دراسات أخرى من بينها دراسة حول التكامل الديني العرقي لدى الأمريكان من أصل أفريقي، ودراسة مقارنة حول التجربة الصوفية لدى المسلمين والمسيحيين والهندوس بولاية تاميل الهندية، ودراسة بحثية حول الثقة في القيادات الدينية في كوريا، ودراسة مقارنة بين سياسة المحافظين والانجيليين البيض في أمريكا، وأخيرا دراسة حول تصاعد الروح الإيمانية في القرن التاسع عشر في أمريكا في الفترة من (1854-1873م).

وبالإضافة للدراسات تضم المجلة ملحقا لعروض الكتب التي تصل إلى تسعة عروض في هذا العدد من أهمها : كتاب "الروحانيات السياسية : الثورة العنصرية في نيجيريا" لروث مارشال ،وكتاب "الدين والأخلاق ، والمجتمع في مجتمعات الاتحاد السوفيتي بعد انهياره" الذي حرره مارك شتاينبرج وكاترين وارنر ،وكتاب "الديمقراطية وحقوق الإنسان في المجتمعات المتعددة الثقافات" من تحرير كونيج ماتياس وبول دي جوشتينير ، وكتاب "الحاسة الكبرى: لماذا نؤمن بما لا يمكن تصديقه؟" لبروس هود.


Read more: http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1280404730971&pagename=Zone-Arabic-MDarik%2FMDALayout#ixzz0wx3xFIqV

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق