الثلاثاء، 27 يناير، 2009

الوقود الحيوي.. المخاطر والفرص

أمل خيري



Image

لعب إنتاج الوقود الحيوي ضمن عوامل ومتغيرات أخرى على المستوى الدولي دورا في ارتفاع أسعار الأغذية إلى أعلى مستوياتها منذ سبعينيات القرن العشرين وتسبب ذلك في انعكاسات كبيرة على الأمن الغذائي لفقراء العالم، جاء ذلك فيما رصده تقرير حالة الأغذية والزراعة الصادر تحت عنوان "الوقود الحيوي: الآفاق والمخاطر والفرص". عن منظمة الفاو نهايات عام 2008.

يؤكد التقرير أن حالة الأغذية والزراعة في العالم لهذا العام لا تبشر بالخير حيث تواجه العديد من التحديات ومن أهمها ارتفاع أسعار الأغذية بشكل حاد نتج عنه العديد من أعمال الشغب في كثير من الدول خلال عام 2008 حيث قدرت الزيادة بالأسعار بـ 64% عن عام 2002 مما دفع حكومات أربعين دولة لفرض تدابير طارئة مثل فرض ضوابط على أسعار الأغذية أو فرض قيود على تصدير الأغذية، كما انخفض حجم المعونات الغذائية إلى أدنى مستوى لها منذ أربعين عاما.

ويشير التقرير إلى بعض العوامل المتسببة في ارتفاع الأسعار ومن بينها ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب ارتفاع أسعار البترول وتناقص الإنتاج بسبب بعض العوامل المناخية وتزايد الطلب على المواد الوسيطة المنتجة للوقود الحيوي، تزامن ذلك مع انخفاض المخزون العالمي من الحبوب الغذائية؛ كل هذه العوامل أدت للارتفاع الجنوني لأسعار الأغذية مما أدى لزيادة زعزعة الأسواق العالمية.

ويشكل إنتاج الوقود الحيوي السائل مصدرا رئيسيا للطلب على المنتجات الزراعية حيث تتراوح تقديرات الطلب من 3% - 30%، وتشير التوقعات إلى زيادة الطلب على الوقود الحيوي خلال العقد المقبل والذي من المرجح أن يدفع أسعار السلع الزراعية للارتفاع بنسبة تتراوح بين 12 – 15%.

فقد ارتفعت أسعار الزيوت النباتية إلى الضعف منذ عام 2000 كما ارتفعت أسعار السلع الغذائية الأساسية ارتفاعا كبيرا بالنسبة للدخل منذ عام 2005 فالقمح ارتفع بنسبة قدرها 61% والذرة بنسبة 32% والأرز بنسبة 29%، وترتب على ذلك انخفاض القوة الشرائية وبالطبع فإن المستهلكين ذوي الدخل المنخفض هم الأكثر تأثرا.

الوقود الحيوي والزراعة

ما زالت المنتجات الحيوية التقليدية بما في ذلك خشب الوقود والفحم النباتي وروث الماشية توفر مصادر هامة للطاقة في كثير من أنحاء العالم، والطاقة الحيوية هي مصدر الطاقة المهيمن بالنسبة لمعظم السكان شديدي الفقر، حيث يتم استخدامها أساسا في الطهي إلا أن تكنولوجيات التحويل الأكثر تقدما وكفاءة تتيح حاليا استخراج الوقود الحيوي السائل من تلك المنتجات.

والوقود الحيوي يمكن أن يستخرج من مخلفات تصنيع الأغذية والألياف والأخشاب والمحاصيل قصيرة الدورة الزراعية ومخلفات الغابات ويعتبر الوقود الحيوي من مصادر الطاقة المتجددة باعتباره شكلا من أشكال الطاقة الشمسية المتحولة. ويمكن تصنيف الوقود الحيوي عدة تصنيفات فهو إما سائل أو صلب أو غازي ويمكن تصنيفه إلى وقود حيوي أولي (غير مصنع) وآخر ثانوي مصنع ويستخدم عادة في النقل.

وأبرز أنواع الوقود الحيوي الإيثانول الذي يشتق من أي مادة وسيطة تحتوي على كميات كبيرة من السكر، وزيت الديزل الحيوي الذي ينتج بمزج الزيت النباتي أو الدهون الحيوانية بالكحول، والزيت النباتي المباشر الذي ينتج من المحاصيل الزيتية أو زيوت الطهي بعد استعمالها في المطاعم، وكل هذه الأنواع يشار إليها على اعتبار أنها الجيل الأول من الوقود الحيوي.

وفي المقابل ظهر الجيل الثاني من الوقود الحيوي، والذي يستخدم مخلفات الزراعة كالقش والعيدان والأوراق والغابات وتفل قصب السكر ونشارة الخشب التي تقاوم التحلل أكثر من النشا والجلوكوز والزيوت ونظرا لتوافر هذه المواد الوسيطة فإن إنتاج الجيل الثاني يمكن أن يؤدي لحدوث زيادة كبيرة في حجم وتنوع المواد الوسيطة المستخدمة كما يمكن أن يقلل من انبعاث غازات الاحتباس الحراري مقارنة بالوقود النفطي أو الجيل الأول من الوقود الحيوي.

الوقود الحيوي وحرب الموارد

لن يؤدي بالضرورة إنتاج الوقود الحيوي من محاصيل غير غذائية للقضاء على المنافسة بين الغذاء والوقود، حيث تتنافس المواد الخام للوقود الحيوي مع المحاصيل الزراعية الأخرى على موارد الإنتاج، فقطعة أرض زراعية يمكن أن تستخدم في زراعة الذرة لإنتاج الإيثانول أو زراعة القمح لإنتاج الخبز، والمُزارع لا يهمه سوى الحصول على الأرباح الأعلى لذا فإن أسعار الطاقة ستؤثر في الغالب على أسعار جميع السلع الزراعية الأساسية التي تعتمد على نفس الموارد.

وباستثناء الإيثانول الذي ينتج في البرازيل من قصب السكر لا يستطيع الوقود الحيوي بشكل عام منافسة أنواع الوقود الأخرى بدون الحصول على إعانات ودعم حكومي لذا تشجع حكومات منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي إنتاج الوقود الحيوي من خلال سلسلة من التدابير والسياسات ومن أهمها تقديم الإعانات والتعريفات الجمركية والحوافز الضريبية والاستثمار في أعمال البحث والتطوير للحد من التكلفة، كما بدأت بعض الدول النامية في العمل على تشجيع إنتاج الوقود الحيوي.

ويشير التقرير إلى أن أهداف الحكومات في اتباع هذه السياسات كانت الحد من التعرض للتأثر بتقلبات الأسعار أو انقطاع إمدادات الوقود، وتزايد القلق بشأن تغير المناخ، والرغبة في دعم قطاع الزراعة وزيادة الطلب على المنتجات الزراعية ولكن في معظم الحالات كانت هذه السياسات باهظة التكاليف وأضافت اختلالات جديدة في الأسواق الزراعية على المستوى المحلي والعالمي.

أسواق الوقود الحيوي

سيظل الوقود الحيوي يمارس ضغطا على أسعار السلع الغذائية لفترة مقبلة رغم كونه عاملا واحدا من عوامل عديدة تقف وراء الزيادة بأسعار السلع الزراعية، حيث من المتوقع أن يستمر التزايد السريع في طلب وعرض الوقود الحيوي رغم استمرار محدودية حصته في إمدادات وقود النقل بوجه عام.

ويتوقع التقرير أن تظل البرازيل ودول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية أكبر منتجي الوقود الحيوي السائل نظرا لما تقدمه من دعم وتمويل، ولكنها في المقابل تفرض أعباء كبيرة على دافعي الضرائب والمستهلكين كما أن السياسات التجارية الخاصة بالوقود الحيوي تتحيز غالبا ضد الدول النامية المنتجة للمواد الوسيطة وتعوق نشوء قطاعات تصنيع وتصدير الوقود الحيوي في هذه الدول لذا يلزم وضع ضوابط للسياسة الدولية فيما يتعلق بالوقود الحيوي منعا لتكرار فشل السياسة العالمية القائمة حاليا في القطاع الزراعي.

الاحتباس الحراري

دائما ما يثور الجدل بشأن التأثيرات البيئية للوقود الحيوي سلبا وإيجابا فالوقود الحيوي وإن كان يساهم في خفض انبعاث غازات الاحتباس الحراري إلا أن هناك وسائل أخرى أكثر فعالية وأقل تكلفة لخفض هذه الانبعاثات مثل استخدام أشكال الطاقة المتجددة أو الاقتصاد في استهلاك الطاقة أو التوقف عن إزالة الغابات وتدهور الأراضي الذي يساهم بشكل كبير في زيادة انبعاث غازات الاحتباس الحراري.

لذا ينبغي البحث عن المواد الخام الأقل تكلفة بيئيا واجتماعيا لإنتاج الوقود الحيوي كالاستعاضة عن المحاصيل السنوية بمواد وسيطة معمرة مثل زيت النخيل أو الجاتروفا أو الأعشاب المعمرة، كما أننا في حاجة لاتباع ممارسات زراعية جيدة لتقليل الآثار السلبية لإنتاج الوقود الحيوي مع الاستعانة بالحوار الدولي للكشف عن العواقب الدولية السلبية والإيجابية لتنمية قطاع الوقود الحيوي.

الفقر والأمن الغذائي

ويرصد التقرير تأثيرات الوقود الحيوي على الفقر والأمن الغذائي حيث يشير إلى أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية سيكون له انعكاساته على ازدياد معدلات الفقر في البلدان النامية خاصة الدول المستوردة الصافية للأغذية حيث سيجهد ارتفاع الأسعار فواتيرها الخاصة بالواردات الغذائية كما سيكون له تأثير سلبي على الأسر الفقيرة خاصة في الريف لذا فإنه يجب إقامة إجراءات مناسبة لضمان حصول الفقراء على الغذاء.

ومن ناحية أخرى فقد يتيح إنتاج المواد الخام للوقود الحيوي فرصا لإدرار الدخل للمزارعين ويتطلب هذا دعما حكوميا من خلال التمويل الريفي، وستضمن مشاركة القطاع الخاص إقامة مزارع كبيرة يمكنها أن تستفيد من مشاركة أصحاب الحيازات الصغيرة المنتجين للمواد الخام ويتوقف ذلك على توفير البيئة السياسية والقانونية الملائمة، ويجب على الحكومات وضع المعايير الواضحة وتطبيق السياسات الفعالة لحماية المجتمعات المحلية الضعيفة.

ويستعرض التقرير تحليلا لسيناريوهين بديلين بخصوص إنتاج الوقود الحيوي وتأثيره على الأمن الغذائي وهما:

1.حدوث زيادة في الطلب على الحبوب الخشنة والسكر والزيوت النباتية من أجل إنتاج الوقود الحيوي بنسبة 30% بحلول عام 2010 وفي هذه الحالة يتوقع ارتفاع سعر السكر بنسبة 26% والذرة بنسبة 11% والزيوت النباتية بنسبة 6% وستكون التأثيرات أقل حدة بالنسبة للأرز والقمح.

2.حدوث انخفاض في الطلب على هذه السلع الأساسية من جانب الوقود الحيوي بنسبة 15% بحلول عام 2010 وفي هذه الحالة ستقل أسعار الذرة بنسبة 5% والزيوت النباتية بنسبة 3% والسكر بنسبة 10% .

ويؤكد التقرير في نهايته أن الوقود الحيوي وإن كان سيحل محل نسبة متواضعة من استخدام الطاقة الأحفورية (البترول والغاز والفحم) على مدى العقد المقبل فإن تأثيراته على الزراعة والأمن الغذائي ربما تمثل تهديدا للأمن الغذائي للفقراء إن لم تتضافر الجهود الدولية في معالجة التحديات والفرص التي يمثلها الوقود الحيوي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق