الأربعاء، 16 يوليو، 2008

الأكراد شعب يبحث عن وطن

أمل خيري

قضى الأكراد أكثر من 25 قرنا من الزمان بحثا عن وطن وعن هوية ، فهم شعب بذل الجهد والمال والدماء في سبيل قضيته وفي سبيل تحقيق حلمه في إنشاء دولة تجمع أبنائه ولكن حلمه لم يتحقق أبدا ، والأكراد شعب شديد التمسك بإسلامه شديد التمسك بكرديته وهويته القومية.

جغرافية المكان

تعتبر كردستان هي الموطن الحقيقي والتاريخي للأكراد على مستوى العالم والمنطقة عبارة عن مساحات شاسعة تمتد من بحيرة أورمية في أقصى الشمال الشرقي إلى ملطية في الجنوبي الغربي بمسافة حوالي 900 كيلو مترا ويبلغ عرض المنطقة 200 كيلو متر ، وتمتد المنطقة بين خطي عرض 34 و39 درجة شمالا و37 و46 درجة شرقا، والإقليم محاط بموانع طبيعية عبارة عن سلسلة جبلية شاهقة تحيط بثلاث جهات أما الجنوب الغربي فيشمل على عدة هضاب تنفجر منها العيون وسهول ترويها الأنهار تجعل المنطقة صالحة للزراعة وقد ساعدت هذه الطبيعة الجغرافية الإقليم على احتفاظه بالاستقلال الذاتي وتصديه للغزاة وتقع معظم أراضي كردستان في تركيا وإيران والعراق.

وتتراوح مساحة كردستان بين 409,650 كيلو متر مربع وتحتل المنطقة موقعا استراتيجيا من الناحية الجغرافية إضافة إلى احتوائها على ثروات بترولية ومعدنية هائلة ويجري في كردستان نهرا دجلة والفرات وروافد نهر دجلة مثل الزاب الكبير والزاب الصغير وسيروان ونهر آراس وبتليس وبوتان وجاما سياب وجانماتو إضافة إلى بحيرة وان وبحيرات اورميا وخافرار وزيفار وغيرها.

كردستان التاريخ

وتعود كلمة كردستان إلى آخر الملوك السلاجقة الذي يدعى سنجار حيث أطلق الاسم على إحدى مقاطعات مملكته في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي ، وتعاقبت على حكم كردستان العديد من الإمبراطوريات والدول بداية من السلوقيين إلى البارثيين ثم الفرس ثم البيزنطيين ثم فتحها العرب وتناوبت السلالات الكريدية ثم الشهرمانية وكذلك السلاجقة والمغول، ويذكر أن الأكراد قاوموا بشدة غزو هولاكو عام 649هـ/ 1252م والذي تمثلت مهمته في القضاء على اللصوص الأكراد على حسب مصادرهم التاريخية، وعلى الرغم من أن الأكراد قتلوا عشرين ألف مغولي أمام قلعة أربيل إلا أنهم هزموا في النهاية، كما قاوم الأكراد تيمورلنك عام 802هـ/ 1400م، وقاوموا كذلك الفاتحين العرب حتى اعتنقوا الإسلام فأصبحت كردستان جزءا من ممالك الخلافة الإسلامية من عام 14-656هـ/ 636-1258م ومنذ قيام الدولة العثمانية ارتبطت مصائر الأكراد بتركيا مما تسبب في اشتداد معاناتهم وذبح الآلاف منهم، وعندما قامت الحرب العالمية الأولى خاض الأكراد غمارها رغم أنهم لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل واشتركت القبائل الكردية في القتال وأصيبت بخسائر جسيمة وبعد معاهدة سايكس بيكو انضم لواء الموصل إلى العراق فانتقل جزء من كردستان إلى العراق وهو أقل من الربع بقليل وبقى أكثر من النصف في تركيا والباقي في إيران ومن هذا الشتات والتمزيق نشأت بذور القضية الكردية وبدأت رحلة شاقة لشعب يبحث عن شتاته ووطنه الذي تمزق إلى أشلاء.

جذور الأكراد

تتفرع الأمة الكردية إلى أربعة شعوب هي : كرمانج وكوران ولور وكهلر وهم من أقدم الشعوب الآرية التي أقامت مدنية وأنشأت حضارة بارزة في هضبة إيران والبلاد المحيطة بها وفرضت سيطرتها على القبائل الآرية وفرضت لغتها الكردية وقد أطلق على اللغة الكردية لغة البلهلوان أي لغة الأبطال أو المحاربين وتؤكد المراجع الفارسية أن كلمة كرد تعني في الفارسية البطل أو المحارب أو الشجاع ، وقد اعتنق الأكراد الزرادشتية قبل الإسلام وما زال هناك من يدينون بها حتى اليوم وان كان عددهم لا يتجاوز بضع مئات ويعود انتشار الإسلام في كردستان إلى خالد بن الوليد وعياض بن غنم.

وعلى الرغم من أن الأكراد لم يكونوا يوما أمة مهملة أو بعيدة عن الأحداث إلا أن هناك غموضا عفويا ومتعمدا يكتنف تاريخهم بحيث يحيط به اللبس والسرية تصل أحيانا لدرجة التعتيم وتعددت النظريات التي تناولت أصل الأكراد وأقربها نظريتان تتلخصان فيما يلي:

· ما ذهب إليه بعض المستشرقون بانتساب الأكراد إلى منظومة زاجروس باعتبارهم من الجنس القوقازي وأن تاريخهم يبدأ مع ظهور السومريين والأكاديين.

· ما ذهب إليه جزء آخر من المستشرقين الذين يؤكدون أن الأكراد ينتسبون إلى عناصر آرية هاجرت نحو زاجروس واندمجت مع بقايا شعوب المنطقة .

ويذكر المستشرق دراور أن كاردا وكاردوخي وكورتوخي وكاردو وكاردا وغيرها كلها أسماء مختلفة للأمة الكردية القديمة، والكرد هم الشعب الوحيد في تلك المنطقة الذي تمكن من الصمود أمام كل جيش وحافظ على صفاء دمه ولغته حتى النهاية .

ويقدر بعض المؤرخين أن عدد الأكراد في الشرق الأوسط يزيد عن خمسة وعشرين مليون نسمة نصفهم في تركيا والبعض في إيران والعراق إلى جانب وجود عدد كبير مندمج في سوريا وأذربيجان كما يعيش 45 ألف كردي في الاتحاد السوفيتي السابق بين أرمينيا وباكو وارينان.

النشاط الاقتصادي

يعشق الكردي الأرض ويلتصق بها لذا فإن أهم نشاط اقتصادي للأكراد هو الزراعة حيث تنتشر البساتين والموالح والأشجار خاصة التوت الذي يستغل في تربية دودة القز ونحل العسل إلى جانب بساتين الخضروات والفاكهة والمحاصيل الأخرى كالذرة والقمح والشعير والسمسم والقطن والكتان وغيرها.

كما يعد إقليم كردستان من المناطق الغنية بالثروة المعدنية والمناجم مثل الذهب والفضة والنحاس والقصدير والبترول والرصاص والفحم كما يوجد مناجم للحديد ومنابع للمياه المعدنية ، ورغم وجود هذه المناجم والمعادن فما تزال الصناعة في كردستان متأخرة حيث تنعدم الصناعات الثقيلة بسبب الظروف السياسية في المقابل تنتشر الصناعات اليدوية والخفيفة ومن أهمها السجاد والشيلان والستائر والعباءات والأقمشة المطرزة ، إضافة إلى بعض الصناعات الجلدية ودباغتها وتشتهر كردستان بالنقش على المعادن وزخرفتها كما تنتشر صناعة الأسلحة اليدوية .

أما النشاط الثالث فيتمثل في الرعي حيث يعشق الكردي الجبال والصحراء ويرتبط بالماشية التي يربيها وتنتشر المراعي الخصبة في أنحاء كردستان ، وتغطي معظم الزراعات والصناعات اليدوية حاجة الأكراد ويفيض البعض فيصدر للخارج مثل الزبيب وعسل النحل والفواكه المجففة وشمع العسل والجبن والأسماك المملحة والصوف والجلود وأنواع الحرير الخام.

العادات والتقاليد

وتجمع الأكراد مجموعة من العادات والتقاليد المشتركة مثل عادات الارتحال والزواج والصيد والاحتفالات الدينية وتجمعهم مجموعة من الأساطير والخرافات والأدب الشعبي إلا أن أهم ما يجمعهم اللباس الكردي والرقص الكردي فللأكراد رقص خاص يسمونه الخشبي يشبه الدبكة الشامية ،أما الزي الوطني للرجال فيشمل الكفا باتول ويشبه المعطف والبشتد الذي يحمل الأسلحة على الخصر والبتش والذي يعقد على الرأس كالعمامة والكراس الشبيه بالقميص ولكن بدون ياقة، أما النساء الكرديات فيلبسن ملابس جميلة أهم أجزائها الكفا والكراس والبشتد والطراحة والدرية والكلاف.

والأكراد مسلمون سنيون في غالبيتهم الساحقة منذ القرن السابع الميلادي وقد أسهم الإسلام في تطوير المجتمع الكردي وتاريخ الأكراد وقام الأكراد بدور كبير في العهود الإسلامية وقدموا خدمات جليلة ،

وفي أواخر القرن السادس عشر الميلادي ظهرت وثيقة كردية هامة تحمل اسم الشرف نامة أي التاريخ المشرف وتتحدث عن تعلق الأكراد بالحرية حيث لم يتنازل الأكراد عن الأرض أثناء الحكم العثماني بل كانوا يقدمون الهدايا والجيوش والخدمات للدولة العثمانية دون التنازل عن الأرض.

ويتحدث الأكراد اللغة الكردية مع لهجات متعددة ويستعمل الأكراد الكردية في التعامل اليومي وقد استطاعت الكردية مقاومة كل محاولات طمسها.

الشخصية الكردية

ويتميز الكردي بالشجاعة والعناد والإباء والمثابرة والكبرياء القاسي حتى مع نفسه فهو من سلالة شعب متكبر جبل على الاستقلال ورفض الخضوع للغير ولا تنفصل شخصية الكردي عن حياة أرضه فقد ارتبط بالأرض والصحراء وحياة البداوة علمته عادة الحل والترحال وعلمته الصبر على المكاره وربته على شظف العيش والخشونة كما يمتاز الكردي بالوفاء والاستقامة والصدق والعطف على الأهل والولاء لولاة الأمور والكردي بصفة عامة عاطفي انفعالي سريع الغضب والرضا ويشتهر باحترام النساء ويعتبر تعدد الزوجات من الظواهر النادرة ، والمرأة الكردية أكثر تحضرا وايجابية ومشاركة في حياة الأسرة ولها بصمة مميزة على تربية أولادها.

وينقسم المجتمع الكردي إلى أربع طبقات:

· أبناء المدن وهم الطبقة المتوسطة من الموظفين.

· أبناء العشائر وهم قاطنو القرى والجبال.

· الرؤساء وهم الأمراء والأغوات والباكوات.

· المتعلمون وهم الطبقة المستنيرة وهم قلة في المجتمع.

والمجتمع القبلي ينقسم لبطون وأفخاذ وأقوى وأهم عشائر الأكراد الجبليين : عشيرة الجاف ، بشدر، زنكنة ، الطالبانية ، الكاكائية، البابان ، اليزيدية، الهماوند .

وهذه العشائر هي التي تشكل المجتمع الكردي وتضم معظم وحداته العسكرية المقاتلة ومن بين أبنائها يخرج الزعماء والقادة والثوار وترتبط هذه العشائر مع بعضها بحكم العصبية القبلية والمصاهرة والعاطفة الدينية ويشتهر الأكراد بالتهرب من التجنيد لانعدام الشعور بالمواطنة لديهم.

الأزمة الكردية

يخوض الشعب الكردي منذ ثلاثة قرون نضالا سياسيا ويؤسس الجمعيات ويقوم بالثورات ، إلا أنه يمكن القول أن القومية الكردية والحركة التحررية القومية للشعب الكردي قد ظهرتا في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، وخلال الحرب الروسية – التركية 1243-1244هـ/ 1828-1829م عمت الثورة بلاد الأكراد وتحولت لثورة شعبية، وفي عام 1258هـ/ 1843م قامت ثورة بدرخان باشا والتي كانت تستهدف تأسيس حكومة كردية والتخلص من الظلم العثماني، كما نشبت ثورة وطنية في عام 1298هـ/ 1881م بقيادة الشيخ عبيد الله النهري الذي خدعه الأتراك بدعوته لاسطنبول للتفاوض معه حيث ألقي القبض عليه.

ونتيجة لنمو الفئة المثقفة الكردية شهد النضال الكردي نقلة نوعية ففي عام 1315هـ/ 1898م صدرت أول جريدة كردية في القاهرة كما تأثر بعض الوطنيين الأكراد بأفكار جمال الدين الأفغاني محمد عبده وساهم الأكراد في الثورة الإيرانية عام 1322هـ/ 1905م من أجل الدستور وتدخلت الجيوش الروسية لسحق الثورة فاتجه الأكراد للتعاون مع جمعية الاتحاد والترقي التركية فتأسست جمعية الرجل الكردي، وأثناء الحرب العالمية الأولى حاول بعض الزعماء الأكراد الاتصال بالروس لمساعدتهم في تحرير كردستان جاهلين باتفاقية سايكس بيكو إلا أن انهيار الإمبراطورية الروسية بعد ثورة البلاشفة كشف هذه الاتفاقية فتجددت آمال الشعب الكردي ، وفي 1337هـ/ 1919م قام الشيخ محمود بحركة مسلحة ضد القوات البريطانية التي استطاعت إخماد ثورته ، وفي معاهدة سيفر عام 1338هـ/ 1920م منحت الأكراد نوعا من الحكم الذاتي إلا أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ مطلقا بل لقد تمزقت الأمة الكردية بالسياسات الاستعمارية ووقعت الانتفاضات الكردية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين وارتبطت الحركة الوطنية باسم الشقيقين أحمد والملا مصطفى البارزاني ، وفي 10 صفر 1365هـ/ 13 يناير 1946م أعلنت جمهورية كردستان في مهاباد ولم يعترف بها سوى الاتحاد السوفيتي وتم قمع الثورة ونفي قائدها إلى موسكو ثم ظهر جلال الطالباني وظلت المساجلات بين الأكراد والحكومات العراقية المتعاقبة حتى أزمة الخليج الثانية حيث سارع الأكراد للثورة لإسقاط النظام العراقي الذي تصدى للثورة بقمعها مما أدي لنزوح أكثر من مليوني كردي نحو الأراضي التركية والإيرانية ومن هنا بدأت مشكلة اللاجئين الأكراد وما زالت الأزمة الكردية تتفاقم وما زال الأكراد يبحثون عن وطن يبدو أنهم لن يحصلوا عليه أبدا.

----------------
1. أحمد تاج الدين ، الأكراد تاريخ شعب وقضية وطن ، القاهرة: الدار الثقافية للنشر ، 2001

2. نبيل زكي ، الأكراد الأساطير والثورات والحروب ، القاهرة: مطبوعات كتاب اليوم، العدد 8، 1991

3. عزيز الحاج ، القضية الكردية في العراق التاريخ والآفاق ، بيروت: المؤسسة عربية للدراسات والنشر، 1994



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق