الخميس، 13 يناير، 2011

الجغرافيا.. والصدام بين المسيحية والإسلام


قراءة في كتاب " خط العرض 10 " لأليزا جريسوولد

أمل خيري
إسلام أون لاين

هل توجد علاقة بين الجغرافيا والتوتر الديني؟
وهل تساهم التضاريس والأقاليم المناخية في اصطدام الأديان !؟
سؤالان حاولت الصحفية الأمريكية "إليزا جريسوولد"1 الإجابة عنهما؛ عبر رحلة استكشافية دامت سبع سنوات، شملت أكثر المناطق توترا في العالم، شرقا وغربا، على امتداد خط العرض 10 شمال خط الاستواء، حيث تتلاقى جغرافياً أكبر ديانتين في العالم؛ الإسلام والمسيحية.

فبعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر استقالت جريسوولد من منصبها كنائبة رئيس تحرير مجلة "فانيتي فير"، لتتفرغ للعمل مراسلة صحفية مستقلة في بغداد، ومنذ ذلك الوقت بدأت زياراتها لأشد المناطق سخونة وتوترا في العالم، لعمل تقارير وتحقيقات حول مناطق الصراعات وبؤر التوتر.
وأصدرت جريسوولد مؤخراً كتاباً حول الجغرافيا والصراع الديني بعنوان "دائرة العرض العاشرة: تقارير من خط الصدام بين المسيحية والإسلام" صنف ضمن أكثر الكتب مبيعًا لعام 2010.
الخط المداري المتوتر
صدر الكتاب بالإنجليزية في أغسطس الماضي، عن دار نشر "فارار واستراوس وجيرو" الأمريكية، والكتاب من القطع المتوسط، عدد صفحاته 336 صفحة. سجلت فيه جريسوولد مشاهداتها من مناطق الصراعات الدينية في أفريقيا وآسيا على حدود خط العرض العاشر شمال خط الاستواء، والذي يشكل خطا فاصلا بين الإسلام في الشمال والمسيحية في الجنوب، حيث يسود الإقليم المداري (السافانا) بجوه الرطب ورياحه التجارية والموسمية.
وضمنت جريسوولد في كتابها تقارير حول الدين كعامل من عوامل الوحدة، وكذلك كعامل من عوامل الصدام في مناطق متفرقة من دول العالم الثالث، يجمعها وقوعها على دائرة عرض واحدة، حيث يعيش 417 مليون مسيحي جنوب هذه الدائرة، بما يشكل خُمس مسيحيي العالم، وكذلك يعيش قرابة هذا العدد من المسلمين شمال هذه الدائرة العرضية.
زارت جريسوولد على مدى سبع سنوات مناطق الحروب الدامية بين المسلمين والمسيحيين في دول أفريقية كالسودان ونيجيريا والصومال وأثيوبيا، كما زارت بلداناً آسيوية كاندونيسيا والفلبين وماليزيا، وكل هذه المناطق شهدت الحروب والمنافسات الدموية، وهناك مدن كاملة مزقتها الحرب، وقرى أزيلت من الخريطة تماما، وحقول جرفت أراضيها، وصحاري شبه خالية.
وعكفت الكاتبة على جمع القصص والمشاهدات التي عايشتها، كما التقت عدداً من الزعماء الدينيين والدعاة والمبشرين؛ لتتعرف أكثر على الديانتين، وأجرت مقابلات مع قادة الميليشيات المسلحة من الطرفين.
لتخرج بحقيقة أن الموارد المحدودة وسوء المناخ والاتجاهات الديموغرافية والهوية الثقافية قد تضافرت مع التباينات الدينية لتشكل مناطق توتر وصراعات لعدة عقود.
وحين قررت جريسوولد بدء رحلتها اكتشفت حقيقة كانت غائبة عن ذهنها، ففيما سبق حين كان تصل لمسامعها عبارة عن الإسلام أو المسلمين، كان تتبادر لذهنها على الفور منطقة الشرق الأوسط، إلا أنها اكتشفت أن أربعة من أصل خمسة مسلمين يعيشون خارج الشرق الأوسط، فإندونيسيا وحدها تضم 240 مليون نسمة يشكل المسلمون منهم 90%. وبالتالي فالربط الذهني بين الإسلام والشرق الأوسط غير حقيقي على الإطلاق.
رحلة عبر المستنقعات
وفي أفريقيا تلتقي كلتا الديانتين في الحزام الأوسط حول الدائرة العاشرة شمالا، حيث تنتشر الأراضي العشبية على مساحة حوالي مائتي ميل، والتي تشمل ما يطلق عليه أراضي السود، حيث تنتشر ذبابة التسي تسي الفتاكة في المستنقعات الموبوءة، وكل هذه العوامل في نظر جريسوولد حالت دون انتشار الإسلام في الجنوب الأفريقي، فقد توقفت الفتوحات عند خط عرض 10 شمالا أثناء العهد الاستعماري.
وفي هذا الوقت نفسه بدأت البعثات التبشيرية المسيحية في الانطلاق نحو الجنوب الأفريقي، بمصاحبة القوى الأوروبية الاستعمارية التي تدافعت منذ القرن التاسع عشر، وركزت البعثات التبشيرية نشاطها في هذه المنطقة خصوصًا للعمل على وقف انتشار الإسلام في الجنوب، لذا فإن ما نسمعه اليوم من معركة عالمية بين الإسلام والمسيحية يمتد في جذوره لأكثر من قرن في هذه المنطقة الهشة.
ونتيجة للطبيعة الجغرافية والبيئية لهذه المنطقة الأفريقية زادت حدة التوترات والصراعات بين السكان من المسلمين والمسيحيين، ليس فقط كصراع ديني، بل صراع على الأرض والغذاء والماء والثروات الطبيعية.
بدأت جريسوولد رحلتها في خريف عام 2003، حين اصطحبها القس فرانكلين جراهام - المبشر الإنجيلي المعروف بعدائه للإسلام - والذي يكرس الكثير من وقته وأمواله لتنصير المسلمين في السودان وأثيوبيا، وأمضى أكثر من عشرين عاما من عمره في المنطقة، وهناك شاهدت الكاتبة القرى التي مزقتها الحرب الأهلية التي استمرت لعقود بين الشمال السوداني المسلم والجنوب المسيحي، خاصة منطقة أبيي الغنية بالنفط والتي تتجدد فيها على الدوام الصراعات الدموية بين الجانبين.
وخلال رحلتها تبين لها مدى عمق الصراع الديني، والمعركة الحامية بين الدعاة المسلمين والمبشرين المسيحيين، وبعد خمس سنوات عادت مرة أخرى للسودان لتتأكد لها هذه الحقيقة، فالصراع الديني في هذه المنطقة يتأثر بالمناخ والتضاريس، وله علاقة وطيدة بالثروات الطبيعية، وهو صراع لن ينتهي.
الجنة البائسة
ومن السودان تنطلق جريسوولد غربا لتتابع مناطق الصراع في نيجيريا - أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان - حيث تتجدد الاشتباكات الدموية بين المسيحيين والمسلمين، كما تتصارع الإرساليات التبشيرية مع الجمعيات الدعوية، ولا توجد أرقام مؤكدة حول تعداد كل من المسيحيين والمسلمين، إلا أن غالبية المسلمين يتركزون في الشمال وغالبية المسيحيين يتركزون في الجنوب.
وشملت رحلتها داخل الأراضي النيجيرية منطقة صخرة الواسعة التي تشغل الحزام الأوسط بنيجيريا، حيث تنتشر المراعي الخصبة، ونتيجة لارتفاعها عن مستوى سطح البحر تتميز المنطقة بالهواء المنعش اللطيف، أما التضاريس فتتوزع بين سهول جافة إلى خصبة. وفي معظم أيام الأسبوع تهب نسمات خفيفة على أعشاب السافانا، فتنشط حرفة الرعي وتنتشر مزارع الألبان.
كل هذا الوصف يجعل من هذه المنطقة جنة أرضية، إلا أن إليزا جريسوولد حين وصلت في أغسطس 2006 لزيارة الزعيم المحلي، وجدت المنطقة أرضا محروقة؛ حيث مزقت الحرب بين المسلمين والمسيحيين القرى منذ عام 2001، قتل فيها آلاف الأشخاص من الجانبين، في أعنف اشتباكات دينية جرت فيها مذابح دموية في أماكن العبادة وداخل المستشفيات وفي الشوارع وكأنها حرب إبادة جماعية من الطرفين، استخدمت فيها كذلك الحرب الإعلامية، حتى أن أحد الكتاب المسيحيين قد أطلق على المسلمين لقب "الصراصير"، لتذكرنا بالإبادة الجماعية التي جرت في رواندا عام 1994.
الجغرافيا هنا أيضا تلعب دورا خطيرا إذا تذكرنا أن نيجيريا أكبر منتج للنفط في أفريقيا جنوب الصحراء ولديها أعلى احتياطي في هذه المنطقة، كما أنها خامس أكبر مورد للنفط للولايات المتحدة، حتى أن جوني كارسون الأمين العام المساعد للخارجية الأمريكية قال إن : "نيجيريا بلا شك أهم دولة في أفريقيا جنوب الصحراء".
وحكومة نيجيريا كذلك واحدة من أكثر الحكومات فسادا، فمنذ نهاية الحكم العسكري عام 1999، اختلس السياسيون فيها معدل ما بين أربع إلى ثمان مليارات دولار سنويا. وعلى الرغم من ثروة البلاد النفطية الهائلة، فإن أكثر من نصف النيجيريين يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا، وأربعة من أصل عشرة نيجيريين عاطلون عن العمل. وهناك العديد من المناطق المحرومة من الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والتعليم.
وفي ظل هذه الظروف ينشط التبشير، وتستغل البعثات التنصيرية الأوضاع المزرية للسكان لنشر المسيحية.
حرب التوابل
ومن غربي إفريقيا إلى شرقيها تنتقل إليزا جريسوولد من نيجيريا إلى أثيوبيا؛ حيث وصل أول المهاجرين المسلمين عبر هجرتي الحبشة الأولى والثانية، وأعطاهم النجاشي في ذلك الوقت الأمان وأقطعهم أراضي في المنطقة، وعاش المسلمون والمسيحيون لقرون طويلة بلا صراعات، ولكن جريسوولدتسجل مشاهدات عنف وصراع ديني بين الجانبين.
ثم تنتقل إلى الصومال حيث الصراع في ظل اللادولة، وسيطرة المتشددين والميليشات والقراصنة، ولا أحد يدري من يقتل من؟.
لتجتاز جريسوولد المحيط الهندي وتصل إلى الجزر الآسيوية - دائماً على امتداد خط العرض 10 شمال خط الاستواء - لتكتشف بؤرا جديدة للصدام المسيحي الإسلامي.
ففي آسيا نمط المناخ لا يختلف عن النمط الأفريقي، فالرياح التجارية مستمرة على طول هذه الدائرة العرضية.
وهناك وصلت مجموعات من التجار المسلمين والمسيحيين، وتنافسوا فيما بينهم للحصول على نفس المنتجات من التوابل والمحاصيل، وأبحروا لنفس الشواطئ والموانئ.
وكان الصراع في القرن السادس عشر على القرنفل والبهارات، واليوم أصبح على الكاكاو، وفعل الهندوس والبوذيون نفس الأمر، "حتى أنه يمكننا أن نطلق على هذا الطريق اسم طريق التجارة والإيمان" كما تقول جريسوولد.
وفي جزيرة سولاويسي الاندونيسية تعايش المؤلفة اشتباكات عنيفة بين مجموعات مسلحة مسيحية وأخرى مسلمة، كل منهما تسعى لإخلاء الجزيرة من الطرف الآخر، وتكررت نفس المشاهد في جزيرة سومطرى حيث كثر اختطاف الأجانب من قبل جماعات إسلامية مسلحة، وتسجل جريسوولد مشاهد عنف تؤكد أن أياً من الطرفين لا يحتكر العنف أو الوحشية، فهناك عصابات مسيحية إرهابية في الفلبين واندونيسيا، وهناك كذلك عصابات تنتهج العنف تنتمي للإسلام.
وتنبع المشكلة في اندونيسيا من كونها تضم أكثر من ألفي جزيرة، وحسب إليزا جريسوولد يتركز المسلمون في السواحل، لاعتمادهم على صيد الأسماك في معاشهم؛ بينما يتركز المسيحيون في الوسط منذ الحقبة الاستعمارية، فحين بدأت الجهود الاستعمارية والتبشيرية بشكل جدي منذ القرن السادس عشر، فوجد المبشرون أن المسلمين قد استقروا على السواحل، فانطلقوا نحو الداخل في الأحراش والغابات وعلى ضفاف الأنهار.
ومن اندونيسيا لماليزيا تسجل جريسوولد مشاهداتها للتوترات الدينية التي لا تقتصر فقط على المسلمين والمسيحيين؛ بل تمتد لتشمل كذلك البوذيين والهندوس، والوثنيين من السكان الأصليين.
نهاية الرحلة
وتنتهي رحلتها في الفلبين ذات الأغلبية المسيحية والتي كانت يوما ما ذات أغلبية مسلمة، حتى بدأت طلائع الغزو الصليبي على يد فرديناند ماجلان عام 1521، فوجد المسلمين منتشرين في الجزر الجنوبية وكذلك مسيطرين على الجزر الشمالية، ليبدأ خططه التبشيرية ما بين الترغيب والترهيب والقتل والتدمير.
أما جذور الصراع الحالي فتعود إلى مطلع القرن العشرين بالاحتلال الأمريكي، حيث استمرت الحروب على مدى أربعين عاما بين شعب مورو المسلم والاستعمار الأمريكي الذي ظل يتبع خططا تبشيرية، وبعد الاستقلال ظلت الحكومة المسيحية تمارس أعمال عنف واضطهاد ضد المسلمين، حيث ظهرت مجموعة أبو سياف في الجنوب، والتي اعتبرتها الكاتبة جماعة إرهابية متطرفة تعيش على النهب والخطف.


[1] كتبت إليزا جريسوولد كثيرا عن الحرب على الإرهاب، وأعلنت عزمها على مواصلة الاهتمام بقضايا النزاعات وحقوق الإنسان والدين. وقد حذرت كثيرا من تكريس الجهل الأمريكي للثقافة الإسلامية، وإن كانت تعتبر حوار الأديان مضيعة كبيرة للوقت، والأولى التركيز على توجيه الفئات الدينية المتناحرة لعنصر ثالث يكون مشتركا بين الجانبين ولا علاقة له بالدين.
فقد رأت في مشاهداتها كيف توحد المسلمون والمسيحيون في بعض المناطق ونحوا صراعاتهم جانبا للعمل معا في مشروع للمياه، حيث اضطر الناس للعمل معا من أجل البقاء، وبنظرها هذا هو الحل الوحيد، بأن تركز المجموعات الدينية المتناحرة نظرها على المجتمع وتنميته بدلا من تكريس جهودها لقسر الآخرين على الدخول في دينهم.
الصحفية الجريئة إليزا جريسوولد تبلغ من العمر سبعة وثلاثين عاما وهي ابنة جريسوولد فرانك، رئيس الأساقفة السابق للكنيسة الأسقفية في الولايات المتحدة، وهي زميل في مؤسسة أمريكا الجديدة. ولها العديد من الكتابات في مجلات نيويوركر، وهاربر، ونيويورك تايمز.
كما أن جريسوولد شاعرة نشرت لها العديد من القصائد، ولها ديوان شعر صدر عام 2007، وحصلت على جائزة من الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب عام 2010.
تخرجت جريسوولد من جامعة برنستون عام 1995 ودرست الكتابة الإبداعية في جامعة جونز هوبكنز، وحازت جائزة روبرت فريدمان في الصحافة الاستقصائية عام 2004 عن تحقيقها حول منطقة وزيرستان الباكستانية.
http://www.islamonline.net/cs/Satellite/IslamOnline/IslamOnline/ar/IOLStudies_C/1278407262190/1278406725771/IOLStudies_C

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق