الاثنين، 24 يناير، 2011

المسلمون والتعددية الدينية في الولايات المتحدة


قراءة في مجلة "آفاق إسلامية" الأمريكية

أمل خيري
إسلام أون لاين
منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر تزايدت النظرة العنصرية للمسلمين في الشمال الأمريكي، في الوقت الذي يؤكد فيه البعض أن المجتمع الأمريكي المسلم أقدر المجتمعات على التعايش وقبول التنوع والاختلاف.
وقضية المسلمين والتنوع والتعددية ما زالت تفرض نفسها بقوة في المجتمع الأمريكي، وهو ما دعا مجلة آفاق إسلامية لتخصيص عددها الأخير (يناير / فبراير 2011) حول التنوع والاختلاف ومدى قدرة المسلمين على التعايش والاندماج مع الجماعات الدينية الأخرى.
تصدر مجلة آفاق إسلامية Islamic Horizons كل شهرين عن الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، وتعتبر أقدم مجلة إسلامية في أميركا الشمالية، وتقوم بتغطية القضايا التي تهم المسلمين في أمريكا الشمالية. كما تعرض لأنشطة أعضاء الجمعية، والمسلمين في الولايات المتحدة بشكل عام، ويرأس تحريرها عمر بن عبد الله.
التجانس والتنوع
الموضوع الرئيسي للعدد يتناول قضية التجانس والتنوع، فكتبت الكاتبة الصحفية سمانة صديقي Samana Siddiqui المقال الافتتاحي بعنوان "احتضان وتجاوز الخلافات: سعي المسلمين للتوازن بين التجانس والتنوع". حيث تفتتح مقالها بالإشارة إلى تقرير صدر عن معهد جالوب أكد أن المسلمين الأمريكيين هم المجتمع الأكثر تنوعا وحرصا على التعددية الدينية في الولايات المتحدة.
وتؤكد صديقي أن هذه النتيجة لا تمثل مفاجأة للمسلمين، فالمجتمع المسلم بالفعل يشهد أكبر تباين من نوعه سواء من حيث التنوع العرقي أو اللوني أو الثقافي، وهذا التنوع يظهر بوضوح في التعاليم الدينية وفي الواقع والتاريخ؛ فقد خلق الله الناس شعوبا وقبائل متباينة ومتعددة من أجل أن يتعارفوا، لذا فقد ضم المجتمع المسلم في عهد النبوة مسلمين حملوا لواء الدعوة من أعراق متباينة، ولم يقتصر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجنس العربي وحده؛ فهناك بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وغيرهم من الأعاجم. وليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، فالتنوع جزء من واقع الإسلام.
وكما يقول البروفيسور جيمس موريس James Morris أستاذ الدراسات الإسلامية في معهد بوسطن "حيثما سافرت أو التقيت أناسا من دول مختلفة، فإني أنظر بعين التقدير لقدرة الإسلام على معايشة كافة الظروف"، وقد تنقل موريس بين العديد من البلدان الإسلامية قبل أن يعتنق الإسلام عام 1971، حين رأى قدرة المسلمين على التعايش في جميع الثقافات، والجمع بين الخصوصية الثقافية من جهة والتشارك في القيم والتعاليم مع المسلمين في كل أنحاء العالم من جهة أخرى.
وتضيف صديقي أن تعدد الآراء أيضا ليس جديدا على المجتمع المسلم فهناك الشيعة والسنة، وهناك المذاهب الفقهية الأربعة الكبرى في المذهب السني، وهذا التعدد الفكري يمثل إثراء للفكر الإسلامي. ويحترم الإسلام هذا التعدد الذي يعود للتباين في فهم القرآن والسنة. والمسلمون في أمريكا أيضا يعرفون هذا التعدد الهائل في الأجناس والأعراق واللون واللغة والمذهب.
وتحدثت صديقي عن ما يعرف بظاهرة المساجد الإثنية، والتي تشير إلى قيام مجموعة عرقية معينة بإدارة مسجد في أحد الأحياء، فتقول صحيح أن هذه الظاهرة منتشرة، لكن مع ذلك لا تقوم هذه المجموعات إطلاقا بمنع غيرهم من دخول المساجد مثلا، فتجد في مساجد أمريكا جميع الألوان والأعراق والأعمار، كما أن عضوية مجالس إدارة المساجد مفتوحة للجميع ولا تستبعد أحدا، فليس هناك مسجد للباكستانيين فقط أو آخر مقصور دخوله على الأفارقة فقط، حيث الأبواب مفتوحة ولا توجد بطاقات عضوية لدخول المسجد.
ووفق ما ذكره معهد جالوب كذلك فإن النساء الأمريكيات المسلمات ثاني أكثر المجموعات الدينية في الحصول على التعليم العالي بعد المجموعة اليهودية. كما تشير صديقي إلى أن المجتمع الأمريكي المسلم لا يشهد أي درجة من التمييز النوعي، فبالمقارنة بالحال منذ 40 عاماً حين كانت المساجد تقام على نطاق ضيق في خلفيات المتاجر أو في الجراجات، ولم يكن مسموحا للمرأة بالمشاركة في الأنشطة المسجدية، بينما الآن أصبحت المرأة تشارك في عضوية مجالس إدارة المساجد والجمعيات الإسلامية، ولها دور فاعل في اتخاذ القرارات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الدور الفاعل للدكتورة إنجريد ماتسون Ingrid Mattson التيترأست الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية على مدى أربع سنوات كاملة.
العنصرية والتمييز
يتناول العدد أيضا موضوع العنصرية والصراع بين الهوية العرقية والإسلامية، فكتبت نازيا كازي Nazia Kazi أستاذ الأنثروبولجي بمعهد كولينز مقالا عن "فهم العنصرية"، تعرضت فيه لمفهوم العنصرية وكيف يتم تصنيعها عبر القوانين والإعلام، فالقوانين هي التي تصنع التمييز العنصري.
وتناولت وضوح النظرة العنصرية للمسلمين والعرب في أمريكا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتؤكد نازيا على ضرورة قراءة المسلمين للتاريخ الأمريكي لمعرفة دور العنصرية في تشكيل الدولة والمجتمع، معتبرة أن حقبة العنصرية المؤسسية أو القانونية قد ولت –حيث كانت توضع اللافتات التميزية في المدارس والأماكن العامة تحمل عبارة "للبيض فقط"- لتحل محلها اليوم حقبة جديدة من العنصرية البنيوية أو الهيكلية التي تتخفى بين البشر بسهولة، وما زال التعامل بين بعض المجموعات يتم على أساسها.
وامتدادا لموضوع العنصرية والتمييز يحتوي العدد مقالاً لنادين بوفاث Nadine Boufath بعنوان "الصراع من أجل القبول" ويتناول التحديات التي تواجه المسلمين الأمريكيين من أصل أفريقي، الذين يعيشون في مجتمع قائم على الهجرة، حيث تتعرض لتحدي الهوية الذي يلاقيه أغلب المسلمين الجدد فبمجرد النطق بالشهادتين يبدأ الصراع بين الحفاظ على الهوية الثقافية الأفريقية وبين الهوية الإسلامية.
وتتحدث نادين عن تجربتها الشخصية فتعتبر أن الأمريكيين الأفارقة أكثر المجموعات قدرة على التعايش والاندماج في المجتمعات القائمة على الهجرة، إلا أنه في مثل هذا المجتمع يمكن للفرد أن يقتلع هويته بسهولة، ولكنها ترى أن المسلمين الأمريكيين الأفارقة لم يأخذوا فرصتهم حتى الآن داخل المجتمع؛ فلديهم الرغبة الجامحة للتعليم، ومع ذلك لعومل اجتماعية وثقافية بحتة تجدهم من أقل الفئات حظا في التعليم والمستوى الاقتصادي، ففي المجتمع الأمريكي ينظر للعرب على أنهم من البيض بعكس الأفارقة الذين ينتمون للسود، وبالتالي يتمتع المسلمون العرب بكثير من الحقوق والامتيازات التي يفتقدها المسلمون الأفارقة بفضل الممارسات العرقية الموروثة داخل المجتمع الأمريكي التي ما زالت تحمل بعض بذور التمييز بين السود والبيض.
وتشير أنه من بين هذه المظاهر التمييزية أن كثيرا من الشباب سمعوا من والديهم عبارة "لا بأس أن تصادق مسلما أسود لكن لا تتزوج منهم"، ليس هذا فحسب بل ترى نادين أن المسلمين من أصل أوروبي ما زالوا يلقون معاملة أكثر تفضيلية عن الأفارقة، ومع ذلك تؤكد أن المجتمع المسلم قد تغير في السنوات الأخيرة، فقد أصبح المسلمون أكثر قدرة على التعايش والاندماج عن ذي قبل بفضل القيادات الإسلامية الواعية التي تحرص على تطبيق الإسلام كما نزل من عند الله لا وفق خلفياتهم الثقافية والاجتماعية والسياسية.
بين الخلق والمحاكاة
وبتجاوز قضية التعددية والتمييز العنصري يضم العدد أيضا مقالا علميا مهما بعنوان "هل يمكننا خلق كائن حي؟" للدكتور محمد طريقي الرحمن Mohammad Tariqur Rahman أستاذ الطب الحيوي بالجامعة الإسلامية بماليزيا. والذي تعرض فيه لمفهوم الحياة حيث يدعي البعض أن استنساخ بعض الحيوانات أو تخليق أنواع من البكتريا داخل المعامل نوع من الخلق.
فيتساءل طريقي هل مثل هذه الإنجازات العلمية تعني أننا قادرون على الخلق؟ أو أننا بدأنا أول خطوة في طريق الخلق؟ ويجيب بأن المسلمين يعتقدون في إمكان تحقيق بعض البشر معجزات دون أن يعني ذلك قدرتهم على الخلق والإنشاء، فالعصا تحولت في يد موسى عليه السلام إلى حية تسعى، والمسلمون يؤمنون أن الدجال سيأتي في آخر الزمان فيقتل رجلاً ثم يعيد إحياءه بعد موته للتدليل على ألوهيته. ولكن دون أن يعني ذلك قدرة موسى أو الدجال على خلق كائن حي، فالأمر مختلف حين يتعلق بالخلق من العدم.
ويؤكد طريقي أن قيام الإنسان باستنساخ كائن حي لا يعني قدرته على الخلق، بل هو مجرد محاكاة لما هو موجود بالفعل، أما الخلق فيعني النشأة من العدم. وإذا كان هناك من العلماء من يرغب في النظر لمثل هذه التجارب على أنها نوع من المضاهاة لخلق الله فإن هؤلاء العلماء في الأصل ينكرون وجود الله ابتداء، وبالتالي فهو نوع من الغرور العلمي الزائف الذي لا يجب التوقف عنده كثيرا أو إعطاءه حجما أكبر مما يستحقه من النقاش والجدل.
يحتوي العدد أيضا نبذة عن بعض الشخصيات المسلمة التي أفضت إلى بارئها خلال شهر نوفمبر 2010، والتي أثرت الفكر الإسلامي المعاصر أو ذات نشاط دعوي مؤثر، من بينهم الدكتور عمر خاليدي Omar Khalidi المدافع عن حقوق الأقليات والذي ولد عام 1953، من أصل هندي وعاش في الولايات المتحدة وله عشرات الكتب حول حقوق الأقليات وحول الاقتصاد والسياسة والتاريخ، ومن أهم مؤلفاته "المسلمون الهنود في أمريكا الشمالية" Indian Muslims in North America ، وكتاب "مسلمو الهند منذ الاستقلال" Indian Muslims Since Independence.
كما تناول العدد لمسيرة حياة مختار هولاند Muhtar Holland في مقال بعنوان "وفاة عالم حقيقي" وهو كاتب ومترجم من أصل إنجليزي أسلم عام 1969. درس عدة لغات كاللاتينية والفرنسية والإسبانية والألمانية، ثم اتجه لدراسة العربية والتركية وقضى حياته منذ إسلامه في ترجمة العديد من الكتب التراثية الإسلامية للإنجليزية، بغرض تعريف العالم الغربي بحقيقة الإسلام. فترجم مؤلفات أبي حامد الغزالي وعبد القادر الجيلاني وابن تيمية والترمذي وغيرهم من علماء الإسلام.
كما أفرد العدد ملفا عن تجارة وسوق الحلال في أمريكا بداية من البنوك الإسلامية إلى سوق الأطعمة والذبائح الحلال ودور الجمعية في الترويج للتجارة الحلال. كما كتب دكتور أنك إيمان بوزينيتا Anke Iman Bouzenita عن الأطعمة الحلال والأطعمة المعدلة وراثيا وأحكامها الشرعية.
ويضم العدد كذلك ملفا عن أهم أخبار وأنشطة المسلمين في أمريكا، وملفا عن فلسطين حيث كتبت دينا عثمان عن معاناة أهل غزة المستمرة بعد مرور عامين على الحرب، كما عرضت جنى هاشم عن المبادرة الإنسانية التي قامت بها ثماني نساء مسلمات أمريكيات لزيارة فلسطين بصحبة بعض الفائزين بجائزة نوبل للسلام. كما يعرض العدد لتجربة شابين من جنوب أفريقيا قاما برحلة الحج من كيب تاون إلى الأراضي المقدسة على دراجتيهما في رحلة استغرقت عدة أشهر.
نحو التعايش والاندماج
تصدر المجلة عن الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (Islamic Society of North America - ISNA) والتي تعد أكبر منظمة إسلامية في أمريكا الشمالية. تأسست عام 1963 ويقع مقرها في مدينة بلينفيد بولاية إنديانا. وهي مؤسسة مستقلة ومفتوحة العضوية وتعتمد الشفافية في عملها، وتسعى لتوحيد جهود المسلمين في الشمال الأمريكي، من خلال المساهمة في تحسين أحوال المجتمع المسلم والمجتمع الأمريكي ككل.
وتعمل الجمعية على توطيد أواصر التعايش والاندماج بين المسلمين وغيرهم من الأمريكيين، لذا فإنها تلتزم بمبادئ الحرية والتعددية، وتحرص على بناء جسور التفاهم والتعاون بين جميع الأديان. كما تقدم برامج توعية للمسلمين لتعزيز العلاقات الطيبة مع الطوائف الدينية الأخرى، وتعمل على التشبيك والتواصل مع المنظمات المدنية والدينية الأمريكية.
ولا يقتصر عمل الجمعية على الخدمات الدينية فهي تعتبر نفسها منصة لتقديم الإسلام الحياتي، حيث تحرص الجمعية على تقديم خدمات متعددة للجاليات الإسلامية كخدمات الزواج والأطعمة الحلال والخدمات العائلية. وأيضا ساهمت في العديد من المشروعات الإنسانية العالمية، وتعمل على التصدي للتحديات التي تواجه المسلمين في الغرب. كما تقيم الجمعية سنويا مؤتمرا مهما ينعقد في شهر سبتمبر، ويعد الاجتماع الأعلى مستوى والأكبر تنظيما للمسلمين في أمريكا الشمالية.
ومن بين الأهداف الاستراتيجية التي تسعى لها الجمعية: تدريب الأئمة وتطوير المهارات القيادية، وإشراك الشباب، وبناء التحالفات بين الأديان، وتنمية المجتمع. ويرأسها حاليا الإمام محمد بن حاج ماجد علي السوداني الأصل والمقيم في الولايات المتحدة منذ عام 1987، وذلك منذ الانتخابات التي جرت في سبتمبر 2010، حيث خلف الدكتورة إنجريد ماتسون التي ظلت رئيسة للجمعية منذ عام 2006.
http://www.islamonline.net/cs/Satellite/IslamOnline/IslamOnline/ar/IOLStudies_C/1278407349268/1278406720070/IOLStudies_C

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق