الأربعاء، 12 أكتوبر، 2005

عبد العزيز جاويش: شيخ التربية والصحافة والجهاد




إعداد: أمل خيري.....
بعد احتلال إنجلترا لمصر تصاعدت روح المقاومة الوطنية، سواءٌ في السياسة أو الخطابة أو الشعر والأدب، وفي هذا العصر برز الشيخ عبد العزيز جاويش والذي شارك في كل طيبات عصره، فإذا تحدثت عن أدب ذلك العصر وجدته في مقدمة أدبائه، وإذا تحدثت عن العلم والعلماء رأيته في الذروة، وإذا تحدثت عن التربية والتعليم ألفيته المصلح الكبير، وإذا ذكرت المضحِّين في سبيل الوطنية وجدته أكبر المضحين، وإذا تحدثت عن الإرشاد الاجتماعي وجدته من ذوي الآراء الناضجة، وإذا تحدثت عن المضطهدين في أوطانهم كان أوضح عنوان لهذا الاضطهاد.

المولد والنشأة
وُلد عبد العزيز جاويش في الإسكندرية (12 من شوال 1293هـ= 31 من أكتوبر 1876م)، ونشأ في أسرة كريمة تعمل بالتجارة، وحفِظ القرآنَ الكريم، وتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة، واتجه إلى مواصلة التعليم، فسافر إلى القاهرة والتحق بالأزهر سنة (1310هـ= 1892م) وهو في السادسة عشرة من عمره، لم يستمر عبد العزيز جاويش في الأزهر سوى عامين وتركه، والتحق بمدرسة دار العلوم بعد أن اجتاز اختبارًا صعبًا بين يدي لجنة تضم عشرةً من كبار رجال العلم تمتحن المتقدمين في دقائق الفقه والتفسير والنحو والبيان والبديع والإنشاء والتاريخ.

وحصل على شهادتها سنة (1315هـ= 1897م) وهو في الحادية والعشرين من عمره، ثم عُيِّن الشيخ مدرسًا للغة العربية بمدرسة الزراعة، وكان من سُنن وزارة الزراعة أن تُرسل من خريجي دار العلوم بعثةً سنويةً إلى إنجلترا فاختِيْر الشيخ والتحق هناك بجامعة برورود، وتلقَّى هناك علومَ التربية والطرق الحديثة في التدريس، وظل هناك ثلاث سنوات عاد بعدها إلى القاهرة سنة (1319هـ= 1901م) ليعمل مفتشًا في وزارة المعارف لم يكن همه الأول إحصاء أغلاط المدرسين بل كان همه الأول إصلاح التعليم.

الشيخ الأديب والمجاهد
كان للشيخ فطرةٌ أدبيةٌ ميَّزَته وهو طالب بدار العلوم، كان يكتب في (اللواء) ثم في (العلم) وكذلك في (الهداية) مقالات نارية ضد الاحتلال وحكومات الاحتلال من المصريين كما كان يكتب في تفسير القرآن الكريم.

- رأَس تحرير جريدة (اللواء) 1908 خلفًا لمصطفى كامل، وهنا بدأت مرحلةٌ جديدةٌ في حياته لخَّصها هو في مقاله الأول، الذي نُشر في (1 من ربيع الآخر 1326هـ= 3 من مايو 1908م)، وجاء فيه: "باسمك اللهم قد استدبرت حياةً زادُها الجبن وخوَر العزيمة ومطيتُها الدهان والتلبيس، وبيمينك اللهم أستقبل فاتحة الحياة الجديدة، حياة الصراحة في القول، وحياة الجهر بالرأي، حياة الإرشاد العام، حياة الاستماتة في سبيل الدفاع عن البلاد العزيزة، سيسير (اللواء) على ما كان عليه خادمًا للأمة المصرية، مدافعًا عن الأريكة الخديوية ما حرصت على مصالح رعاياها، مجاهدًا الإنجليز ما بقوا في بلادنا، حاثًّا على الفضيلة والأخلاق الكريمة، داعيًا إلى توحيد عناصر الأمة على اختلاف مللها ونحلها".

- قُدِّم للمحاكمة أمام محكمة عابدين 1908 لنشره مقالاً تحت عنوان (دنشواي أخرى في السودان)، وقد حُكم عليه ابتدائيًّا وبرِّئ استئنافيًّا.

- قُدِّم للمحاكمة سنة 1909 بسبب نشره مقالاً في اللواء بعنوان (ذكرى دنشواي) وصدر الحكم بحبسه ثلاثة أشهر.

- في 27 نوفمبر 1909 قَدَّم له الشعب وسامًا في حفل خاص تقديرًا لوطنيته.

- في 1910 أنشأ مجلة (الهداية) لإفهام المسلمين أسرار القرآن.

- في سنة 1910 قُدِّم للمحاكمة بسبب مشاركته في وضع مقدمة لديوان (وطنيتي) لعلي الغاياتي، وحُكم عليه بالحبس ثلاثة أشهر.

- في سنة 1912 أُبعد الشيخ جاويش إلى تركيا حيث أعاد إصدار مجلة (الهداية) و(الهلال العثماني) و(الحق يعلو).

- في سنة 1912 تزعَّم مع بعض زملائه أنصار الحزب الوطني جمع التبرعات وإرسال الذخائر إلى طرابلس لمقاومة الغزو الإيطالي.

- في سنة 1913 طلبت الحكومة المصرية تسليم الشيخ جاويش لمحاكمته عن تهمة إرسال منشورات ضُبطت مع أحد الطلبة المصريين القادمين من تركيا وتم تسليمه بالفعل وأُودع سجن الحدرة ثم أفرج عنه.

- في سنة 1914 أنشأ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ووضع أساسها وأعاد إصلاح كلية صلاح الدين بالقدس الشريف.

- في سنة 1914 سافر الشيخ إلى إنجلترا؛ حيث اتفق مع أحد أغنياء الهنود على إنشاء أسطول إسلامي.

- في سنة 1915 أُعدت حملةٌ من الجيش التركي لتخليص مصر من الاحتلال وشارك فيها الشيخ.

- فيما بين سنتي 1915 و1918 كان ينتقل ما بين ألمانيا وتركيا والشام، وقد أنشأ مجلاتٍ إحداها باللغة الألمانية باسم Die Islamische Welt" وثانية في إسطنبول باسم (العالم الإسلامي) وفي سويسرا مجلة باسم Egypte؛ وذلك للدفاع عن استقلال مصر، كما اشترك في مؤتمر الدفاع عن الدول المحتلة في إستكهولم.

- في سنة 1918 غادر الشيخ جاويش تركيا خفيةً حيث اتصل بالوفد المصري بباريس.

- في سنة 1922 استدعاه الغازي مصطفى كمال باشا وعيَّنه رئيسًا للجنة الشئون التأليفية الإسلامية بأنقرة.

- في سنة 1923 حدث خلاف بينه وبين الغازي في شأن إلغاء الخلافة، فعاد لمصر خفيةً ونَشرت جميع الصحف مقالاً تحت عنوان (تجديد العهد) بتوقيع الشيخ جاويش، وبعد عشرة أيام صرَّحت له الحكومة بالإقامة في مصر.

العالِم المُصلح
كان الشيخ يحضر دروس الإمام محمد عبده فتأثر به في تفسير القرآن وفي البحث الديني وفي اتجاهاته الإصلاحية، فسلك في ذلك سبيل التأليف والخطابة، فألف كتاب (الإسلام دين الفطرة) أثناء وجوده في إنجلترا وترجَمَه للغة الإنجليزية ليساهم في بناء مفاهيم الإسلام والكشف عنها.

وفي عام 1911 عقدت الحكومة المصرية مؤتمرًا بمصر الجديدة للإصلاح العام، فألقى الشيخ خطبةً عن الإصلاح الاجتماعي كان عنوانها (وجوب مراعاة أحوال الزمان والمكان في تطبيق أحكام الشرعة الغراء).

وقد دعا إلى ترابط رؤوس الأموال الصغيرة وإنشاء مصرف وطني، وحارب الخمر ومضارّ المسكرات، وألَّف في ذلك كتابًا بعنوان "أذى الخمر ومضارُّه"، وارتفع صوتُه بضرورة العناية بالمرأة وتعليمها وإصلاح أحوالها ورفعه شأنها، وعارض زواج المصريين من الأجنبيات.

الشيخ المربِّي
و قد كتب كتابًا بعنوان (غنية المؤدبين) طُبع عام 1903 حيث عالج فيه أساليب المحاورة والاستنتاج بدلاً من الحفظ والتلقين في التدريس.

كما ألف كتاب (مرشد المترجم)؛ مما يدل على إتقانه للغة الإنجليزية، وأسس مدرسةً ليلية سمَّاها الإعدادية الليلية يتعلم فيها الأزهريون اللغة الفرنسية، وعقد مؤتمرًا كبيرًا في مدينة المنصورة في فبراير 1911 ألقى فيه خطبةً جامعةً في إصلاح التربية والتعليم.

وقد تطلع جاويش إلى اختيار عدد من الطلاب الأزهريين النابهين- الذين يقصدون مدرسته- وإرسالهم في بعثات إلى أوروبا، وكانت البعثات تسافر من كل المدارس ما عدا الأزهر، ونجح جاويش في جمع التبرعات اللازمة لنفقات أول بعثة أزهرية على نفقة الأمة إلى فرنسا، وتكوَّنت من ثلاثة طلاب سافروا إلى فرنسا في (1911م)، وكان معهم جاويش، وكان الهدف من هذه البعثة الوقوف على أساليب التعليم الحديثة ليطبقها هؤلاء المبعثون في الجامعة الأزهرية حتى تصبح عصريةً، غير أن هذا المشروع توقف بعد سفر جاويش إلى تركيا بعد التضييق عليه ومحاربته.

وبعد عودة جاويش رأت الدولة أن تنتفع بخبرته في التربية والتعليم، فأسندت إليه منصب مدير التعليم الأوَّلي سنة (1344هـ= 1925م)، وذلك وفق خطة لمحو الأمية وتوسيع دائرة التعليم، فاستكمل ما كان قد بدأه من طرق الإصلاح في التربية والتعليم، فأخذ يجوب البلاد ويُنشئ المدارس ويضع الخطط للنهوض بالتعليم حتى وافاه أجله.

وكان جاويش- بحكم ثقافته العربية الإسلامية واتصاله بمناهج التعليم الحديثة الغربية- يؤمن بأن الأمم لا تنهض إلا بالتربية والتعليم، ولم يشغله عمله في جريدة (اللواء) عن الدعوة إلى إصلاح التعليم، فأنشأ المدرسة الإعدادية كنواةٍ صالحةٍ ينسج عليها التعليم الثانوي، وكان جاويش يقوم بالتدريس فيها بنفسه، ويفتح أبوابها في إجازات الصيف للطلاب حتى لا تضيع أوقاتهم فيما لا يفيد.

ودعا جاويش إلى إصلاح مناهج التعليم والعناية بالتربية كأساس للتعليم ورفع مستوى القائمين على العملية التعليمية والأخذ بالأساليب الحديثة في التربية، وهاجم مناهج التعليم القائمة؛ لأن الاحتلال هو الذي وضعها وأشرف على تنفيذها، ودعا إلى التوسع في التعليم الزراعي والصناعي، وعمل على إكمال النقص في برامج مدارس بالحكومة، وحماية الطلاب من مناهج التعليم الأجنبي بإنشاء عدد من المدارس تكون تحت رعايته.

وامتدت دعوته إلى إصلاح التعليم، فشملت تطوير التعليم بالأزهر وإدخال العلوم العصرية ضمن مناهجه، وفتح أبواب المدرسة الإعدادية التي أنشأها لطلاب الأزهر، وكان من بين من تعلم فيها طه حسين.

أخلاقه ووفاته
كان الشيخ صريحًا في كل آرائه؛ ولذلك كثرت محاكماته وكثرت سكناه السجون، كما اتسم بخفة الروح والظل لا يمله الجالس كما كان أبي النفس.

كان الشيخ في سنواته الأخيرة يرعى أسرة زميل جهاده محمد فريد الذي توفِّي في برلين سنة (1339- 1920)، ثم كان عليه أن يقوم على رعاية أسرة الصحفي المجاهد أمين الرافعي الذي تُوفي قبله، وفي غمرة هذا العمل المتصل وافاه الأجل المحتوم في فجر يوم الجمعة الموافق (13 من شعبان 1347هـ= الموافق 25 من يناير 1929م)، تاركًا ذكرى عطرةً وسيرةً طيبةً لأجيال أمته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق