الثلاثاء، 28 مارس، 2006

العزوبية: اكتئاب أم استثمار في بنك الحسنات؟!


تحقيق- أمل خيري.........................

العنوسة آفة خطيرة أصابت كل المجتمعات، وإن اختلفت درجة ظهورها من مجتمعٍ لآخر، ففي مصر أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن ارتفاع نسبة العنوسة حيث وصلت إلى 9 ملايين شاب وفتاة تجاوزوا سنَّ الخامسة والعشرين حتى الخامسة والثلاثين، وتسعة ملايين أخرى تجاوزوا سن الخامسة والثلاثين دون زواج، في حين بلغت هذه النسبة في الكويت 18% وارتفعت إلى 20% في البحرين والإمارات.

وقد توصلت دراسة أجرتها الباحثة نوال أبو الفضل الخبيرة الاجتماعية إلى أن سن الخامسة والعشرين بالنسبة للرجل، وسن الثانية والعشرين بالنسبة للفتاة هي بداية مرحلة الشعور بالخوف من الحرمان من الزواج، وهي بداية همّ العنوسة عند الفتاة المتعلمة، وأن هذه السن تقل بنسبة سبع سنوات عند غير المتعلمات والمتعلمين، كما أن تفاعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية مع معيار تأخر سن الزواج يؤدي بالضرورة إلى القلقِ النفسي وعدم النضج الاجتماعي وأحيانًا الاكتئاب.

إلا أنَّ هناك بعضَ الفتيات نجحن في اجتيازِ هذه الأزمة عن طريقِ الانغماس في العملِ الخدمي والسعي لتحقيق رسالة في الحياة.
عزوبية مثمرة

تقول مها (37 عامًا): كنت أعمل محفظةً للقرآن بأحدِ المعاهد الأزهرية صباحًا وباقي اليوم أقضيه في مللٍ وبلا هدف حتى جاءتني دعوة للمشاركة في جمعية لرعاية الأيتامِ، وفي البداية عارضت أسرتي ولكن بعد تجربة حوالي شهر شعروا جميعًا بمدى التغييرِ في حياتي ومدى تفاؤلي فتركوني أكمل رسالتي.

وتؤيدها رشا (35 عامًا) فتقول: بعد تخرجي من الجامعةِ وجدتُ زميلاتي يتزوجن واحدةً تلو الأخرى بينما لم يُقدَّر لي الزواج فتناسيتُ الأمرَ وقررتُ استثمارَ وقتي حتى يأتيني رزقي فحفظتُ القرآنَ وتطوعتُ كأمٍ بديلةٍ في إحدى دور رعاية الأيتام وقد شغلوني بفضلِ الله عن التفكيرِ في أمرِ الزواج وأشعر الآن أنني صاحبة رسالة.

(ن- ف) أيضًا منذ تخرجها شغلت نفسها برعايةِ الأيتام في أحد فروع الجمعية الشرعية؛ حيث كانت تواظب على حضورِ يوم الجمعة المخصص للأيتام وظلت تُشرف على هذا اليومِ لسنواتٍ طويلة وبعد بلوغها الأربعين قدَّر الله لها الزواج دون أن تسعى إليه.
رعاية الوالدين

بينما نجد (عفاف) نموذجًا للمرأةِ التي رفضت الزواج لرعايةِ والدتها المريضة، وفي هذه الأثناء واظبت على حفظِ القرآن في دارِ الأرقم حتى ختمته وبعد أن تعدَّت الخامسة والأربعين تُوفيت والدتها فانتسبت إلى إحدى دور الأيتام كأمٍ بديلةٍ وبعد أقل من عامٍ تقدَّم لها أرملٌ لديه ثلاثة أطفال فوافقت عليه لكي ترعى هؤلاء الأيتام وتستكمل رسالتها.
وعندما لم تجد الحاجة زينب (52 عامًا) في خُطَّابها الشخصَ الملتزم انطلقت في مجالاتِ العمل الخيري من رعايةٍ لأسرٍ فقدت عائلها إلى مساعدةِ الفقراء في المناطقِ العشوائية، والآن تقوم على رعايةِ والديها المسنين ولم ينقطع عطاؤها الخيري.

الداعية منى دهب أيضًا لها تجربة مشابهة؛ حيث رفض أهلها تزويجها ممَن تقدموا إليها في بدايةِ حياتها؛ لأنهم من النوبةِ ولديهم عادات ثابتة وهي تزويج الفتاة من نفس القبيلة، وبالتالي ضاع عليها كثيرٌ من الفرص؛ لأنه لم يتقدم إليها أحدٌ من نفسِ القبيلة ولكنها أتمَّت حفظ القرآن بل وختمته وتقوم الآن بالتحفيظِ في إحدى دور التحفيظ وأيضًا هي واعظة من واعظاتِ الجمعية الشرعية ونموذج للجدِّ والعطاء وبذل المال واستثماره في خدمةِ الإسلام.
وتقول منى: لقد علمتُ من قراءتي للسيرةِ النبوية أنَّ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود لم يتزوج، فأنا دائمًا أدعو الله بقولي: "اللهم إن لم تقدر لي الزواج في الدنيا فاجعل لي عبد الله بن مسعود زوجًا في الجنة".
أنكحوا الأيامى

وتؤكد الداعية أم عبد الله أن مشكلة العنوسة لم تكن موجودة في عصر صدر الإسلام حيث كان النبي يحض على تزويج الأيامى ممن ليس لهن زوج حتى اللاتي لم يحظين بقدرٍ من الجمال كن يتزوجن بفضل الله، فيُروى أن السيدة أم أيمن كانت زنجية حبشية كما كانت عَسْرَاءُ اللِّسَانِ وقد مات زوجها عبيد بن زيد الخزرجي. فقال الرسول- صلى الله عليه و سلم: "مَن سرَّه أن يتزوج امرأةً من أهل الجنة، فليتزوج أم أيمن"، فتزوجها زيد بن حارثة فولدت له أسامة بن زيد.

وعلى النقيضِ نجد نموذج الشاب الذي لا يجد مَن يزوجه لفقره وهو الصحابي الجليل جليبيب حيث جاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فتبسم عليه الصلاة والسلام، لما رآه، وقال: "يا جليبيب أتُريدُ الزواج؟ فقال يا رسول الله: مَن يُزوجني، ولا أسرة عندي، ولا مالَ، ولا دارَ، ولا شيءَ من متاع الدنيا. فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب إلى ذلك البيتِ من بيوتِ الأنصار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمركم أن تُزوجوني"، فذهب وطرقَ عليهم الباب وكانوا من الأنصار، فخرج ربُّ البيت، ورأى جُليْبيبًا وهيئته وفقره وعوزه، فقال له ماذا تريد؟ فأخبره الخبر، فعاد إلى زوجته، فشاورها، ثم قالوا: ليته غيرُ جليبيب؛ لا نسبَ، ولا مالَ، ولا دارَ، فشاوروا الفتاة فقالت: وهل نردُّ رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فتزوج بها.
دواء قرآني

وتُعلق الداعية كريمة قمر على هذه النماذج فتقول ما كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك إلا تطبيقًا لقوله تعالى ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾ (النور) وعلى الرغم من أنَّ مشكلةَ العزوبية هذه لم تكن موجودة في هذا الوقت إلا أن الإسلام قد أوضح علاج هذه المشكلة في سياقِ الآيات نفسها؛ لأن القرآن بالطبعِ علاجٌ لمشكلاتِ كل العصور فقال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النور: من الآية 33) ويتمثل العلاج في النقاط التالية:
- سؤال الله من فضله مع الإلحاح في الدعاء.

- الاستعفاف وموجباته من صيام أو اجتهاد في الطاعة أو متابعة مجالس علم أو حفظ القرآن.

- أثبتت الآية أن الزواج رزقٌ من الله عز و جل ويجب الاطمئنان إلى أنَّ الرزقَ يسعى وراء صاحبه ولن تموت نفس إلا بعد استحقاقه، ففي حديث النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب".

لذلك على الفتاة التي فاتها الزواج أن تجدَ لنفسها السلوى عن ابتلائها بالنظرِ لأخرياتٍ تزوجن ولم يكن لهنَّ نصيبٌ في زيجاتٍ موفقة وهؤلاء خسارتهن أكبر من خسارتها هي، فبعض الزوجات محطمات نفسيًّا وماديًّا ولكن لا تُفكر إحداهن في الانفصالِ نتيجةَ الضغوطِ الأدبية والمعنوية التي قد تُعانيها، ويُعاني البعض الآخر من الطلاق بعد أن يرزقها الله بالأبناءِ فتتضاعف همومها؛ لذلك كله نبهنا الرسول الكريم في حديثه الشريف إلى النظر لمَن دوننا "انظروا إلى مَن هو دونكم ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم فإنه أجدرُ ألا تزدروا نعمةَ الله عليكم".
تبادل العطاء

أيضًا من بابِ أنَّ النفسَ إن لم تشغلها بالحقِّ شغلتك بالباطل، فعلى هذه الفتاة أن تشغل نفسها بعملِ الخير والعطاء؛ لأنَّ العطاءَ دائمًا له مردود حتى على الشخص نفسه فحينما تُفكِّر الفتاة أنها محرومة من الدفء الأسري مثلاً فإنَّ غيرها محرومٌ من أشياءَ أخرى كاليتيم المحروم من الأبِ أو الأرملة المحرومة من الزوج أو الأسرة المحرومة من عائلها فإذا تبادلنا العطاء نجد العوضَ لكل الأطرافِ، فمثلاً ستجد العوضَ في بسمةِ طفلٍ صغيرٍ أو في أسرة تدخل على قلبها السرور، وبالتالي عندما ترى مصائب الناس تستصغر ما هي فيه وتشعر أيضًا أنها صاحبة رسالة وهدف.

وتضيف كريمة: إن على الفتاة أيضًا أن تُفكِّر فيم سيعود عليها إن تركت نفسها للاكتئاب والعزلة، وفي المقابل تحسب المزايا التي ستعود عليها من إدخالِ السرور على مسلم.. "مَن لقي أخاه المسلم بما يحب يسره بذلك سرَّه الله عز وجل يوم القيامة".

ولتحسب مثلاً عددَ الحسنات التي ستنالها من التربيتِ على رأس طفل يتيم"مَن مسح على رأس يتيم فله بكل شعرة مرت عليها يده حسنة".. وبالتالي يجب أن نُربي الفتاةَ على أنَّ الغايةَ الكبرى والهدف الأسمى الذي خُلقت من أجله هو عبادة الله عزَّ وجل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات) والتاريخ الإسلامي حفل بنماذج من النساء الفضليات اللاتي لم يكن الزواج بالنسبة لهن الغاية الأولى بدليل أن السيدة أم هانئ ابنة عم النبي بعد فرار زوجها يوم فتح مكة عندما تقدم لها النبي اعتذرت له بأدب؛ لأنَّ لديها أطفال فقالت:"يا رسول اللَّه! لأنتَ أحبُّ إليَّ من سَمْعِي وبَصَرِي، وحقُّ الزوج عظيم؛ فأخشى إن أقبلتُ على زوجي أن أضيع بعضَ شأني وولدي، وإن أقبلتُ على وَلَدِي أن أضيع حق الزوج".
الشهيدة الحية

فلم يكن الزواج لهن نهاية المطاف بل هو وسيلة من الوسائل التي تساعد على الوصول إلى الله، وكان هذا الزواج يأتي عرضًا دون أن يسعين إليه أو يوقفن حياتهن عليه، وعندنا النموذج الرائع للشهيدة الحية السيدة أم ورقة حيث حفظ لها التاريخ مشهدًا رائعًا ليس للزوج فيه دور فقد كانت قارئة مجيدة للقرآن، واشتهرت بكثرة الصلاة، وقد جعل لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مؤذنًا يؤذن لتقوم بإمامةِ النساء في بيتها ويروى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما غزا بدرًا قالت له أم ورقة: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك، أمرض مرضاكم لعلَّ الله أن يرزقني الشهادة، قال: "قرّي في بيتك؛ فإنَّ الله تعالى يرزقك الشهادة".

وأصبحت تعرف بالشهيدة، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا أراد زيارتها اصطحب معه ثلة من أصحابه وقال لهم: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة"، كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يزورها اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كانت أم ورقة تملك غلامًا وجارية، كانت قد وعدتهما بالعتق بعد موتها، فاستعجلاً موتها، وذات ليلة قاما إليها فقتلاها، وهربا فلما أصبح عمر- رضي الله عنه- قال: والله ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة فدخل الدار فلم ير شيئًا، فدخل البيت فإذا هي ملفوفة في قطيفةٍ في جانب البيت فقال: صدق الله ورسوله، ثم صعد المنبر فذكر الخبر، وقال: عليَّ بهما، فأتى بهما فكانا أول مصلوبين في المدينة.
مسئولية فردية

ويقول الداعية الإسلامي الشيخ المحمدي عبد المقصود: إنَّ المرأةَ هي نصف المجتمع وفي اعتقادي أنَّ صلاحَ المرأة حجر الزاوية في المجتمع كله والمرأة المسلمة الآن أصبحت داعية ومشاركة في العمل السياسي والاجتماعي، ويجب على المرأة ألا تكتفي بالمشاركة السلبية أو الانعزال عن المجتمع بل يجب عليها أن تحافظ على مكاسبها التي اكتسبتها وتستثمر وقتها في المشاركة في الجمعيات النسائية والتربوية أو الخدمية أو الجمعيات التي تسعى لإصلاح المجتمع؛ لأن المرأةَ بوجودها تحدث نوعًا من الحيويةِ والنشاط بل إنها تزيد الدافعية والحماسة لدى الرجال ليقوموا بواجباتهم تجاه المجتمع والمرأة إن لم تثبت ذاتها فلن يسعى أحد لإثباتها لها لا زوج ولا أب ولا ابن فهي ستسأل وتحاسب عن نفسها ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)﴾.
لا للاكتئاب

وترى الدكتورة نادية رجب السيد- رئيس قسم الإرشاد والتوجيه الأسري بجامعة الأزهر- أنَّ الفتاةَ التي تأخر بها سن الزواج هي فتاة طبيعية ويجب أن تحيا حياةً طبيعيةً حتى وإن فاتها قطار الزواج فعليها أن تستثمر وقتها وتحاول أن تخرج نفسها من إطار العزلةِ والاكتئاب؛ وذلك بأن تشترك في النوادي الاجتماعيةِ والجمعيات الخدمية والأهلية التي تحتاج لجهودِ الشباب كمراكز رعاية المعاقين أو ملاجئ الأيتام.. فيجب أن تنضم لمثل هذه الأنشطة لتخرج طاقتها ولا تترك نفسها لفكرةِ العنوسة التي ترتبط بالانعزال والاكتئاب فنجدها مثلاً من أجل التخلص من هذا اللقبِ قد تُلقي بنفسها في زواجٍ غير مناسب فهنا تحدث المشاكل والانفصال فتشعر بمرارة مزدوجة.

ويجب ألا تيأس الفتاة فالزواج قد يأتي في أي عمر والحياة لا تنتهي بالزواج؛ لأن الزواجَ ليس نهاية المطاف، وفي الحديث: "يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

فالحديث الشريف وجَّه الشاب أو الشابة هنا إلى أن يحصنا أنفسهما ويعصما أنفسهما إن لم يتيسر لهما الزواج وليس أبلغ من العصمةِ والإعفاف من شغلِ الفراغ فيما ينفع ويفيد؛ لأنَّ الأبحاثَ والدراسات أكدت أنَّ وقت الفراغ من الأسبابِ التي تؤدي إلى الشعور بالاكتئاب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق