الثلاثاء، 15 يوليو، 2008

هل يغزو الإسلام المدارس الأمريكية؟


أمل خيري

"الجهاد الناعم".. عودة الإسلاموفوبيا..
هل يغزو الإسلام المدارس الأمريكية؟



ما زال شبح أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 يلاحق الأمريكيين في حربهم على الإرهاب، والتي يروج لها بشدة صناع القرار الأمريكيون، وفي الوقت الذي يظهر فيه الكثيرون مزيدا من التفاؤل بشأن نجاح هذه الحرب الكونية ضد الإرهاب تصاعدت أصوات أخرى تؤكد أن الخطر القادم لا يتمثل في إرهاب السلاح، بل فيما يسمى إرهاب الفكر.
فيرى بعض المحللين الأمريكيين أن الإرهاب الإسلامي قد طور في وسائله، ففي حين فشلت الهجمات الإرهابية المسلحة اتجه الإسلاميون إلى ساحة الفكر والأيديولوجيا، والتي يمكنها أن تقصم ظهر الديمقراطيات الغربية وتضربها في مقتل دون إراقة قطرة دم واحدة، وفي إطار هذا التوجه ارتفعت العديد من الأصوات التي تحذر من موجات غزو فكري إسلامي في المدارس الأمريكية، أطلق البعض عليها مصطلح "الجهاد الناعم"، إشارة إلى مد إسلامي في المدارس العامة في أمريكا، ورأى هؤلاء أن أول ضحايا هذا الجهاد هم الأطفال في المراحل الابتدائية والمتوسطة، وأن هذا "الغزو الأيديولوجي الإسلامي" قد انتشر في التعليم الأمريكي، سواء في الكتب المدرسية أو المناهج الدراسية أو في عروض الأفلام أو المحاضرات التدريبية للمعلمين، مما يشكل نوعا من الاعتداء على التعليم العام في أمريكا واختراقا منظما له.
تعليم أم تلقين؟
سينامون ستيلويل
ومن بين هذه الأصوات كتبت "سينامون ستيلويل" دراسة حول الاختراق الإسلامي للتعليم العام في أمريكا بعنوان "الإسلام في المدارس الأمريكية العامة: تعليم أم تلقين؟"[1]، وأوردت سينامون العديد من الأمثلة لتؤكد مزاعمها حول هذا الاختراق، ومن أهمها:
أن الطلاب في مدرسة "فريندزوود" بهيوستن قد أجبروا في شهر مايو الماضي على حضور عرض للتوعية الإسلامية في الوقت المخصص لحصة التربية البدنية، وتم العرض في حضور ممثلين عن مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية، وقد ذكر الطلاب أنهم تعلموا في هذا العرض أن هناك إلها واحدا يطلق عليه لفظ "الله"، وأن آدم ونوحا وعيسى أنبياء، كما تعلموا أيضا أن هناك خمس صلوات في اليوم، وأن الفتيات يجب أن يرتدين الحجاب، وبالطبع لم يتم إخطار أولياء الأمور بهذا العرض قبل تقديمه، مما أدى لتقديم العديد من الشكاوى التي انتهت بمجرد خطاب اعتذار[2].
وفي مطلع هذا العام شهدت إحدى المدارس الثانوية بمقاطعة سيمينول محاضرة ألقاها متحدثون من أكاديمية تعليم الإسلام تحت عنوان "التنوع الثقافي"[3]، والتي امتدت لتشمل مناقشة تفصيلية حول الإسلام والقرآن في الوقت الذي لم يتم فيه إخطار أولياء الأمور بهذه المحاضرة فارتفعت الشكاوى التي انتهت بتغطية إعلامية وتحقيق رسمي أدان هذه المحاضرة واعتبرها انتهاكا للقانون الأمريكي.
فوبيا الإسلام
ورصد مجلس الصحافة في العام الماضي مشروعا مدرسيا بمدرسة "إمهيرست" بمقاطعة نيو هامبشير، حيث أقيم مخيم سعودي مفتوح تم فيه فصل الأولاد عن البنات وقاموا بنصب الخيام العربية، وارتدى الأولاد الجلباب والعقال السعودي، في حين ارتدت الفتيات العباءات السعودية السوداء، كما قام الأولاد بتقديم المشروبات مع بث مباشر من إذاعة القرآن الكريم، والتي عرضت تلاوات من القرآن والصلاة من الحرم المكي، ورأت سينامون في ذلك نوعا من الإرهاب الفكري، خاصة تجاه الفتيات -حسب ما تقول- اللاتي أجبرن على هذه التقاليد السعودية التي تمنع مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية.
أما أكاديمية طارق بن زياد بمقاطعة منيسوتا فتعد إحدى المدارس الإسلامية المستقلة على الرغم من قيامها بدفع الضرائب الحكومية، فقد سلطت الكاتبة كاترين كريستن[4] الضوء على أنشطة المدرسة وأثارت المخاوف بشأن التمويل العام للتعليم الديني العلني، حيث تمارس شعائر العبادات داخل المدرسة وترتدي الفتيات الزي الإسلامي ويتعلم الطلاب القرآن الكريم ويتناولون الأطعمة الحلال فقط.
وكانت المحطة التلفزيونية المحلية قد قامت بعرض تقرير مصور من داخل المدرسة مبرزا المخاوف حول وجود هذه النوعية من المدارس في أمريكا، مما دفع بوزارة التعليم في ولاية منيسوتا لإجراء تحقيق حول خطورة هذه المدرسة.
ويستمر الجدل بشأن تأسيس أكاديمية جبران خليل الدولية بنيويورك التي تدرس اللغة العربية، حيث دفعت الضغوط العديدة على مديرة المدرسة السابقة "ديبي المنتصر" للاستقالة بعد أن دافعت عن طبع شعار الانتفاضة على "تي شيرتات" قامت ببيعها بعض الناشطات العربيات، وقامت بتفسير كلمة انتفاضة، ومازالت المخاوف حول هذه المدرسة، ويرى البعض أن تعليم اللغة العربية يسهم في تفريخ أجيال جديدة من المتشددين إسلاميا، والذين هم وقود مستقبلي للإرهاب.
وفي الوقت نفسه حذر البعض من وجود ثلاثة أئمة في مجلس إدارة مدرسة جبران خليل، أحدهم الشيخ خالد لطيف الذي أرسل رسالة تهديد لرئيس جامعة واشنطن احتجاجا على الرسوم الدنماركية المسيئة للإسلام، مما دفع بالعديد من أولياء الأمور لتبني حملة لوقف هذه المدرسة ووقف الدعم الحكومي لها[5].
غزو المناهج
وأكدت سينامون أن هذا "الغزو الإسلامي" لم يقتصر على الأنشطة المدرسية فقط، بل امتد للمناهج الدراسية المتداولة في المدارس الأمريكية العامة بتدريس الإسلام والتاريخ الإسلامي.. فمؤسسات مثل مجلس التعليم الإسلامي ومركز مصادر العالم العربي والإسلامي أخذت على عاتقها مهمة فحص وتعديل الكتب الدراسية في المدارس العامة بشكل مباشر، ولذا فقد ثارت التساؤلات حول هذه المؤسسات وأجندتها الأيديولوجية؛ وهذا ما دفع جلبرت سيوال مدير المجلس الأمريكي للكتب المدرسية[6] لكتابة سلسلة من المقالات للتحذير من التدخلات الإسلامية في المناهج الأمريكية، ختمها بتقرير أصدره الشهر الماضي بعنوان "الإسلام في الفصول المدرسية.. ماذا تخبرنا الكتب المدرسية؟"[7]، حيث أكد أن نتائج مراجعة الكتب المدرسية كانت مرعبة، فهناك أخطاء وأجزاء من المناهج تفتقر للدقة، حيث تعظم من شأن الإسلام في الوقت الذي تحقر فيه الأديان الأخرى وتعاديها.
ورأى جلبرت أنه إذا كان تعليم التلاميذ الإسلام في حصص الدراسات الدينية شيئا مناسبا، فإن الغرض يكون مشكوكا فيه حين تعرض المعلومات بهذه الصورة، ومن بينها ما عرض في كتاب "التاريخ على قيد الحياة: العالم في القرون الوسطى وما بعدها"، والذي صدر عن معهد مناهج المعلمين TCI، ونجح أولياء الأمور بأريزونا في استبعاده من المناهج الدراسية منذ عام 2005، ولكنه ما زال يدرس في ولايات أخرى ويحوي مئات الصفحات عن تمجيد تاريخ المسلمين في العصور الوسطى.
اختراق سعودي
وتسود الاعتقادات أن هذه المناهج تأتي بتمويل سعودي مع توجيه الاتهامات للحكومة الأمريكية بتغاضيها عن هذه الاختراقات طالما تدخل الأموال السعودية خزائنها، فعلى حد قول ستانلي كيرتز[8]: إن الحكومة الأمريكية تدفع الأموال لمركز دراسات الشرق الأوسط الذي يقوم باعتماد المناهج الدراسية الأمريكية، ولكن في الحقيقة السعوديون هم من يمولون هذا المركز ويعدون هذه المناهج، بينما الحكومة الأمريكية تغط في النوم.
ويرى البعض أيضا أن السعودية تقوم بتمويل وتصميم الدورات التدريبية للمعلمين، وللتدليل على ذلك يسوقون الأمثلة حول ما تقوم به مؤسسة الوليد بن طلال من تمويل مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون، والذي يقدم ورشا تطويرية احترافية لمعلمي المدارس العامة، وهذه الورش تقدم بالمجان، بل يتخللها تقديم وجبة مجانية، ويرى الصحفي الأمريكي بول سبيري[9] أنه ليس من المستغرب أن تظل سوزان دوجلاس مستشارة تربوية في مجلس التعليم الإسلامي لأكثر من عقد، والمعروف عنها أنها درست الدراسات الاجتماعية في الأكاديمية الإسلامية السعودية في فايرفاكس، حيث ما زال زوجها يقوم بالتدريس هناك، وهذه الأكاديمية قد خضعت للتحقيقات بدعوى تحريضها على الكراهية والتعصب تجاه غير المسلمين، وهذا ما دعا بول سبيري لمهاجمة مركز التفاهم الإسلامي المسيحي، حيث يؤكد أن وجود سوزان دوجلاس في قائمة موظفي هذا المركز مدعاة للقلق نظرا لخلفيتها الوهابية، على حد قوله.
وترى "سينامون" أنه مما يثير السخط أننا في الوقت الذي ما زالت فيه جماعات أمريكية تدعو لفصل الدين عن الدولة ومنع تدريس المسيحية في المدارس نجد مثل هذا الصعود الإسلامي في نفس الساحة مع الصمت الحكومي؛ مما يؤكد أن "الدولار السعودي" قد أخرس الألسنة؛ وتؤكد أنه لا سبيل لمكافحة إساءة الحكومة لاستخدام المدارس العامة والمناهج الحكومية إلا بإشراك المجتمع المحلي، وذكرت أن هناك العديد من التحالفات من أولياء الأمور قد نجحت بالفعل في تعديل بعض المناهج وممارسة نوع من الضغط على السياسات الحكومية.
أما النائبة المتطرفة بمجلس النواب الأمريكي سو ميرك[10] فقد وجهت دعوة للرئيس الأمريكي بعنوان "10 نقاط لاستيقاظ أمريكا" وشملت دعوتها لإصلاح المناهج السعودية، وهي دائما تركز على نظرية الجهاد التي نادرا ما يفهمها الساسة الأمريكيون على حقيقتها، على حد قولها.
ولا شك أن كل هذه الرؤى والاتجاهات الأمريكية تعبر عن ذعر حقيقي تجاه خطر الغزو الفكري المزعوم، وتدل هذه الأفكار على الرؤى السلبية المسبقة عن الإسلام والنظر إليه بافتراضات ذهنية خاطئة دون محاولة النظر إليه نظرة موضوعية والتعرف الصحيح عليه، كما أنها توضح الاتجاه السائد لدى بعض الأمريكيين باستبعاد الإسلام من خلال التعتيم عليه وإلا فما الذي يخيف الأمريكيين من تعرف الطلاب على انجازات الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى أو التعرف على حقيقة هذا الدين سوى أنهم يكرسون لمزيد من الفهم الخاطئ للإسلام خاصة لدى الأجيال الناشئة التي يجب أن تتشرب كراهية الإسلام والمسلمين وهذا بالتأكيد ليس في صالح الدعوات للتقارب الثقافي أو الحضاري بل إن كل هذه الاتجاهات تسير في اتجاه صدام الحضارات كما بشر به صمويل هنتنجتون منذ تسعينيات القرن الماضي وما زال المفكرون والكتاب يروجون له حتى اليوم.

[6]أنشئ المجلس الأمريكي للكتب المدرسية عام 1989 لمراجعة كتب الدراسات الاجتماعية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق