الجمعة، 7 سبتمبر، 2007

حزب العدالة والتنمية التركي قراءة في تجربة إصلاحية



محمد بكر- أمل خيري
عناصر الدراسة
* نبذة جغرافية
* لمحة تاريخية (تاريخ التحول
للعلمانية -الجهود المناهضة للعلمانية)
* النظام السياسي { الأحزاب السياسية - القوى المؤثرة ( الجيش- الطرق الصوفية- الأقليات والطوائف- القوى الاقتصادية)}
* المشاركة السياسية للحركة الإسلامية في تركيا
* حزب العدالة والتنمية ( التعريف بالحزب- مبادئ الحزب - السياسات الرئيسية للحزب)

* عناصر التجربة الإصلاحية
* قراءة في التجربة الإصلاحية
* التحديات التي تواجه حزب العدالة والتنمية ( على الصعيد الداخلي- التحديات الخارجية(
* هل يمكن نقل تجربة حزب العدالة والتنمية التركي إلى العالم العربي، أم أنها تجربة خاصة بتركيا؟
* الدروس المستفادة من حزب العدالة والتنمية

____________________________________

الدراسة

نبذة جغرافية:
الموقع: في غرب آسيا.
المساحة: 781 كم2، وتتكون من 81 مقاطعة.
العاصمة: أنقرة.
العملة الرسمية: الليرة التركية.
اللغة الرسمية: التركية.
عدد السكان: 70 مليون نسمة، وتدين النسبة العظمى من السكان بالإسلام. وينتمي للعرق التركي 80% من السكان يليهم من حيث الأهمية الكرد، وذلك وفق إحصائيات عام 2006.
الأنشطة الاقتصادية: تعتمد تركيا في اقتصادها على تصدير المواد الغذائية والمنسوجات والمركبات الصناعات المعدنية، وتستورد الآلات والوقود والكيماويات.
إعلان الجمهورية: عام 1923م.
_________________
لمحة تاريخية:
تاريخ التحول للعلمانية:
لم تولد العلمانية على يد أتاتورك وإنما سبقتها محاولات للتغريب منذ عهد السلطان محمود الثاني في القرن 18 حيث كان متأثرا بالقوانين الغربية وفي القرن 19 ظهرت تنظيمات ذات طابع تشريعي مقتبس من الغرب مثل (خط كلخانه – خط همايون) كما شكل الشباب الذين تأثروا بالثقافة الفرنسية أثناء وجودهم في فرنسا لطلب العلم جمعية الشباب العثماني عام ١٨٦٥وفي النهاية تم إعلان دستور 1876 بعد جهود حثيثة من العلمانيين وارتكز الدستور العثماني على الدستور البلجيكي وكان هناك دورا بارزا لجمعية الاتحاد والترقي السرية لها علاقة بالمحافل الماسونية .
مهدت كل هذه الخطوات لأتاتورك مهمته الذي أخذ يعمل على تكريس مظاهر النظام العلماني فأصدر مراسيم عدة تضمنت إلغاء الطرق الصوفية ١٩٢٦والقوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية في قضايا الأحوال الشخصية، بما في ذلك منع تعدد الزوجات وإعطاء المرأة المسلمة حق الزواج من غير المسلم وأن تغير دينها، والمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، كما أعطت القوانين الجديدة للأب حق الاعتراف بولده الذي يولد نتيجة علاقة غير شرعية.
كما فرض أتاتورك السفور على النساء وحظر عليهن لبس الجلباب وألزمهن ارتداء الفساتين، وإلا قدم أزواجهن وأقاربهن للمحاكمة .
_______________
النظام السياسي:

تتمتع الجمهورية التركية بنظام سياسي شبيه بالأنظمة الديمقراطية الغربية، التي تنقسم عامة إلى جهاز تشريعي، تنفيذي و قضائي. تبنت البلاد الحياة الديمقراطية بعد تطبيق دستور عام 1982 و بعد سنوات من الحكم العسكري.

يشكل المجلس القومي التركي أو البرلمان الجهاز التشريعي. المجلس يتكون من 550 نائب، يتم انتخابهم كل خمس سنوات مباشرة من الشعب. كل مواطن تركي مقيم في تركيا له حق الانتخاب ابتداء من سن الثامنة عشرة، لذا لا يستطيع الملايين من الأتراك المغتربين المشاركة في الانتخابات.

أعلى سلطة سياسية في البلاد هي سلطة رئيس الدولة، الذي يتم انتخابه كل سبع سنوات من قبل البرلمان. لا يسمح بإعادة انتخاب الرئيس حسب الدستور. يوكل رئيس الدولة رئيس الحزب المنتصر بالانتخابات النيابية مهمة تشكيل الحكومة، لكي يصبح بدوره رئيس الحكومة، بعدها يقوم رئيس الدولة بالموافقة أو رفض أعضاء الحكومة.

المحكمة الدستورية: هي أعلى محكمة تركية. تقوم المحكمة بفحص مدى مطابقة القوانين المشرعة من البرلمان مع بنود الدستور. تم انتخاب تولاي توكو في عام 2005 لتكون أول امرأة ترأس أعلى محكمة في البلاد.

الأحزاب السياسية:

يبلغ عدد الأحزاب التركية 22 حزب أما بالنسبة إلى النسب التي حققتها الأحزاب الفائزة في انتخابات 2007 فهي كالتالي:

الحزب

نسبة الفوز

توجه الحزب

حزب العدالة و التنمية

46.66%

إسلامي

حزب الشعب الجمهوري

20.85%

يسار

حزب الحركة القومية

14.29%

قومي

الحزب الديمقراطي

5.41%

محافظ

حزب الشباب

3.03%

قومي

حزب السعادة

2.34%

إسلامي

حزب الاستقلال التركي

0.51%

إسلامي قومي

حزب الشعب الصاعد

0.50%

وسط

حزب العمال

0.36%

شيوعي

الحزب الشيوعي التركي

0.22%

شيوعي

حزب الحرية والتضامن

0.15%

إشتراكي

الحزب الديمقراطي الليبرالي

0.10%

ليبرالي

حزب العمل

0.08%

شيوعي

______________
القوى المؤثرة
1- الجيش:
تعتبر واشنطن وعواصم الناتو تركيا حليف إستراتيجي، ولم تتأخر في دعم الجيش التركي حتى أصبح أكبر جيش في المنطقة بعد أميركا، كما أنها دعمت بشكل خاص القادة العسكريين الأتراك الذين أثبتوا بدورهم وفي العديد من المناسبات وفاءهم لواشنطن أكثر من أنقرة، ولعل هذه الحقيقة تفسر الإيحاءات الدائمة لدور واشنطن في جميع الانقلابات العسكرية التي شهدتها تركيا حتى الآن .

ويستمد الجنرالات الأتراك قوتهم من دعم ر جال الأعمال الكبار ووسائل الإعلام الكبيرة التي تلعب دورا أساسيا في إعداد وتهيئة الشارع التركي للانقلابات العسكرية وبأساليب ذكية، إذ لرجال الأعمال الكبار مصالح مادية كبيرة في العلاقة مع الجيش بعدد أفراده البالغ مليون عسكري، ويحتاجون يوميا للكثير من الحاجات التي تكلف الدولة الملايين بل المليارات من الدولارات التي طالما خصصتها جميع الحكومات للجيش الذي يتحجج دائما بحماية النظام العلماني والأمن الوطني والقومي ضد المخاطر الداخلية والخارجية وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني الذي كلف الدولة التركية حوالي ١٠٠ مليار دولا ر.

ولقوة تأثير الجيش التركي وتدخله المباشر في الشأن السياسي وفي تحديد شكل الحكومات وهوية الحكام جذور تاريخية تعود إلى الجيش الانكشاري العثماني الذي لعب أدوارا مهمة في تغيير السلاطين ورؤساء وزرائهم أو الإطاحة بهم خنقا أو شنقا أو قتلا !

2- الطرق الصوفية:

حافظت الطرق الصوفية على وجودها وممارسة فعالياتها بعد منع تكاياها وإغلاق مدارسها، ولقد وقف التصوف أمام مجموعة من الجهات التي ناصبته العداء يذود عن حوضه ويذب عن حماه، و كان من أبرز أعدائه أولئك القائمون على الصحافة والإعلام آنذاك، وهم الذين ما فتئوا يستفزون الحكومة بشكل مستمر لمحاربة الطرق الصوفية وأهلها .

تمكنت كثير من الطرق الصوفية في تركيا أن تحافظ على وجودها رغم كل العقبات التي مرت بها، ولعل من أبرز تلك الطرق الطريقة النقشبندية والقادرية والخلوتية والعشاقية والجراحية والبكتاشية والمولوية، وتشارك هذه الطرق في الحياة الاجتماعية ولبعضها علاقات ودور سياسي، ومن أهم هذه الطرق النقشبندية والقادرية ويمتد أثر الطرق الصوفية حتى إلى غير المنتسبين لها من السياسيين ومنهم رئيس الجمهورية الأسبق تورغت أوزال الذي كان متعاطفا مع النقشبندية وقد كان كل من أخيه وأمه مريدا لدى الشيخ النقشبندي محمد زاهد كوتكو،ولا يمكن الجزم بكونه مريدا لدى الشيخ أم لا، إلا أنه من المعلوم أنه كان على اتصال مع الطريقة ويميل إليها بشكل واضح ما دفعه إلى التسامح وتوسيع الفضاء أمام النشاطات الدينية والصوفية تحت مظلة الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الشخصية.

3- الأقليات والطوائف:
أ - اليهود

تتمتع الأقلية اليهودية في تركيا بنفوذ واسع في الدولة وتحظى برعاية السلطة برغم أن عدد أفرادها لا يتجاوز ال ٣٠ ألف شخص، وقد كانت هذه الأقلية على الدوام مؤيدا جوهريا للقوى العلمانية السياسية وغير السياسية في تركيا، وأسهمت في تكريس العلمانية وتقاليدها منذ البداية .

ويطلق على أبناء الأقلية اليهودية في تركيا لقب الدونمة، وهي كلمة تركية تعني الهداية أو العودة إلى الحق، وجاءت هذه التسمية بعد أن تظاهر يهود تركيا باعتناق الإسلام علنا منذ زمن الدولة العثمانية واستخدموا أسماء إسلامية، لكنهم احتفظوا سرا بديانتهم وطقوسهم اليهودية وأسسوا محافل ماسونية نشطة في تركيا كان لها دور في تأسيس الدولة العلمانية التركية، وساندوا إجراءات أتاتورك في تحديث تركيا وفق النمط الغربي، وتغلغلوا في صفوف المجتمع التركي بأشكال مختلفة حتى أصبحوا من أصحاب الثروات الطائلة وفرضوا سيطرتهم على المراكز التجارية والاقتصادية والإعلامية المهمة، وقد أسهم قيام إسرائيل عام ١٩٤٨ واعتراف تركيا بها عام ١٩٤٩ في منحهم قوة سياسية مضافة، تجسد في الحضور البرلماني لعدد من السياسيين المعروفين كيهود دونمة في الأعوام ١٩٣٥ و ١٩٦٠ و .1995

ب - العلويون

تتضارب الأقوال تجاه نسبة العلويين فالبعض يرى أنها تمثل 5% بينما يرى البعض أنهم 12 % والعلويين يقولون أنهم 25 % ومع أن العلويين هم جزء من الشيعة ترى بعض مؤسسات الدولة التركية أنهم أصل الشيعة البكتاشية والزيدية، في حين يعد العلويون أنفسهم ممثلين للتفسير الأناضولي التركي للإسلام، أي أنهم مجرد طريقة دينية يتوزعون بين جماعات عرقية أبرزها وكبراها الأكراد إلى جانب أعداد من العرب، كما أنهم مختلفو اللغات حيث يتحدثون التركية والعربية والظاظا والكرما نسية، وللغتين الأخيرتين صلة باللغة الكردية والفارسية، فضلا عن تعدد الفرق العلوية وقد وجد العلويون في إجراءات أتاتورك فرصة مهمة لأداء دورهم في الحياة السياسية والاجتماعية، وأصبحوا الدعامة الأساسية للنظام العلماني، وهم يرفعون صورة أتاتورك إلى جانب صورة علي بن أبي طالب وحاجي بكتاش في جميع مناسباتهم الوطنية والدينية، ومع الانفراج السياسي والتعددية الحزبية في تركيا بعد الحرب العالمية الثانية انضم العلويون لأحزاب اليسار العلمانية وأعلنوا تأييدهم لانقلاب عام ١٩٦٠ وشاركوا في إعداد دستور ١٩٦١ الذي نص على الكثير من الحريات الدينية ما زاد من نشاطهم الديني والاجتماعي والإعلامي فضلا عن قيامهم ببناء قوة رأسمالية مهمة في بعض دول أوروبا الغربية توازي قوة المسلمين السنة .

ج - الأقليات الأخرى

تتوزع الأقليات الأخرى بين طيف واسع موزع على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي، لكن الأقلية العرقية الكبرى في تركيا هي بالتأكيد الأكراد الذين يشكلون نحو خمس عدد سكان البلاد .

وقد طغى صراع الأكراد مع الدولة التركية الذي رافق تأسيسها أواسط العشرينيات من القرن الماضي في توليد مشكلات بينهم وبين النظام السياسي التركي لا يترك الكثير من الهوامش لعلاقة ما لهم بمصير النزاع العلماني الإسلامي، لا سيما أن كل الأحزاب والقوى السياسية التركية علمانية كانت أم إسلامية ترفض مبدأ انفصال الأكراد، وإن كانت تتباين في رؤيتها للحلول الممكنة لمطالبهم القومية

ويمكن ملاحظة أن قوى اليسار الكردي في تركيا هي التي تنادي بالانفصال وتقود التمرد المسلح، ومن أبرزها بالطبع حزب العمال الكردستاني التركي، في حين يفضل الحزب الإسلامي الكردستاني التركي التآخي التركي –الكردي – العربي والحياة داخل الدول التي يوجد فيها أكراد على أساس مفهوم المواطنة الحديثة .

أما الأقلية العربية التي تشكل نحو ٢ % من مجموع السكان فهي لا تمثل خطرا سياسيا بأمن تركيا ووحدتها وليس لها علاقة واضحة بموضوع العلمانيين والإسلاميين، كما يتمسك المتحدثون باللغات القوقازية بقوة الدولة التركية ويعدونها حصنا منيعا للإسلام ويجمع الأرمن بين كونهم أقلية دينية صغيرة وأقلية قومية مستقلة ويبلغ تعدادهم زهاء ربع مليون نسمة يقطنون المدن الكبرى وشرق الأناضول ويعملون مع اليهود في التجارة، فضلا عن عملهم في المجال الصناعي والحرفي، ويحجم الأرمن بوعي عن المشاركة في الحياة السياسية لكيلا يثيروا حفيظة السلطات التركية ضدهم نظرا للحساسية التاري خية المفرطة بين الأتراك والأرمن .

ويقدر عدد اليونانيين في تركيا بين ٥٠ و ٨٠ ألفا يتوزعون بغالبيتهم في المدن الكبرى لا سيما إسطنبول ويعملون في المجال التجاري مع اليهود أيضا، ولهذه الأقلية تأثيرها في العلاقات التركية اليونانية، إذ تسعى اليونان لتحويل الوضع القانوني لمقر البطريركية الأرثوذكسية الرئيسة في العالم والموجودة في حي (فينير ) بإسطنبول إلى ما يشبه وضع الفاتيكان، الذي ترفضه تركيا .

ومن الأقليات الدينية الأخرى نجد مجموعة من السريان يدينون بالأرثوذكسية ويقطنون إسطنبول والمناطق المحاذية لسوريا يقدر عددهم بنحو ٢٠ ألفا، فضلا عن الكلدان الذين يقطنون المناطق المحاذية للحدود مع العراق وسوريا يقدر عددهم بنحو عشرة آلاف نسمة، توجد مطرانيتهم بإسطنبول وبطريكهم الأكبر في الموصل شمال العراق .

وهناك أيضا أقليات عرقية ودينية أخرى تتراوح أعدادها بين مئات وبضعة آلاف، ومن هؤلا ء الألبان الذين يبلغ عددهم نحو ٥٠ ألفا، إضافة إلى الروس والألمان والإستونيين ومجموعات عرقية من آسيا الوسطى وقفقاسيا وأوزبك وقرغيز وقازان وتتار وأويغور وأذريين وشركس.. وغيرهم.

4- القوى الاقتصادية:

أ - يهود الدونمة

في مطلع القرن التاسع عشر، بينما كانت الإمبراطورية العثمانية تعيش أوضاعا اقتصادية صعبة كان يهود "الدونمة" يسيطرون على الشؤون المالية وإدارة الديون في الدولة بفضل علاقاتهم واتصالاتهم بأوساط المال العالمية، وكان هؤلاء أنفسهم ضمن أهم الشخصيات التي أدارت الحملة الداخلية ضد السلطان العثماني والخلافة ، باسم القومية التركية، حيث كانت لهم الكلمة الأبرز في تحديد مسار الاقتصاد العثماني، وهم الذين تولوا المراكز الهامة والحساسة في النظام الاقتصادي والمالي لتركيا بعد إنهاء الخلافة وإعلان الجمهورية، وبطبيعة الحال كان موقفهم ودورهم المضاد للخلافة وكذلك نفوذهم الاقتصادي في الأوساط المالية العالمية أسبابا مباشرة لوضع هؤلاء اليهود في قلب عملية بناء الدولة التركية الحديثة التي تبنت العلمانية والاتجاه نحو الغرب كهوية وإستراتيجية .

2 - التوسياد

تأسست جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك "توسياد " عام ١٩٧١ في إسطنبول وكان عدد كبير من مؤسسي هذه الجمعية من اليهود العلنيين ويهود الدونمة، ويبلغ عدد أعضائها حاليا ٥٤٥ شخصا هم الأكثر ثراء على الإطلاق في تركيا يمتلكون ١٣٠٠شركة يعمل فيها نحو ٥٠٠ ألف شخص، وحجم تعاملها أو نشاطها الذي يتركز على الدول الغربية بشكل خاص يصل إلى ٧٠ مليار دولار، وتتحكم في ٤٧ % من القيمة الاقتصادية التي تنتجها تركيا ولا زالت هذه الجمعية أبرز قوة اقتصادية علمانية مؤثرة على الحكومات التركية المتعاقبة، ولها تأثير لا يستهان به أبدا على القرار السياسي والتوجه الاقتصادي لتركيا.

3 - الموسياد
جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين الأتراك "موسياد" التي ضمت فئة رجال الأعمال والصناعة ذوي التوجه الإسلامي وتبلغ عدد شركاتها 100 شركة .
___________________________
المشاركة السياسية للحركة الإسلامية في تركيا:

في 26 يناير 1970 أسس نجم الدين أربكان حزب النظام الوطني ( وهو مزيج من الطرق الصوفية وطلاب رسائل النور و تيار من الإصلاحيين المتأثرين بجماعة الإخوان المسلمين) ثم تحول حزب السلامة الوطني ثم إلى حزب "الرفاه" الإسلامي الذي تحول إلى حزب "الفضيلة"، ثم استقر أخيرا على اسم حزب "السعادة"، الذي لا يمتلك تمثيلا في البرلمان، ولم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصل عليها 2,5%. أما حزب العدالة والتنمية تحت زعامة رجب طيب أردوغان فهو الصيغة الثانية التي انشقت عن الرفاه، ونجحت في بناء مشروع حزب سياسي مدني، اعتبر أن إطاره الفكري هو إطار محافظ يمزج بين الحداثة والتراث، ويحمل موقفا إيجابيا من التاريخ الإسلامي، دون أن يتقاطع مع الخطاب الإسلامي التقليدي السائد في العالم العربي.
_______________

حزب العدالة والتنمية
التعريف بالحزب:
حزب العدالة والتنمية دخل الساحة السياسية التركية في 14 أغسطس 2001 بقيادة رجب طيب أردوغان.

وسعى الحزب بعدها على الفور لتوسيع شبكة أعضائه وتطوير هيكله وبدأت أنشطته تشمل جميع أنحاء تركيا في غضون سنة واحدة .
وقد نجح في الانتخابات العامة في نوفمبر عام 2002 بنسبة 34% من أصوات الناخبين وفي الانتخابات المحلية في 28 مارس 2004 كان الاختبار الثاني للحزب حيث زادت نسبة التصويت للحزب من 34 ٪ إلى 42 ٪.

مبادئ الحزب:

الانفتاح أمام المعرفة والخبرة ، والتطورات التكنولوجية الجديدة والفرص وفتح قنوات اتصال مع جميع الفئات الاجتماعية والمثقفين من البلاد ، تبنى مفهوم القيادة بالمشاركة والتفكير الجماعي ، يعتبر حرية الفرد حقا ثابتا لجميع البشر ، الدعوة للنزاهة والاستقلال الكامل للسلطة القضائية ، يقبل مبدأ العمل على أساس من العدالة والكفاءة والجدارة والثقة فيما يتعلق بالتعيينات في المجال العام.

السياسات الرئيسية للحزب :

· ضمان الحريات المدنية والسياسية ، ولا سيما حرية الفكر والتعبير والاعتقاد ، والتعليم ، وتكوين الجمعيات والمؤسسات ، كشرط مسبق للسلام والمصالحة.

· تحويل البنيان الهش للدولة إلى دولة قوية وظيفية مع هدف تحقيق الكفاءة والفعالية وتقديم خدمات ذات نوعية جيدة مع اعتماد اللامركزية.

· البشر هم رأس المال وحجر الأساس في التنمية الاقتصادية.

· تشجيع اقتصاديات السوق التي تعمل مع جميع القواعد والمؤسسات ، وعدم مشاركة الدولة في أي نوع من النشاط الاقتصادي بل يقتصر دورها على الوظيفة الرقابية والإشرافية والاستقرار الاقتصادي لن يتحقق إلا بالنمو الناجم عن الاستثمارات التي ستزيد من فرص العمل.

· دور الحكومة العمل على خدمة الشعب ، و توفير الرفاهية والسعادة لجميع المواطنين.

· التعليم هو أهم عنصر من عناصر التنمية في كل ميدان وبالتالي لابد من تشجيع الاستثمار في مجال التعليم.

· الضمان الاجتماعي حق دستوري و يتعين على الدولة جعل هذا الحق في متناول كل فرد.

· إتباع سياسة خارجية واقعيه تناسب التاريخ والموقع الجغرافي لتركيا ، بعيدا عن الأحكام المسبقة وقبل تصور الأفكار. السياسة الخارجية ستكون على أساس مبدأ المصالح المتبادلة.

· إعادة تحديد أولويات السياسة الخارجية في مواجهة التغير الإقليمي والعالمي .

· اتخاذ مبادرات لإيجاد حلول منصفة لمشاكل تركيا مع جيرانها.

· وضع المزايا الناجمة عن الموقع الاستراتيجي لتركيا في تصرف المجتمع الدولي من اجل تحسين مساهمتها في السلام والرخاء العالميين.

نستخلص من ذلك بعض سمات لبرنامج الحزب :

1 - برنامجه برنامج انتخابي سياسي صرف لا وجود لمسحة دينية فيه، وهو يعلن التزامه الكامل بالعلمانية، وبفصل الدين عن السياسة، وذلك لا يعني فصل الدين عن المجتمع أو الدولة.

2 - إعادة ترتيب العلاقة بين الديني والسياسي بعيدا عن كل أشكال التنازع أو التوظيف و تقر بأهمية القيم الدينية في تحقيق الرقي الاجتماعي .

3 - لا اعتراض للحزب على العلمانية السائدة، ولكن على مفاهيم خاطئة لها تقيد حريات الشعب حيث تقتصر دعوته الإسلامية على تمكين المتدينين من حرية أداء شعائرهم ، وإزالة القيود عن استخدام حجاب الرأس للمرأة كجزء من الحريات وحقوق الإنسان وليس كفرض ديني ، ورفع القيود عن المدارس الدينية الخاصة التي تخرج أئمة وخطباء للمساجد.

4 - لا يدعو لدستور إسلامي يعتمد الشريعة ولا يسعى لتطبيق الحدود الإسلامية، يطرح ديمقراطية علمانية لا تعادي الدين بل تستوعبه.

5 - أعلنوا التزامهم الكلي بقواعد التعددية السياسية.

6 - أعلنوا عزمهم على حماية حقوق الإنسان, وعدم التدخل في الحياة الخاصة لمواطنيهم, أو التعسف بتغيير نمط حياتهم عن طريق سلطة الدولة.

_________________________

عناصر التجربة الإصلاحية:

هناك عدة عوامل ساعدت على نجاح حزب العدالة والتنمية والذي على الرغم من تعدد واختلاف الأوعية التي غرف منها العدالة والتنمية، تبقى الرافعة الكبرى التي رفعته إلى السلطة، في انتصار ساحق، على أحزاب وزعامات عريقة، هي قاعدة إسلامية، ولكن كانت الرؤية في ترك الصدام مع المجتمع والجيش فلم تر مناص من تغيير في الخطاب والوجوه والتكتيكات... فكان العدالة والتنمية، وذلك أن:

· القاعدة الإسلامية التي رفعت أربكان إلى سدة الوزارة الأولى، تجاوزت نسبتها 22% من أصوات الناخبين، ولم يذهب منها إلى حزب السعادة غير 2%، فأين ذهب البقية إذا لم يكونوا هم غالبية من صوت للعدالة؟

· إن أداء الإسلاميين في الحكم لم يكن سلبياً، وكانت في إدارة المدن التركية الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وأرض روم ممتازة، وهو الأداء الذي جعل من أردوغان نجماً ساطعاً في سماء إسطنبول ببرامجه وإنجازاته مما فرض التسليم بحقيقة أن رصيد الإسلاميين في الحكم، وحل مشاكل الناس، ليس مجرد شعارات تدغدغ المؤمنين، وتعدهم بالجنة، وتخوّفهم بالنار، على أهمية أثر ذلك لو حصل، وإنما برامج عملية لحل مشكلات معيشية، فشلت أحزاب العلمنة في حلها، بسبب انفصالها عن ضمير الشعب، وما تلوثت به من مفاسد.

· إن كل المؤشرات في العالم الإسلامي، وحيثما وجد مسلمون، تشهد على ارتفاع مذهل لنسب التدين، حتى تلك التي طبقت فيها بشراسة ووحشية وتواطؤ دولي ومحلي خطط الاستئصال وتجفيف الينابيع مثل تونس.

· إن حملة رسالة الإسلام اليوم هم في الصف الأول من جبهة الذود عن الأمة وعن دينها في مواجهة الحملات المتصاعدة عليها والتي أسهمت في تأجيج المشاعر الدينية في الأمة، بما ضاعف من شعبية الإسلاميين، على حساب الجماعات العلمانية.

· غلبة الروح العملية على المناظرات النظرية والأيديولوجية جعل حركة التطور في هذا الحزب سهلة ميسرة، مكتفين في المجال الفكري بالرصيد الهائل والتشكيلة المتنوعة من منتوج التيار الإسلامي الوسطي في كل أنحاء المعمورة، فعملوا على الاستفادة منه، وصياغته بالشكل الذي ينسجم مع واقع الشعب التركي وميوله، فجاءت برامجهم النظرية استجابة لحلم الغالبية الساحقة من الشعب التركي ومن كل الأطياف والأطراف ...

· التأكيد على قيم الحداثة في الساحة الإسلامية من قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني، مما جعلهم جزءا متصلا بالمجتمع لا منفصلا عنه، مستجيبا بذكاء لمتطلباته لا متصادما معه، فأحبوا الناس وأحبهم الناس ....

· الاتفاق الداخلي والتماسك التنظيمي، والابتعاد عن الخلافات الشخصية والنزاعات القيادية، والتناحر على مناطق النفوذ والإيثار وتغليب المصلحة العليا للمجموع على الأطماع الفردية، وسلامة الصدر وحسن النوايا والشعور بالمسؤولية تجاه ما يحملون من برامج تستحق فناء الذات، واحترام الاتفاقيات وعدم التمسك بالكراسي والمناصب حيثما جاء وقت الاستحقاق الرسمي والأخلاقي والسياسي . إن تنازل عبد الله غول عن رئاسة الوزراء لأردوغان مع بداية الدورة قبل خمس سنوات، بعدما حالت قضايا قانونية دون تسلمه المنصب، وعدم تمسك غول رغم قدرته على ذلك، كانت الدليل على عمق ولاء رموز الحزب للمبدأ وللأخلاق بعيدا عن وهج المناصب ولمعان المواقع ...

· البعد عن العنف في معالجة قضايا الخلاف الداخلي والخارجي، واختيار الأساليب العقلانية والقانونية في حماية حقوقهم الدستورية، والرهان على سلامة التقدير عند الرأي العام عن الحاجة والضرورة، وهذا الذي أمَّن لهم طريق العودة الكبيرة إلى السلطة، ومهد لهم السبيل وبقوة إلى قلوب الناس قبل أي شيء آخر .

· الواقعية الشامخة ... وقد تجلى ذلك في السياسة الداخلية والخارجية، فهم واعون تماما أنهم أصحاب رسالة، وأتباع نبي علمهم كيف يكون العمل الدءوب، والهادئ والمنضبط والعاقل الذي يزن كل شيء بميزان مهما قال الناس أو ادَّعوا ... عرفوا أنها أمانة سيسألون عنها أمام الله والتاريخ، وعرفوا أيضا انه لو كان هنالك على وجه الأرض من يستحق أن تتحقق له الأهداف دفعة واحدة، لأستحق ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ... إلا أن ذلك لم يحص له، فكيف لا يكون الأمر أكيدا مع أوليائه عبر العصور كما أن ثمة منهجاً ما اتصف به حزب العدالة والتنمية التركي، وهو منهج الاعتدال والوسطية، ومنهج البحث عن المشترك مع الآخر كيفما كانت مشاربه الفكرية والإيديولوجية، وهذا ما عزز ثقة الشعب، وثقة الناخب به.

من أهم أسباب تجدد فوز حزب أردوغان تلك الانجازات على الصعيد الاقتصادي التي لمسها الشعب التركي فخلال ثلاث سنوات من عمر حكومة حزب العدالة و التنمية في تركيا نجح في الرفع من حجم التجارة الخارجية عام 2005 إلى ما يقارب عن 200 مليار دولار ، وحجم الصادرات التركية إلى 70 مليار دولار ، واستطاعت أن ترفع احتياطي البنك المركزي التركي إلى 58 مليار دولار في حين انه كان لا يتجاوز 26 مليار دولار قبل تسلم أردوغان السلطة .
وعلى المستوى السياسي نجح أردوغان في تحقيق حدّ أدنى من التوازن بين حكومته ومراكز النفوذ العلمانية وخاصة المؤسسة العسكرية ، واستطاع لأول مرّة أن يعدّل توجهات السياسة الخارجية لتركيا ليوازن بين مشروعها الأوروبي و بين مصالحها مع بقية الأطراف الدولية .
______________________
قراءة في التجربة الإصلاحية

أهم شيء أثبتته التجربة السياسية التركية الحديثة، وتجربة حزب العدالة والتنمية بشكل أخص، أن إمكانية التوصل إلى أرضية وفاقية يمكن العمل على أساسها بين مختلف التيارات السياسية والفكرية ممكن إذا التزم الجميع قواعد اللعبة السياسية وكان المعيار هو الاحتكام لمدى إمكانية الأحزاب السياسية في خدمة الشعوب التي تمثلها، أجدى بكثير من خيار القطيعة والتناحر الذي كلف الجميع ثمنا باهظا.
___________________
التحديات التي تواجه حزب العدالة والتنمية:

أولاً: على الصعيد الداخلي:
يواجه حزب العدالة والتنمية, على الصعيد الداخلي أربعة تحديات أساسية:
1- معالجة الانهيار الاقتصادي. فتركيا تمر بواحدة من أكثر أزماتها حدّة من حيث الاقتصاد. وهي أزمة مستفحلة وليست جديدة. وفي هذا المجال أكد قادة حزب العدالة والتنمية الاستمرار في التفاوض مع صندوق النقد الدولي للوصول إلى حلول مناسبة لوضع تركيا الاقتصادي انطلاقاً من كونهم جماعة إنقاذ يقودون ثورة شعبية هي الثالثة في تاريخ تركيا المعاصر: عدنان مندريس (1950) وتورغوت اوزال (1983) ورجب أردوغان (2002) . إنه زمن التغيير الذي يحلم به الأتراك!
2- التفاهم مع الجنرالات: يعتبر الجنرالات الأتراك أنفسهم حرّاس هيكل كمال أتاتورك, أي النظام الجمهوري العلماني الذي أرساه باني تركيا الحديثة في بداية العشرينات. ولكي لا يعيد أردوغان تجربة نجم الدين أربكان في منتصف التسعينيات, (مع فارق في حجم التأييد الشعبي وعدد المقاعد) فقد سعى, ولا يزال, على رغم صدور حكم بمنعه من الترشح للانتخابات, للتفاهم مع الجيش. فهو يدرك أن المفصل القاتل لتجربته السياسية هو الصدام مع الجنرالات. ومما ساعد على ذلك الطابع الإسلامي المعتدل لحركة أردوغان, التي وإن نشأت من رحم الرفاه (الإسلامي), فإنها كانت أكثر وعياً وتفهماً لوضع تركيا وواقعها الإقليمي والدولي.
وفي المقابل كانت تصريحات رئيس هيئة أركان الجيش التركي حلمي أوزكوك مطمئنة اذ أعلن (إن النتائج تعكس إرادة الشعب وأنا أحترمها... وإن الانتخابات جرت وفقاً للقواعد الديمقراطية). فهذا الكلام إقرار بشرعية النتائج واحترام لها. وسيكون محك العلاقة بين الجانبين موضوع المبادئ التي تقوم عليها الجمهورية بحسب المفهوم الأتاتوركي القائم على ثلاثة: الجمهورية - العلمانية - الديمقراطية.
3- احترام المبادئ الجمهورية: (كما أشرنا) وهذا يعني العمل على التوفيق بين الإسلام من جانب والعلمنة والديمقراطية من جانب آخر. وقد أعلن أردوغان أنه يعمل على التوفيق بين الإسلام والديمقراطية. ومثل هذا التوجه يؤكد وعي القيادة الجديدة لمخاطر الانزلاق في صراع على الطريقة الجزائرية (بين الناخبين والجيش). وبهذا المعنى يقدّم أردوغان صورة كارزمية للإسلامي المعتدل. لكن هذا لا يمنع وجود عقبة أساسية في عملية التوفيق هذه, يسميها بعض المحللين (التوفيق بين ما ليس متوافقاً) مشيرين إلى صعوبة وربما استحالة التوفيق بين العقيدة الإسلامية ومفهومي العلمنة والديمقراطية كإنتاج للحضارة الغربية (المسيحية), ومحذرين من وجود عناصر راديكالية داخل الجهتين بعضها يسعى للصدام ، وبعضها يسعى لتغيير الطابع العلماني للدولة وهذه المحاولة, من أي اتجاه أتت, خطيرة جداً على مستقبل تركيا!
4 - التعاطي بوعي تاريخي مع قضية الأكراد. حتى الآن كان تعاطي السلطة التركية مع موضوع الأكراد (سياسياً وعسكرياً) ينطلق من مفهوم (الوحدنة) غير آبه بقضايا العصر: قضايا الأقليات والحق بالاختلاف والتعدد ورفض مبدأ التذويب والتوحيد القسري, واحترام حقوق الإنسان والجماعات والتنوع الثقافي. وفي ضوء ما يقدّمه العالم المعاصر على صعيد هذه الأمور, فإن حزب العدالة والتنمية (كما يدل اسمه عليه) لن يكون ظالماً ومهمّشاً لفئة كردية تشكل نحو خمس سكان تركيا. ومن المهم أن يسعى إلى حل بالتفاهم مع الجيش يجنب تركيا الانفصال من جانب والاضطهاد من جانب آخر!
إن التعاطي مع مثل هذا الموضوع يشكل تحدياً جوهرياً لأردوغان ولوعيه التاريخي خصوصاً أنه موضوع متصل بدول الجوار (العراق وسورية وإيران).
ثانياً - التحديات الخارجية :
وهي ليست بأقل صعوبة وحدّة من التحديات الداخلية ونشير إلى خمسة منها:
1 - الدخول إلى الأسرة الأوروبية - وهو ما يتفق عليه زعيما الحزبين الفائزين في الانتخابات. فالدخول إلى السوق الأوروبية أولوية بالنسبة إلى القيادة التركـية الجـديدة لأنه العامل الأول في إنهاض تركيا اقتصادياً. وقد عمل أردوغان وسيعمـل على تطـمين الأسـرة الأوروبية التـي لا تـزال إلى الآن تمـانع في دخول تركيا إليها لأسباب مبدئية (احترام حقـوق الإنسان - الممارسة الديمقراطية - الأقليات). غير أن صحيفة (لوموند) ذكّرت بكـلام للمستشار الألماني السابق هلموت كول قال فيه : إنه يفضل أن تبقى أوروبا (نادياً مسيحياً)! ومهما يكن فإن دخول تركيا إلى الأسرة الأوروبية سيناقش في قمة كوبنهاغن. والأكيد أن هذا الاحتمال لن يكون سهلاً... وإن لم يكن مستحيلاً!
2 - الاستمرار في السياسة الدفاعية للأطلسي - تشكّل تركيا الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي. وسيكون على أردوغان أن يوفق بين التوجّهات الإسلامية العامة (في موقفها من الغرب والعولمة ومحاربة (الإرهاب)) وبين التزامات تركيا الأميركية والأوروبية. وأولى تجارب هذا الاختبار ستكون عبر الأزمة العراقية وسعي أميركا لإسقاط نظام صدام حسين , مما يرتب على تركيا اتخاذ مواقف صعبة ودقيقة وخطرة يقتضي فيها التوفيق بين مشاعر الشعب التركي والتزامات تركيا العسكرية وهذا ليس سهلاً.
3 - تجديد العلاقة بالولايات المتحدة: تعتبر الولايات المتحدة الحليف الأول لتركيا منذ زمن الحرب الباردة. ولعل آخر نموذج لهذه العلاقة حث أميركا صندوق النقد الدولي لتقديم قروض إلى تركيا بقيمة 31 بليون دولار. إضافة إلى الدعم العسكري والمناورات والعمليات المشتركة بين البلدين. ومن نماذجها التعاون الكامل في حرب الخليج الثانية. وتسعى أميركا لإدخال تركيا في الأسرة الأوروبية وتضغط على الأوروبيين في هذا الاتجاه. ولديها قواعد في تركيا أبرزها قاعدة أنجرليك المعروفة. وتزداد هذه العلاقة صعوبة مع ازدياد التباعد بين أميركا والعالم الإسلامي على خلفية أحداث 11 أيلول (سبتمبر) والحرب ضد الإرهاب! وفي هذا المفترق بالذات يتوجب على أردوغان أن يجد الوسيلة المناسبة لاحتواء مثل هذا التباعد جاعلاً هدفه مصالح تركيا في عالم اليوم.
4 - تحجيم العلاقة بإسرائيل: لقد توصلت إسرائيل إلى شبه تحالف استراتيجي مع القيادات التركية السابقة: التنسيق العسكري, التمارين المشتركة, سماء تركيا للطيران الإسرائيلي (تدريب), عتاد عسكري, إصلاح معدات عسكرية (طائرات ودبابات)... ولا ننسى مسألة بيع المياه إلى إسرائيل من نهر افنانات! وطبيعي أن مثل هذه العلاقة لن تستمر كما كانت من قبل بل سيجري تحجيمها, على الأرجح, من دون قطعها. ذلك أن قطعها يفتح مشكلة مع أميركا وأوروبا أيضاً. فأردوغان لا يستطيع لأسباب نفسية ودينية وسياسية أن يسـتمر في (تدليل) إسرائيل داخل تركيا. كما أنه لا يستطيع إعلان عدائه للدولة العبرية لأسباب دولية وعسكرية وربما قومية (ذات علاقة بدول الجوار التركي). وعليه سيحاول كالعادة أن يـصل إلى نآلف بين المتناقضات وهذا ليـس بالأمر السهل ولا بالأمر اليسير! أما الإسرائيليون فقد رأى بعضهم في هذا التحول (كارثة حقيقية)!
5 - حلّ مشكلة قبرص - وهي مشكلة تطرح نفسها باتجاه الداخل التركي من جانب, وكونها أحد شروط دخول تركيا إلى الأسرة الأوروبية من جانب آخر. ذلك أن دخول قبرص إلى الأسرة مرهون بموقف تركيا من القسم الشمالي من الجزيرة: بين الفيدرالية والكونفيديرالية ودور الأمم المتحدة حول وضعية الجزيرة القانونية. فما الذي سيكون عليه موقف أردوغان من قبرص خصوصاً أنها نقطة اللقاء والافتراق في العلاقات التركية - اليونانية. وهناك حرص ظاهر للتفاهم بين قيادتي البلدين على معالجة هذه المشكلة. لكن مثل هذه القضايا لا تحل بالنيات الطيبة فقط!
_________________________
هل يمكن نقل تجربة حزب العدالة والتنمية التركي إلى العالم العربي، أم أنها تجربة خاصة بتركيا؟

وإذا كان العديد من المراقبين يرى في تطور أفكار أردوغان وزملائه خصوصية تركية، بمعنى أن له علاقةً بتاريخ تركيا وقوة الأطراف العلمانية فيها وخصوصا الجيش، فإن البعض الآخر يرى فيه نموذجا مغريا للأحزاب الإسلامية في العالم العربي.

فبدأت كثير من الدعوات في العالم الغربي والإسلامي التي تطالب بتعميم تجربة حزب العدالة كنموذج لـ"الاعتدال" في الإسلام حتى تجاسر عدد كبير من الكتاب والمثقفين على إطلاق مصطلح "العلمانية المؤمنة" على أيدلوجيا الحزب وتوجهاته السياسية .

أمّا الأحزاب والمثقفون الإسلاميون في العالم العربي فقد انقسموا إلى اتجاهين رئيسين :

الأول – (المعارض) أنّ حزب العدالة والتنمية قد تحول من حزب إسلامي إلى حزب علماني بسبب تخليه نهائيا عن الشعار الإسلامي وقبوله الكامل بالرؤية السياسية والاقتصادية الليبرالية الغربية (التي تتضح من البرنامج الانتخابي للحزب ومن تصريحات قياداته مثل إعلانه تأييده لمسيرة السلام العربية – الإسرائيلية و أقر بالعلمانية على مستوى الأفكار والبرامج وأعلن بأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على رأس أولوياته واستجاب الحزب لبرامج صندوق النقد الدولي بالكامل)

الثاني – (المؤيد) رأى فيها تجربة عملية بامتياز تتسم بالابتعاد عن الجمود على الشعارات والمواقف السياسية والانتقال إلى مرحلة السياسة الشرعية المبنية على المصلحة السياسية والوطنية وتقديمها لرؤى واقعية تستند إلى لغة الأرقام والمعلومات . ولم ير هذا الاتجاه أن حزب العدالة والتنمية قد تخلى عن هويته الإسلامية وإنما استطاع تحويل قواعد الصراع مع العسكر التركي والخروج من الحلقة المفرغة في خبرة الأحزاب الإسلامية التركية مع العسكر.

تقييم لأراء المهتمين فيما حدث : -

الاحتمال الأول : ظن الفريقان أنّ قادة حزب العدالة والتنمية قد تخلوا فجأة وبتواطؤ كبير عن الخيار الإسلامي واتفقوا على الخيار العلماني الليبرالي، وقد تنكبوا عن خط الحركات الإسلامية وهو احتمال يبدو ضعيفا للغاية بالنظر إلى العمر الزمني لقادة الحزب الجدد وهم في أغلبهم من الشباب المثقف المتعلم، وأيضا بالنظر إلى تاريخهم القريب، والذي يؤكد على تمسكهم بالإسلام والذين كانوا بمثابة جزء رئيس من الصف الأول والثاني والثالث من قادة حزب الرفاه والفضيلة الإسلاميين

الاحتمال الثاني : فهو أن الحزب ما زال يتمسك بالهوية الإسلامية وبالشعارات التقليدية للحركات الإسلامية، وأن كل ما حصل في عملية "إعادة الهيكلة الفكرية والسياسية" ما هو إلا تكتيك في إطار اللعبة السياسية الداخلية، وهذا الاحتمال يصطدم كذلك بكثير من الحقائق أبرزها البرنامج الانتخابي للحزب وتصريحات قادته ومؤتمراتهم الصحفية، بل وتأكيدهم أن الخيار الفكري والسياسي الحالي هو خيار استراتيجي لا رجعة عنه، وأنه تم بعد تفكير طويل وعميق من قبل مؤسسي الحزب.

الاحتمال الثالث : يبدو أقرب إلى الموضوعية في قراءة تجربة الحزب، ويبتعد بنا عن دائرة الجدل والاختلاف في الفواصل بين التكتيكي والاستراتيجي بين الردة السياسية والفكرية وبين البراجماتية العملية ويضعنا أمام ملحوظة رئيسية وهي ضرورة قراءة تجربة العدالة والتنمية في إطار شروطها الموضوعية والذاتية، وعدم فصلها عن تلك الظروف والتي من أهمها :

1 - وضعت إطار الصراع - بين العلمانية والعسكر من جهة وبين المجتمع وهويته الإسلامية من جهة أخرى - محددا عاما لأفاق التجربة السياسية التركية.

2 - حالة العجز التي تنتاب الخطاب السياسي الإسلامي وعدم استناده إلى الدراسات المعرفية ( برنامج الحزب يغلب عليها الطابع الليبرالي نعم وإن كان هناك استدراكات عليه في البعد الاجتماعي بما يجعل أفكار الحزب أقرب إلى الليبرالية الأوروبية المعتدلة [ الرفاه الاجتماعي ] من الليبرالية الأمريكية المحضة )

3 - هذه بالفعل رؤية الحزب للخيارات والبدائل للمشكلات الكبرى التي تعصف بتركيا في أن الحل للأزمة الاقتصادية هو اللجوء إلى المؤسسات الدولية ومشاريع الخصخصة والهيكلة العامة للاقتصاد وهو ما يعكس خصوصية هذه التجربة.
___________________
الدروس المستفادة من حزب العدالة والتنمية:

بغض النظر عن اختلاف الآراء فإن الحركات السياسية الإسلامية والأحزاب أيضًا مطالَبة بالاستفادة من التجربة التركية، وأهم هذه الدروس المستفادة:

· العمل في ظل ظروف صعبة بالغة القسوة مع عدم الرضا بالواقع المرّ؛ أملاً في تغييره، مع التدرج في تغييره، والنفس الطويل والصبر الجميل.

· القدرة على بناء حزب سياسي حقيقي مفتوح لكل المواطنين، يُشعِر كلَّ من ينتمي إليه بقدرته على المشاركة في القرار، والاستفادة من عضوية الحزب، وأن الحزب يمثِّل مظلةً وطنيةً للجميع في ظل القواسم المشتركة.

· الحوار والتنافس مع القوى السياسية من مختلف التيارات حتى تلك المغالية جدًّا والمتشددة في عدائها لكل ما هو إسلامي، وعدم القطيعة معها، واحترام ثقلها ووجودها السياسي؛ أملاً في تحييدها أو تغييرها إلى الأفضل، فإن لم يكن فأملاً في تحجيم وزنها السياسي وليس شطبها من الحياة السياسية، بشرط إلزامها بالدستور والقانون، ولا شك أن عدم نزول مظاهرات مضادة إبَّان اشتداد الأزمة الرئاسية كان قرارًا حكيمًا وصائبًا.

· الحفاظ على التوازن في العلاقة مع المؤسسات الوطنية المهمة كالجيش والمخابرات والقضاء ورجال الأعمال والصناعة وعدم الصدام معها.

· التعبير عن مصالح الغالبية العظمى من الشعب والدفاع عن حقوقه القانونية والدستورية، والسعي إلى تحقيق العدل والمساواة والدفاع عن الحريات العامة.

· الإصلاح الاقتصادي اليوم هو المفتاح السحري لكسب ثقة الشعب، فلا شكَّ أن هناك مؤشراتٍ اقتصاديةً حقَّقتها حكومة حزب العدالة والتنمية خلال أقل من 5 سنوات من خفض العجز والتضخم، ونموّ الدخل القومي، ونسبة نموّ عالية، وكانت بداية ذلك هو ما أعلنه أردوغان في خطاب الفوز الكبير عندما قرر الاستمرار في مقاومة وحرب الفساد وكشف المافيا، وعندما يواجه الإسلاميون الفساد فإنهم يحاربون على نفس جبهة الاستبداد، فهما قرينان وشريكان في إفساد المجتمعات، وعلى الحركات والأحزاب الإسلامية بناء تصوُّر اقتصادي واقعي للحرب على الفساد والمافيا وبناء اقتصاد وطني وقومي سليم.

· التواضع وخفض الجناح وعدم الغرور شرط الاستمرار في النجاح.

· بناء علاقة جيدة مع الغرب والخارج بعيدًا عن الصفقات السرية وفي العلن مع موقع القوة الشعبية، مع عدم الرضوخ للإملاءات والشروط المجحفة، بل تقوم هذه العلاقة على الاحترام والقيم المشتركة والمصالح المشتركة؛ من أجل بناء حضارة إنسانية، وتحقيق الأمن والاستقرار في العالم كله.

· إن إقناع الغرب لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة في العلاقات الدولية، وإن الغرب عليه أن يغيِّر من نظرته إلى الإسلام كعقيدة، ويحترم حق المسلمين في اختيار طريقة حياتهم وشريعتهم التي تحكمهم، ولا يفرض عليهم نظامًا معينًا، على عكس ما يقوله بوش بأن المتطرِّفين الإسلاميين هم الذين يريدون تغيير نظام الحياة في الغرب.

· العمل على وجود مجتمع مدني مستقل وقوي بعيدا عن الاختلافات السياسية والتيارات الحزبية على صعيد الحراك (الاجتماعي – الاجتماعي ، الاجتماعي – الاقتصادي ) أي استحداث مؤسسات يتم إنشاءها ترعى كافة الاحتياجات الشعبية سواء كانت اجتماعية ( عمل خيري ، بر ......) أو اقتصادية ( جمعيات حقوق المستهلك ، ومحاربة الغلاء ، ...) أو فنيه ( محبي الفنون ، المحافظة على البيئة ، ........... ) وغيرها ......... دون الاصطدام مع السلطة ، أي من منطلق اهتمامات الشعب وذلك لتوسيع دوائر مشاركة الجماهير ذات الاتجاهات والاهتمامات المختلفة في عملية إصلاح المجتمع وأيضا في تنمية شعور الانتماء للدولة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق